الخميس, 30 يوليو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
موسوعة

ذو باب المندب: مضيق استراتيجي ومنطقة ساحلية نائية

ريف اليمن 📅 يوليو 30, 2026

يُعد مضيق باب المندب ممرًا مائيًا استراتيجيًا في اليمن، وهو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر نحو خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، كما يمثل حلقة مهمة في الطريق التجاري البحري الذي يربط شرق آسيا بأوروبا.

هذا التعريف هو ما يشتهر به عالميًا، وجعله في الفترة الأخيرة حاضرًا في نشرات الأخبار نظرًا لأهميته للتجارة الدولية، كما جعله ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. تاريخيًا، سيطرت عليه حملات استعمارية متعددة ومازال محل تنافس.

ورغم هذه الأهمية العالمية، يعيش سكان يمنيون على طول ساحل المضيق حياة يومية شاقة، في مناطق تضم شواطئ صيد مميزة تطل على البحر الأحمر، دون أن يكترث كثير منهم أنهم على ضفاف ممر بحري يحظى باهتمام العالم.


مواضيع مقترحة


موقع باب المندب

يقع مضيق ‹باب المندب› الممر المائي أقصى جنوب البحر الأحمر جنوب غرب شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا، بين اليمن من قارة آسيا وجيبوتي من الجانب الأفريقي، محليا يقع ضمن مديرية ذوباب تتبع محافظة تعز.

اما منطقة باب المندب فتقع في ساحل البحر الأحمر جنوبي مدينة تعز على بعد حوالي (97 كيلو متر) وهي ذات موقع استراتيجي هام نظراً لوجود الممر البحري وجزيرة مَيْوُن (تسمى بريم) الاستراتيجية بمساحة 13 كيلو.

وفي المدخل الجنوبي لمضيق باب المندب يوجد ‹جزيرة ميون› التي تقسم المضيق إلى إثنين ممرات وفق المركز الوطني للمعلومات كالتالي:

  • الممر الشرقي: يسمى باب الإسكندر بعرض 3 كيلومترات، وعمق 26 متراً.
  • الممر الغربي: يسمى ميون يبلغ اتساعه20 كيلومتراً وعمق نحو 300 متراً.

ووصفت المساند الحميرية “باب المندب” بأنه عبارة عن مضيق يسيطر على ممر البواخر ومن جبال المندب “جبل الشيخ سعيد” الذي يرتفع عن مستوى سطح البحر حوالي 300 متر تقريباً.

ويوجد في شرقي باب المندب، جبل المنهلي، وهو أعلى منه وهناك سلاسل جبلية بركانية أخرى، وهو عبارة عن ممر مائي طبيعي يصل بين البحر الأحمر وخليج عدن المطل على المحيط الهندي.

مضيق باب المندب
يقع مضيق “باب المندب” في أقصى جنوب البحر الأحمر غربي اليمن

التسمية والنشأة

التسمية الشهيرة ‹باب المندب› للمنطقة والممر لبحري، ورسميا وفق السلطة المحلية تعرف المنطقة الجغرافية السكانية إدارياً ‹ذو باب› أو ‹ذو باب المندب› وتشتهر باسم مديرية باب المندب.

ارتبطت التسمية بأساطير تأريخية مختلفة، لكن معظمها تشير إلى المعني اللغوي الشائع حاليا لكلمة ‹الندب› أي البكاء على الموتى، وتشير الروايات إلى أن عائلات البحارة كانت تبكي أبنائها بسبب المخاطر الكبيرة التي كانت تواجه السفن قديماً.

كما قيل إن التسمية نسبة لرواية تاريخية قديمة تقول النساء الأفريقيات كن يندبن أولادهن وبناتهن الذين كانوا يُؤخذون قسراً عبيدا وسبايا إلى الجزيرة العربية عبر المضيق.

ويربطها البعض بحادثة غرق واسعة النطاق لعدد كبير من الناس، بناء على أسطورة تقول إن زلزالاً هائلاً فصل القرن الأفريقي عن شبه الجزيرة العربية، وتسبب في غرق الكثير من السكان فسمي بالمندب.

