على طريق جبلية وعرة في مديرية جبل حبشي بريف تعز، لم تكن «أم مازن» تحمل طفلها الصغير على ظهرها فحسب، بل كانت تسوق أمامها بقرتها وثلاثاً من الأغنام، وهي تتلفت ذعراً كلما دوّى صوت انفجار في الوادي.
بالنسبة للمرأة الريفية، لم تكن تلك المواشي مجرد ممتلكات تنشد إنقاذها، بل كانت آخر ما تبقى من شريان حياتها وكرامة أسرتها التي جرفتها جولة القتال الأخيرة، قبل أن ينتهي بها المطاف نازحةً نحو التجمعات النائية في مديرية الشمايتين.
تستعيد «أم مازن» ذاكرة الأيام الأولى قبل النزوح، مشيرة إلى أن حياتهم كانت بسيطة، حيث كان مصدر رزقهم الوحيد تلك الأرض وما تجود به مواشيهم. وتضيف لـ «ريف اليمن» أن البقرة كانت ساقية الحياة لأطفالها، ولم يكونوا يطمعون بكنوز الدنيا.
مواضيع مقترحة
- الحرب والنزوح تزيد من ظاهرة ‹ترييف المدن› اليمنية
- ديوان شيخ القرية.. سلطة اجتماعية تملأ غياب الدولة
- نزاعات الأراضي.. عبء يلتهم اقتصاد الأسر الريفية
ونزح سكان القرى الواقعة شمال وغرب مديرية جبل حبشي، خصوصا عزلة الشراجة حيث كان قرار الفرار أشبه بتجرّع السم؛ إذ ظلوا يكابرون حتى سقطت القذائف فوق البيوت المجاورة واقتربت أصوات الموت، من مختلف الجوانب. وفق ما قالت «أم مازن».
وعن شعورها خلال رحلة الهروب وسط خطوط النار، مع بقرتها وأغنامها فوق الشعاب الجبلية الوعرة قالت بأنه ‹رعب لا تقوى على حمله الجبال لقد عشنا اتعس أيام حياتنا›.
من ملاذ آمن إلى خط مواجهة
قصة «أم مازن» واحد من معاناة وأوجاع النزوح في القرى اليمنية، إذ شهد شهر يوليو/ تموز 2026 بداية تحول عاصف في مسار الصراع في اليمن، حين اشتعلت المواجهات بعد مرحلة من الهدوء النسبي الذي استمر منذ هدنة أبريل/ نيسان 2022.
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى أدى تصاعد العمليات العسكرية، في 3 سبتمبر/ أيلول، إلى اتساع رقعة المواجهات المباشرة في ريف تعز والساحل الغربي و ذوباب المندب.
أم مازن: لم تكن تلك البقرة والمواشي مجرد ممتلكات ننشد إنقاذها، بل كانت «ساقية الحياة» لأطفالي وآخر ما تبقى من كرامتنا قبل أن يجرف القتال كل شيء
هذا التصعيد الميداني الأخير ضرب في العمق ملاذاً ظل صامداً لسنوات؛ فمنذ اندلاع الحرب عام 2015، شكّلت القرى والأرياف الملجأ الآمن لآلاف الأسر الفارّة من جحيم القتال داخل المدن، مستندة إلى شبكة وثيقة من قواعد اللجوء التقليدي والتكافل القبلي والمجتمعي.
غير أن استطالة أمد الصراع وتداخل خطوط القتال أحدثا انقلاباً بنيوياً جذرياً؛ إذ انكشف المجال الريفي ولا سيما في تعز ذات التضاريس الجبلية المعقدة ليتحول من فضاءٍ للإنتاج والاستقرار إلى ورقة ضغط عسكرية وساحة مواجهة مفتوحة.
وتتجسد أبعاد الأزمة في الأرقام التي وثقتها بيانات المنظمة الدولية للهجرة «IOM» والتي كشفت عن ارتفاع قياسي في أعداد النازحين ليبلغ 233,077 شخصاً حتى 16 أكتوبر/ تشرين الأول، من بينهم 121,530 شخصاً في محافظة تعز وحدها، وتأتي الموجة الجارفة لتراكم مزيداً من المعاناة على كاهل أسرٍ تعرضت للنزوح المتكرر وفقدت قدرتها تماماً على تأمين أدنى الاحتياجات الأساسية.

