الجمعة, مايو 15, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 26

جبلة وإب القديمة.. مدن تأريخية تَحْرُسها الذاكرة

جبلة وإب القديمة.. مدن تأريخية تَحْرُسها الذاكرة
مدينة جبلة التأربخبة في إب وسط اليمن

تعد مدينتا جبلة وإب القديمتان الوجه التاريخي للمحافظة وذاكرتها الروحية والثقافية، وتفصح العمارة عن مراجل تأريخية متعاقبة، وفيهما تنسجم العمارة مع المعرفة حيث الجامعٌ يتحوّل إلى مدرسة، ومدرسةٌ تنتج مكتبة، ومكتبةٌ تُبقي سيرة ملكةٍ يمنية نشأت يتيمة ثم جلست على عرش الحكم.

في الجزء الثاني من المقالات التي تركز على محافظة إب التأريخية والسياحية، نستعرض تأريخ مدينة جبلة عاصمة الدولة الصليحية وموطن الملكة أروى، أطول من ترأس قيادة الدولة، بالإضافة إلى مدينة إب القديمة بما فيها من أسوارٍ وأبواب، وجامع، ومدارس، وأسواق.


اقرأ أيضا..
إب موطن مملكة ذي ريدان: حين انتقل التاج من سبأ إلى ظفار


مدينة جبلة

تقع مدينة جبلة جنوب غرب مدينة إب، وقد تقاربت المسافات بينهما بفعل التوسّع العمراني، ترتفع جبلة نحو 1350 مترا فوق سطح البحر، وتقوم على هضبةٍ في السفح الشمالي لجبل التعكّر، وتخطيط المدينة نصف دائري يطلّ على وادٍ ذي منعطفاتٍ ضيقة؛ لذلك سُمّيت قديما بمدينة النهرين.

وتكشف هويتها المعمارية بمنازلها المتلاصقة المشيدة من الأحجار وأزقتها الضيقة والنوافذ والاقواس المتقنة عن نمطٍ معماريٍ قريب من إب القديمة، لكنه يحمل خصوصية العاصمة لعصر الدولة الصليحية التي استمرت نحو 91 عاماً (1047- 1138م) وكانوا يرتبطون معها في علاقةٍ تبعيةٍ سياسية/مذهبية نسبيةٍ للدولة الفاطمية في مصر.

في جبلة اعتُمدت سياسات إدارية أعادت ترتيب الأقاليم ومعها الجبايات والولاءات، وشيدت كحلقة وصل بين المركز والأطراف عبر شبكةٍ من القلاع والمرافق والسواقي، وتوطدت مكانةُ المدينة بصفتها مركز إشعاعٍ علمي إلى جانب وظيفتها السياسية.

الملكة أروي

ولدت السيدة بنت أحمد الصليحي سنة 440هـ، يتيمةَ الأب في عدن، وكفلها الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته السيدة أسماء بنت شهاب التي عُرفت بالفطنة وسعة العلم والمشورة حتى خُطب لها على المنابر فأنشآها على العلم والتهذيب، وظهرت عليها علامات النبوغ مبكرا فحفظت القرآن والأخبار والأشعار.

تزوّجت ولي العهد المكرّم أحمد سنة 458هـ، الذي تولى الحكم بعد سنة واحدة من زواجهم بعد اغتيال الملك، وكانت السيدة أروى شريكته في التدبير وإدارة الحكم بعدما أصيب زوجها بمرض “الفالج” حيث نُقل إلى حصن التعكر وفوّضها بصلاحيات الحكم ثم توفّي سنة 477هـ؛ فكانت ملكة وصيّة، تدير شبكة من الوزراء والمستشارين، وتستمدّ الشرعية من المستنصر الفاطمي في مصر.

جانب من متحف جبلة يظهر الأزياء التي كانت موجود بمراحل تأريخية (محمد المعلمي)

كان اسمها الرسمي في سجلات المكاتبات الفاطمية “السيدة” لكنّ الاسم الشعبي أروى طغى لارتباطه بإنشاء السواقي والقنوات وتوسيع موارد الري، فغدا الاسم مرتبطاً بإنجازات في الموارد المائية، وفي ذلك دلالة على اقتصاد الماء بوصفه لغة للسلطة وللرحمة معا.

حملت لقب “حُجّة الدعوة” في اليمن وبلاد السند والهند وعمان واليمامة؛ وكان الدعاة يتعلمون على يديها «من وراء حجاب»، وجمعت بين النسك والورع والحزم السياسي، وأدارت اليمن أكثر من خمسةٍ وخمسين عاما حتى وفاتها سنة 532هـ، فطُويت بغيابها صفحةٌ من التاريخ اليمني الوسيط.

وتوفت الملكة أروري عن عمر ناهر 92 عاماً، من خلال ضريحها ومعالم جبلة وموقع بناء ضريحها، أرادت أن تبقى معلما لا يتقادم، وأن يظلّ حضورها مرجعا روحيا، وهذا كان جزءاً من تأثر الدولة الصليحية بالدولة الفاطمية.

جامع الملكة في جبلة

على تلٍّ مرتفع عن المدينة، ينتصب الجامع الكبير المنسوب إلى السيدة أروى؛ تُرجّح مصادر تأريخية أنّ بناءه يعود إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، حين أمرت الملكة بتحويل ما كان يعرف بـ«دار العِزّ» الأول إلى جامع، وهذا الدار هو مملوك للعائلة الحاكمة حينها.

وتخطيط الجامع أقرب إلى المستطيل (مقاسة نحو 20×18م)، يتوسطه فناءٌ مكشوف، وتحيط به أروقة من الجهات الأربع، وتتفاوت في عدد البلاطات وصفوف الأعمدة، وتعلوها مصندقاتٌ خشبية مزخرفة بنقوشٍ نباتية وهندسية وكتابية تتأثر بفنون العمارة الفاطمية، وللجامع مدخلان جنوبيان، وتقوم في الجهة الجنوبية مئذنتان ما يمنحه حضورا بصريا لافتا على خطّ أفق المدينة.

جبلة وإب القديمة.. مدن تأريخية تَحْرُسها الذاكرة
جامع الملكة أروى التأريخي في مدينة جبلة (محمد المعلمي)

لم يكن الجامع مكانَ عبادةٍ وحسب؛ لقد كان مركزَ إشعاعٍ علمي، حلقاتُ تحفيظ القران، دروسُ فقهٍ وحديثٍ وتأويل، وإدارة أوقافٍ تُغذّي دور العلم في محيط المدينة، من هنا نفهم كيف التقت السلطة الروحية والسلطة السياسية في بنية واحدة حيث إن «دار العزّ» تبدّلت وظيفته دون أن يفقد هويته المعمارية أو رسالته السلطوية أيضاً.

بجوار الركن الشمالي الغربي للجامع تقع قبّة الضريح؛ وهو من أهم أضرحة القرن السادس الهجري المتبقية في اليمن؛ إذ لم يصلنا من أضرحة ملوك الدولة الصليحية غيره شاهدا معماريا مكتملا، دوِّنت على جدرانه كتاباتٌ بخطّي الكوفي والنسخ، وزخارف نباتية وهندسية، ومن جانبي المدخل تشكيلاتٌ فنية.

مكتبة الجامع: مخطوطاتٌ بأيدي النساء

تضم مكتبة الجامع الكبير في جبلة نوادراً من الكتب والمخطوطات والشروح والتعليقات، ويتميّز كثيرٌ منها بأنّها كتبت من قبل نساء عاصرن عهد الملكة أروى، هذا المشهد يبدّد الصور النمطية عن المرأة اليمنية؛ حيث كانت فاعلة في المجتمع؛ تكتب وتُعلّق وتشرح.

وللسيدة أروى نصيبٌ من المخطوطات والتعليقات على بعض الكتب، دلالة على عمق تكوينها المعرفي، ولا تمنح زيارة المكتبة معرفة بنصوصٍ وحبر فقط، بل تكشف جزءاً من تأريخ الوعي وشكل العلم في جبلة قديماً، والذي كانت تتشارك فيها الأدوار كمؤسسة مجتمعية فاعلة.

تمثّل جبلة مزاراً دينياً لأتباع الإسماعيلية، ومنهم طائفة البُهرة المنتشرة في الهند، الذين يخصّون ضريح الملكة وجامعها بالزيارة خلال العقود الماضية، حاليا يحتاج الجامع والضريح إلى إدارة منفتحة لجلب السياحة الدينية مرة أخرى، يمكن لهذا النوع من السياحة أن يوفّر عوائد اقتصادية كبرى.

إحدى المخطوطات في مكتبة جامع الملكة أروى في جبلة (محمد المعلمي)

متحف جبلة والسوق القديم

في مدينة جبلة خُصّص مبنى قديم كان من ملحقات دار الحكم ليكون متحف الملكة أروى، ويتكون من غرف وقاعات عرض لمقتنياتٍ ترصد الموروث الشعبي وأدوات الحياة في ذلك العصر، إضافة إلى قطع أثرية تضم أسلحة وأواني طعامٍ وشراب، أدواتِ زراعةٍ وحدادةٍ ونجارة، وكثيراً من العلوم والمخطوطات.

ويوجد في المتحف مئات الصور التي تحكي عن المعالم الأثرية والنقوش المميزة، ومقتنيات تُحاكي مناهج وطرق التعليم آنذاك. ما يميّز المتحف ليس حجم مقتنياته، بل سياقه التعليمي، فهو يقرّب الزائر من حياةٍ متطورة ومتقدمة ازدهرت في ظل حكم الملكة أروى.

