يقطع الخمسيني عبد الكريم العمري مع أسرته أكثر من 140 كيلو متر من صنعاء إلى مدينة دمت بمحافظة الضالع، جنوبي اليمن، خلال العطلات الصيفية، بحثا عن الاستجمام في مياهها المعدنية والكبريتية الحارة، ومتابعة علاج طفله المصاب بمشكلات جلدية.
يقول العمري لـ “ريف اليمن”: إن نجله حمزة وهو في السابعة من عمره، كان يشعر بحكة شديدة وألم ودم في ظهره بسبب تكاثر الندوب الناتجة عن حساسية وصدفية، وهما من الأمراض الجلدية الشائعة، لافتا أن العلاجات ومنها العقاقير والمراهم لم تفيده بشيء.
وأوضح أن الأطباء أخبره أن مرض ولده مزمن ويحتاج لوقت طويل للعلاج ونصحه أن يعالجه بالمياه الكبريتية في مدينة دمت، وهو ما حصل بالفعل، إذ داوم عبد الكريم على علاجه بالمياه الكبريتية لعامين وقد أثمر ذلك على تماثل نجله بالشفاء، الأمر الذي شجعه للمداومة على الاستشفاء في حمامات دمت.
ورغم أن العمري بدأ هذه الرحلات قبل نحو 15 عاما، ولا يزال يواظب عليها، لكنه يرى أن دمت، بما تمتلكه من ينابيع وحمامات طبيعية، ومقومات كبيرة، لم تشهد تطورًا حقيقيًا في بنيتها التحتية، ولم تحظ بالاهتمام الذي يليق بمقوماتها كوجهة سياحية وعلاجية.
مواضيع مقترحة
- وادي عَنّه بريف إب.. وجهة للسياحة والعلاج
- ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
- مستشفى السحول.. بيئة علاجية على حافة التلوث
مشفى طبيعي
تقع مدينة دمت على الطريق الرابط بين يريم شمالا وقعطبة جنوبا، وتتميز بتنوع مواردها الطبيعية والزراعية، إلى جانب ما تضمه من معالم أثرية وطبيعية، وتعد المياه المعدنية والكبريتية الحارة أبرز مقومات المدينة، إذ تنتشر فيها أكثر من 15 عينًا وينبوعًا، تصل حرارة بعضها إلى نحو 90 درجة مئوية.
وشهدت خلال العقود الماضية، دراسات وبعثات متخصصة لفحص خصائص مياهها، من بينها بعثات تونسية وتشيكوسلوفاكية وإيطالية، أشارت، بحسب مختصين، إلى ما تتمتع به المنطقة من تنوع في المياه المعدنية وخصائصها الطبيعية والكيميائية.
ويقول الباحث الجيولوجي عبد الجبار سليم إن حمامات دمت تتميز بتنوع تركيبتها وخصائصها، مشيرًا إلى أنها تضم مجموعات مختلفة من المياه، بينها الكبريتية والكلورية والبيكربونية والحديدية، إلى جانب عناصر معدنية أخرى.
ويرى خلال حديثه لـ “ريف اليمن”، أن هذا التنوع يمنح المدينة مقومات مهمة للاستشفاء والسياحة العلاجية، إذا ما استُثمرت هذه الموارد بطريقة علمية ومنظمة.

فوائد علاجية محتملة
من جانبه، يقول الدكتور أحمد الجويد، المتخصص في أمراض العظام، إنه كان ولا يزال ينصح بعض مرضاه بزيارة حمامات دمت الطبيعية ضمن برامج العلاج والاستشفاء، خاصة الحالات المرتبطة بالجهاز الحركي والعظام.
ويؤيده في ذلك أخصائي العلاج الفيزيائي عيسى الأشموري، الذي يرى أن المياه الطبيعية في دمت يمكن أن تكون مفيدة لبعض حالات أمراض العضلات والجهاز الحركي والهيكل العظمي، وأن المدينة تمتلك مقومات تؤهلها لتكون وجهة للسياحة الاستشفائية في اليمن.
