الأحد, 6 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
زراعة

البُن المستورد يغزو الأسواق ويهدد مملكة البن اليمني

📅 سبتمبر 6, 2026

يترقب المزارع أكرم منصر الفضلي نضوج حبات البُن في مدرجات بني فضل بمديرية ضوران أنس، بمحافظة ذمار، لكن ما يشغل باله لم يعد المحصول أو الأمطار فقط، بل المنافسة التي يصفها بـ”غير العادلة” مع البُن المستورد الذي يغزو الأسواق المحلية بأسعار أقل.

يقول الفضلي، وهو من أسرة توارثت زراعة البُن جيلاً بعد جيل، في حديث لـ”ريف اليمن”: “الذي يضرب زراعة البُن هو حجم الاستيراد، بالإضافة إلى الأمراض التي تهاجم أشجار البُن وشحّة الأمطار، وقد أضيف البُن المستورد إلى المشكلات التي تواجهنا”.

ويضيف: “البُن الخارجي يُباع بأسعار منخفضة بسبب جودته المتواضعة، بينما البُن اليمني أعلى جودة، وأغلى سعراً، وهذا يجعل كثيراً من المستهلكين يتجهون إلى الأرخص”.

ويمثل الفضلي الجيل السادس من عائلته الذي يعمل في زراعة البُن، ويؤكد أن بعض الأشجار في مزارعهم تجاوز عمرها مئة عام. ويضيف: “لا نعرف مهنة غير زراعة البُن، فهي إرث الآباء والأجداد، وما زالت مصدر دخلنا الرئيسي”.


مواضيع مقترحة


وتعد عزلة بني فضل واحدة من أشهر مناطق إنتاج البُن في محافظة ذمار، وتشتهر بإنتاج أصناف ذات جودة عالية، أبرزها البُن العديني المعروف محلياً بـ”الفضلي”، إلى جانب البُن الدوائري والبُن التفاحي، وهي أصناف تحظى بطلب متزايد في سوق القهوة المختصة، بالإضافة إلى أصناف أخرى، لكن بكميات قليلة.

منافسة غير عادلة

ويبدأ موسم البُن في المنطقة بتفتح الأزهار بين أواخر فبراير وأبريل، وفقاً لكمية الأمطار وتوفر مياه الري، فيما يبدأ الحصاد عادة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر، قبل أن تمر حبات البُن بمراحل التجفيف والتقشير وصولاً إلى التسويق داخل اليمن وخارجه.

غير أن تقلبات المناخ باتت تضيف تحدياً جديداً أمام المزارعين، ويقول المزارع بكيل أحمد شريم، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إن تأخر هطول الأمطار يؤثر مباشرة على الإنتاج، موضحاً أن معظم المزارعين يعتمدون على الأمطار الموسمية، ما يؤدي في بعض المواسم إلى انخفاض المحصول وتأخر الحصاد.

استمرار تدفق البُن المستورد بنكهات وأشكال متعددة يحد من فرص تسويق المنتج المحلي ويؤثر في سمعته(ريف اليمن)

ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من البُن، بحسب شريم، بين ثلاثة آلاف وستة آلاف ريال، (11 دولار تقريبا) وفقاً للجودة ونقاء الحبوب، إلا أن ارتفاع كلفة الإنتاج يجعل منافسة البُن المستورد أكثر صعوبة.

ورغم الاهتمام المتزايد بزراعة البُن خلال السنوات الأخيرة، فإن المزارعين يرون أن استمرار تدفق البُن المستورد المعلب، بنكهات وأشكال متعددة، يحد من فرص تسويق المنتج المحلي ويؤثر في سمعته.

ويطالب المزارعون بتشديد الرقابة على الواردات، إلى جانب تنفيذ مشاريع حصاد مياه تساعد على التوسع في زراعة البُن وتحسين الإنتاج.

وشهدت بني فضل وعدد من المناطق المجاورة، خلال الأعوام الماضية، مبادرات مجتمعية لاستبدال أشجار القات بشجيرات البُن، في خطوة تعكس عودة الاهتمام بأحد أهم المحاصيل النقدية في اليمن.

المرأة في قلب القصة

وتشير تقديرات محلية إلى أن إنتاج عزلة بني فضل يتراوح سنوياً بين 150 و250 طناً من البُن، تبعاً لمستويات هطول الأمطار وتوفر مياه الري، فيما يصل إجمالي إنتاج مديرية ضوران أنس إلى ما بين 1200 و1800 طن سنوياً، ما يجعلها من أبرز مناطق إنتاج البُن اليمني.