وافتتح المتحف عام 1993، وكان هناك حرص من قبل التربويين بتنظيم رحلات للطلاب إلى المتحف من أجل تنمية إدراك طلاب المدارس، حيث كانت جزءاً من المنهج الدراسي في كافة المراحل التعليمية، حيث ينظر إلى ذلك العصر بازدهار العلم والمعرفة.

كما يشكّل السوق القديم العصب اليومي لمدينة جبلة بدكاكين متلاصقة، وحِرف تقليدية، ومنتجات زراعية، للسوق قيمةٌ تراثية معنوية؛ فهو أرشيف اجتماعي يُظهر تغيرات الذوق والاستهلاك والتواصل بين أهل المدينة وزائريها، ويحتاج تنظيما بسيطا يحفظ نظافته وواجهاته، ويمنع التشويه البصري.

إحدى أزقة السوق القديم في مدينة جبلة التأريخية (أكرم تاج الدين)

بالإضافة إلى ذلك كان هناك اهتمام كبير من قبل الدولة الصليحية بـ “جبل التعكر” لموقعه المشرف على مدينة جبلة (عاصمة الدولة) الذي يرتفع عن سطح البحر نحو 3230م، ويُعدّ من أمنع معاقل اليمن وأكثرها تحصينا، تعاقبت عليه دولٌ منذ 2700 عام.

وتم بناء أسوار وأبراج دفاعية في قمة الجبل، وأيضاً حفرت مخازن (مدافن) للحبوب، وصهاريج لتخزين المياه ومخازن للسلاح ومنشآت أخرى، وكثيرٌ منها من إنجازات الملكة أروى، وما تزال بقايا الحصن شواهد هندسية على إرادة إيصال الماء في التضاريس الوعرة.

إب القديمة وأسوارها العتيقة

تعد مدينة إب القديمة، واحدةٌ من المدن اليمنية التي أحيطت بسورٍ يطوّقها من جميع الجهات، وكان لها خمسة أبواب، ولم يبق منها قائما سوى باب واحد يسمى “باب الراكزة” فيما تتوزّع بقايا السور والأبراج الدفاعية على تخوم النسيج القديم.

هذا التفكير في كثير من المدن اليمنية القديمة يعكس جزءاً من الاحتياطات الدفاعية والأمنية، وخلق استقرار يجعل المدينة ذات جدوى اقتصادية من خلال: تنظيم الدخول والخروج، حماية السوق، وضبط حركة الناس والبضائع؛ بما يضمن مورد الجباية وتأمين بضائع التجار. ومن أبرز المعالم في مدينة إب القديمة:

الجامع الكبير

في وسط مدينة إب القديمة يقع الجامع الكبير ويعرف أيضا بجامع الخطابي أو العمري، ويرجع تأسيسه إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ويقع على ربوةٍ تُبلغ عبر درجٍ مرصوف بالأحجار، تخطيطه يتبع النموذج المبكّر للعمارة الإسلامية، قبة كبيرة تحيط به أربعة أروقة، أعمقها رواق القبلة.

صورة ملتقطة من الجامع الكبير في مدينة إب القديمة (محمد المعلمي)

وشهد الجامع توسعاتٍ وتجديدات متوالية، آخرها مسجّل على جدار القبلة باسم الوزير حسن باشا سنة 996هـ، وللجامع ثلاثة مداخل من الجهة الغربية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية بنيت مئذنةٌ عالية يعود طرازها الراهن إلى العصر الرسولي (وقد نُقش تاريخٌ 685هـ على حجرٍ أسفلها).

يُعتبر الجامع الكبير في إب من أقدم أربعة جوامع في اليمن بعد جامع الجند، والجامع الكبير بصنعاء، وجامع الأشاعرة في زبيد، وبني الجامع بتفاصيل معقدة، ويتوسط المحراب جدار القبلة المزخرفة، وفي الرواق المواجه للقبلة يوجد 12 قبة صغيرة متجاورة تتوسطها قبة عالية.

المدرسة الجلالية العليا

تقع المدرسة الجلالية العليا في وسط إب القديمة، وهي نموذجٌ فريد للمدارس العليا، وأدّت وظيفتين، هما: المسجدٌ تُقام فيه الشعائر الإسلامية، والتراث العلمي، وفي مدخل مسجد الصلاة نقشٌ نصه «أمر بعمارة هذه المدرسة الشيخ جلال الدين محمد بن بكر السيري، شيخ مخلاف بعدان، سنة 815هـ».

يتألّف مكان الصلاة من رواقين يحملان بوائك من أعمدةٍ مضلّعة ذات تيجانٍ رشيقة، تعلوها مصندقاتٌ خشبية بزخارف نباتية وهندسية وكتابية، أما قاعة التدريس تقع غرباً ويفتح على المصلى بعقدٍ حجريٍّ بديع، وتظهر المئذنة بشكل مميز يبدأ بقاعدة مربعة، يعلوها بناء مضلّع مزخرف، وتنتهي بقبة تبدو كأنها تاج معماري متقن.

مدرسة المشنة

شرق المدينة القديمة، في حي الشنين تقع مدرسة المشنة التي أمر ببنائها الأمير جلال الدين النظاري في منتصف القرن الثامن الهجري. يتشابه تقسيمها الوظيفي والمعماري مع مدرسة الجلالية، وإن كان ثراؤها الفني أقل؛ لكنها تبقى حلقة في سلسلة مؤسساتٍ علميةٍ شكلت شبكة «تعليمٍ عام» بالمعنى التراثي، وكانت وقفاً للتعليم؛ عبارة عن حلقاتٌ للمبتدئين والمتقدمين، وأبوابٌها مفتوحة في مجتمعٍ يحب المعرفة.

مدينة إب القديمة ليلاً صورة التقطت في العام 2012 (عصام الكمالي)

السوق القديم في إب

يحتفظ سوق إب القديم بطابعه القديم، وتبرز فيه محلات الحرف القديمة الشهيرة (نحاس/خشب/جلود)، قهوةٌ ويمنيات، وأثوابٌ تُفصّل على مقاس المدينة، السوق هو منصة ذاكرة تُقرأ منها أحوال الناس وتغيرات الأذواق.

ويحتاج السوق إلى تنظيم من خلال العناية بالواجهات للمحلات، وإنشاء تخطيطٍ بسيطٍ لحركة المشاة وإدارة النفايات؛ فالسائح لا يشتري سلعة فقط، بل صورة وانطباعاً عن المكان، وهذه يحتاج إلى جهد في التنظيم والترميم والصيانة، وفرض ضوابط صارمة للحفاظ على مظهر السوق.

وتربط بين جبلة ومدينة إب القديمة كثير من التفاصيل التأريخية، بدءاً من الفكرة المؤسِّسة للمدينتين المتقاربتين جغرافياً، ففي جبلة يتحوّل «دار العزّ» إلى جامعٍ للعلم والعبادة، وفي إب القديمة، ينمو المسجد والمدرسة والسوق في منظومة واحدة، وتتشابه الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في المدنيتين من وظيفة المرأة المهم في مراحل متعددة من التأريخ، فوصلت المرأة إلى الحكم بالإضافة إلى دورها ككاتبة وناسخة للمعلقات، كما تُظهر النقوش.

وتبرز هندسة وصول الماء إلى المنازل والمرافق؛ ففي جبلة تم بناء قنوات تصل الحصن بالمدينة، وفي مدينة إب القديمة، أنشأت شبكة سقاياتٍ وأحواضٍ تخدم المصلين والزوّار، وأيضاً تتشابه لغة الزخرفة النباتية والهندسية والمصندقات الخشبية وأنواع الكتابات بخطي الكوفي والنسخ، وهذه كلها مفردات تُعيد إنتاج المعنى الثقافي الذي يشير لمرحلة تطور علمي.

توصيات سياحية

ربما تتساءل كيف يمكن خلق مسارات سياحية في مديني جبلة وإب القديمة، ورغم أن ذلك مرتبط بحالة الاستقرار في البلاد، لكننا نضع هذه التوصيات لفتح باب الأمل للمستقبل، واستغلال المقدرات التي نمتلكها من أجل التنمية.

وهنا أقترح أنه يمكن خلق مساريين للزائر إلى جبلة ومدينة إب القديمة تكون متنوعة وثرية يتم فيها استكشاف وزيارة كل المواقع التأريخية بالإضافة إلى المناظر الطبيعة، وأيضا تفعيل السياحة الدينية، وخلق ظروف ملائمة لها مثل المزارات الشهيرة في حضرموت شرقي اليمن.

مسار جبلة

يبدأ بزيارة جامع الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، وتكون جولة مع قراءةٍ سريعة لتاريخ البناء ووظائفه، ومن ثم مكتبة الجامع للاطلاع على نماذج مصوّرة من المخطوطات، مع شرح لدور المرأة الناسخة في زمن الدولة الصليحية.

ويكون ضريح الملكة أروى جزءاً من هذا المسار، وتكون الزيارة تليق بالمكان، وتوضع إرشادات واضحة للزوار، ثم زيارة متحف جبلة وهي محطة للسائح لقراءة أدوات الحياة اليومية، وينتهي المسار هذا بالصعود إلى جبل التعكّر حيث إطلالة بانورامية ساحرة، وقراءة سريعة لوظائف الأسوار والأبراج، وملاحظة بقايا القنوات.

مسار إب القديمة

يبدأ مسار هذه الزيارة من باب الراكزة وبقايا السور في مدينة إب القديمة، وهذه زيارة معرفية للتأمل وقراءة التوثيق التأريخي لأسوار المدينة، ومن ثم المرور إلى الجامع الكبير وسط المدينة، حيث يستطيع الزائر تتبع تأريخ التوسعات والنقش الرسولي والتخطيط الحَرمي.