ويشير إلى أن القيمة العلاجية للمياه ترتبط بعدة عوامل، من بينها درجة الحرارة والخصائص الكيميائية للمياه، إلى جانب تأثير الطفو والاسترخاء وما يمكن أن يرافق استخدام الحمامات من برامج للعلاج الطبيعي.
تضم المدينة عددا من الحمامات والعيون والينابيع الطبيعية، من أبرزها حمامات الأسدي والعودي والدردوش، إلى جانب حمامات الحساسية وعاطف والظليمي والحضرمي والأمير وغيرها من العيون المنتشرة في المدينة ومحيطها.
كما تنتشر في محيط بعض هذه الحمامات أودية خضراء ومناظر طبيعية، ما يضيف إلى المقومات العلاجية بعدًا سياحيًا وبيئيًا يمكن استثماره، غير أن هذه الموارد لا تخلو من مشكلات الإهمال وسوء الاستخدام، إذ أغلقت بعض الحمامات أو تراجعت حالتها، بينما تحولت مواقع أخرى إلى أماكن للاستخدامات المنزلية، بحسب ما يشير إليه سكان ومهتمون بالمنطقة.

في عام 2004، صدر قرار مجلس الوزراء اليمني رقم (135)، الذي نص على إعلان مدينة دمت منطقة لتنمية السياحة العلاجية، لكن القرار بحسب مختصين، لم يتحول إلى خطوات عملية كافية على الأرض، وظلت المدينة تعاني ضعفًا في البنية التحتية والخدمات والاستثمارات السياحية.
وزادت الحرب التي تشهدها البلاد منذ سنوات من تعقيد الوضع، إذ أصبحت المنطقة خلال فترات من الصراع قريبة من خطوط التماس، ما انعكس على القطاع السياحي وأعاق تطوير كثير من المواقع الطبيعية.
ويقول نظمي الحلقبي، المدير السابق لمكتب السياحة الحكومي في دمت، لـ “ريف اليمن”، إن الحرب أعاقت تطوير البنية التحتية للحمامات والعيون الحارة، وأسهمت في تراجع القطاع السياحي بشكل عام.
عقبات أمام الزائر
من جانبها، تقول الدكتورة حورية مهدي الغيل، الأكاديمية المتخصصة في الجغرافيا السياحية، إن مدينة دمت كانت تواجه تحديات في قطاع السياحة العلاجية حتى قبل الحرب.
وتتمثل أبرز هذه التحديات، بحسب الغيل، في ضعف اهتمام الحكومات المتعاقبة، وعدم توفير الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها الزوار، إلى جانب غياب اللوحات الإرشادية المؤدية إلى بعض العيون الحارة.
كما تشير إلى عدم وجود لوحات تعريفية توضح طرق الاستخدام الآمن للمياه، وغياب المرشدين السياحيين والمشرفين المتخصصين في العلاج الطبيعي داخل عدد من مواقع الحمامات والينابيع، مايصعب استغلال الزائر للمنطقة.

وتضيف أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إعاقة الحركة السياحية، رغم ما تمتلكه المدينة من موارد طبيعية يمكن أن تجعلها وجهة مهمة للسياحة العلاجية.
وترى الدكتورة ليلى المعاين استشارية في الأمراض الجلدية أن للسياحة العلاجية في اليمن خاصة في حمامات دمت الطبيعية أهمية كبرى في علاج العديد من المصابين بمختلف الأمراض الجلدية.
وترجع المعاين في حديثها مع “ريف اليمن”، أهمية الحمامات الطبيعية الى ما تحتويه المياه الكبريتية من مواد تساهم في القضاء على الالتهابات، مشيرة الى أنها تنصح مرضى الصدفية بالاستشفاء بالمياه الكبريتية لما لها أثر كبير في المساهمة بجانب الادوية المقررة لهم، للمساهمة علاج امراض الصدفية.
