الخميس, 18 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تراث

استقبال العام الهجري.. عادات وطقوس تتوارثها الأجيال

ريف اليمن 📅 يونيو 18, 2026

قبل غروب شمس آخر أيام العام الهجري، يتجمع عشرات الأطفال في أحياء مدينة تريم بمحافظة حضرموت حاملين حزمًا صغيرة من الأغصان والأوراق العطرية تعرف محليًا بـ”الكبيدي”، مرددين أهازيج شعبية توارثتها الأجيال، في مشهد يعيد إحياء واحدة من أقدم العادات المرتبطة باستقبال العام الهجري الجديد في حضرموت.

وتشهد المحافظة مع مطلع كل عام هجري جديد أجواء احتفالية مميزة تعكس تمسك المجتمع بإرثه الحضاري وعمق ارتباطه بموروثه الثقافي والاجتماعي، باعتباره أحد أبرز ركائز الهوية الحضرمية حيث يحرص الأهالي على إحياء التقاليد المتوارثة التي شكلت جزءًا من هويتهم عبر الأجيال بفعاليات متنوعة وطقوس شعبية وتراثية.

وتتضمن الاحتفالات فعاليات متنوعة تشمل الفنون الشعبية والألعاب التراثية والأهازيج التقليدية، إلى جانب التجمعات التي تعزز قيم التكافل والتلاحم بين أفراد المجتمع، ولا تقتصر هذه المناسبة على مظاهر الفرح والاحتفاء فحسب، بل تمثل فرصة مهمة لتعريف الأجيال الناشئة بالعادات الأصيلة وترسيخ ارتباطهم بتاريخ مجتمعهم وهويتهم الثقافية.


مواضيع مقترحة


احتفاء سنوي

يقول المواطن صالح عبيد لـ”ريف اليمن”:” لازلنا نحافظ على هذه العادة، ونحن اليوم في حافة الحداد بمنطقة النويدرة بمديرية تريم، نحتفل برأس السنة الهجرية، وهو احتفال يتجدد كل عام، حيث يجتمع كبار السن والشباب والأطفال في مشهد يعكس روح الألفة والمحبة والتكاتف المجتمعي، لإظهار البهجة والسرور باستقبال العام الهجري الجديد، ونسأل الله العلي القدير أن يجعل هذه السنة عام خير وبركة على الأمة العربية والإسلامية واليمن وحضرموت.”

ويضيف:”يتجمع الكل هنا من أجل إدخال السرور على الأهالي والزوار، ويعملون بروح الفريق الواحد وكأنهم خلية نحل؛ كلٌ يؤدي دوره بكل تفانٍ وإخلاص في عمل تطوعي لا يعرف الملل أو الكلل، يجمعهم هدف سامٍ يتمثل في نشر الفرحة وتعزيز قيم التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع.”

يُعد الاحتفال بالعام الهجري الجديد 1448هـ أحد الممارسات الراسخة التي توارثتها الأجيال في محافظة حضرموت، حيث تتجسد فيه ملامح الموروث الشعبي المتنوع الذي تزخر به المحافظة عمومًا، ومدينة تريم على وجه الخصوص، في مشهد يعكس أصالة الهوية الثقافية والاجتماعية لأبنائها، كما تسهم مشاركة الأطفال والشباب في الأنشطة التراثية المختلفة في نقله من جيل إلى آخر، بما يضمن استدامته والحفاظ عليه من الاندثار.

 

يشارك طيف كبير من مختلف فئات المجتمع بالمناسبة ويشكلون لوحة مجتمعية تعكس روح التعاون والانتماء (ريف اليمن)

ويوضح مدير مكتب وزارة الثقافة بمديرية تريم عبد الله حميدان أن هذه الفعالية تهدف إلى الحفاظ على الموروث الشعبي الذي تتميز به مدينة تريم، وتعزيز قيم الألفة والتقارب بين أبناء المجتمع.

وأكد حميدان خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، “أهمية استمرار إقامة مثل هذه الفعاليات الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، لما لها من دور في صون الهوية الثقافية وإحياء التقاليد الأصيلة، وتعريف الأجيال الجديدة بالإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة.”