في ذات المسار السياحي يتم زيارة مدرستي الجلالية والمشنة، والوقوف عند الإيوان والمصندقات والمئذنة «التاج» ومقارنة المدرستين ببعضهما والتحولات التأريخية التي جرت فيهما في مراحل متعددة، ينتهي هذا المسار بزيارة السوق القديم، وتكون فترة زمنية حرة لالتقاط نبض المدينة، وشراء مصنوعات محلية.

السياحة الدينية

وتوفر مدينة جبلة سياحة دينية مهمة لبعض الطوائف، ويمكن تفعليها بضوابط واستلهام فكرة المزارات الموجودة في حضرموت، ويبدأ ذلك بتوفير مركز استقبال في جبلة لزوّار الجامع والضريح، وإعداد تعليمات الزيارة، وتعريف بالمكتبة، ومعلومات حول المواعيد المناسبة.

وتحتاج السياحة الدينية دائما للتنسيق مع مسؤولين في الوفود الدينية سواء كانوا من الطائفية الإسماعيلية أو البهرة، لتنظيم الزيارات بما يحفظ الوقار للمدينة ويزيد المنفعة المحلية اقتصاديا للسكان، مع احترام تنظيمات اللباس والتصوير داخل المعالم، وتوفير بدائل لمساحات تصوير خارجية.

5 مفاتيح لتأهيل المدن سياحياً

لا يمكن استقبال زوار وسياح من خارج البلاد دون توفير بنية تحتية أولاً، إلى جانب ذلك تحتاج المدن التأريخية إلى إدارة حديثة واهتمام بالصيانة والتفاصيل الصغيرة التي تعطي انطباعاً إيجابياً للزائر، وتجعله مروجاً للسياحة، وهنا أقترح خمسة أشياء يجب الاهتمام بها:

  1. ترميمٌ علميّ: العمل على ترميم أسقف المصندقات، وواجهات المآذن، وأطراف النقوش؛ مع استخدام موادّ محلية (حجر/جص/قضاض) وأساليب إرواء حجرية للزخارف، تحت إشراف خبراء.
  2. تفسيرٌ موقعي: لوحاتٌ ثنائية اللغة (عربية/إنجليزية) تُعرّف بالمكان وزمنه ووظيفته، وتشرح للزائر تفاصيل المواقع التأريخية وإرشادات أخرى توضح بدقة.
  3. مساراتٌ آمنة: تحتاج المدن التأريخية والمواقع السياحية تخطيط مشيٍ واضح؛ درابزين في المنحدرات، نقاط ظلّ واستراحة قرب المواقع، ومخارج طوارئ.
  4. حُرّاسُ ذاكرة: تدريب مرشدين محليين (نساء ورجال) على السرد الرشيق، الإسعاف الأولي، وأخلاقيات الاستقبال.
  5. اقتصادٌ أهليّ: بيوت ضيافة محدودة السعة حول جبلة، أكشاكُ قهوةٍ ريفية قرب باب الراكزة، وأسواقٌ للحِرف الأصيلة (خشب/نحاس/نسيج) تُمنع فيها السلع الوافدة التي تُشوّه ذائقة المكان.
مسجد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي في مدينة جبلة التأريخية

كيف نحافظ على المدينتين؟

في مواسم المطر تصبح الأسقف الخشبية والمصندقات أكثر عرضة لتسرّب المياه؛ ما يهدّد الزخارف ويُضعف البنية. المعالجة الفاعلة تبدأ ببرنامج صيانةٍ دورية يعتمد موادّ مائية غير جارحة تحفظ لون الخشب ونسيجه، مع إغلاقٍ مؤقت للنقاط الحساسة عند اشتداد الأمطار، وتوجيه حركة الزوار بعيدا عن المواضع المعرّضة للخطر إلى أن تُستكمل المعالجات.

وتواجه المعالم أيضا ظاهرة العبث والخدش على الجدران، وهي خسارة متراكمة للذاكرة البصرية. الحلّ يعتمد مقاربة مزدوجة، رقابة بكاميرات تُغطي الممرات الرئيسة، وحملات توعية مدرسية ومجتمعية تُحوّل “الحماية” إلى سلوكٍ يومي، مع غرامات واضحة تُطبَّق بثبات لردع المخالفات من دون ضجيج.

أما التشويه البصري حول المواقع -من لوحات وإعلانات وأسلاك وبسطات عشوائية- فيُعالج عبر دليل واجهات مُلزم يحدد ألوان الطلاء المسموح بها، وأحجام ونِسَب اللوحات وخاماتها، ومسارات تمديد الأسلاك بعيدا عن الواجهات التاريخية. بالتوازي، يُنشأ سوقٌ بديلٌ منظم لأصحاب البسطات في نطاقٍ قريب، يوفّر لهم دخلا مستقرا، ويُعيد للمشهد صفاءه.

وتبقى الخدمات الأساسية حجر الزاوية في تجربة الزائر، وأقترح تجهيز محيطات المواقع بمراحيض صديقة للبيئة تعمل بالتبخير أو التحلّل، ونقاط لمياه الشرب، ومواقف سيارات صغيرة خارج الحرم الأثري، مع تشغيل نظام عرباتٍ خفيفة للنقل الداخلي. بهذه البنية الرشيقة تُصان كرامة المكان، وتتحسّن جودة الزيارة، ويشعر المجتمع والزائر معا أن التراث قابل للحياة لا مجرد أثرٍ للفرجة.


المراجع

– الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن- حسين بن فيض الله الهمداني الطبعة الثالثة، 1986م.
– هذه هي اليمن… الأرض والإنسان والتاريخ – عبد الله الثور، دار العودة- بيروت.
– الملكة سيدة بنت أحمد الصليحي – إيمان ناجي سعيد المقطري، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 2004م.
– نتائج المسح السياحي (1996–1999م) – الهيئة العامة للتنمية السياحية، صنعاء.
– العيون المائية الحارّة في اليمن وأهميتها- هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية، صنعاء. الطبعة الأولى، 2003م.
– موسوعة أعلام اليمن – عبد الولي الشميري.
– حمير بين الخبر والأثر – الدكتور يوسف محمد عبد الله مجلة دراسات يمنية، العدد 42، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1990م.

تربية الماعز في الجوف: شريان الحياة الذي يهدده الاحتطاب

مع بزوغ الفجر، ينطلق أبو وازع (51 عاماً) من منزله الطيني في أعالي جبال منطقة “العرضية” بمديرية “برط” الجبلية بمحافظة الجوف، حاملاً إحدى أغنامه، ومسابقاً الخطى للحاق بسيارة “تويوتا” قديمة تقله إلى سوق “رجوزة” البعيد، في مشهد يتكرر كل ثلاثاء وخميس، حيث يتدفق السكان من كل حدب وصوب لبيع ما تيسر من الماعز لتأمين لقمة العيش.

في السوق، يبدو جليّاً الاعتماد على الماعز بوصفه شريانَ حياة أساسيّاً، ويصف أبو وازع الماشية بعبارة تختزل مكانتها في الوجدان الشعبي قائلاً: “إنها بندق القبيلة الثاني الذي يعتمد عليه كل الناس هنا”، في إشارة بليغة إلى أنها توازي أهمية السلاح الذي يعد حمله ضرورة متوارثة في المجتمعات القبلية اليمنية.


مواضيع مقترحة


ويضيف بلهجته البدوية: “ماشي معنا دخل يعيشنا في هذه المنطقة القاسية لولا بيع الجلب (الماعز) كنا متنا من الجوع، كل الناس هنا يربون الأغنام ويبيعون منها كل أسبوع لشراء الدقيق والرز والملابس”.

ووفقاً لموقع «وورلد بوبيوليشن ريفيو» يمتلك اليمن 10.3 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي، إلا أن هذه النسبة تمثل العالم بأسره لسكان تلك المرتفعات.

شريان حياة.. وعملة بديلة

في جبال “برط” الوعرة، وحيث تغيب مصادر الدخل الحديثة، تسود حياة البداوة والتنقل، لا تكاد تجد أسرة لا تمارس الرعي؛ فالأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب، بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي نفقات الملابس، وتكاليف شراء الدراجات النارية -وسيلة المواصلات الوحيدة لقهر وعورة الطرق- وحتى تكاليف الزواج والتعليم.

وحتى وقت قريب، كانت الماعز والخراف تُستخدم حرفياً كبديل للنقود، بما في ذلك دفع مهور الزواج. وهذا ما حدث تماماً مع هادي القوزع، وهو شاب ثلاثيني من أبناء المنطقة، لم تساعده أغنامه في سداد مهر زوجته فقط، بل مهدت له الطريق نحو التعليم الجامعي.


الأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي معظم نفقات الأسر في الجوف


يقول هادي، وهو أحد القلائل الجامعيين في منطقته: “في عام 2012، كان لدي شغف بدراسة التجارة، وحين فتحت جامعة العلوم والتكنولوجيا فرعاً في مركز (برط العنان)، كانت تلك فرصتي”.

ويستدرك هادي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “لم أكن أملك المال لتغطية الرسوم التي بلغت حينها 100 ألف ريال (نحو 200 دولار)، لكننا كنا نملك قطيعاً جيداً. بعت أربعة كباش لتدبّر أمر رسوم السنة الأولى، وواصلت الاعتماد على بيع الماعز كلما تعثرت بالرسوم، حتى حصلت على دبلوم المحاسبة”.

هذه القيمة الاقتصادية للماعز يدعمها رأي العلم أيضاً. يؤكد الخبير البيئي اليمني، محمد الشرعبي، أن تربية الماعز في اليمن ليست مجرد وسيلة للعيش، بل “ثقافة زراعية ومعرفة تقليدية متجذرة”.

