في الريف اليمني، حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية وتثقل الحرب كاهل السكان منذ سنوات، يظل عيد الأضحى حاضرا بروحه، رغم غياب الأضاحي عن كثير من البيوت التي أنهكها الفقر والبطالة، وانعدام مصادر الدخل، نتيجة التكافل الاجتماعي الذي يحضر بقوة في مختلف المناطق الريفية.
وبينما تعجز آلاف الأسر عن شراء الأضاحي نتيجة الارتفاع الجنوني في الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، يبرز التكافل الاجتماعي كقيمة أصيلة تعيد للعيد شيئا من بهجته، وتحافظ على روح الألفة والتراحم في مجتمع ريفي يكاد يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الأساسية.
ومع غياب حضور مؤسسات الدولة وتراجع المبادرات الإنسانية التي كانت حاضرة قبل الحرب، عن تقديم الدعم في القرى النائية، يتحول الحرمان إلى دافع يعزز قيم التعاون وتقاسم القليل بين الناس، في محاولة جماعية لحماية ما تبقى من ملامح العيد.
مواضيع مقترحة
- أضاحي سكان الريف.. بين وفرة الماضي وغلاء الحاضر
- مبادرات ريمة الإنسانية: تكافل مجتمعي ينقذ الأرواح
- رمضان في ريف اليمن: تكافل اجتماعي وأهازيج تراثية
في محافظات مختلفة، لا تزال العادات الاجتماعية المرتبطة بالأضحية حاضرة، رغم صعوبة الظروف الاقتصادية، ويقول رفيق علي من أبناء محافظة المحويت، إن “الأضحية نادرًا ما تكون فردية، بل يتشارك فيها الأقارب والجيران، وهو ما يخلق أجواءً من الألفة والفرح، ويمنح الناس إحساسًا حقيقيًا بالعيد.”
تعزيز الروابط الاجتماعية
يضيف رفيق، لـ”ريف اليمن”، أنه ” يخصص جزء كبير من الأضحية للتوزيع على الأقارب والجيران والفقراء، وتعد الصحون التي تُرسل بين البيوت مؤشرا على متانة الروابط الاجتماعية؛ فكل بيت يحرص على أن يتذوق جاره من لحم أضحيته.”
ويشير إلى أن الغرض من الأضحية هو التقرب إلى الله، وإطعام المحتاجين والفقراء وشكر الله على نعمه، وتعزيز قيم الرحمة والتكافل بين الناس، موضحا أن الأطفال يفرحون كثيرًا حين تصلهم “صحون” اللحم من الجيران، فيشعرون أن العيد لم يغب عن بيوتهم.
وأوضح رفيق أن الأهالي كانوا في السابق يتشاركون في شراء الأضاحي الكبيرة كالأبقار والإبل، فيما يُعرف بـ”الشَّرَك الجماعي”، حيث يشارك عدة أشخاص في أضحية واحدة، لكن تدهور الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة دفع كثيرا من الناس إلى الاكتفاء بشراء كبش واحد بنظام المشاركة، باعتباره وسيلة للتعاون وتخفيف الأعباء.
لا يزال سكان القرى يحاولون حماية ما تبقى من روح العيد، عبر أطباق اللحم في مشهد يؤكد أن التكافل لا يزال آخر ما تبقى في مواجهة الجوع والحرمان.
ورغم قسوة الحرب والفقر، لا يزال سكان القرى اليمنية يحاولون حماية ما تبقى من روح العيد، عبر أطباق اللحم القليلة أو الحلويات وأحيانا الدجاج، التي تتنقل بين الجيران، في مشهد يؤكد أن التكافل لا يزال آخر ما تبقى لليمنيين في مواجهة الجوع والحرمان.
واقع معيشي صعب
وفي عزلة الزعازع، إحدى المناطق الريفية النائية بمحافظة تعز، لم يعد السكان يسألون عن أسعار الأضاحي واللحوم، بل يخوضون كل يوم معركة البقاء مع أسعار الدقيق والأرز ومتطلبات البقاء الأساسية، هكذا يصف رشيد الزعزعي، الحال في قريته.
ويقول رشيد إلى أنه لا توجد مبادرات رسمية أو خيرية، لتوزيع الأضاحي أو أي مساعدة، فقد دأب أبناء الزعازع على تربية المواشي في تلك القرى الجبلية، لكنهم يضطرون لبيعها، لتوفير لقمة العيش؛ بسبب الحرب المشتعلة في البلاد منذُ أكثر من عقد.
ويضيف لـ”ريف اليمن”،: “في الأيام التي تسبق العيد، يهاجر العشرات من أبناء العزلة إلى الأسواق المجاورة لبيع مواشيهم في الأسواق المجاورة، ويأتي العيد ومعظمهم قد باع عيده “أضحيته”، من أجل سداد الديون وشراء المواد الغذائية.”
ويتحدث رشيد عن واقع معيشي شديد القسوة قائلاً: “الوضع عندنا صعب جدًا، لدرجة تشعر وكأن القرية تعيش العصر الحجري، لا في عام 2026، وحتى ملابس العيد أو حلوياته أصبحت نادرة، ورغم هذه المعاناة، يظل التكافل حاضرا في قريتنا، إذ يحرص الأهالي على مشاركة ما لديهم ولو بالشيء البسيط. ”
تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 22 مليون يمني سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام 2026
تدهور القدرة الشرائية
من جانبه، يوضح الصحفي الاقتصادي وفيق صالح أن ضعف إقبال المواطنين على شراء الأضاحي يعود إلى “تدهور القدرة الشرائية للسكان، وتلاحق الأزمات الاقتصادية في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، الأمر الذي أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي وضعف فرص العمل والحركة التجارية
ويضيف صالح لـ”ريف اليمن”، أن أسعار الأضاحي تشهد ارتفاعا مستمرًا نتيجة قلة العرض في الأسواق بسبب تراجع إنتاج الثروة الحيوانية وتدهور الأنشطة الزراعية، إلى جانب ضعف القدرة الشرائية للسكان وتدني الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الوطني بشكل عام.
وتعيش المجتمعات الريفية في اليمن حالة من الشلل الاقتصادي جراء أزمات متداخلة، تبدأ بانهيار العملة الوطنية ولا تنتهي بانقطاع المرتبات وتراجع المساعدات الإنسانية.
ووفقا لتقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، فإن الريف اليمني يتحمل العبء الأكبر من أزمة انعدام الأمن الغذائي، حيث تشكل الثروة الحيوانية نحو 25 بالمئة من القوى العاملة، في حين يستوعب القطاع الزراعي الشريحة الأكبر، وهي قطاعات تضررت بشكل مباشر جراء ارتفاع أسعار الوقود، وشح المياه، والتغيرات المناخية القاسية.
وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 22 مليون يمني سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام 2026، في ظل استمرار التدهور المعيشية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي

