تحتاج التنمية في المناطق الريفية اليمنية إلى أنظمة زراعية مستدامة تستطيع مع خلالها الأسر توفير سبل العيش وتعزيز الأمن الغذائي، ففي دلتا أبين الذي يعرف بسلة غذاء جنوب اليمن هناك تجربة فريدة.
حيث صنعت المنشآت الصغيرة تحولاً بارزاً في الإنتاج الزراعي من خلال نظام متكامل متعدد المهام استطاع معالجة جملة التحديات وصنعت أثراً واضحاً في الإنتاج وتوسع الزراعة خلال السنوات الماضية.
حيث كانت حقول ‹دلتا أبين› تكافح من أجل البقاء بسبب سلسلة من التحديات مثل التكلفة الباهظة للشتلات المستوردة وتلفها، والأضرار الناجمة عن الأسمدة والمبيدات الكيماوية، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الري المعتمد على الوقود.
وتبرز أيضاً ضعف أنظمة ما بعد الحصاد، حيث إن خيارات التخزين السيئة تفسد المحاصيل الناجحة وقد تفقد قيمتها قبل أن تصل إلى السوق، ووفق برنامج الإنمائي للأمم المتحدة ‹التخزين السيئ للمحاصيل يتسبب في خسارة نحو 26% من إجمالي الإنتاج الزراعي›.
مواضيع مقترحة
- مزارعو الطماطم في ‹دلتا تُبن› بين الخسارة والإفلاس
- دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال
- أبين.. تجربة بذور جديدة للطماطم تنتج محصول وفير
نظام الزراعي متكامل في دلتا أبين
بدلاً من معالجة التحديات الزراعية بشكل منفرد، عمل مشروع مدعوم على تقوية النظام الزراعي المحلي، عبر ربط المزارعين والموردين والمصنعين والأسواق في سلسلة قيمة محلية فعالة. وفق تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة «UNDP».
من خلال تعزيز أجزاء متعددة من النظام الزراعي في وقت واحد “بدءاً من الشتلات وصحة التربة إلى التصنيع والخدمات اللوجستية والأسواق ” ساعد نهج “الدورة الخضراء” في إعادة بناء اقتصاد زراعي مرن في أبين. وفق التقرير.
وبدأ المشروع بإجراء تقييمات للسوق ومشاورات مع المزارعين لفهم العقبات التي كانت تحد من إنتاجيتهم الزراعية. وقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر نموذج لمواجهة هذه التحديات بشكل جذري.
ركز النموذج على تعزيز سلسلة التوريد الزراعية بأكملها في وقت واحد، من خلال دعم المنشآت المحلية التي تزود المزارعين بالشتلات، والأسمدة العضوية، ومكافحة الآفات، وتقنيات الري، وخدمات التصنيع الغذائي، والوصول إلى الأسواق.
ووفق تقرير البرنامج الإنمائي، فإن النتائج تُظهر درساً يستفاد منه وهو “عندما تتحسن كل أجزاء النظام الزراعي معاً، يكون الأثر أكبر بكثير من مجموع أجزائه منفردة”، ولفت بأن “النتائج أصبحت ملموسة في جميع أنحاء النظام الزراعي”.
فقد ارتفع معدل التوظيف في المنشآت الصغيرة والمتوسطة بنسبة 138%، لينتقل من 47 إلى 112 وظيفة رسمية بينها 45 امرأة لأول مرة، وفي المنشآت الأصغر حجماً نما التوظيف من 11 إلى 39 عاملاً، إلى جانب ارتفاع الأجور اليومية في المجتمعات الريفية. وفق التقرير.

مشاريع محلية تعالج التحديات
“مشتل بن مشهور” الذي أسسه المهندس الزراعي عبد الله مشهور من بين المشاريع المحلية التي وسعت أعمالها وقال عبد الله “بالدعم الذي تلقيناه، طورنا المشتل من الصفر. في البداية كان المزارعون مترددين، ولكن بعد أن شاهدوا النتائج، نما الطلب سريعاً”.
تقف المنشآت المحلية الصغيرة والمتوسطة في قلب هذا التحول، حيث إن الشتلات المنتجة محلياً تتكيف بشكل أفضل مع مناخ أبين وتربتها، فقد ساعدت المزارعين على تقليل اعتمادهم على النباتات المستوردة.
لكن هذه المشاريع تخشى من الاستدامة بتعثر المشاريع التي بدأوها من خلال الدعم المقدم لهم. وقال عبد الله مشهور “الهدف الآن هو تحقيق الاستقرار على المدى الطويل”.
وأضاف: “نريد أن يتمكن المزارعون من الحصول على شتلات قوية محلياً. وبهذه الطريقة تتحسن محاصيلهم عاماً بعد عام”.
أيضا عملت جمعية “الجول النسوية” كمورد للسماد العضوي، بحصولها على آلة فرم تعمل بنظام الطاقة الشمسية، مما يدعم الإنتاج المستدام والفعال حتى في ظل غياب الكهرباء العامة.
وقالت مديرة الجمعية، حسينة “في السابق، كان الأمر يستغرق شهرين أو ثلاثة أشهر حتى تتحلل المواد العضوية. ولكن مع آلة الفرم التي حصلنا عليها، تتفكك المواد بشكل أسرع بكثير وتحسن الإنتاج بشكل كبير”.
ووفق تقرير البرنامج الإنمائي “ما بدأ كجمعية صغيرة تضم 58 عضوة، أصبح اليوم يضم 142 امرأة، مع توسع أنشطتها التجارية وتوفير مصدر دخل مستدام للأسر في المجتمع المحلي”.
والأهم من ذلك، أن المشتل والجمعية لا يعملان بمعزل عن بعضهما؛ فالسماد العضوي يحسن صحة التربة، بينما تعطي الشتلات عالية الجودة إنتاجية أقوى، ومكنتهما هذه الشراكة من تلبية طلبية سماد تبلغ 70 طناً قُدِّرت قيمتها بنحو 12,000 دولار أمريكي. وفق التقرير.
ويتوطد هذا النظام بشكل أكبر عبر تعزيز فرص الحصول على المدخلات الزراعية الأساسية وتقديم تسهيلات ائتمانية مرنة لشراء الاحتياجات الزراعية، تضمن قدرة المزارعين على تبني ممارسات محسنة دون تحمل تكاليف أولية باهظة.
ومن أجل تبني ممارسات زراعية مستدامة وصديقة للبيئة وإدراكا لمخاطر الأسمدة الكيماوية، برز إنتاج “زيت النيم” وهو حل طبيعي لمكافحة الآفات يُستخلص من بذور أشجار النيم.
“علي” صاحب المعصرة يقول إن سبب إقبال المزارعين على هذا المنتج بأنه “آمن على الإنسان والحيوان والحشرات النافعة مثل النحل، كما أن مسحوق النيم يحمي المحاصيل من النمل الأبيض”.
بالنسبة للمزارعين يقول “أسامة” بأن استخدامه لزيت النيم صنع فرق وقال: “منذ أن بدأت في استخدامه، أصبحت الآفات أقل إثارة للقلق، ومحاصيلي باتت أكثر صحة وإنتاجي أفضل من ذي قبل”.

