تمكنت مبادرة شبابية في إحدى قرى مديرية المسراخ جنوبي محافظة تعز من إعادة الحياة إلى مدرسة عبدالله بن عمر بعد أن كانت على وشك الإغلاق، بسبب تهالك جزء من المبنى وافتقاره لأبسط مقومات العملية التعليمية، ما اضطر عدد من الطلاب إلى افتراش الأرض أو تلقي دروسهم في الهواء الطلق.
المبادرة وفرت للطلاب فرصة جديدة للعودة إلى مقاعد الدراسة، لتتحول المبادرة إلى نموذج حي على قدرة العمل التطوعي في مواجهة التحديات، وإحياء الأمل في التعليم داخل المناطق الريفية المحرومة.
ويروي رئيس المبادرة، توفيق عبد الله عقلان، لـ”ريف اليمن”، حالة المدرسة المتهالك، ويقول إن أحد الفصول كان بلا جدار رابع، بينما خلت المدرسة من السبورات والمقاعد، واضطر الطلاب إلى تلقي دروسهم وهم يجلسون على التراب، لافتا أن هذا الواقع دفع عددا من شباب المنطقة إلى البحث عن حلول، رغم محدودية الإمكانات وغياب أي دعم مؤسسي.
مواضيع مقترحة
- من الأمية للتمكين.. كيف غيّر التعليم حياة نساء شبوة؟
- تعز.. مبادرات في موزع وسامع لتعليم الأطفال
- التعليم في لحج.. تحذيرات من تفشي الأمية
إمكانات بسيطة
انطلقت المبادرة بجهود تطوعية خالصة، اعتمدت على مساهمات أبناء المنطقة وتبرعات فردية جمعها أعضاء الفريق من معارفهم وأصدقائهم، قبل ان تجد دعما من وقف توبلوم التركي، في إطار تعزيز الشراكة المجتمعية والدولية لدعم التعليم، وبحسب عقلان فإن كل عضو بذل ما يستطيع لتوفير الدعم، حتى تحولت المبادرة من فكرة بسيطة إلى عمل جماعي هدفه إنقاذ المدرسة ومنع توقف التعليم.
مؤكدا أن البداية لم تكن سهلة، إذ واجه القائمون على المبادرة انتقادات وتشكيكا من بعض أفراد المجتمع، خصوصا خلال أعمال الهدم والترميم، إلا أنهم واصلوا العمل حتى بدأت نتائج المبادرة تظهر على أرض الواقع.
ويقول إن المبادرة أسهمت في توفير سبورات لعدد من الفصول، ودعم رواتب معلمات متعاقدات، الأمر الذي ساعد على انتظام الدراسة وتحسين البيئة التعليمية، رغم استمرار الحاجة إلى إعادة تأهيل بقية مباني المدرسة.
الأستاذ عبدالجليل شرف، الذي أمضى 27 عاما في التدريس بالمدرسة، يؤكد أن المؤسسة التعليمية كانت على وشك التوقف الكامل، ويقول لـ”ريف اليمن”: “كنا نفتقد الأدوات التعليمية، كما عانت المدرسة نقصًا حادًا في الكادر التدريسي، وهو ما انعكس على مستوى التعليم واستمرار الدراسة.”
ويرى أن المبادرة أحدثت تحولًا ملموسًا، إذ أسهمت في تحسين البيئة التعليمية، وإعادة عدد من الطلاب الذين كانوا مهددين بالانقطاع عن الدراسة.

أما الطالب محمد طارق عبد القادر (18 عامًا)، من الصف الثاني الثانوي، لم يكن التغيير مجرد تحسين في المبنى، بل تحول في تجربته التعليمية، إذ يقول: “كنا ندرس تحت الأشجار، ونفتقد أبسط الوسائل التعليمية، أما اليوم فقد أصبح لدينا معلمون وفصول أكثر ملاءمة للدراسة، ويضيف أن أكثر ما يقدره هو استمرار المعلمين في أداء رسالتهم رغم الظروف الصعبة، معبرًا عن طموحه في أن يصبح مهندسًا في المستقبل.
ويؤكد طارق عبد القادر أحمد عقلان، أحد أولياء الأمور أن وضع المدرسة قبل المبادرة كان يثير قلق الأسر، خشية انقطاع أبنائهم عن التعليم بسبب تردي الأوضاع، ويقول إن التدخل المجتمعي أعاد الأمل للأهالي، وشجع الطلاب على العودة إلى الدراسة والانتظام فيها بصورة أفضل.
ممثل وقف توبلوم التركي، توفيق عبد الله أحمد، قال إن التدخل جاء استجابة للأوضاع المتدهورة التي كانت تعيشها المدرسة، وشمل إنشاء فصل دراسي متكامل إلى جانب توفير عدد من الاحتياجات الأساسية، واصفا المبادرة بأنها تجربة ناجحة يمكن الاستفادة منها في مدارس ريفية أخرى تواجه ظروفًا مشابهة،
وإلى جانب ذلك، تكفلت المبادرة بتوفير رواتب مدرستين للسنة الثالثة ضمن مشروع، إقرأ، وتوزيع أقلام ودفاتر وبرايات على الطلاب، ضمن جهودها لدعم التعليم وتعزيز الحماس الدراسي.

وتشهد العملية التعليمية في اليمن تدهورا مستمرا بفعل الحرب التي تدخل عامها الحادي عشر، إذ كان آخر توظيف حكومي للمعلمين عام 2012، ومنذ ذلك الحين تناقص الكادر تدريجيا بسبب الوفاة أو النزوح أو ترك المهنة للبحث عن مصدر رزق بديل.
وتعكس تجربة الأهالي قدرة المبادرات المجتمعية على إحداث تغيير حقيقي، حتى في ظل شح الإمكانات، ففي الوقت الذي تواجه فيه المدارس الريفية تحديات كبيرة، يثبت العمل التطوعي أن الإرادة المحلية قادرة على إعادة الحياة إلى الفصول الدراسية، ومنح الطلاب فرصة لمواصلة تعليمهم وصناعة مستقبلهم.
وخلال سنوات الحرب لعبت مبادرات الأهالي دوراً محورياً في سد الفجوة التعليمية والخدمية التي خلّفتها الحرب وغياب الدولة، حيث أسهمت في إعادة فتح المدارس المتهالكة، وتوفير معلمين متطوعين، فضلا عن مبادرات في مجال الطرقات والمياه وغيرها، وأصبحت ركيزة أساسية في ظل الظروف الاستثنائية.
بحسب الأمم المتحدة فإن “حوالي 8.1 مليون شابا وشابة في سن الدراسة يحتاجون إلى الدعم العاجل لمواصلة تعليمهم. ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة فإن غالبية الآباء يشعرون بأنه ليس لديهم خيار سوى إلحاق أطفالهم في الأشغال والعمل”، مشيرةً إلى تدهور البنية التحتية، إذ تم تدمير أكثر من 2500 مدرسة أو إتلافها أو استخدامها لأغراض أخرى.