وتلفت المعاين وهي مدربة للأطباء الملتحقين في الزمالة العربية واليمنية لمساق الأمراض الجلدية، إلى ضرورة أخذ الاحتياطات الوقائية مثل تبديل المياه الكبريتية داخل الأحواض لضمان عدم نقل العدوى بين المصابين ببعض الأمراض الجلدية وغيرهم.
غياب الاهتمام
مشيرة الى أن الاشخاص الباحثين على الاستجمام والحصول على نظارة في بشرتهم يمكنهم الاستفادة من المياه المعدنية والكبريتية الموجودة في مدينة دمت وغيرها من المناطق اليمنية لما لهذه المياه القدرة على قدرته على تقشير الخلايا الميتة وتجديد البشرة.
د. ليلى الغيل: للسياحة العلاجية في حمامات دمت الطبيعية أهمية كبرى في علاج العديد من المصابين بمختلف الأمراض الجلدية
وفي ذات السياق، يوصي الدكتور ماهر المريش الحاصل على الدكتوراه في الأمراض الجلدية من جامعة ووهان الصينية الى ضرورة القيام بأبحاث علمية داخل اليمن تنفي أو توضح النتائج التي تبين مدى الفوائد التي من الممكن أن يحصل عليها المصابين بالأمراض الجلدية خلال رحلة علاجهم بواسطة المياه الكبريتية والمعدنية.
وفي دراسة علمية بعنوان “الإمكانات المكانية للسياحة العلاجية في محافظتي إب والضالع بالجمهورية اليمنية”، تشير الدكتورة حورية الغيل إلى أن مناطق السياحة العلاجية في دمت تعاني قصورًا في الاهتمام الحكومي وضعفًا في الاستثمارات الخاصة.
كما تلفت الدراسة إلى تعرض بعض العيون الحارة والبيئة الطبيعية المحيطة بها للعبث والتلوث، إلى جانب التوسع العمراني غير المنظم، وبناء بعض الحمامات لأغراض الربح السريع دون مراعاة كافية للجوانب البيئية والتنظيمية.

يرى الصحفي محفوظ الشامي أن مستقبل السياحة العلاجية في دمت يمكن أن يكون واعدًا إذا حظيت المدينة بالاهتمام والدعم من الجهات المعنية والقطاع الخاص.
مقومات طبيعية
ويقول إن دمت تمتلك مقومات طبيعية نادرة تؤهلها لتكون واحدة من أبرز الوجهات العلاجية في اليمن، بما يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق فرص عمل، وجذب مزيد من الزوار.
وتعزز هذا التوجه نتائج دراسة الدكتورة الغيل، التي تشير إلى أن تطوير السياحة العلاجية يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية متعددة، من خلال توفير فرص العمل وتنشيط الأسواق المحلية وزيادة الحركة الاقتصادية.
غير أن تحقيق ذلك، بحسب الدراسة، يتطلب تطوير البنية الأساسية، بما في ذلك خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمواصلات والاتصالات، إلى جانب تشجيع الاستثمارات السياحية.
كما يتطلب الأمر إنشاء منتجعات ومرافق إيواء ومطاعم ومقاهٍ ومتنزهات قريبة من مواقع العيون الحارة، وتوفير خدمات ومراكز للعلاج الطبيعي، إلى جانب نشر الوعي بأهمية السياحة العلاجية وتنظيم استخدام الموارد الطبيعية.
بين ينابيع تتدفق منذ سنوات طويلة، وموارد طبيعية متنوعة، ومواقع أثرية وبيئية، تقف دمت أمام فرصة كبيرة لم تتحول بعد إلى مشروع تنموي حقيقي، فالمشكلة، كما تبدو في تجربة المدينة، ليست في غياب المقومات، بل في ضعف الاستثمار والتخطيط والحماية والترويج.





