‹كان مخاضا على حافة الموت› بهذه الكلمات تستعيد السيدة سلامة الأهدل (38 عاماً) الليلة العصيبة التي قضتها داخل منزلها في قرية المصيبر بمديرية حيس جنوبي الحديدة، حيث ظلت لساعات تعاني مخاضا متعسرا، بينما كان زوجها عبدالله سليمان في مهمة البحث عن سيارة لنقلها إلى المستشفى الذي يبعد مسافات طويلة عن منزله.
يروي سليمان، لـ “ريف اليمن” تفاصيل الساعات القاسية، وبقول: “بذلت قصارى جهدي في البحث عن سيارة تنقذ زوجتي، لأني كنت أرفض في البداية المخاطرة بنقلها على متن دراجة نارية نظرا لخطورة وضعها الصحي، ولكن انعدام خيارات النقل تسبب في تأخير عملية الاسعاف لعدة ساعات”.
ويوضح أنه اضطر في نهاية المطاف إلى المجازفة بنقلها بالدراجة النارية كخيار أخير، غير أن الوصول جاء متأخراً بعد أن فقدت سلامة كميات كبيرة من الدماء، وفور وصولهما، أبلغتها الطبيبة المناوبة أن زوجته تعرضت لنزيف حاد نتيجة تأخر إسعافها، فيما استدعت حالة مولودها إدخاله قسم الرقود والمتابعة الطبية جراء المضاعفات التي صاحبت الولادة المتعسرة.
مواضيع مقترحة
- الإجهاض .. وجع متجدد في طرق الريف الوعرة
- تنصنيف اليمن في اعلى مستويات الطورائالصحية
- طبيبة نجد حوشب حين يصبح الطب رسالة بوجه المستحيل
معاناة سلامة تعكس واقعاً مأساوياً تكابده مئات الحوامل في القرى الريفية، حيث تتحول الولادة من حدث طبيعي إلى رحلة صراع محفوفة بمخاطر الموت، بفعل وعورة الطرقات وبُعد المرافق الطبية، وغياب وسائل المواصلات، وضعف الإمكانات الصحية، فضلاً عن الارتفاع الحاد في تكاليف الوصول إلى خدمات الرعاية الأساسية.
تحديات صحية
تواجه النساء الحوامل في القرى النائية بمديرية حيس تحديات يومية للوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية، تتضاعف حدتها خلال ساعات الليل التي تشهد شللاً تاماً في حركة وسائل النقل.
وبقول المسؤول بمكتب الصحة في محافظة الحديدة، الدكتور علي أحمد، لـ “ريف اليمن”، إن عزل تلك القرى جغرافياً يتكامل مع افتقارها الحاد للمرافق المهيأة أو القابلات المتخصصات في الرعاية التوليدية الطارئة، الأمر الذي يدفع الأسر مكرهة إلى الاعتماد على “الدايات” التقليديات لتوليد النساء منزلياً بآليات بدائية تفتقر لأدنى مقومات التعقيم.
وينبه الدكتور أحمد إلى أن غياب الوعي الصحي لدى اللواتي يتولين التوليد المنزلي يضاعف منسوب الخطر، لا سيما عند حدوث مضاعفات حرجة مثل النزيف الحاد، أو عسر الولادة، أو اختناق الجنين، وهي مؤشرات تنتهي في كثير من الأحيان بوفاة الأم أو الجنين أو كليهما.
ويضيف أن وعورة الطريق تفرض على العائلات إبقاء المريضات داخل المنازل حتى تتفاقم حالتهن، مؤكداً تسجيل المديرية لعدة حالات وضع تعسرت على الطرقات قبل الوصول إلى مستشفى حيس الريفي نتيجة أزمة النقل الليلي.
