الأربعاء, 5 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
نساء

النساء المعلقات.. مأساة صامتة بين سطوة العادات وتعطيل القانون

📅 أغسطس 5, 2026

لم تكن عالمة (50 عاماً)، إحدى نساء منطقة الحجرية بمحافظة تعز، تتوقع أن يضيع عمرها، حيث فوجئت عقب أشهر قليلة من زواجها بإهمال زوجها لها، وتضاعفت معاناتها حين غادر إلى السعودية وهي حامل في الشهر الخامس بطفلتها البكر دون إعلامها، ولم يقف الأمر هنا بل قطع تواصله بها وتوقف عن الإنفاق عليها.

بعد عودته واستمراره بسوء معاملتها، صمدت لفترة قبل أن تلجأ إلى منزل أهلها، وأمام تفاقم الخلاف بين الأسرتين، تدخل وجهاء القرية لإعادتها إليه، وعاشت تحت القسوة والخشية من فقدان طفلتيها، وتنجب ابنتها الثالثة ثم طفلها الرابع، قبل أن يغادر الزوج إلى الغربة مجدداً دون عودة.

أجبرها الهجر القسري على العودة إلى منزل عائلتها برفقة طفليها الصغيرين، في حين حُرمت من ابنتيها الكبريين. ورغم رفع أهلها دعوى قضائية للمطالبة بحقوقها، لم تفصل المحكمة في القضية، وظلت معلقة لسنوات.


مواضيع مقترحة


ظاهرة مجتمعية

تفاقمت مأساة عالمة إثر سقوطها من شجرة أثناء جمع الأعلاف لأغنامها مصدر رزقها الوحيد ما أدى إلى إصابتها بإعاقة حركية دائمة لتبقى قصتها واحدة من مئات الحكايات الصامتة التي تكابدها النساء المعلقات في الأرياف.

تقول عالمة لـريف اليمن”، “ارتبطت بزوج أناني وأهله لا يخافون الله، وعندما لجأت لأمي ضعت أكثر لأنها لم تكن تستوعبني، وفتحت ناراً لم تخمد، وبدلاً من أن أستقر في حياتي الزوجية زاد النفور بيني وبين زوجي لأصبح معلقة، لا متزوجة ولا مطلقة وأنا في عمر الـ 30 عاماً، والآن أنا معاقة بعمر الـ 50 لم تنصفني محكمة ولم يجبر بخاطري أحد”.

وتؤكد عالمة أن تجربتها القاسية ليست حالة فردية بل ظاهرة مجتمعية متفاقمة، مؤكدة وجود الكثير من النساء اللاتي خسرن أجمل أيامهن وزهرة شبابهن ليصبحن سجينات للأعراف والتقاليد.

تتشابه مأساة كريمة (60 عاماً) وهي أم لولد وأربع بنات من ريف حراز مع قصة عالمة، إذ كان زوجها يقضي معها أوقاتاً لا تتعدى أشهراً قليلة، ثم يتركها دون أن تعلم وجهته، قبل أن يتركها في آخر مرة معلقة مع أبنائها، لتصارع وتكابد مشقة الحياة بمفردها دون سند من أب أو أم، باستثناء خالها الذي كان يرعاها ويسأل عن أحوالها.

القرشي: تعليق الرجل لزوجته يُعد وسيلة ضغط وإذلال يمارسها الزوج لمنعها من الزواج، وإجبارها على رد المهر مقابل الحصول على الطلاق.

 

تقول كريمة لـ”ريف اليمن”،: “إلى الآن ما زلت حبيسة زواج لم أرَ منه سوى الوجع والإهمال إذ عاد بعد أن تزوج بأخرى وقد ضاع شبابي وعمري وضحيت بكل شيء لإسعاد أولادي. وتضيف :”لم يعد في عمري متسع من أجل أن أحاكمه أو أطلب الطلاق منه، لأنه لم يعد حبيباً ولا عدواً”.

ترى المحامية شيماء القرشي أن تعليق الرجل لزوجته يُعد وسيلة ضغط وإذلال يمارسها الزوج لمنعها من الزواج، وإجبارها على رد المهر مقابل الحصول على الطلاق.

وتوضح القرشي لـ” ريف اليمن” أن كثيراً من النساء يفضلن البقاء معلقات لتجنب التنازل عن حقوقهن، مشيرة إلى أن هذا التصرف يُعد خطأً تقع فيه المرأة وعائلتها نتيجة الجهل بالقانون الذي يُقر حقها في فسخ العقد إذا كان الخلل من طرف الزوج، حيث لا يُرد المهر له إلا في حالة كراهية الزوجة له دون سبب شرعي.