إرث مجتمعي

بدروه يؤكد الدكتور صبري عفيف، أستاذ التاريخ بجامعة سيئون، “أن هذه التقاليد المتوارثة في محافظة حضرموت تمثل أحد أبرز مظاهر ترسيخ العلاقات الأخوية وتعزيز التلاحم الاجتماعي بين أفراد المجتمع، فضلاً عن دورها في تنمية الثقافة المجتمعية وصقل المواهب والقدرات الشبابية”.

ويشير إلى “أن هذه الاحتفالات تحظى بمشاركة واسعة من مختلف فئات المجتمع، حيث يجتمع المسؤولون والشباب والرياضيون والفرق التطوعية والشبابية في لوحة مجتمعية متكاملة تعكس روح التعاون والانتماء، مؤكداً أن الجميع يشارك بسعادة في إحياء هذه المناسبة التي تحمل في طياتها معاني الفرح والتآخي والمحبة”.

ويستعرض الدكتور صبري عفيف، أستاذ التاريخ بجامعة سيئون، في حديثه لـ”ريف اليمن”، جانباً من الإرث الشعبي المرتبط باستقبال العام الهجري الجديد في حضرموت، مشيراً إلى أن الأطفال في الماضي كانوا يتوجهون إلى المزارع لجمع أعواد الأشجار وأوراق النباتات العطرية، مثل أوراق الفلفل والليمون، ثم يجمعونها في حزم صغيرة تشبه حزم الحطب، تُعرف محلياً باسم “الكبيدي”.

وأوضح عفيف إلى أن الأطفال كانوا يحملون “الكبيدي” إلى منازلهم وهم يرددون أهازيج شعبية متوارثة تعكس روح الفرح والبهجة بهذه المناسبة، ومنها:”كبيدي على راسي.. وجبته من الوادي.. وبعته بخمسيه.. ولا جاب عشويه”

وأضاف “أن ربة المنزل كانت تقوم بتعليق “الكبيدي” فوق الطست أو القدر الذي تُطهى فيه وجبة الشربة الخاصة بهذه المناسبة، في مشهد تراثي يعكس ارتباط الأهالي بعاداتهم المتوارثة وحرصهم على إحيائها جيلاً بعد جيل”.

بين الماضي والحاضر

من جانبه، يستعيد عاشور سالمين، أحد أبناء المنطقة الذين عايشوا تلك الحقبة، ذكريات الاحتفال بالعام الهجري في الماضي، قائلاً لـ”ريف اليمن”، “إن الأطفال كانوا يخرجون إلى المزارع لجمع “الكبيدي”، قبل أن تُعلق فوق “الصفرية” أو أواني إعداد الشربة، وسط أجواء من الفرح والابتهاج”.

وأشار “إلى أن النساء الكبيرات في السن كن يشاركن في هذه المناسبة من خلال ترديد الأهازيج الشعبية وإحياء الأجواء الاحتفالية، في حين كان الأطفال يمارسون طقوساً شعبية تعكس روح المناسبة، لافتاً أن هذه الذكريات لا تزال حاضرة في الوجدان، وأن استمرار إحياء هذه العادات سنوياً يُسهم في تعريف الأجيال الجديدة بها”.

ويصف عاشور أجواء الاحتفال برأس السنة الهجرية في حضرموت بأنها مناسبة تتجدد معها مشاعر التفاؤل والأمل، حيث يجتمع الأهالي للدعاء بأن يكون العام الجديد عاماً تغزر فيه الأمطار، وترخص الأسعار، ويرتفع البلاء عن البلاد والعباد”.

وأشار “إلى أن الاحتفالات المصاحبة لهذه المناسبة تتضمن العديد من الفعاليات التراثية من بينها الوصلات الفنية والأهازيج الشعبية التي تستحضر إرث الأجداد، إلى جانب الألعاب التقليدية التي اشتهرت بها المنطقة، مثل لعبة “الزربادي” ولعبة “الرزيح”، فضلاً عن المسابقات والأنشطة الترفيهية المخصصة للأطفال، بما يضفي أجواءً من الفرح والبهجة على مختلف فئات المجتمع”.

