في ظل تراجع إقبال الطلبة على كليات التربية بمختلف الجامعات اليمنية، يخشى الكثير من المواطنين على مستقبل أبنائهم الدراسي، إذ يتخوف خالد الصبري (43 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال، أن يأتي يوم لا يجد فيه صغاره من يشرح لهم دروس الفيزياء أو الرياضيات، نتيجة هذا العزوف المخيف، في ظل التدهور المستمر للتعليم في البلاد.
يعيش الصبري يومياً معاناة عودة أبنائه المبكرة من المدرسة بسبب غياب معلمي المواد الأساسية، ويؤكد لـ “ريف اليمن” أن قلقه يتجاوز خسارة اليوم الدراسي إلى الخوف من المجهول الذي ينتظرهم مستقبلا، ولسان حاله: إذا كان وضعنا في الوقت الراهن فمن سيعلم أطفالنا غداً؟
ويرى الصبري أن عدم القدرة المادية وصعوبة تكاليف المدارس الخاصة، جعل أبناءه، ومعهم الملايين من الطلاب، يتجهون إجباريا نحو الأمية والتسرب، لا سيما مع تراجع دور المدارس الحكومية، وخلوها تدريجياً من معلميها ذوي الخبرة دون توفير بدائل تعوض هذا الفقدان الذي يهدد مستقبل الأجيال.
مواضيع مقترحة
طلاب الريف.. الكفاح خياراً إجبارياً لمواصلة التعليم
التعليم الجامعي: حلم فتيات الريف الذي لا يتحقق
أزمة التعليم في اليمن تهدد مستقبل ‹جيل كامل›
كارثة قادمة
ليست مخاوف الصبري مجرد هاجس فردي، بل تجسيد حي لقنبلة موقوتة تهدد مستقبل الأجيال القادمة، وتنذر بتفريغ المدارس تماماً من الكوادر التعليمية خلال السنوات المقبلة؛ إذ تقرع الأرقام والمؤشرات الحالية الناتجة عن تراجع الإقبال على الدراسة في كليات التربية ناقوس الخطر، منذرة بكارثة تعليمية صامتة، لا سيما في ظل العجز الحاد والوشيك في معلمي التخصصات العلمية الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات.
ويعيش الصبري ومعه الآلاف من أولياء الأمور حيرة وقلقاً على مستقبل أبنائهم، خشية اليوم الذي تفرغ فيه المدارس تماماً من معلمي المواد الأساسية، وعلى واقع المؤشرات الحالية، يتوقع خبراء أن تواجه المدارس الحكومية خلال السنوات المقبلة عجزاً غير مسبوق في المعلمين المؤهلين.
ويحذر رئيس مؤسسة ألف لدعم التعليم، نجيب الكمالي، من فاتورة باهظة ينتظرها القطاع التعليمي، إذا استمرت المؤشرات دون تدخلات جادة، مؤكداً أن العجز سيتسع خصوصاً في التخصصات العلمية.
وقال الكمالي لـ “ريف اليمن”: “قد تضطر بعض المدارس إلى تكليف معلمين من تخصصات أخرى بتدريس هذه المواد، أو تقليص الحصص الدراسية، أو الاعتماد على معلمين غير مؤهلين، وهو ما سينعكس مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته”.
ويؤكد الكمالي أن أبعاد الأزمة تتعدى الفصول الدراسية إلى مستقبل البناء العلمي للبلاد، متجاوزة المدارس إلى الجامعات وسوق العمل والقطاعات الحيوية كالطب والهندسة والتكنولوجيا.
تقديرات غير رسمية: بلغ العجز خلال العام المنصرم نحو 50% فيما يقترب نحو 40% من المعلمين المثبَّتين من سنّ التقاعد
وأضاف: “اليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق، فإذا تعاملنا مع أزمة المعلمين باعتبارها قضية هامشية فسندفع الثمن لعقود قادمة، أما إذا اعتبرنا الاستثمار في المعلم أولوية وطنية فسنضع الأساس الحقيقي لتعافي التعليم وإعادة بناء الدولة”.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العجز بلغ خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50%، أي أكثر من 91 ألف معلم، فيما يقترب نحو 40% من المعلمين المثبَّتين من سنّ التقاعد؛ ما ينذر بتفاقم الفجوة خلال السنوات المقبلة.

