تتميز مدينة رداع التاريخية بإرث حضاري ومعماري فريد، إذ تشكل القلاع والمدارس العتيقة شاهداً حياً على العمارة الإسلامية، وينعكس تاريخها في تفاصيل حياة سكان المدينة، الذين يتوارثون هويتهم الثقافية في أسواقها القديمة التي لا تزال تنبض بالحراك الإنساني والتجاري.
وتتجلى القيمة الحضارية في قلعة رداع التاريخية الشامخة التي تحرس المدينة، والمدرسة العامرية التي تعد تحفة فنية نادرة تنطق بجمال العمارة الإسلامية في العهد الطاهري، فضلاً عن الأزقة العتيقة التي تتداخل فيها رائحة البن والهيل مع عبق البناء القديم، وكأن الزمن لم يتوقف بها منذ مئات السنين.
مواضيع مقترحة
- معالم اليمن الأثرية في مرمى التغيرات المناخية
- المدرسة العامرية في رداع
- البيضاء.. قلب اليمن المرتبطة بـ 8 محافظات
قلعة رداع
تشير الذاكرة الشعبية التي يتناقلها الأهالي إلى أن جدران القلعة الصخرية كانت دائماً الحصن المنيع للمدينة في مواجهة الحصار والاضطرابات على مر العصور. يقول عبد الله علي، وهو من الشخصيات الاجتماعية في رداع، لـ “ريف اليمن”، أن مسؤولية كبار السن تكمن في تعريف الأبناء والأجيال الناشئة بتاريخ أرضهم وقلعتهم عبر الروايات والحكايات الشعبية.
ويؤكد أن ربط الشباب والاطفال بتاريخهم يساهم في تنمية مداركهم، ويمنحهم حافزاً معنوياً للاستمرار في التعلم والتطور واكتساب المعارف، والأهم من ذلك أنه يبعدهم عن موجات الصراع الراهنة التي ألهت المجتمع.
ويوافقه في الرأي الحاج خالد محمد، الذي شارف على نهاية عقده السادس قائلاً لـ “ريف اليمن” أن استلهام التاريخ يحفز على التمسك بالحياة والكفاح من أجلها، لا سيما عند الوقوف في مدينة تنبض بالشواهد الحية. ويحمل الآباء والأجداد القيم في تفاصيل حكاياتهم اليومية، مستحضرين كيف كانت القلعة بمثابة الأم الحنون التي تحتضن رداع، ورمزاً للكرامة والشموخ في أوقات الشدائد، لتتحول في وجدان السكان من مجرد صخور وأسوار صماء إلى ركيزة أساسية للهوية المحلية.
لم تكن القلعة بمعزل عن الظروف الراهنة والتغيرات المناخية المباغتة إذ تشير التقارير الميدانية والبيانات الصادرة عن الهيئات المحلية للآثار ولجان الطوارئ إلى تعرض أجزاء من سور القلعة الغربي وبوابتها الرئيسية لانهيارات جزئية، نتيجة موجات الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة التي ضربت المنطقة.

وتؤكد تقارير تجمع مياه الأمطار داخل باحات القلعة لفترات ممتدة، بالتزامن مع غياب أعمال الترميم الوقائي والصيانة الدورية منذ سنوات، أدى إلى تشبع الجدران الطينية والحجرية بالمياه؛ مما تسبب في تصدع الواجهات وتساقط أحجار السور بشكل بات يهدد الإرث التاريخي بالاندثار، وسط مناشدات محلية واسعة للمنظمات الدولية المعنية بالتراث الإنساني وفي مقدمتها اليونسكو للتدخل العاجل بخطة إنقاذية تعيد بناء الأجزاء المتضررة وتحمي القلعة من الانهيار الكامل.
كما تُشخص التقارير الهندسية الصادرة عن خبراء العمارة الأثرية طبيعة المخاطر البنيوية المحدقة بقلعة رداع، إذ يكمن التهديد الأكبر في الإجهاد الهيكلي الناجم عن تسرب الرطوبة ومياه الأمطار إلى عمق الجدران الحاملة. ويشير المهندسون المعماريون في قراءاتهم الميدانية إلى أن غياب الصيانة السنوية لمادة القضاض التاريخية المادة الطينية العازلة والرابطة بين الصخور تسبب في حدوث تشققات شاقولية وتآكل في الأساسات، مما يضعف قدرة السور والواجهات على تحمل الأحمال بمرور الوقت.
المدرسة العامرية
في قلب الحاضرة التاريخية، تقف المدرسة العامرية أيقونة معمارية وهندسية فريدة؛ حيث شُيدت في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، وتحديداً عام 1504م، بأمر من السلطان عامر بن عبد الوهاب، لتكون شاهداً حياً على حقبة اتسمت بالازدهار العلمي والمعماري في عهد الدولة الطاهرية. وتؤكد المصادر التوثيقية -كما تذكر دراسات المؤرخ الراحل القاضي إسماعيل بن علي الأكوع حول المدارس الإسلامية في اليمن- أن السلطان حشد لتشييد هذا الصرح أمهر البنائين والمهندسين لتوثيق تلك المرحلة الذهبية.

