الثلاثاء, 1 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مجتمع

نزاعات الأراضي.. عبء يلتهم اقتصاد الأسر الريفية

عبدالرقيب اليعيسي 📅 أغسطس 31, 2026

على امتداد أرياف مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، تتكرر رؤية مشاهد أراضي واسعة تبدو للناظر أنها مساحات طبيعية ساكنة، لكنها من الداخل مشحونة بنزاعات طويلة الأمد، فهي لا تُزرع، ولا تُستصلح، لكنها في المقابل لا تتوقف عن استنزاف أصحابها ماديًا واجتماعيًا، ضمن دورة نزاع مفتوحة بلا نهاية.

في أحد هذه المشاهد، يقف محمد فاضل أمام أرض واسعة ورثها النزاع قبل أن يرثها هو، تأكلها السيول عامًا بعد آخر حتى غدت بلا ملامح أو رسوم واضحة.

يقول فاضل لـ”ريف اليمن”: “قبل أكثر من أربعين سنة، دخل والدي في شريعة مع أقارب له على هذه المساحة المفتوحة، ومنذ ذلك الوقت تحولت القضية إلى مسار طويل بين المشايخ والمحاكم والوساطات، وصولًا إلى المحكمة العليا في صنعاء، دون أن تُغلق نهائيًا”.

ومع مرور السنوات، تعطلت الأرض وتعطل معها مسار حياة كامل داخل الأسرة، فالنزاع لم يتوقف عند جيل الأب، وإنما امتد تلقائيًا إلى الأبناء، ليصبح جزءًا من الإرث، كما لو أن الشريعة نفسها أصبحت إرثًا موازيًا للأرض.


مواضيع مقترحة


يوضح فاضل أن الأسرة أنفقت خلال هذه السنوات مبالغ كبيرة على المحاماة والتنقلات والشهود والوساطات والقضاة، حتى بات يعتقد أن ما استُنزف على النزاع كان كافيًا لشراء أراضٍ أخرى أضعاف مساحة الأرض المُتنازَع عليها.

شرائع متوارثة

لكن هذا الامتداد الطويل للشرائع لا يمكن قراءته فقط من زاوية الخسارة المالية المباشرة، كما يوضح الباحث في العلوم الاجتماعية صلاح الحقب، إذ يرى أن هذه النزاعات لا تفهم بمعايير الربح والخسارة وحدها، بل تنبع من بنية اجتماعية أعمق تحكم إدراك الناس للحق والملكية والكرامة في المجتمع اليمني.

ويقول الحقب لـ “ريف اليمن” إن الشريعة تتداخل فيها مفاهيم الكرامة والوجاهة الاجتماعية ونزعة الندّية بين الأطراف، وهي عناصر تجعل من التراجع عن المطالبة بالحق أو الانسحاب من الشريعة فعلا اجتماعيا ثقيلا، قد يقرأ بوصفه ضعفا أو تنازلا غير مقبول.

ويضيف الحقب أن هذه البنية تدفع الأطراف إلى الاستمرار في النزاع حتى عندما تتجاوز كلفته الاقتصادية قيمة محل الخلاف نفسه، سواء كان أرضا صغيرة، أو مسقى ماء، أو شجرة محدودة القيمة.

ومع مرور الوقت، تتحول الشريعة إلى حالة ممتدة تتوارثها الأجيال، لتصبح جزءا من ذاكرة العائلة، لا مجرد ملف نزاع عابر، وهذا الامتداد الزمني لا يبقى محصورا داخل الإطار الأسري، بل ينعكس مباشرة على الأرض نفسها، إذ تفقد وظيفتها الإنتاجية تدريجيا، وتخرج من الدورة الزراعية، بينما يظل اسمها حاضرا في المحاكم والمجالس القبلية كملف مفتوح لا يغلق.

اقتصاد تحت النزيف

في شهادة أخرى، يروي المواطن علي حسين، من أرياف مديرية قعطبة، جانبا أكثر تفصيلا عن الكلفة اليومية لهذه النزاعات، حيث لا تقتصر المعاناة على أصل القضية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى أعباء ثقيلة.

يقول حسين لـ”ريف اليمن”، إنه خاض شريعة على “مسقى” استمرت سبع سنوات، ووصلت إلى مرحلة الاستئناف، بينما ظل المجرى المائي معطلا طوال تلك الفترة دون أي استفادة.

تتحول الشريعة إلى حالة ممتدة تتوارثها الأجيال وينعكس ذلك على الأرض

ورغم كل هذه السنوات لايزال النزاع حوله قائما، ويتسبب أحيانا في صدامات، مع محاولات للشروع في القتل، إلى جانب حالة من القلق والترقب المستمر يعيشها الأطراف تجاه بعضهم والمكان محل النزاع.

لكن ما يلفت في تجربة حسين ليس طول النزاع فقط، وإنما حجم الإنفاق الذي رافقه، والذي بدأ من التنقلات اليومية إلى جلسات المحاكم، وصولا إلى نفقات غير مباشرة باتت جزءا من حياة الخصومة.

ويشرح أن الوصول إلى المحكمة لمن يسكن الأرياف يتطلب سفر بسبب بعد القرى، إضافة إلى تكاليف الطعام ومصاريف الشهود في كل جلسة يحضروا بها، فضلا عن دفع أجور باهظة بمئات الآلاف لقضاه وجنود ومحكمين ممن يخرجون إلى موقع النزاع، حتى تحولت القضية من نزاع على مسقى إلى استنزاف كامل لموارد الأسرة.

ويضيف حسين أن هذه الكلفة دفعته إلى بيع ذهب والدته، والأغنام، ثم امتدت آثارها إلى الأبناء، حيث اضطر بعضهم إلى ترك الدراسة والاتجاه إلى العمل لتغطية نفقات النزاع.