جاء ذكر ‹المندب› في المساند الحميرية، قد تكون مشتقة من الفعل “ندب” في اللغات السامية القديمة معناها ‹جاز وعبر› أو الطريق المطلوب، أي الممر المائي الذي يُعبر منه ويُندب إليه السير.

أما نشأة مضيق ‹باب المندب› نشأ الممر نتيجة تباعد الحركة التكتونية التباعدية التي حدثت بالحقبة الجيولوجية الثالثة في عصري الميوسين والبليوسين، ونجم عنها انفصال شبه الجزيرة العربية عن قارة أفريقيا، وتكوين البحر الأحمر، بما فيه باب المندب.

إحدى سواحل باب المندب في البحر الأحمر غربي اليمن نوفمبر 2025

السكان والمقومات الاقتصادية

تعد باب المندب من أصغر مديريات محافظة تعز، وحدودها الإدارية المحلية من الشمال مديرية المخاء ومن الجنوب مضيق باب المندب وبحر العرب، من الشرق مديريتي الوازعين وموزع ومن الغرب البحر الأحمر.

تبلغ مساحة المديرية 1556,6 كيلو متر مربع، وعدد السكان 31,560 نسمة، وعدد المساكن 3191، عدد الاسر 4509، وفيها 19 مدرسة وأربعة مراكز صحية، وفيها وحدة إدارية في عزلة بني الحكم، ومركز المديرية ذو باب، وفق مكتب التخطيط الدولي في محافظة تعز.

تعتبر باب المندب واحدة من اهم مناطق الصيد حيث توجد على سواحلها عدد من المصائد، في سواحل باب المندب، والكدحه، والسجمال، وكانت منفذ بحري لاستيراد المواشي من القرن الأفريقي.

معظم السكان يعملون في مجال الصيد البحري، لكثرة توفر الأسماك البحرية الكبيرة بسبب وجود التيارات البحرية تحت السطح كعامل مساعد على ذلك ولقرب المنطقة من مضيق باب المندب مما أكسبها ذلك تميزها عن المناطق الأخرى.

ويمكن الوصول إلى ذُباب عن طريق مفرق مدينة المخا، ويطل الجزء الجنوبي من شاطئ ذُباب على جزيرة مَيْوُون، بالإضافة إلى أن معظم شواطئ مديرية ذُباب جميلة بعيد عن التلوث في الشريط الساحلي للبحر الأحمر.

وهذه لمحة عامة عن السكان حيث الصيد مهنة أساسية بالإضافة إلى زراعة محدودة للحبوب والخضروات، وهذه أبرز المقومات الاقتصادية في المديرية التي تقع في سواحل أهم الممرات المائية في العالم.

تجمع للصيادين مركز إنزال سمكي في منطقة باب المندب غربي محافظة تعز، مايو/ آيار 2025 (إعلام رسمي)

الأهمية الاقتصادية والتجارية

تكمن الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب كونه أحد أبرز الشرايين الاقتصادية والجيوسياسية الحاكمة لحركة التجارة الدولية، حيث يمثل حلقة الوصل الرئيسية والوحيدة الذي بين شرق آسيا وأوروبا.

ويربط بين المحيط الهندي وبحر العرب مروراً بخليج عدن، وعبر باب المندب إلى البحر الأحمر وعبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وهو ما يجعله ركيزة أساسية في نظام الملاحة العالمي.

ويعد نقطة تحكم جيوسياسية بالغة الحساسية ويمر من المضيق نحو 12% من التجارة العالمية، ويشمل الحاويات والمنتجات المكررة والمواد الخام، والمنتجات الصناعية المتجهة من آسيا إلى أوروبا والأمريكيين.

ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تمر ملايين البراميل من النفط عبر باب المندب يومياً، وبلغت حوالي 9.3 مليون برميل يوميًا قبل الاضطرابات التي حدثت عام 2023، مما يجعله عنصراً مؤثراً بشكل مباشر في استقرار أسعار الطاقة العالمية وتأمين إمداداتها.