ويوضح الشرعبي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “ارتبطت الماعز بحياة اليمنيين من حيث كونها مصدراً للغذاء (ألبان، أجبان، لحوم)، ومصدراً للصناعات الجلدية، فضلاً عن دورها الحيوي في الزراعة؛ إذ يُستخدم سمادها العضوي (الدمال) للحفاظ على خصوبة التربة وتحسين جودة المحاصيل”.

كما يشير إلى أن المزارع اليمني خصص تاريخياً الجزء السفلي من منزله للماشية، مقدماً لها رعاية فائقة ضمن نظام “الزراعة الكثيفة” الذي يجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني.

تربية الماعز في الجوف: شريان الحياة الذي يهدده الاحتطاب
أزمة الغاز الناجمة عن الصراع ضاعفت نسبة اعتماد العديد من المواطنين على الحطب مما أثر على الماشية (UNDB)

خطر الاحتطاب المحدق

رغم هذه الأهمية، يواجه هذا القطاع خطراً داهماً. فأبو وازع، الذي كان يملك قطيعاً يتجاوز 150 رأساً، يمتلك اليوم 60 رأساً فقط، ويشكو أولاده من صعوبة إطعامها، ويرجع السبب في ذلك إلى تدهور المراعي الطبيعية وتناقص الأمطار، لكن السبب الأبرز والأخطر هو “الاحتطاب الجائر” لصناعة الفحم النباتي.


يمتلك اليمن 10.8 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي


مع اشتداد الفقر واندلاع الحرب في 2015، لجأ الكثيرون ممن لا يملكون الماشية -أو حتى من يملكونها- إلى قطع الأشجار (مثل القرض والسدر) لتحويلها إلى فحم وبيعه.

يحيى القرشي (40 عاماً)، أب لأربعة أطفال من منطقة “العشة”، يعتمد بشكل شبه كلي على صناعة الفحم لأن ما يملكه من ماعز قليل لا يكفي لإعالة أسرته. يوكل يحيى أولاده لقطع الأشجار وحرقها ببطء في حفر معزولة عن الهواء لإنتاج الفحم، وبعد بضعة أيام، يُستخرج الفحم، ويجري تبريده قبل تعبئته في أكياس (شوالات) للبيع.

يقول القرشي لـ”منصة ريف اليمن”،: “معظم الناس في المنطقة يسودون (ينتجون الفحم). ننتج شوالة (كيساً) كل أسبوع أو أسبوعين ونبيعها بـ 7 أو 8 آلاف ريال (حوالي 17 دولاراً). مبلغ قليل، لكنه يغطي المصاريف الضرورية بعد انقطاع راتب والدي التقاعدي بسبب الحرب”.

أدت الحرب وما نتج عنها من أزمات، مثل قلة توافر غاز الطهو وارتفاع أسعاره، إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة، مما خلق سوقاً رائجة لهذه المادة.

أزمة الغاز الناجمة عن الصراع ضاعفت نسبة اعتماد العديد من المواطنين على الحطب بشكل رئيسي -خاصة القاطنين في الأرياف- كونه متوافراً بكثرة في المناطق التي يعيشون فيها، إلى حد أن يحيى القرشي وغيره من غالبية سكان منطقة برط الجبلية يعتمدون كلياً على الحطب في الطبخ باستثناء مركزي المديرية، رجوزة والعنان، حتى قبل اندلاع الحرب بكثير.

يربط هادي القوزع بين الحرب وغياب بدائل الدخل، قائلاً: “المنطقة حدودية مع السعودية، وكان الشباب سابقاً يعملون هناك ويدعمون أسرهم. الآن أصبحت المنطقة منطقة حرب، والتهريب شبه مستحيل وقد يكلفك حياتك، فلم يبق أمام الناس سوى ما تجود به البيئة”.


أدت الحرب إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة


ويتفق الخبير الشرعبي مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن انقطاع سلاسل إمداد الغاز وتدهور العملة دفعا بالفقراء إلى هذا النهج، بل وظهر “سماسرة وتجار” يمارسون قطع الأشجار بشكل ممنهج لتلبية الطلب المتزايد في المدن.

وبحسب تقارير، يعد الاحتطاب الجائر الذي يطال غابات وأشجار اليمن، من أخطر الظواهر التي تصاعدت خلال سنوات الحرب الأخيرة، إذ يؤدي إلى آثار بيئية عديدة، منها تدهور الغطاء النباتي، والتربة وتسرب المياه، وتزايد مساحات التصحر، بحيث أن الاحتطاب الجائر لا يمثل سوى إحدى الظواهر التي فاقمتها الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.

انقطاع الخدمات أو تراجعها إلى حد كبير، إلى جانب ما تعرضت له البنية التحتية من أضرار عطلت منشآت حيوية، يتعدى أثره اليابسة إلى البيئة البحرية.

حلقة مفرغة وكارثة بيئية

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي كارثة بيئية تهدد “شريان الحياة” نفسه. فقطع الأشجار يقضي على المراعي التي تتغذى عليها الماعز، ويعرض التربة للانجراف.

ووفقاً لدراسة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي (ديسمبر 2022)، بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار الموسمية وموجات الجفاف المتكررة وسوء استخدام المياه الجوفية والاحتطاب وتدهور الموارد، فضلاً عن التوسع العمراني.

وبحسب الدراسة، فإن التصحر في اليمن يأتي بأشكال عديدة وبدرجات متفاوتة، ويشمل تدهور المناطق الزراعية والمراعي، واقتلاع الأشجار المزروعة والانهيارات الطينية، بالإضافة إلى تدهور الموارد الطبيعية المختلفة مثل المياه والنباتات، وتملح التربة، وزحف الكثبان الرملية، والتوسع العمراني.


بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار  وموجات الجفاف والاحتطاب


مأزق وجودي

يحذر الخبير محمد الشرعبي من أن “تعرية الجبال” من غطائها النباتي يحولها من “خط دفاع أول” يحمي الوديان ويغذي المياه الجوفية، إلى منحدرات صخرية تزيد من سرعة السيول الجارفة وكارثيتها. ويضيف: “استمرار استنزاف الغطاء النباتي سيؤدي لانعدام سبل العيش، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مما يفتح الباب لمزيد من الصراعات”.

لتدارك الوضع، ينصح الشرعبي بضرورة إعادة تشجير الجبال واعتماد برامج الإدارة البيئية للجبال في اليمن بأكمله. لكن حلولاً كهذه تستلزم وجود إمكانات وجهوداً حكومية منظمة، وهو ما يبدوا أمراً بعيد المنال مع استمرار الصراع وغياب حل يلوح في الأفق.

يقف سكان مرتفعات الجوف أمام خيارات أحلاها مر. فبينما ينصح الخبراء بضرورة إعادة التشجير وحماية الجبال، يجد السكان أنفسهم مضطرين لقطع الأشجار لإطعام أطفالهم اليوم، حتى وإن كان ذلك يعني القضاء على مراعي مواشيهم التي ستطعمهم غداً.

تستمر الحلقة المفرغة؛ نزيف في الثروة الحيوانية يقابله تزايد في صناعة الفحم، في ظل غياب أي حلول حكومية أو بدائل اقتصادية تلوح في الأفق لإنقاذ الإنسان والبيئة في آن واحد.


أنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

فوائد وشروط تطعيم أشجار الفاكهة

يُعدّ التطعيم (Grafting) من أهم التقنيات الزراعية المستخدمة في إكثار وتحسين أشجار الفاكهة، ويقوم على نقل جزء نباتي (الطُعم) من شجرة ذات صفات مرغوبة إلى نبات آخر (الأصل) ذي قدرات نمو قوية.

ويهدف من خلال هذا الدمج إلى إنتاج شجرة تحمل ميزات الصنف المطعوم مع قوة تحمل الأصل، مما يرفع الإنتاجية ويحسّن القدرة على مواجهة الظروف البيئية والآفات.

فوائد التطعيم

إكثار الأصناف المميزة: يتيح التطعيم إكثار الأصناف التي يصعب تكاثرها بالطرق الخضرية الأخرى مثل العقل والترقيد والخلفات، مما يضمن استدامة الأصناف المرغوبة بها.

الإسراع في الإثمار: تصل الأشجار المطعمة إلى مرحلة الإثمار بسرعة أكبر مقارنة بالأشجار الناتجة عن البذور، وهو ما يوفر الوقت ويزيد من الجدوى الاقتصادية للمشاريع الزراعية.

التحكم في حجم الشجرة: يساعد استخدام أصول محددة على إنتاج أشجار معتدلة الحجم، ما يسهّل عمليات الخدمة الزراعية مثل التقليم والمكافحة والقطاف.

تعزيز مقاومة الأمراض والآفات: يتم اختيار أصول مقاومة للمشاكل الحشرية أو المرضية، ثم تُطعّم عليها أصناف ذات جودة عالية، مما يقلل من الخسائر ويحسن الإنتاج.

التكيّف مع التربة وظروف البيئة: يساعد التطعيم على التغلب على مشاكل التربة، كارتفاع الملوحة أو ضعف التهوية، من خلال اختيار أصل متوافق مع هذه الظروف.

الحفاظ على الصفات الوراثية: يحافظ التطعيم على الصفات الوراثية للصنف المطعوم، خصوصاً الأصناف التي لا تعطي نفس الجودة عند زراعتها بالبذور.

انفوجرافيك ملخص لتطعيم أشجار الفاكهة

شروط نجاح التطعيم

اختيار طُعم سليم وجيد: يجب أن يؤخذ الطُعم من شجرة صحية ذات إنتاج جيد، وأن يكون خالياً من الأمراض والآفات.