مدير عام مديرية حيس مطهر القاضي: رغم اتساع الرقعة الجغرافية وتعدد القرى لا تزال المنظومة الإسعافية تعاني عجزاً حاداً فالمديرية بأكملها لا تمتلك سوى سيارة إسعاف واحدة
من جانبها، تؤكد القابلة في المديرية، أمة الرحمن الوحيدي، لـ “ريف اليمن” أن رحلة الأمومة في الريف تبدأ بآلام المخاض وتنتهي بمأساة كبيرة يغذيه الفقر، وبُعد المسافات، وغياب المتابعة الدورية لفترة الحمل.
وتلفت الوحيدي إلى المشهد المتكرر المتمثل في اضطرار الأهالي لنقل الحوامل على متن دراجات نارية لمسافات طويلة عبر مسارات غير ممهدة، مما يعرضهن لصدمات فيزيائية تعجل بالولادة في ظروف بيئية غير آمنة، أو توصلهما إلى المرفق الصحي وهن في حالة صدمة وعائية جراء النزيف الحاد، بينما يولد الأطفال مجهدين وبحاجة لإنعاش فوري غائب في تلك البيئات.
ووفقا للوحيدي، فإن المخاطر لا تنتهي بوضع الجنين، إذ تقع الأمهات اللواتي حُرمن من الرعاية أثناء الحمل في شرك مضاعفات ما بعد الولادة، وعلى رأسها النزيف الارتدادي، واعتلال ضغط الدم الشرياني، والتشنجات النفاسية الحادة، وهي عوارض ترفع من معدلات الاعتلال والوفيات بين الأمهات والمواليد الجدد في ظل غياب التدخل الطبي العاجل.
خدمات محدودة
رغم اتساع الرقعة الجغرافية لمديرية حيس وتعدد القرى التابعة لها، لا تزال المنظومة الإسعافية تعاني عجزاً حاداً، إذ يكشف مدير عام المديرية، مطهر القاضي، لـ “ريف اليمن”، أن المديرية بأكملها لا تمتلك سوى سيارة إسعاف واحدة فقط مخصصة للحالات الطارئة عبر التنسيق مع مكتب الصحة أو إدارة المستشفى.
ويقر القاضي بوجود معاناة حقيقية يواجهها سكان القرى البعيدة جراء انعدام خيارات النقل، لافتاً إلى أن الأزمة تمتد لتشمل مناطق ريفية واسعة في اليمن، حيث باتت الهواتف المحمولة الوسيلة الوحيدة المتاحة للأهالي لطلب الإغاثة وتحديد مواقع المرضى، غير أن خطوط الاتصال تظل عاجزة أمام غياب الآليات القادرة على اختراق الطرق الوعرة وإيصال الحوامل في الوقت المناسب.

يلقي العجز بظلاله مباشرة على قسم الطوارئ التوليدية، وتقول مديرة المستشفى الريفي في حيس، نسرين نصر الله، لـ”ريف اليمن”، إن المستشفى يستقبل بصورة متكررة حالات ولادة تصل في مراحل حرجة نتيجة وعورة الطرق وارتفاع كلفة النقل وغياب منظومة إسعاف فعالة ما يضاعف المؤشرات الخطيرة على حياة الأمهات والأجنة معاً.
وتشدد على أن خفض وفيات الأمهات والمواليد يتطلب دعم أقسام الولادة بالأدوية والمستلزمات المنقذة للحياة، وتوفير حاضنات للمواليد وكوادر متخصصة، إلى جانب رفد المديرية بسيارات إسعاف مجهزة وإنشاء وحدات رعاية أولية أقرب إلى القرى النائية لتقريب الخدمة الطبية من مستحقيها.
فجوة الاحتياج
رغم وجود بعض التدخلات الإنسانية في القطاع الصحي بالمديرية، يؤكد خبراء وميدانيون أن خارطة الدعم الحالي لا تغطي سوى جزء يسير من حجم الاحتياج الفعلي القائم.