وحتى قبل التصعيد العسكري الأخير، كان اليمن يرزح بالأساس تحت وطأة إحدى أكبر أزمات النزوح الداخلي في العالم، بإجمالي أعداد نازحين تُقدّره الإحصاءات الأممية بنحو 5.2 ملايين نازح، تحتضن محافظة مأرب الكتلة الأكبر منهم بنحو مليونَي نازح.
تُكيّف الحقوقية والصحفية خديجة خالد المشهد من منظور القانون الدولي، مشددة على ‹أن تحويل القرى والأرياف التي تأوي النازحين إلى مسارح للمواجهات المسلحة يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وخرقاً لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين›
وتوضح بأنه يخالف صراحة المادة (52) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 والمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 اللتين تجرّمان النقل القسري وتعريض حياة السكان للخطر.
ولا تتوقف آثار التحول عند الحدود الحقوقية والقانونية، بل تمتد لتضرب العمق المجتمعي للريف؛ إذ تقول غادة البريهي وهي ماجستير في علم الاجتماع أن تأثير فقدان الأمان والنزوح القسري لم يقتصر على تغيير الجغرافيا السكنية، بل تسبب في صدمات عميقة لدى السكان.
وتوضح البريهي لـ «ريف اليمن» أن القرى التي كانت تشكل بيئة حاضنة وآمنة للأطفال تحولت إلى فضاءات طاردة ومحفوفة بالصدمات النفسية الناجمة عن فقدان ذويهم وسماع أصوات القصف المتكرر.
تخلص البريهي إلى أن الخطر الأكبر بات يهدد أجيال المستقبل مع التسرب القسري للأطفال من مقاعد الدراسة والدفع بهم نحو سوق العمل الشاق أو أتون التجنيد، وهو ما يؤدي عملياً إلى تطبيع العنف وتدمير المنظومة الأخلاقية للسلام لدى الطفل، ما يجعل من إعادة دمجهم مستقبلاً تحدياً مجتمعياً بالغ الصعوبة والتعقيد.
تجريف النسيج الاجتماعي
ولا تتوقف شظايا التصعيد عند حدود التهجير الجغرافي وتفكيك الأسر، بل تسللت عميقاً لتضرب البنية الاجتماعية المتماسكة التي ظلت تحمي الريف اليمني، فمثلما جرفت الحرب البنية التحتية، بدأت ملامح المجتمع المحلي تتبدل في بعض القرى الريفية.
حيث يروي «عبد العليم» أحد سكان ريف تعز كيف تحول الجدار الاجتماعي من مساحة للتآلف إلى حاجز للريبة، موضحاً أن قريته كانت في السابق بمثابة بيت واحد يتشارك أهله الخبز والفرح والحزن، بينما أصبح الشك والخوف اليوم هما الجدار العازل بين البيوت.
غادة البريهي: لم تكن القرية اليمنية مجرد تجمع جغرافي للعيش، بل بنية تضامنية؛ وما يحدث اليوم هو تجريف ممنهج لـ «رأس المال الاجتماعي» وتحويل روابط الدم والجوار إلى بؤر ريبة وشك
ويضيف في الماضي كان لكبار السن والوجهاء كلمة نافذة تحسم الخلافات وتصون السلم الأهلي، أما اليوم فالسلاح والسيطرة المسلحة هما من يفرضان الكلمة العليا، بعد أن صمتت حكمة العقلاء أمام سطوة القوة.
تضع غادة البريهي التحول في إطاره التحليلي، مشيرة إلى أن القرية اليمنية لم تكن مجرد تجمع جغرافي للعيش، بل كانت بنية تضامنية ترتكز على رأس المال الاجتماعي المتمثل في الثقة المتبادلة والأعراف الزاجرة ونظم التكافل الجمعي التاريخية.
غير أن رأس المال تعرض لتجريف ممنهج -وفق البريهي- حيث تغلغلت خطوط الفرز السياسي والعسكري داخل النواة الأولى للمجتمع من أسر ممتدة وعائلات، مما حوّل روابط الدم والجوار إلى بؤر ريبة وشك. ومع غياب الحماية الرسمية وتراجع دور المؤسسات، تحول معيار البقاء الجمعي إلى نجاة فردية قاسية.