توافق الأصل والطُعم: يُشترط انتماء الأصل والطُعم إلى الفصيلة النباتية نفسها لضمان الالتحام الطبيعي، مع تقارب في قوة النمو وتوقيت بدء النشاط الحيوي.

سلامة الطرفين من الإصابات: أي إصابة مرضية أو حشرية قد تؤدي إلى فشل عملية الالتحام، لذلك يجب اختيار مواد نباتية سليمة.

جودة القطع والأدوات: يجب أن تكون عملية القطع دقيقة ومستوية لتجنب الفراغات الهوائية، مع استخدام أدوات حادة ومعقمة لضمان سرعة الالتئام.

إحكام الربط والتغطية: تُربط منطقة التطعيم جيداً لمنع انفصال الطُعم ودخول الهواء، وتُغطّى بمواد واقية مثل شمع التطعيم لمنع الجفاف والالتهابات.

تزامن النمو: يُفضّل أن يكون الأصل قد بدأ في النمو قبل الطُعم لتجنب جفافه، وخاصة في الأنواع التي تختلف في موعد النشاط الحيوي.

التطعيم لا يُحسّن صفات ثمار الطُعم، بل يقتصر دوره على إكثار الصنف والمحافظة على خصائصه. ولا يمكن التأكد من جودة الثمار ومطابقتها للصنف إلا بعد الإثمار، وهي مرحلة قد تستغرق من سنتين إلى خمس سنوات حسب النوع. لذلك يجب اختيار الصنف بعناية وتجنّب خلط الأصناف أثناء عمليات التطعيم.

ملاحظات

– التطعيم لا يحسّن الصفات الوراثية للثمار، بل يحافظ على صفات الصنف المطعوم فقط.
– لا يمكن التأكد من جودة ومطابقة الثمار إلا بعد دخول مرحلة الإثمار، والتي قد تستغرق 2 إلى 5 سنوات حسب نوع الشجرة.
– يجب تجنب خلط الأصناف أثناء عمليات التطعيم لضمان نقاء الصنف وتحقيق النتائج المتوقعة.

مما سبق توصلنا إلى أن التطعيم يُعد من أكثر الممارسات الزراعية فاعلية في تحسين إنتاجية أشجار الفاكهة ورفع قدرتها على التحمّل، شريطة الالتزام بالخطوات العلمية الدقيقة واختيار مواد نباتية سليمة ومتوافقة.


  • هذه النصائح لكم/ن
    إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
    تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
    فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

البرتقال هدية شتاء اليمنيين القادمة من مأرب

البرتقال هدية شتاء اليمنيين القادمة من مأرب

يحرص عبد الله محمد (35 عاماً) على شراء البرتقال، فاكهته المفضلة في الشتاء، ويشتري كل ثلاث أيام من أحد المحلات التجارية في قريته الريفية بمديرية السياني جنوبي محافظة إب وسط اليمن.

يقول محمد: “إن البرتقال هي الفاكهة التي اعتدتُ على تناولها منذ الطفولة، فمنذ أن كان والدي يعمل بأجر يومي في مدينة تعز، كان يعود في نهاية كل أسبوع ومعه ثمار البرتقال، حتى أن عبق منزلنا كان يتحول إلى رائحة البرتقال الزكية.

والبرتقال هو نوع من أنواع الحمضيات التي تنتجه شجرة البرتقال المزروعة في العديد من المحافظات اليمنية، وتتنوع أصنافه بين أبو سرة، -أكثر جودة وقيمة-، والمعنق، والعادي، والسكري، وتتصدر مأرب محافظات البلاد في زراعة البرتقال.


مواضيع مقترحة


البرتقال فاكهة الشتاء

يبدأ موسم البرتقال في اليمن بداية الشتاء في ديسمبر ويستمر حتى مارس، والبعض يبدأ في نوفمبر بينما تنضج بعض الأصناف الأخرى بداية من شهر ديسمبر.

يقول عبد الله محمد لـ “منصة ريف اليمن”: “البرتقال فاكهة تمنح الدفء، فحين أتناول حبات البرتقال أشعر بالدفء أشتري الكيلو بنحو 800 ريال يمني، أي ما يعادل دولارًا ونصفًا، لكنه حين يذهب إلى وسط مدينة إب التي تبعد مسافات طويلة عن قريته يشتري الكيلو بنحو 500 ريال فقط، كما أنه يتمكن هناك من شراء البرتقال الجيد وذات الجودة والمذاق الرائع.

البرتقال هدية شتاء اليمنيين القادمة من مأرب
تتصدر مأرب إنتاج البرتقال على المستوى الوطني وتعد أهم المحافظات الزراعية

أما أم سامي، التي تشتري البرتقال من سيارة الباعة الجائلين، فتقول: “بمجرد أن أسمع مكبرات الصوت وهي تنادي:” معنا برتقال حالي عسل، كيلو برتقال بخمسة ريال يا رعوي، دَفّي روحك من البرد بحبة برتقال”، ذلك ما يشدني نحو الشراء.”

أم سامي، البالغة من العمر 40 عاماً، تسكن بريف إب وتقول أنها تحب فاكهة البرتقال وتحرص على شرائها بشكل متواصل، وهي الفاكهة الوحيدة التي تكثر من شرائها على عكس الفواكه، وتشير إلى أنه مفضل كونه يأتي في فصل الشتاء، وهو ما يجعل منه فاكهة الشتاء المفضلة.


تعد فاكهة البرتقال ركيزة أساسية في سلة المشتريات الشتوية لسكان المناطق الريفية في اليمن


“أحرص على عصر البرتقال بالعصّارة اليدوية، وهو ما يمنحه مذاقًا أكثر انتعاشًا ومتعة، وقد اطلعت على العديد من الأبحاث على مواقع الإنترنت التي تتناول أهمية البرتقال في الوقاية والعلاج من بعض الأمراض، تضيف أم سامي لـ”منصة ريف اليمن”.

أظهرت مجموعة من الدراسات العلمية الحديثة، التي أجريت في جامعات ومراكز بحثية دولية، أن فاكهة البرتقال ليست مجرد مصدر للفيتامينات، بل تلعب دوراً وقائياً وعلاجياً هاماً ضد عدة أمراض مزمنة، أبرزها النقرس وتنكس الشبكية وسرطان القولون والمستقيم.

بحسب موقع «DW» خلصت دراسة حديثة إلى أن تناول كوب من عصير البرتقال يوميًا مع وجبات الطعام يخفض بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض النقرس، وهو مرض يصيب المفاصل ويُصنَّف ضمن أمراض الأيض (الاستقلاب). عند الإصابة بهذا المرض، يترسب حمض “اليوريك” على شكل بلورات صغيرة للغاية في المفاصل والأنسجة.

أما عن الفائدة الصحية لتناول حبة واحدة من البرتقال، فقد أعلن أطباء من جامعة سيدني في أستراليا أن تناول برتقالة واحدة يوميًا يُخفِّض من خطر تنكُّس الشبكية وتطور المشكلات الأخرى المتعلقة بالبصر.

ويشير الأطباء إلى أن “تناول البرتقال والحمضيات الأخرى، ولو لمرة واحدة في الأسبوع، يحسِّن صحة العيون.” وتُظهر البيانات أن مادة الفلافونويد الموجودة في البرتقال تحمي شبكية العين من التنكُّس.

البرتقال هدية شتاء اليمنيين القادمة من مأرب
لقطة جوية لمزارع البرتقال في مديرية “الوادي” بمحافظة مأرب نوفمبر 2021 (فيسبوك/ على عويضة)

تعدد الفوائد الصحية يدفع العديد من الناس إلى الحرص على شراء البرتقال، لا سيما الشرائح المتعلمة التي تتابع الأبحاث والمعلومات بشكل واسع على الإنترنت. حيث يؤكد عبدالله محمد أنه بالإضافة إلى حبه لفاكهة البرتقال، فهو يسعى من خلاله إلى تحقيق الفائدة الصحية استنادًا إلى العديد من الدراسات التي اطلع عليها عبر الإنترنت.

وفي تأكيد لهذا الإقبال، يقول حسين غانم، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية والخضراوات في إحدى قرى ريف السياني، إن الكثير من الزبائن يحرصون على شراء البرتقال. ولذلك، يذهب كل يومين إلى سوق الفواكه المركزي لشراء البرتقال من أجل بيعه للمواطنين في قريته الريفية.

تحديات زراعة البرتقال

يواجه مزارعو البرتقال العديد من التحديات، وخصوصاً في محافظة مأرب. ويشكو المزارعون من عدم توفر العلاجات المناسبة لمكافحة الأمراض، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات، وغياب الدعم للمزارع.

تحتل محافظة مأرب وسط اليمن المرتبة الأولى في إنتاج البرتقال، حيث وصل إنتاجها في عام 2021 إلى نحو 81 ألف طن. وقد جاءت هذه البيانات في كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2021، الصادر عن وزارة الزراعة في صنعاء، والذي أشار إلى أن إجمالي إنتاج اليمن من البرتقال سجل في العام نفسه حوالي 130 ألف طن.

وبحسب موقع “حلم أخضر”، أدَّت الحرب إلى تراجع إنتاج اليمن من فاكهة البرتقال، حيث انخفض من 120 ألف طن عام 2014، إلى حوالي 109 آلاف طن عام 2019. ونتيجة لذلك، فقدت المساحة الزراعية المخصصة لمحصول البرتقال قرابة 517 هكتارًا.