عائلة يمنية تفرز حبوب البن بعناية للتأكد من جودتها قبل تحضيرها للبيع (محمد قعطاب)

وفي قرية الحرف، إحدى قرى منطقة بني فضل، اختفت زراعة القات تقريباً، وأصبحت مزارع البُن المشهد الأبرز في المدرجات الزراعية، ويعتمد السكان بصورة شبه كاملة على إنتاج البُن وتسويقه، في محاولة للحفاظ على محصول ارتبط بتاريخ المنطقة وهويتها الزراعية، رغم التحديات التي تفرضها شحّة المياه ومنافسة البُن المستورد.

من غرس الشتلة حتى يصل فنجان البن إلى يد المستهلك، تقف المزارعة اليمنية في قلب هذه الرحلة الشاقة، لترسم بجهدها ملامح واحدة من قصص الكفاح اليومي لمزراع البن اليمني، وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن النساء يشكّلن نحو 50% من القوى العاملة الزراعية في اليمن.

​في حديثها لـ ” ريف اليمن”، تؤكد نبيهة محضور، مديرة الإعلام الزراعي بمكتب الزراعة بمحافظة ذمار، أن المرأة ليست مجرد عاملة، بل شريك أساسي يرافق حبة البن في كل مراحلها.

وتضيف:” تبدأ بالاعتناء بالشتلات، وتعشيب الأرض، وإزالة الحشائش، قبل أن تنتقل إلى قطف الثمار بلمسة حريصة تُبقي على الجودة، ثم تتولى نقل المحصول عبر دروب جبلية وعرة تستنزف جهدها ووقتها، لتبدأ بعدها رحلة الفرز، والنشر للتجفيف، والتقشير، والحفظ، والتعبئة”.

مدرجات البُن في بني فضل بمديرية ضوران أنس، بمحافظة ذمار (ريف اليمن)

​غير أن هذه الرحلة المضنية تتصادم مع واقع محمل بالتحديات، فمشقة المسالك الجبلية وبدائية الأدوات وغياب تقنيات التجفيف الحديثة تُضاعف ساعات العمل اليومي، يُضاف إلى ذلك غياب التدريب على معايير الجودة، وتقلبات المناخ التي تهدد الموسم بأكمله، فضلاً عن تحمّل المرأة العبء الأكبر في الإنتاج دون أن تملك حق القرار في بيع المحصول أو تسعيره.

وأمام هذا الواقع، يلتهم الوسطاء والتجار النصيب الأكبر من العائد، بينما تُحرم المزارعات من الوصول المباشر للأسواق أو الحصول على التمويل لشراء شبكات الري والسماد، وسط قيود مجتمعية تُضعف مشاركتهن في المعارض الوطنية والدولية. توضح محضور.

رؤية للنهوض

​ولكسر هذه الحلقة المفرغة، تطرح” نبيهة محضور” رؤية تهدف للنهوض بواقع زراعة البن تبدأ من” حماية أصالة البن اليمني، عبر إنشاء مشاتل خاصة بسلالتي “الدوائري” و”العديني” وجمع بذورها من الأشجار المعمرة.

وتشدد ايضا على ضرورة “تطوير ممارسات ما بعد الحصاد بالاعتماد على القطف اليدوي الانتقائي، والتحول إلى التجفيف الحديث والتسميد العضوي للحفاظ على نكهة البن الفريدة”.

يحتل البن اليمني المرتبة الأولى عالمياً من حيث الجودة (ريف اليمن)

​كما دعت مديرة الإعلام الزراعي بمكتب الزراعة بمحافظة ذمار، إلى التسويق المباشر للمحامص وفق المعايير الدولية لقطع الطريق على السماسرة، وتأسيس جمعيات تعاونية نسائية تضمن للمزارعات الحصول على الدعم والتدريب والمعدات.

ترى محضور، أن إنشاء خزانات لحصاد مياه الأمطار للري التكميلي وقت الجفاف يُعد شريان حياة يضمن استدامة هذا المحصول اليمني الأصيل.

وبحسب دراسة نشرتها وكالة «بلومبيرغ» الأمريكية، يحتل البن اليمني المرتبة الأولى عالمياً من حيث الجودة، ويصل سعر الكيلوغرام منه إلى 500 دولار، بينما يبلغ سعر الطن حوالي نصف مليون دولار، أي أن سعر الكيلو من البن اليمني يعادل سعر 10 براميل نفط.