أرض بلا إنتاج

هذا النمط من الاستنزاف لا يبدو حالة فردية في نظر الناشط المحلي علوي سلمان، من أرياف محافظة الضالع، الذي يرى أن الشرائع في الريف لم تعد تقتصر على نوع واحد من النزاعات، بل أصبحت شبكة واسعة تشمل الأراضي والمواريث والآبار وحتى العلاقات الاجتماعية اليومية، ما يجعلها أكثر تعقيدًا وتشابكًا من السابق.

حسين: تكلفة شريعة على مسقى دفعتني إلى بيع مقتنيات ثمينة واضطر بعض أبنائي إلى ترك الدراسة والاتجاه للعمل لتغطية نفقات النزاع

ويشير سلمان لـ”ريف اليمن” إلى أن هذه النزاعات تتوزع بين المجالس القبلية والمحاكم والنيابات، في مسارات متداخلة تنتج ما يعرف محليا بـ“مخاسير المقاضاة”، وهي كلفة لا تتعلق فقط برسوم التقاضي، بل بكل ما يرافقه من تنقل وإجراءات ووساطات، ومع الوقت، تصبح هذه المخاسير جزءًا من العبء الاقتصادي اليومي للأسر الريفية.

ويؤكد أن النتيجة المباشرة لهذا المسار هي خروج عدد كبير من الأسر من دائرة الإنتاج الزراعي، إذ يتحول تركيزها من العمل في الأرض إلى متابعة القضايا، ما يؤدي إلى شلل تدريجي في الزراعة وتراجع واضح في مصادر الدخل، إلى جانب تصاعد التوترات الاجتماعية داخل القرى.

يقدم محمد ناجي المنتصر، أحد أعيان مديرية دمت، قراءة مختلفة لكنها مكملة للصورة، إذ يرى أن الشرائع أصبحت أكثر تعقيدًا في السنوات الأخيرة نتيجة ضيق الأوضاع المعيشية وتجزؤ الملكيات بين الورثة، إضافة إلى التحولات الاجتماعية التي قلصت فرص التسامح والقبول بالحلول الودية.

ويضيف المنتصر لـ”ريف اليمن” أن إطالة النزاعات لا تستنزف المال فقط، بل تعيد تشكيل حياة الناس اليومية، من خلال كلفة التنقل المستمرة، والوساطات المتكررة، والتقاضي الممتد، خصوصًا عندما يتولى الوساطة أشخاص لا يمتلكون الخبرة الكافية أو لا يحظون بثقة جميع الأطراف، ما يؤدي إلى تعقيد الخلاف بدل حله.

ويشير إلى أن الأعراف القبلية كانت في السابق تلعب دورا حاسمًا في احتواء الخلافات، عبر شخصيات مشهود لها بالقبول والحكمة، لكن هذا الدور تراجع جزئيًا، ما جعل بعض القضايا تستمر لسنوات دون أفق واضح للحل، لتتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي يتراكم مع الزمن.

أسباب متداخلة

من وجهة نظر حقوقية، يرى المحامي منصور الإدريسي، أن تأخر البت في نزاعات الأراضي والشرائع لسنوات يعود إلى أسباب متداخلة، أبرزها عدم جدية بعض المتقاضين في متابعة قضاياهم وتأخير تحريكها بعد استبعادها، إلى جانب ازدحام الملفات أمام المحاكم وعدم كفاية عدد القضاة لإنجاز هذا الكم من القضايا.

المحامي الإدريسي: تأخر البت في نزاعات الأراضي يعود إلى أسباب متداخلة أبرزها عدم جدية بعض المتقاضين في المتابعة ونقص الكوادر القضائية

ويضيف الإدريسي لـ”ريف اليمن” أن طريقة إدارة القضية داخل المحكمة يمكن أن تزيد مدة النزاع أو تختصرها، إذ يرى أن على القاضي إدارة الإجراءات بمرونة واختصار ما يمكن اختصاره في حدود القانون، خصوصا عندما يحاول أحد الأطراف إطالة القضية.

ولا تتوقف الكلفة عند سنوات الانتظار، بحسب الإدريسي، فالمتقاضي يتحمل نفقات متكررة للانتقال من قريته إلى المحكمة والغياب عن عمله، وأتعاب المحامين، إضافة إلى مصاريف وإجراءات إدارية أخرى، ما قد يدفع بعض الأسر إلى العجز عن مواصلة متابعة القضية التي تبقى عالقة.

ويشير إلى أن النزاع قد يستمر حتى بعد صدور الحكم النهائي، إذ يحتاج المحكوم له إلى تقديم طلب ومتابعة إجراءات التنفيذ، التي قد تترتب عليها تكاليف إضافية، خصوصا عند النزول إلى موقع الأرض، وأحيانًا الحاجة إلى حماية أمنية أثناء التنفيذ.

ويلفت الإدريسي إلى أن هذه الأعباء قد تدفع بعض المحكوم لهم إلى تأخير التنفيذ أو التوقف عن متابعته، فتظل الأرض محل النزاع دون استثمار، رغم صدور حكم نهائي بشأنها.

وتبقى النتيجة الأبرز أن الأرض، التي كانت مصدر إنتاج واستقرار، تتحول مع استمرار النزاع إلى مساحة معلقة بين أطراف الخصومة، فيما يواصل الريف دفع كلفة نزاع لا ينتهي، لا في المحاكم فقط، بل في تفاصيل حياته اليومية أيضًا.

صحفي وكاتب يهتم بالقضايا الاجتماعية والريف اليمني، بكالوريوس صحافة - جامعة صنعاء