ولا تكمن دهشة المعلم في قيمته التاريخية فحسب، بل في تفاصيله الفنية الخفية؛ إذ تروي الزخارف النباتية البديعة والخطوط العربية الممتدة على أسقف المدرسة شغف الإنسان اليمني القديم بالجمال والدقة التشكيلية، حيث تنعكس أشعة الشمس الصباحية عبر النوافذ الخشبية المشغولة لتلون المحراب بألوان دافئة تخطف الأنظار.
ولم تكن المدرسة العامرية يوماً مجرد فضاء للصلاة وتلقي العلوم العلمية والدينية، بل تكشف الروايات الشفوية لأعيان المدينة عن أبعاد اجتماعية واقتصادية أخرى؛ إذ كانت الساحة المحيطة بها بمثابة السوق والملتقى الثقافي الأبرز للمنطقة، وتؤكد الروايات المتوارثة أن تلك الساحات كانت تفوح برائحة البن اليمني وتجارة الأعشاب الطبية، وتلتقي فيها حكايات البسطاء لتشكل مجتمعاً متماسكاً يتبادل الهموم والأنباء اليومية.
يقول علي بن علي، وهو شخصية اجتماعية في رداع لـ “ريف اليمن”، أن تميز المدينة ينبع من وفرة مدارسها ومساجدها التاريخية التي تمتد لفترات الدول الإسلامية المتعاقبة التي حكمت اليمن، ويضيف: “هناك العديد من المدارس الأثرية إلى جانب العامرية، تم تشييدها في عهد الدولة الطاهرية ودولة بني رسول، كالمدرستين البغدادية والبعدانية، وهي ميزة عمرانية وثقافية تتفرد بها رداع عن بقية الحواضر والمدن اليمنية”.
الأزقة العتيقة
تمثل أزقة رداع القديمة امتداداً جغرافياً واجتماعياً لتاريخ المدينة ومعالمها الأثرية، إذ يكشف التجول بين المسارات الضيقة عن بيوت طينية متلاصقة هندسياً، يعكس تصميمها قيم التكافل الاجتماعي والترابط الإنساني العميق بين سكانها. وفي الأمسيات، تتحول المساحات المفتوحة إلى مسارح حية للحكايات الشعبية الشفوية، حيث يجتمع الجيران على رائحة القهوة اليمانية التقليدية، ليتناقل الشباب قصص الأجداد التي لم تدوّن في السجلات الرسمية.

و يُجمع أهالي المدينة على أن الأصالة هي الكلمة التي تختصر روح حاضرتهم، كون تفاصيل المكان لا تزال وفية لتاريخها العريق، إذ يمثل تراثها اللامادي وحكاياتها الشفهية الجسر الحقيقي الذي يربط ماضي اليمن بحاضره المعاش، ودليلاً حياً على أن الحواضر التاريخية لا تموت طالما بقي هناك مجتمع حي يحفظ حكاياتها ويرويها للعالم.
تقول أمل علي وهي شابة وخريجة جامعية في رداع لـ “ريف اليمن” رغم أن صعوبات المعيشة والأزمات المتلاحقة استنزفت الجانب الأكبر من تفكيرنا وجهدنا كشباب، فإن رؤية معالم مدينتنا العريقة تتأثر بعوامل الإهمال والطقس توقظ في أعماقنا غصة حقيقية.
وتؤكد إن قلعة رداع والمدرسة العامرية ليستا مجرد جدران حجرية صامتة، بل هما الهوية الحية التي تربطنا بجذورنا وتمنحنا اعتزازاً وصلابة في وجه الواقع المتعب، وحماية هذا التاريخ هي صون لمستقبلنا، فالإنسان بلا تاريخ يفتقد البوصلة التي توجّه تطلعاته.
وتواجه مدينة رداع تحديات كبيرة جراء الإهمال والدمار الذي طال المعالم والقلاع نتيجة التغيرات المناخية. ويحذر مهتمون بالشأن الثقافي من خطر النسيان والعزل الثقافي الذي بات يهدد المدينة وتراثها التاريخي.