عزوف أكاديمي
تكشف بيانات القبول في كلية التربية بجامعة تعز عن حقيقة أكاديمية مقلقة، فخلال الفترة من عام 2012/2013 إلى 2024/2025، انخفض عدد الطلاب المقبولين من 1,924 طالبًا إلى 610 طلاب فقط، بتراجع حاد يتجاوز 68%.
ولم يتوقف الأمر عند تراجع أعداد المتقدمين، حيث امتد ليصل إلى توقف بعض الأقسام العلمية تماماً عن استقبال الطلاب لسنوات متتالية، وفي مقدمتها أقسام الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وهو مؤشر خطير لكونها اللبنة الأساسية للتطوير العلمي والتنموي.
من جانبه، حذر رئيس قسم الرياضيات بجامعة إقليم سبأ، الدكتور يحيى البريهي، من أزمة يواجهها التعليم إثر تراجع الإقبال على كليات التربية بأكثر من 81%، مشيراً إلى أن الأزمة تشتد في التخصصات العلمية التي شهدت توقفاً شبه كامل للقبول خلال السنوات الأخيرة.
نجيب الكمالي: أبعاد الأزمة تتعدى الفصول الدراسية إلى الجامعات وسوق العمل والقطاعات الحيوية كالطب والهندسة والتكنولوجيا
وكتب البريهي عبر صفحته على فيسبوك: “ليست مجرد أرقام، بل نذير خطر لمستقبل التعليم؛ فالعزوف عن المهنة يعني نقصاً حاداً ومستمرًا في الكوادر. وحين يفقد التعليم مكانته وتصبح مهنة المعلم بلا راتب مجزٍ أو تقدير، فإن الطالب ومستقبل البلاد هما أول من يدفع الثمن”، مؤكداً أن الإنقاذ يبدأ بإعادة الاعتبار للمعلم.
ولخص الكمالي الأسباب وراء ذلك في عدة عوامل أبرزها توقف التوظيف الحكومي منذ عام 2011، وتراجع المكانة الاقتصادية والاجتماعية لمهنة التعليم إثر تدهور الظروف المعيشية، واستمرار الحرب، وتوجه الطلاب إلى تخصصات توفر فرص عمل أفضل.
واقع ميداني
يعكس المشهد الميداني واقعاً أشد خطورة، إذ تسبب توقف التوظيف منذ عام 2011 في حرمان المدارس من كوادر جديدة لأكثر من 15 عاماً. وتزامن ذلك مع وصول نسبة كبيرة من المعلمين إلى سن التقاعد، وفقدان أعداد أخرى بسبب الحرب أو الهجرة بحثاً عن الرزق.
ويضاف إلى ذلك العبء النفسي المعقد، حيث تشير التقديرات في محافظة تعز وحدها إلى أن نحو 5,000 معلم ومعلمة يعانون من اضطرابات نفسية نتيجة الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية.
يحيى البريهي :تراجع الإقبال على كليات التربية بلغ أكثر من 81% والتخصصات العلمية شهدت توقفاً شبه كامل خلال السنوات الأخيرة
وأمام هذا الفراغ، أصبحت المدارس تعتمد بشكل رئيسي على المعلمين المتطوعين، ورغم دورهم البارز، إلا أن عملهم دون استقرار وظيفي أو دخل كافٍ يهدد استدامة التعليم، وهنا يؤكد الكمالي أن المتطوعين لعبوا دوراً وطنياً استثنائياً لإبقاء المدارس مفتوحة، لكن الاعتماد عليهم ليس حلاً مستداماً ولا يعوض وجود سياسة وطنية لبناء القوى العاملة التعليمية.
وللخروج من الأزمة، يقترح الكمالي إطلاق خطة وطنية تتضمن استئناف التوظيف تدريجياً، وإدماج المتطوعين المؤهلين، ودعم كليات التربية في التخصصات العلمية، وتحسين أوضاع المعلمين المعيشية وتوفير الدعم النفسي لهم.
وأكد الكمالي أن مؤسسة ألف تعمل على إعداد التقرير الوطني الأول حول مستقبل مهنة التعليم في اليمن، وإطلاق حملة المناصرة الوطنية “أنقذوا مهنة التعليم في اليمن”، لحشد جهود الحكومة والجامعات والشركاء الدوليين لحماية المهنة وضمان استدامتها.
و تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العجز بلغ خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50%، أي أكثر من 91 ألف معلم، فيما يقترب نحو 40% من المعلمين المثبَّتين من سنّ التقاعد، ما ينذر بتفاقم الفجوة خلال السنوات المقبلة.