ويشكو المزارعون من صعوبة نقل وتسويق البرتقال داخل البلاد بفعل تداعيات الحرب التي أدت إلى قطع العديد من الطرق الرئيسية بين المحافظات، إضافة إلى غياب السوق المركزي والدعم الحكومي.

كما يواجه المزارعون تحديات بيئية، مثل شح المياه وملوحة التربة. وتترافق هذه التحديات مع انتشار آفات وأمراض، منها: حشرة المن الأسود، والحشرة القشرية، والعناكب، فضلاً عن الأمراض الفطرية كـ: تصمغ الساق وتعفُّن الجذور.

وفي ظل التحديات، يأمل عبدالله محمد ألا تؤثر هذه العوامل، سواء تداعيات الحرب أو التغيرات المناخية، على تراجع إنتاج فاكهة البرتقال، فهو يرى في دعم الزراعة والقطاع الزراعي المخرج الوحيد للكثير  من السكان في اليمن.

انهيارات أرضية تهدد منطقة المدكيم في حجة

تشهد منطقة المدكيم الواقعة بين بيت مراد وبيت بجع في مديرية قفل شمر بمحافظة حجة، انهيارات أرضية متتابعة منذ عدة أيام، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة بين السكان، بعد امتداد التشققات في الجبال المحيطة وتساقط الصخور والتربة بشكل مستمر على مدار الساعة.

وقال د. عبد العزيز المعبوش، وهو مصدر محلي مطلع من المنطقة، إن الأرض الجبلية في المدكيم تشهد حركة غير اعتيادية، حيث تتدفق الحجارة والكتل الترابية من باطن الجبل دون توقف، في ظاهرة غير مسبوقة هناك، ما تسبب في حالة قلق كبيرة لدى الأهالي الذين وصفوا المشهد بأنه تحول مفاجئ وخطر يزداد كل يوم.


مواضيع مقترحة


سكان محليون قالوا لـ”منصة ريف اليمن”، إن الانهيارات باتت تقترب من الطرق الرئيسية التي تربط قرى المديرية ببعضها، بما في ذلك الطريق المؤدي إلى سوق شمر الذي يعتمد عليه الأهالي في الوصول إلى الخدمات والمواد الأساسية، وهو ما ينذر بانقطاع خطوط الحركة وتهديد حياة السكان في حال استمرار التصدعات الحالية.

وطالب السكان السلطات المحلية بضرورة التدخل العاجل، من خلال إرسال فرق هندسية وجيولوجية متخصصة لدراسة أسباب الانزلاقات الجبلية والعيون التي تنبثق من سطح الأرض، واتخاذ إجراءات فورية لحماية الطرق ومنازل المواطنين قبل تفاقم الأضرار.

ويأتي هذا النداء وسط مخاوف متزايدة من توسع الانهيارات، إذ تؤكد شهادات محلية أن التربة والصخور تتساقط بشكل متواصل، في مؤشر ينذر بحدوث كارثة طبيعية محتملة ما لم تتم معالجتها سريعًا.

الضالع: مرضى الكلى بين خدمات غائبة وتكاليف مرهقة

“في كل مرة أسافر فيها للغسيل، أحس أن روحي تخرج مني”، بهذه الكلمات يختصر “عبد الحكيم الضحياني”، من أبناء مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، رحلته الطويلة مع مرض الفشل الكلوي الذي يلازمه منذ عام 2012.

مرتان أسبوعيا، الأحد والأربعاء، يخوض عبد الحكيم رحلة شاقة تبدأ من قريته “رَمّة” مرورا بمدينة دمت، وصولا إلى مستشفى الثورة في محافظة إب، ويقول في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”: “أسافر ست ساعات، وعندما أصل أكون مرهقا جدا، لكن لا يوجد وقت للراحة، فأدخل مباشرة جلسة الغسيل”.

المعاناة لا تقف عند الإرهاق الجسدي، فتكاليف السفر تضاعف العبء على كاهل عبدالحكيم إذ يقول: “أدفع سبعة آلاف ريال للذهاب ومثلها للعودة”، وهو مبلغ يبدو بسيطًا نسبيًا، لكنه يتراكم شهريًا ليشكل عبئًا ماليًا خانقًا.


مواضيع مقترحة


بعد كل جلسة غسيل، يعاني عبد الحكيم من إرهاق شديد وهبوط أو ارتفاع في السكر والضغط؛ ما يجعله غير قادر على العودة في اليوم نفسه، فيضطر للمبيت في إب، وغالبًا داخل المستشفى لعدم قدرته على دفع تكاليف الفنادق.

تكاليف مضاعفة

لا تقف المعاناة عند عبد الحكيم فقط؛ فشقيقه قحطان هو الآخر مصاب بالفشل الكلوي منذ خمس سنوات، ويكابد مشقة السفر إلى مديرية السدة بمحافظة إب لإجراء جلسات الغسيل.

يقول قحطان لـ”منصة ريف اليمن”: “مريض الفشل الكلوي بعد الغسيل يصبح جثة هامدة، أغسل ثلاث مرات أسبوعيًا، وبعد كل جلسة أشعر أن جسدي لا يقوى على شيء، وكل ما أحتاجه هو النوم والراحة، لا السفر والعودة”.

وتُمثّل رحلته الأسبوعية المتكررة عبئًا مضاعفًا، جسديًا وماديًا ونفسيًا؛ فبعد جلسات الغسيل المرهقة، يُضطر للعودة في طرق طويلة ووعرة، بينما لا يملك خيارًا آخر في ظل غياب مركز غسيل في قعطبة ودمت.

يشير عبد الحكيم إلى ازدحام مستشفى الثورة بإب، حيث يبلغ عدد المرضى 600 مريض من محافظات إب والضالع والحديدة، مقابل 30 جهاز غسيل فقط، وتتضاعف المعاناة عند توقف دعم المنظمات في توفير الفلاتر والمحاليل؛ ما يضطر المرضى لشرائها بمبلغ يصل إلى 35 ألف ريال للجلسة الواحدة.


المعاناة لا تقف عند الإرهاق الجسدي، فتكاليف السفر تضاعف العبء على كاهل المرضى في ظل غياب مركز غسيل في قعطبة ودمت بمحافظة الضالع.


الفشل الكلوي المزمن

يوضح الدكتور “مجيد الضحياني”، أخصائي الكلى والمسالك البولية، أن مرض الكلى ينقسم إلى نوعين رئيسيين: الفشل الكلوي الحاد، والفشل الكلوي المزمن، ويشير إلى أن الفشل الحاد غالبًا ما يكون قابلًا للعلاج إذا عولِج السبب المباشر، مثل الإسهال الحاد أو ارتفاع ضغط الدم أو النزيف.

أما الفشل الكلوي المزمن، كما يقول لـ”منصة ريف اليمن”، فهو مرتبط بأسباب رئيسة مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الحصوات، والمشاكل المناعية.

ويؤكد الضحياني أن نصف الحالات المزمنة سببها السكري، و25% ناجمة عن ارتفاع الضغط، و25% أخرى بسبب الحصوات أو أمراض مناعية أو استخدام أدوية خاطئة.

يشير الدكتور الضحياني إلى أن أبرز التحديات هي التأخر في التشخيص والإهمال في علاج الأمراض المزمنة، وهو ما يزيد من خطر تطور الفشل الكلوي، مؤكدا أن أغلب حالات دمت وقَعطبة ناتجة عن أمراض مزمنة أو حصوات مهملة، إلا أن مستوى الوعي الصحي بدأ يتحسن مؤخرًا.

ويركز على منطقة دمت وقعطبة، حيث أغلب حالات الفشل الكلوي هناك ناشئة عن أمراض مزمنة، مع بعض الحالات التي تتسبب فيها الحصوات المهملة، إلا أن مستوى الوعي الصحي بدأ يتحسن مؤخرًا مع توفر وسائل التشخيص؛ ما خفف بعض حالات الفشل المبكر.

ويضيف أن معاناة المرضى تتضاعف بسبب السفر الطويل إلى مراكز الغسيل في محافظات أخرى، حيث يشعر المريض بالإرهاق بعد سحب السوائل؛ ما يجعل السفر عبئًا جسديًا وماديًا ونفسيًا على المريض وأسرته.

ويشدد الضحياني على الحاجة الملحة لإنشاء مركز غسيل في دمت لتخفيف الضغط عن مركز السدة المكتظ، الذي يؤدي ازدحامه أحيانًا إلى تقليص عدد الجلسات. ويؤكد أن تدني الوعي الصحي وعدم إجراء الفحوصات الدورية يؤديان إلى تدهور حالة المرضى.


د. الضحياني: هناك حاجة ملحة لإنشاء مركز غسيل في دمت لتخفيف الضغط عن مركز السدة المكتظ، الذي يؤدي ازدحامه أحيانًا إلى تقليص عدد الجلسات


طرق طويلة نحو الحياة

يواجه مرضى الفشل الكلوي في مديريتي قعطبة ودمت معاناة إنسانية قاسية بسبب غياب مراكز الغسيل في المنطقتين؛ ما يضطرهم لقطع مسافات طويلة نحو إب أو جُبَن.

رحلة العلاج هذه ليست مجرد انتقال مكاني، بل معاناة متكررة يختبرها المرضى في كل مرة، خصوصًا أبناء الأرياف الذين يصطدمون بندرة وسائل النقل وارتفاع تكلفتها، فيسافرون لساعات طويلة تحت وطأة الألم والإرهاق فقط ليطهروا أجسادهم من السموم ويبقوا أحياء ليومٍ آخر.

يصف “عبد الكريم المجرب”، معلم من دمت، معاناته مع ابنته التي تعاني من الفشل الكلوي المزمن منذ ست سنوات بأنها “مأساة يومية”، فقد بدأت رحلة العلاج في صنعاء واستمرت عامين بسبب حاجتها للغسيل ثلاث مرات أسبوعيًا.