 

تمثل وجبة “الشربة” أحد أبرز المظاهر الاجتماعية المرتبطة بالاحتفال برأس السنة الهجرية في حضرموت (ريف اليمن)

وأوضح سالمين “أن الموروث الغذائي يشكل جانباً مهماً من احتفالات العام الهجري، حيث تُعد بعض الأكلات الشعبية المرتبطة بهذه المناسبة، ومن أبرزها “المحشي” الذي يُطهى بطريقة تقليدية تُعرف محلياً باسم “المخضة”، وهي طريقة تمنح الطعام نكهة ورائحة مميزة لا تزال حاضرة في ذاكرة الأهالي.

وأضاف “أن الأجيال السابقة، وقبل انتشار وسائل التبريد الحديثة، كانت تعتمد على أساليب تقليدية لحفظ اللحوم وتجفيفها لفترات طويلة، في ممارسات تراثية تشبه إلى حد كبير إعداد “القديد”، الأمر الذي يعكس خبرة المجتمع المحلي في حفظ الأغذية والاستفادة منها على مدار العام”.

وجبة الشربة

تمثل وجبة “الشربة” أحد أبرز المظاهر الاجتماعية المرتبطة بالاحتفال برأس السنة الهجرية في حضرموت، حيث تجسد قيم التعاون والتكافل التي توارثها الأهالي جيلاً بعد جيل، ويوضح عبدالله مبارك، مواطن من تريم “أن الاحتفاء بالعام الهجري الجديد يتجسد سنوياً في إعداد وجبة الشربة بصورة جماعية، حيث يتعاون أبناء المنطقة في توفير مكوناتها وتجهيزها بشكل تطوعي، لاسيما في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يعيشها أبناء اليمن عامة وحضرموت خاصة”.

وأشار إلى أن هذا التعاون المجتمعي يعكس روح التكاتف بين الأهالي، إذ يساهم البعض بتوفير البهارات والمكونات، فيما يشارك آخرون في إعداد الوجبة وطهيها، في مشهد يجسد قيم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع”.

من جانبه، أوضح الدكتور صبري عفيف “أن وجبة الشربة تتكون من البر وقطع صغيرة من اللحم ومزيج من البهارات المحلية، وتُعد من الأطباق المرتبطة باستقبال العام الهجري الجديد”.

يتضمن الاحتفال فعاليات متنوعة تشمل الفنون الشعبية والألعاب التراثية والأهازيج التقليدية (ريف اليمن)

وأضاف “أن الشباب المتطوعين يبدؤون منذ ساعات العصر في تجهيز الشربة داخل قدر كبير في إحدى ساحات مدينة تريم، لتُقدم بعد صلاة المغرب للحاضرين سنوياً في موقع الاحتفال، كما يتم توزيعها على عدد من المساجد المجاورة وكبار السن في المنازل”.

ليلة عاشورا

وأكد “أن هذه المبادرات تعكس قيم التكافل الاجتماعي وإدخال السرور على الأهالي، وتعزز روح المشاركة المجتمعية في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، بما يسهم في الحفاظ على هذا الإرث الشعبي وترسيخه في ذاكرة الأجيال القادمة”.

ولليلة العاشر من محرم نصيب أيضا، فهي تُعدّ ليلة خاصة ومميزة في حضرموت، ويُحتفى فيها بوجبة الكرعان، وهي طبخة حضرمية تريمية، تُطبخ في ليلة العاشر من محرم من كل عام، والكرعان هي أقدام الذبائح، وتطبخ بعد خطوات من التنظيف والتجفيف، وتكون طباختها مع الدجر والفقوز والبهارات.

ومن الطقوس أيضا التنقوع بالماء، وبحسب وليد الصبان، يُعمل بهذه العادة يوم الثامن من محرم حيث يُمرّ أمام البيوت وينادي “تنقوع يا حبايب”، ويتابع الصبان: “ويُسمى اليوم التاسع (يوم زمزم)، وقد كان الأهالي يعتقدون أن كل مياه الآبار في عينات تنبع من ماء زمزم، فيُتبرك بالماء بغسل الأبدان والملابس والشرب بنية العافية والبركة”.

ريف اليمن