رأي القانون

وتشدد القرشي على ضرورة توعية المرأة لا سيما في الأرياف وولي أمرها بحقوقها الكافلة لفسخ عقد النكاح في حال تعرضها للإضرار من الزوج، وتؤكد أنه يتوجب على الزوج في هذه الحالات رد كل ما أخذ منها من أموال أو مجوهرات خاصة سواء كان ذلك كُرهاً أو برضاها، مع الحكم عليه بالنفقة الكاملة لها ولأطفالها طوال فترة إقامتها في بيت أهلها.

من الناحية التشريعية، تُعرّف المحامية شيماء عباس “المرأة المعلقة” في القانون بأنها الزوجة التي يتركها زوجها بلا طلاق ولا حقوق زوجية؛ فلا ينفق عليها، ولا يعاشرها، ولا يطلقها لتتزوج من غيره.

وتستعرض عباس نصوص قانون الأحوال الشخصية اليمني المتعلقة بالمأساة، مبينة أن المادة (54) تَعُد ترك الزوجة معلقة نوعاً من الضرر الموجب لطلب التفريق والفسخ إذا هجرها زوجها سنة فأكثر بلا عذر، كما تُجيز المادة (51) التفريق للضرر، معتبرة التعليق من أشد أنواعه.

وتضيف: أن المادة (152) تُشدد على وجوب النفقة للزوجة حتى وإن كانت ناشزاً، مما يجعل استحقاق المعلقة لها أولى وأكد. وعلى الرغم من إنصاف النصوص القانونية على الورق، تظهر الفجوة في التطبيق العملي؛ إذ يصطدم الواقع ببطء إجراءات التقاضي التي قد تستغرق سنوات طويلة.

عباش: تمنح الزوجة في حال غياب الزوج وانقطاع أخباره لمدة سنة الحق في طلب الفسخ والحضانة والنفقة للأولاد مستقلة عن دعوى الطلاق

 

وترى عباس أن القانون يتيح للمرأة المعلقة رفع دعوى نفقة تثبت فيها الهجر وتستحق بموجبها النفقة بأثر رجعي، بالتوازي مع رفع دعوى تفريق للضرر أو الهجر بعد إثبات مروره سنة كاملة، حيث يتوجب على المحكمة حينها فسخ عقد النكاح إجباراً عن الزوج.

كما أشارت إلى أحكام المادة (49) التي تمنح الزوجة في حال غياب الزوج وانقطاع أخباره لمدة سنة الحق في طلب الفسخ والحضانة والنفقة للأولاد مستقلة عن دعوى الطلاق، حتى لا تُستخدم تلك الحقوق كأداة للابتزاز؛ مؤكدة أن القانون يكتنز مخرجاً حقيقياً يظل بحاجة ماسة إلى وعي مجتمعي ودعم أهلي وقضاء سريع الفعالية.

جذور المأساة

تتفق المحاميتان شيماء القرشي وشيماء عباس على أن تفاقم ظاهرة النساء المعلقات يعود إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الجهل بالقانون لدى كثير من النساء فيما يتعلق بحقهن في طلب الفسخ عند التعرض للضرر، ويضاف إلى ذلك الضغط القبلي الذي يصف الطلاق بـ “العيب”، ويدفع العائلات إلى رفض استقبال بناتها المطلقات، مما يجبر المرأة على البقاء معلقة تجنباً للوصمة الاجتماعية.

ويرتبط الوضع باستغلال الأزواج لثغرة البقاء دون طلاق أداة للابتزاز المادي لفرض التنازل عن المهر أو الحضانة. كما يُعد زواج القاصرات خطأً جسيماً يرتكبه الآباء بحق بناتهم الصغيرات اللاتي يُدفع بهن إلى الزواج في سن مبكرة، قبل أن يتركهن الأزواج معلقات بحثاً عن زوجات أخرى.

وتكتمل أبعاد المشكلة في ظل ضعف سلطة الدولة، وارتفاع كلفة التقاضي، وبُعد المحاكم عن المناطق الريفية، فضلاً عن تحكيم العُرف القبيلي وهي عوامل مجتمعة تجعل المرأة الريفية حائرة ومحاصرة بين أوجاع التعليق وقسوة الواقع.

وتستعرض المحامية عباس الكلفة الباهظة لهذه المأساة مؤكدة أن معاناة المعلقة تتوزع بين أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية، إذ تُحرم من استخراج الأوراق الرسمية لأطفالها إلا بموافقة الأب الغائب، وتعيش بلا نفقة مالية، وتُمْنَع أحياناً من العمل بحجة أنها ما زالت على ذمة رجل.

وتتضاعف معاناة النساء المعلقات بفعل النظرة المجتمعية القاسية لها، مما يدخلها في قلق دائم على مستقبلها ومستقبل أطفالها الذين يضيعون في النهاية بين أب غائب وأم مسلوبة القرار.