وقالت: ‹أن الانكشاف المجتمعي أصاب «العرف الريفي» في مقتله وهو الدستور غير المكتوب الذي طالما نظم حياة المجتمعات المحلية وفضّ نزاعاتها. ومع فرض منطق صاحب السلاح هو المقرر، فقدت الأعراف المرتبطة بالاحترام المتبادل وحماية الجار هيبتها›.
وتوضح البريهي بأن ‹التصدع تسلل إلى عمق النسيج الأسري والقبلي، حيث أفرز تباين الولاءات شروخاً حادة تحولت معها الخلافات البسيطة إلى نزاعات مسلحة تدار بمنطق التخوين والإقصاء›.
وفي تفكيك أسباب الانهيار البنيوي، تعزو الباحثة في مركز صنعاء للدراسات ميساء شجاع الدين هذا التفكك إلى تكتيكات ممنهجة اعتمدتها بعض أطراف الصراع لإعادة هندسة البنية الاجتماعية وتفريغ المجتمعات من صمام أمانها المتمثل في الوجاهات التقليدية والمشايخ المستقلين.

وتوضح شجاع الدين لـ «ريف اليمن» أن التكتيكات اعتمدت بالأساس على ‹استغلال الخلافات البينية وتقوية الأطراف الأضعف اجتماعياً ممن يعانون من هشاشة مادية، لتجعل من التحالف مع السلاح فرصة للصعود الاجتماعي وتغيير موازين القوى داخل القرية›.
وقالت: ‹هذا ضاعف حدة الصراعات المباشرة ونزاعات الأراضي، وأخرجها عن أطر الحلول العرفية المعتادة›.
الألغام القاتل الصامت
ولا تتوقف أدوات التجريف القسري للريف عند الحدود الاجتماعية، بل تمتد لتغرس الموت في تراب الأرض ذاتها؛ إذ تُعد الألغام والمخلفات المتفجرة التهديد الأكثر استدامة ومواظبة لسبل العيش في أرياف تعز.
ويعبر المزارع محمد سيف عن المعاناة الممتدة بأسى، مؤكداً أن أكثر من نصف أراضيهم الزراعية ومراعيهم تحولت إلى حقول موت مغلقة؛ إذ زُرعت الألغام بكثافة بين الأشجار وعلى أطراف السواقي والطرق الترابية مشيراً إن أي خطوة واحدة غير محسوبة تعني الموت الفوري.
وأضاف لـ «ريف اليمن» أما المواشي شريان الحياة المتبقي فقد اضطر الأهالي لبيع معظمها بأسعار زهيدة لعدم توفر العلف والمراعي الآمنة، فيما تحول تأمين شربة الماء وقوت يومهم إلى معركة شاقة محفوفة بالمخاطر والديون.
وتتجسد قسوة الألغام الخفية في الحوادث المتكررة التي تطال الفئات الأكثر هشاشة؛ ففي صباح يوم السبت 10 أكتوبر/ تشرين الأول، قُتل الطفل شعيب علي ثابت (12 عاماً) إثر انفجار لغم أرضي أثناء رعيه للماشية في قرية «العذير» بمديرية جبل حبشي غربي محافظة تعز، بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي شهدته المحافظة.
وتعكس البيانات الرسمية والحقوقية المروعة الحجم المهول لهذه المأساة التراكمية، إذ تشير إحصائيات وزارة حقوق الإنسان إلى أن زراعة الألغام أودت بحياة نحو 4,501 مدني وأصابت 5,083 آخرين في مختلف المحافظات خلال الفترة بين عامي 2014 و2025.
ويُصنّف اليمن بذلك ضمن أكثر دول العالم تضرراً من مخلفات الحرب المتفجرة، مسجلاً ثالث أعلى معدل للإصابات الناجمة عنها عالمياً خلال العقد الماضي.
خديجة خالد: تلغيم الحقول والمراعي وتجريد الأسر الريفية من مصادر عيشها يتجاوز الانتهاك العابر إلى مستوى الجريمة المنظمة
تُفكّك الحقوقية خديجة خالد أبعاد الظاهرة من منظور حقوقي وإنساني شامل، مؤكدة أن تعمد تلغيم الأراضي الزراعية والمراعي وتجريد الأسر الريفية من مصادر عيشها يتجاوز مجرد الانتهاك العابر ليصل إلى مستوى الجريمة المنظمة.