ويضيف: “اضطررت للجلوس معها في صنعاء لأنه لا يوجد مركز غسيل كلوي في دمت”، بعد عامين، تم افتتاح مركز غسيل في مديرية السدة، فعاد إلى دمت، أملاً في التخفيف من مشقة التخفيف من العبء المادي والنفسي في صنعاء، لكن المعاناة لم تتوقف.

بعد افتتاح مركز السدة المعاناة لم تنتهِ، ويقول المجرب: “نذهب إلى السدة صباحًا ونعود مساءً، أربعون كيلومترًا ذهابًا ومثلها إيابًا، في طريق وعرة”. ويضيف: “التعب النفسي والمادي لا ينتهي… لا أنفك عن التفكير في الغسلة القادمة”.

ويشير إلى أن العبء لا يقتصر على السفر فحسب، بل يشمل الجانب المادي والنفسي والجسدي: “أتحمل عناء النقل وأخذ ابنتي، وأحيانًا مرضى آخرين معي، لكن التكلفة والتعب النفسي والمادي لا ينتهيان”.

ويؤكد أن المرض ليس مأساة فردية، بل يعصف بأسر بأكملها، حيث إن بعض المرضى هم المعيلون الوحيدون لأسرهم، وهم في حيرة بين معالجة مرضهم وإعالة أسرهم.


عدد المرضى في دمت وحدها يفوق عشرين حالة، والجميع مضطرون للسفر للغسيل في رحلات طويلة مرهقة ومكلفة.


وعلى الرغم من متابعتهم منذ عامين لإنشاء مركز غسيل كلوي في دمت، يشير عبد الكريم إلى غياب الاستجابة، قائلاً: “مطالباتنا لم تجد تجاوبًا حتى الآن، ونحن لا نزال نحلم بمركز يخفف عن المرضى هذا العبء”.

الموت على الطريق

هذه الشهادات الإنسانية لم تبقَ حبيسة الصدور، بل تحولت إلى صوت رسمي، ففي 24 مايو 2025، رفع مستشفى الشهيد علي عبد المغني مذكرة عاجلة إلى السلطة المحلية في دمت، للمطالبة بإنشاء مركز غسيل كلوي يضع حدًا لهذه المعاناة.

المذكرة الرسمية، التي وقع عليها كبار المسؤولين في المستشفى، كشفت أن العديد من المرضى يقطعون يوميًا مسافات طويلة تصل إلى نحو 80 كيلومترًا، ويتكبدون تكاليف باهظة قد تصل إلى عشرة آلاف ريال للجلسة الواحدة. إلى جانب ذلك، يواجهون خطر الموت على الطرقات أو بسبب تأخر العلاج.

ويشير الناشط الاجتماعي “صقر المريسي” المعني بمتابعة هذا الملف، إلى أن حافزه للعمل في هذا الملف إنساني بالدرجة الأولى، موضحًا أن عدد المرضى في دمت يفوق عشرين حالة حسب إحصائه، وأن الجميع مضطرون للسفر في رحلات مرهقة ومكلفة.

ويؤكد المريسي وجود تجاوب من وزارة الصحة والهلال الأحمر، لكن التنفيذ مشروط بتوفير مبنى مناسب للمركز وهو ما يجعل الكرة اليوم في ملعب السلطة المحلية وجهود المجتمع المحلي.

ورغم أن المرضى يطالبون منذ أكثر من عامين بهذا المركز، لم تجد المناشدات السابقة أي استجابة جدية. يقول عبد الكريم بنبرة يمتزج فيها الأمل باليأس: “كل ما نحلم به هو مركز قريب يخفف عنا هذا العبء الثقيل، نأمل أن تصل أصواتنا أخيرًا إلى من يملكون القرار”.

زراعة القمح في شبوة بين التوسع والتحديات

يسابق المزارع “علي قسيب (60 عاما)”، شروق الشمس للوصول إلى مزرعته في مديرية رضوم بمحافظة شبوة، من أجل أن يتفقد سنابل القمح ويلمس التربة المتشققة، معلقًا آماله على أن يثمر هذا الجهد لضمان استدامة دخله الأسري.

يؤكد قسيب لـ”منصة ريف اليمن”، أنّ الأرض تمثل طموحه المشترك مع آلاف المزارعين في شبوة الذين يسعون إلى الاكتفاء الذاتي، وتأسيس مصدر رزق مستدام على الرغم من التحديات المناخية والاقتصادية، وتأثيرها المباشر على الإنتاج الزراعي.

يبدأ موسم زراعة القمح في شبوة عادة في شهر أكتوبر ونوفمبر مع  انخفاض درجات الحرارة، فيما يبدأ الحصاد غالبا في شهر فبراير ويستمر إلى منتصف مارس؛ بحسب المناطق واختلاف كمية الأمطار.


مواضيع مقترحة


نمو المساحات والإنتاج

شهدت مزرعة علي قسيب زيادة تقديرية في إنتاج القمح تتراوح بين 12% إلى 15% خلال العامين الأخيرين نتيجة استخدام البذور المحسنة وتحسين طرق الري، كما توسعت مساحة زراعته من نحو هكتارين إلى 2.5 هكتار ما ساهم في رفع إجمالي إنتاجه مقارنة بالمواسم السابقة.

ترافق هذا النمو مع زيادة في الدعم الحكومي للمزارعين، حيث وزعت السلطات المحلية 120 طناً من البذور المحسنة في عام 2024، وارتفع الرقم إلى 150 طناً خلال عام 2025.

يعد قمح شبوة من أجود أنواع القمح في اليمن والتوسع في زراعته خطوة نحو تحقيق الأمن الغذائي (ريف اليمن)

يقول “فهمي لصفوح”، مدير مكتب الزراعة والري بمديرية الصعيد: “حققت شبوة خلال العامين الأخيرين خطوات إيجابية في إنتاج القمح، لكنها لا تزال في بداية الطريق نحو تحقيق الاستدامة الزراعية، وتقليل الاعتماد على الواردات”.

وأوضح لصفوح لـ “منصة ريف اليمن” أن نجاح هذه المساعي مرهون بتطوير البنية التحتية الزراعية، وتوفير الدعم الفني والمالي للمزارعين، وضمان أسواق عادلة تحفزهم على الاستمرار في النشاط الزراعي.

 زراعة القمح والدعم الحكومي

أقرت السلطة المحلية في شبوة برنامجا جديدا لدعم زراعة القمح يتضمن توزيع 80 طنا من البذور المحسنة مجانا على المزارعين في ثمان مديريات بتمويل من السلطة المحلية، بحسب مكتب وزارة الزراعة بالمحافظة.

يأتي البرنامج ضمن جهود المحافظة لمواجهة ارتفاع الطلب المحلي على القمح وتراجع الاستيراد. وأوضح تقرير مكتب الزراعة أن الموسم الماضي شهد زراعة نحو 3422 هكتارا بإجمالي إنتاج بلغ 10 آلاف و210 أطنان.

شهدت المحافظة توسع ملحوظًا في زراعة القمح بين عامي 2024 و2025 حيث ارتفعت المساحة المزروعة إلى 3457.5 هكتار بنسبة زيادة بلغت 15.7% حسب مكتب وزارة الزراعة بالمحافظة.

كما ارتفع الإنتاج من 10 آلاف و205.5 طن في عام 2024 إلى 12 ألف طن متوقع في عام 2025، بنسبة نمو وصلت إلى 17.6%، وهو ما يعكس تحسنا تدريجيا في مستوى الإنتاج المحلي من هذا المحصول الاستراتيجي.


ارتفعت المساحة المزروعة بالقمح بين عامي 2024 و2025 الى 3457.5 هكتار  بنسبة زيادة بلغت 15.7% حسب مكتب الزراعة بالمحافظة.


يؤكد فهمي لصفوح أن عملية توزيع بذور القمح المحسّنة تأتي ضمن جهود المكتب المستمرة لدعم المزارعين وحثّهم على التوسع في زراعة القمح، نظراً لأهميته الكبيرة في تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي وتعزيز الاقتصاد المحلي.

وأضاف: “نحن ملتزمون بالمتابعة الحثيثة للمزارعين، وتقديم كافة أشكال الدعم الفني والإرشادي لضمان نجاح الموسم الزراعي 2025/2026م، وتحقيق نتائج ملموسة ترفع من كفاءة الإنتاج، وتشجع على تبني التقنيات الزراعية الحديثة لتحسين جودة القمح ورفع مستوى الإنتاجية”.

وتابع: “تندرج هذه المشاريع ضمن دعم دولي أوسع تقوده منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة  (الفاو) بالشراكة مع البنك الدولي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن، وتحسين إنتاج القمح في المناطق الزراعية الواعدة كمحافظة شبوة”.

ويؤكد الخبير الزراعي “خليل الأحمدي” في حديث لـ” منصة ريف اليمن” بأن قمح شبوة يعد من أجود أنواع القمح في اليمن، معتبرا التوسع في زراعته “خطوة ممتازة” نحو تحقيق الأمن الغذائي، مؤكدًا على ضرورة دعم المزارعين بتوفير مصادر المياه وإصلاح الأراضي الزراعية.

رغم هذا التوسع لا تزال المحافظة تواجه تحديات متعددة، أبرزها محدودية مصادر المياه والاعتماد على الأمطار والآبار السطحية (ريف اليمن)

يواجه المزارع “علي عبد ربه (55 عاما)”، ومعه المئات من المزارعين في شبوة، عقبات جمة في زراعة القمح، من بينها ارتفاع أسعار الوقود وغياب التسهيلات الائتمانية والقروض.