وبسبب عرضه الضيق وجود جزيرة ميون في قلبه لتشطره إلى ممرين، يمنح المضيق نفوذاً جيوسياسياً كبيراً، جعله محط أنظار القوى الدولية الساعية لحماية خطوط الملاحة، حيث يوفر ميزة الدفاع عن البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

قوارب صيد بالقرب قرب ساحل باب المندب من جهة اليمن 2 إبريل/ نيسان 2026 (رويترز)

نبذة تاريخية

يعود الوجود التاريخي لمضيق باب المندب إلى العصور السحيقة من عمر الأرض، وتفيد الدراسات أنه تشكل بفعل الحركة التكتونية في الحقبة الجيولوجية الثالثة، وتشير فرضية الأصل الفردي للهجرات البشرية أنه كان أول ممر لعبور الإنسان من القارة الأفريقية نحو قارة آسيا وبقية قارات العالم.

مع بزوغ الفجر التاريخ تحول المضيق إلى نقطة محورية لربط التجارة البحرية القديمة بين القرن الأفريقي، والجزيرة العربية، والهند، وحتى القرن العاشر الميلادي، كان واقعاً تحت سيطرة إمبراطورية أكسوم (حكمت شمال إثيوبيا وإريتريا).

وتشير النقوش السبئية، والتي تعود إلى أوائل القرن السادس الميلادي، إلى مفهوم “سلسلة المندب” في سياق الصراع الحربي العنيف الذي دار بين الملك اليمني ذي نواس الحِميري وبين الغزاة من مملكة أكسوم.

وفي القرن الـ15 الميلادي، مع وصول الأسطول البرتغالي إلى المحيط الهندي عبر طريق رأس الرجاء الصالح، تراجعت أهمية مضيق باب المندب، لا سيما فترات قوة الدولة العثمانية التي أحكمت سيطرتها على المضيق، ومنعت السفن الأوروبية من الملاحة بالبحر الأحمر.

ومع ضعف الدولة العثمانية أواخر عهدها، بدأ التنافس الفرنسي البريطاني على المنطقة، وتسلل نفوذهما إلى البحر الأحمر وصولا إلى “باب المندب” وأصبحت منطقة المضيق محل تنافس القوى الاستعمارية الأوروبية.

وعندما بدأت موازين القوى الدولية تتغير مع تراجع الدولة العثمانية وظهور الأطماع الأوروبية للسيطرة على طرق التجارة، وفي عام 1799 سيطرت بريطانيا على جزيرة ميون (بريم)، وفي عام 1839 استقر البريطانيون بجزيرة كمران، وثبتوا قوات عسكرية

وشهد عام 1869 المنعطف التاريخي الأبرز للمضيق بافتتاح قناة السويس في مصر؛ إذ تحول باب المندب فجأة من ممر مائي إقليمي إلى أحد أهم الممرات في العالم، وفي القرن العشرين حدثت تحولات كبيرة.

وشهدت ستينيات القرن العشرين انحسار الاستعمار الغربي وبروز الهوية الوطنية للدول العربية والأفريقية، ومع خروج الاحتلال بريطانيا من مدينة عدن عام 1967، انتقلت السيادة على المضيق إلى الجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

كانت الجمهورية المعلن عنها حليفة للاتحاد السوفيتي، وهنا بدأ قطبا الحرب الباردة بالظهور في المنطقة، تمكن الأسطول السوفياتي من بسط نفوذه عند مدخل المضيق، من خلال استقراره في ميناء عدن وجزيرة سقطرى. وكانت أميركا موجودة بدورها في أرخبيل دهلك في إرتيريا.

ولم تلبث الأهمية العسكرية للمضيق أن ظهرت بوضوح خلال حرب أكتوبر عام 1973، حيث فرضت مصر بالتنسيق مع اليمن على إغلاق باب المندب أمام سفن إسرائيل ومنعت ناقلات الاحتلال من مغادرة أو الوصول إلى ميناء إيلات، مما شكل ورقة ضغط استراتيجية حاسمة.

ريف اليمن