إذ يُشكل تلغيم الحقول خرقاً صارخاً لاتفاقية «أوتاوا» لحظر الألغام، وانتهاكاً صريحاً للمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 التي تحظر بشكل قاطع استهداف أو تدمير الأعيان والمناطق الزراعية بقصد تجويع المدنيين، فضلاً عن تقويض الأمن الغذائي والمائي المكفول بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتضيف خالد لـ «ريف اليمن» أن الانتهاك الممتد أسهم في مأسسة ما يُعرف بـ «تأنيث الفقر» وتكريس التمييز الجندري، بالمخالفة الصريحة للمادة (14) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة حيث أدى الشلل التام في مصادر العيش، مع غياب العائل أو مقتله.
وقالت: ‹هناك تحول قسري وجدت فيه المرأة الريفية نفسها في خط المواجهة الأول لإدارة الأسرة. فقد تحملت مسؤوليات مركبة ومجهدة ابتداءً من حرث الأرض وصولاً إلى جلب المياه عبر مسافات طوال محفوفة بالمخاطر›.
وتخلص خالد، بأن هذا التحول أضاف كلفة باهظة تدفعه المرأة الريفية من صحتها الجسدية والنفسية وأدى في المطاف إلى ‹تفكيك هويتها الاجتماعية وتحويلها من عنصر إنتاجي في قريتها إلى نازحة بوضع هش تعيش على هوامش المدن›.
تحديات التوثيق
وأمام الانتهاكات المركبة في الأرياف البعيدة، تواجه المنظمات الحقوقية تحديات استثنائية تعيق التوثيق والرصد، بسبب وعورة التضاريس الجبلية وانقطاع شبكات الاتصالات، بينما يشكل انتشار الألغام العشوائي وتحول القرى الآهلة إلى مناطق تماس خطراً مباشراً وداهماً على حياة الجميع.
ولكسر العتمة ومواجهة الانتهاكات المتصاعدة، تطالب الحقوقية خديجة خالد بفرض فتح ممرات آمنة تكفل حرية الحركة لفرق الرصد الحقوقي والمنظمات الإنسانية دون قيود أو شروط مسبقة.
كما تشدد على ضرورة إلزام أطراف الصراع بالقانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين والمرافق الخدمية، والتوقف الفوري عن زرع الألغام قرب المناطق السكنية والحقول والأعيان المدنية، مع الإفصاح العاجل عن خرائطها لتفادي تساقط المزيد من الضحايا.

وتحث خالد على مواكبة أساليب التوثيق الحديثة عبر توظيف تقنيات الأقمار الصناعية وآليات التحقق الرقمي عن بُعد لتعزيز الأدلة في المناطق المغلقة عسكرياً، بالتوازي مع ممارسة ضغط دولي فعّال لمأسسة المساءلة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتحويل التعاطي الإنساني مع أرياف تعز من مجرد استجابة طارئة إلى خطوات عملية تشمل دعم إزالة الألغام وإطلاق برامج التعافي المبكر.
وفي التكايُف الاجتماعي والحلول المستدامة، تحث البريهي على ضرورة تبني استراتيجية متكاملة للتعافي الاجتماعي تخرج تماماً عن الأطر الإغاثية الوقتية والموسمية.
وتؤكد لـ «ريف اليمن» أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر حلول إسقاطية فوقية، بل يتطلب إعادة الاعتبار للمجالس المجتمعية، ودعم القيادات المحلية والنسوية لتفعيل لجان الصلح القبلي والعرفي واستعادة السلم الأهلي، مع ضرورة إدراج برامج الدعم النفسي والاجتماعي في المدارس والمراكز الصحية لمواجهة الآثار النفسية العميقة لدى الأطفال، وتقديم تمويل مستدام للمشاريع الإنتاجية الصغرى للأسر التي تعيلها النساء.
على الطريق الجبلي الوعر ذاته الذي سلكته «أم مازن» وهي تسوق مواشيها تحت دوي الانفجارات، تطأ اليوم آلاف الأقدام المتعبة الشعاب ذاتها نحو مجهول آخر، في وقت تتحول فيه الحقول والمراعي إلى مناطق موت مؤجل.
تكشف جولة الصراع الأخيرة في اليمن أن استباحة الأرياف وتفخيخ سبل عيشها ليس مجرد تكتيك عسكري عابر، بل هو تجريف ممنهج للرمق الأخير من كرامة الإنسان اليمني وتماسك مجتمعه.