يؤكد الدكتور علي أحمد أن مساهمات المنظمات الدولية والمحلية تظل محدودة النطاق، مستشهداً بـ “مركز الجرة الصحي” المدعوم من “جمعية الوصول الإنساني”؛ حيث يواجه هذا المرفق ضغطاً ديموغرافياً هائلاً كونه يمثل نقطة الارتكاز العلاجية لمرضى قادمين من أربع مديريات متداخلة هي: حيس، والخوخة، والمخا، ومقبنة.
علي جابر -أحد السكان- : المشكلة لا تتعلق بالنقل فقط، بل تمتد أيضاً إلى تدني مستوى الخدمات الصحية ونقص التخصصات الطبية والأدوية داخل المرافق والوحدات الصحية
ورغم نجاح المركز في تقديم خدمات رعاية الأمومة والطوارئ التوليدية على فترتين صباحية ومسائية، إلا أنه يواجه شحاً حاداً في الأدوية والمستلزمات المنقذة للحياة، مما يضاعف معاناة المترددين عليه الذين يتكبدون عناء السفر لمسافات طويلة بحثاً عن العلاج.
وتتجلى فجوة العجز في بند النقل الطارئ؛ إذ تقتصر الحصيلة التمويلية على تمويل ست حالات طارئة فقط شهريا، وهو سقف تشيغيلي متدني جداً ولا يتناسب مطلقاً مع المنحنى المتصاعد لأعداد الحوامل والمرضى الذين تتطلب حالاتهم نقلاً فورياً ومغطى الكلفة.
ويرى الدكتور أحمد أن الإستراتيجية العاجلة لإنقاذ الوضع الصحي في حيس تتطلب توسيع النطاق التشغيلي لأربعة مرافق حيوية على الأقل في أطراف المديرية؛ عبر رفدها بكوادر تخصصية متكاملة تعمل على مدار الساعة تضم طبيبات نساء وولادة، وأطباء عموم، وصيادلة، وفنيي مختبرات، وممرضين، وقابلات إلى جانب تأمين سلاسل إمداد مستدامة للأدوية والمستهلكات الطبية الأساسية.
معاناة مستمرة
لا تنفصل الأزمة الصحية الراهنة عن التعقيدات الاقتصادية القاسية التي تكابدها الأسر في مديرية حيس، إذ يشكل الارتفاع الحاد في أسعار السلع وغلاء كلفة النقل حاجزاً شبه مستحيل يمنع عائلات البلدات النائية من الوصول إلى المستشفيات.
ويوضح علي جابر من قرية الجرة لـ “ريف اليمن”، أن العزلة الجغرافية للقرى المتباعدة تفاقمت بفعل انعدام وسائل المواصلات العامة، مشيراً إلى أن الارتفاعات المتتالية للوقود شلّت قدرة الأهالي على الحركة وتحمل كلفة النقل الطارئ إلى المرافق الطبية.
ويؤكد أن المشكلة لا تتعلق بالنقل فقط، بل تمتد أيضاً إلى تدني مستوى الخدمات الصحية ونقص التخصصات الطبية والأدوية داخل المرافق والوحدات الصحية، وهو ما يدفع كثيراً من السكان إلى تحمل معاناة مضاعفة بين الفقر والمرض وبعد المسافات.
التداخل المعقد بين عوائق الجغرافيا وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تلخصه القابلة الميدانية أمة الرحمن باختزالها لحجم المأساة؛ مؤكدة أن القرى النائية في حيس لا تفقد نساءها بسبب المضاعفات البيولوجية للولادة ذاتها، بل نتيجة الزمن المفقود في رحلة البحث عن رعاية صحية آمنة وتأخر التدخل الطبي في الوقت المناسب.
ووفقاً لبيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، يصنف اليمن كأحد أخطر الأماكن في العالم للولادة، حيث تظل معدلات وفيات الأمهات مأساوية في ظل عيش مئات الآلاف من النساء في مناطق تفتقر لخدمات القابلات الماهرات، ومعاناة العيادات المتنقلة من ضغط يفوق طاقتها الاستيعابية.