من الحصاد إلى التسويق
من أبرز التحديات التي تواجه المزارعين هي الحصول على البذور وتخزين ونقل المحاصيل الزراعية، وضمن نموذج الدعم المتكامل للقطاع الزراعي في دلتا أبين تلقت مؤسسات متخصصة بالبذور ومعالجة المحاصيل وتخزينها.
وساهمت هذه التحسينات في تقليل خسائر ما بعد الحصاد وساعدت المزارعين في تأمين أسعار أفضل لمحاصيلهم. وقال مأمون، مدير وكالة بن فليس الزراعية في أبين “نحن نزود المزارعين ببذور سمسم عالية الجودة، ونربطهم بالمشترين من خلال شبكتنا التسويقية”.
“صابر” مزارع السمسم يقول “كان التحدي الأكبر بالنسبة لنا يكمن في مرحلة ما بعد الحصاد، أما الآن، فيتم تنظيف البذور وفرزها وتخزينها بشكل صحيح قبل الذهاب إلى السوق”.
كما يعمل معمل دلتا أبين للصناعات الغذائية على تعبئة المحاصيل وإعدادها للتوزيع. وقالت ابتسام، مديرة المعمل: “تركيزنا ينصب على الجودة؛ فعندما يتم التعامل مع المنتج بشكل جيد، تُكافأ جهود المزارعين”.
حيث تتولى وكالة بن فليس عمليات التنظيف والفرز وتجهيز البذور بعد الحصاد، يضيف معمل دلتا أبين قيمة للمنتج من خلال التغليف المحكم، والوزن الدقيق، واستخدام مواد عالية الجودة، مما يضمن تقديم منتجات جاهزة للسوق.
وتنعكس هذه المكاسب بشكل أكبر على امتداد السلسلة، إذ يلعب فؤاد، الذي يعمل كموزع للمنتجات وصاحب مخزن لإنضاج الفواكه، دوراً محورياً في ضمان وصول المحاصيل إلى الأسواق في حالة مثالية.
وساهمت إعادة تأهيل منشأة الإنضاج الخاصة به في تعزيز عمليات ما بعد الحصاد عبر السماح بحفظ المنتجات، وإنضاجها، وإعدادها بشكل أفضل. وفق تقرير البرنامج الإنمائي. يقول فؤاد: “الآن يمكننا الوصول إلى أسواق بعيدة، وتسليم المنتجات بحالة أفضل بكثير”.

تنمية واستقرار زراعي
كان الأثر واضح من خلال الدعم المتكامل للنظام الزراعي المحلي، وفق البرنامج الإنمائي، الذي أشار بأن هذه التدخلات عبر نقاط متعددة زادت في سلسلة القيمة، وأصبحت الأعمال أكثر إنتاجية وربحية.
إذ زادت المبيعات السنوية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بنسبة 48%، في حين ارتفعت صافي الأرباح بنسبة 22.6%، مما يعكس كفاءة أقوى ووصولاً أفضل إلى الأسواق. وشهدت المنشآت الأصغر مكاسب مماثلة، حيث ارتفع متوسط مبيعاتها من 21,000 دولار إلى 36,000 دولار.
كما عززت التحسينات التشغيلية الاستدامة، وتراجعت خسائر الإنتاج بنسبة 26%، في حين باتت الطاقة الشمسية تغطي الآن حوالي 75% من الطاقة التشغيلية، وانخفض استهلاك الوقود بنسبة 42% مما أدى إلى خفض التكاليف.
وبالنسبة للمزارعين، ارتفع الدخل وتحسنت جودة المحاصيل، وبدأت المخاطر المرتبطة بالزراعة في الانخفاض، مما يمثل تحولاً واضحاً من الإنتاج الهش إلى نظام زراعي أكثر استقراراً ومرونة. وفق التقرير.
هذا التحول في “دلتا أبين” يعني أكثر من مجرد زيادة في الإنتاج فهي تسهم في إطعام الأسر، وتدعم سبل العيش، حيث بات المزارعون والموردون والمصنعون والموزعون مرتبطين بشكل متزايد عبر نظام زراعي محلي فعال.