ويؤكد عبد ربه – الذي يمتلك نحو هكتارين من الأراضي الزراعية يخصص منها ما يقارب 40% لزراعة القمح سنويا – في حديثه لـ “منصة ريف اليمن”، أن التقلبات المناخية وضعف البنية التحتية للأسواق فاقما هذه المعاناة.

ويشير إلى أنه رغم هذا التوسع، لا تزال المحافظة تواجه تحديات متعددة، أبرزها محدودية مصادر المياه والاعتماد على الأمطار الموسمية والآبار السطحية؛ مما يهدد استدامة الإنتاج. إضافة إلى ذلك، تشكل الأمراض والآفات الزراعية خطراً داهماً على المحصول، خاصة في ظل غياب برامج فعالة للمراقبة والمكافحة.

من جانبه، يرى الأحمدي أنه رغم زيادة الإنتاج، يبقى تأثير هذا النمو محدوداً على الأمن الغذائي الوطني، إذ لا يزال اليمن يعتمد بشكل كبير على واردات القمح. ويُعزى ذلك إلى أن تقلب الأسعار في الأسواق المحلية والعالمية، وارتفاع تكاليف النقل، وغياب آليات شراء حكومية مضمونة، كلها عوامل تجعل المزارع عرضة للمخاطر الاقتصادية حتى مع ارتفاع منسوب الإنتاج.

رغم التحديات المناخية والاقتصادية الكبيرة؛ ارتفعت المساحات المزروعة بنسبة 20% مقارنة بالعام الماضي لتغطي أكثر من 16 ألف هكتار منها 7 آلاف مخصصة لزراعة الحبوب كالقمح والذرة والشعير/ وبلغ إنتاج القمح نحو 1187 طناً، كما شهدت محاصيل أخرى مثل الذرة والبصل والعنب زيادة لافتة في سبيل تعزيز الأمن الغذائي والتنمية الريفية في المحافظة.

حصن المعفاري.. أسطورة الصمود المنحوتة في صخور الضالع

يُعدّ حصن المعفاري واحداً من أمنع الحصون التأريخية في اليمن، إذ يتربع على قمة جبلية شاهقة حادة الحواف في منطقة قرض بمديرية الأزارق بمحافظة الضالع، ويصعب الوصول إليه إلا عبر سلم يُرفع بعد الصعود، ما جعله، بحسب وصف المؤرخ ابن الديبع، “أمنع من عش عقاب الجو”، وفق ما ذكره المختص الناشط المختص فهد اسماعيل الانباري.

وذكر ابن الديبع في كتابه قرة العيون بأخبار اليمن الميمون أن حصن المعفاري من أكثر حصون اليمن تحصيناً، مؤكداً أن طبيعة الجبل ووسيلة الوصول إليه شكّلت منظومة دفاعية طبيعية نادرة، عززت من مكانته العسكرية عبر الحقب التأريخية.

ويضم الحصن شواهد معمارية وأثرية لافتة، أبرزها الأخشاب المغروسة أفقياً داخل فتحات عميقة في الحواف الصخرية الحادة، وهي ظاهرة ما تزال تثير دهشة الباحثين والزوار، إلى جانب وجود صهاريج مياه، ومعاصر زيت، ومخازن حبوب وكهوف متعددة، وجدران مبنية بأحجار كبيرة الحجم تعكس مهارة هندسية متقدمة.

وقد عُثر داخل أحد كهوف الحصن على نقش بخط الزبور اليماني، ما يشير إلى عمق تأريخي وحضاري يعود إلى فترات موغلة في القِدم، ويعزز من أهمية الموقع بوصفه شاهداً على تعاقب حضارات يمنية قديمة في المنطقة.

وتُظهر الصور المصاحبة مشاهد بانورامية للجبل والحصن، حيث تتداخل القمم الصخرية الوعرة مع بقايا المنشآت الحجرية والممرات المحفورة في الصخر، في مشهد يجمع بين القسوة الجغرافية والعبقرية الإنسانية في تطويع الجبال للسكن والدفاع.

التُقطت هذه الصور بعدسة ناصر الهدياني ضمن جهود توثيقية تسلط الضوء على أحد أبرز المعالم التأريخية في الضالع، وسط دعوات إلى الاهتمام بالتراث اليمني وحمايته من الإهمال والاندثار.

صناعة الفحم.. مهنة متوارثة تستنزف الغطاء النباتي

يحتل الفحم مكانة بارزة في الحياة اليومية لسكان لحج واليمن عموما؛ فهو ليس مجرد وقود، بل جزء أصيل من الموروث الغذائي والاجتماعي، ويتعدد استخدامه بين التبخير والشواء والطهي، ورغم انتشار وسائل الطهي الحديثة، يظل الفحم الخيار المفضل لما يمنحه من نكهة مميزة ومذاق لذيذ.

لكن إنتاج الفحم يشكل تهديدا بيئيا متزايدا، حيث يؤدي قطع الأشجار بشكل واسع إلى استنزاف الغطاء النباتي وظهور مساحات جرداء غير قادرة على مقاومة عوامل التعرية، كما يساهم هذا التدهور في زيادة معدلات التصحر وانجراف التربة، إضافة إلى تراجع التنوع الحيوي الذي تعتمد عليه الحياة البرية في مناطق الشعاب والوديان.


مواضيع مقترحة


خطوات صناعته

يروي “سالم الشيخ (67 عاما)”، أحد أقدم صانعي الفحم في لحج، تجربته الممتدة لثلاثة عقود في هذا المجال، ويشرح لـ”منصة ريف اليمن” خطوات التصنيع قائلاً: “نقطع أشجار السَّمُر من شعاب ووديان الصبيحة، ثم نحفر حفرة بعمق متر، نضع بداخلها الحطب، ونشعل النار باستخدام مخلفات المواشي، ثم نغلق الحفرة بإحكام كامل لمنع دخول الهواء”.

ويؤكد الشيخ أن منع تسرب الهواء هو السر الرئيسي لنجاح العملية، لأن دخول الهواء يحول الحطب إلى جمر ويُفسد الفحم. ويضيف أن صناع الفحم في لحج كانوا قبل سنوات يصدرون إنتاجهم إلى السعودية ودول الخليج، لكن التصدير أوقف رسميا بسبب ارتباط بعض عمليات تهريب المخدرات بشحنات الفحم.

الإقبال على الفحم لا يقتصر في الأرياف، بل يمتد إلى المدن لما يمنحه من نكهة مدخنة طبيعية، وتقول المواطنة “حياة فضل (27 عامًا)” من لحج: “أفضِّل الطعام المطهو بالفحم، خاصة السمك والدجاج، وأراه أكثر صحة إضافة إلى طعمه اللذيذ”.

يشكل إنتاج الفحم تهديدا بيئيا متزايدا، حيث يؤدي قطع الأشجار بشكل واسع إلى استنزاف الغطاء النباتي (ريف اليمن)

لا يقتصر استخدام الفحم على الطهي، بل يحظى بمكانة خاصة في الطقوس الاجتماعية، خاصة المرتبطة بالبخور في لحج وعدن، وتقول “سمر صالح (35 عاما)” من عدن: “أحرص دائما على توفر الفحم في المنزل، خصوصا لطقوس الخميس التي نقوم فيها بصناعة الحلوى وتبخير البيت بالبخور العدني أو اللحجي”.

وتشير إلى أن تجمعات النساء، لا سيما في الأعراس والمناسبات، لا تخلو من روائح البخور التي تحتاج إلى أجود أنواع الفحم.

يوضح سالم الشيخ أن للفحم ثلاثة أنواع رئيسية الفحم الجمعي (المكسر) يستخدم للبخور، وسعر الجونية 25 كيلو إلى 26 ألف ريال، والفحم المُقلم (مخصص للشيشة)، وتتراوح أسعاره بين 30–32 ألف ريال، والفحم الرصاصي (الأقل جودة) وسعره حوالي 10 آلاف ريال، ويستخدمه أصحاب المطاعم للشواء والطهي.

تحذيرات صحية

يحذر الدكتور “علي الصياء”، استشاري الأمراض الصدرية، من المخاطر الصحية لصناعة الفحم التقليدية، خصوصا تلك التي تعتمد على الحفر تحت الأرض، حيث يتعرض العمال لغازات سامة أبرزها أول أكسيد الكربون.

ويوضح لـ”منصة ريف اليمن”، أن هذا الغاز يرتبط بالهيموجلوبين بدلاً من الأكسجين، ما يؤدي إلى نقص تروية الأعضاء الحيوية، وظهور أعراض مثل الصداع والدوخة، وقد يصل الأمر إلى فشل تنفسي، كما تتسبب أكاسيد الكبريت والنيتروجين في التهابات مزمنة بالشعب الهوائية والحويصلات الرئوية، وترفع خطر الإصابة بالانسداد الرئوي وسرطان الرئة.

استشاري أمراض صدرية حذر من المخاطر الصحية لصناعة الفحم خصوصا تلك التي تعتمد على الحفر تحت الأرض (ريف اليمن)

ويؤكد أن الجسيمات الدقيقة والهواء الجوي تسبب تهيجا والتهابات مزمنة في الرئة، وقد تزيد من خطورة الإصابة بالانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة. ونبه الدكتور الصياء إلى أن هذا التلوث لا يقتصر على المخاطر المهنية المباشرة، بل يشكل أيضاً خطراً صحياً واضحاً على السكان القريبين من مواقع الحفر.

ولتجنب هذه المخاطر، يشدد الدكتور الصياء على ضرورة توفير تهوية جيدة وكافية في أماكن العمل لتقليل تركيز الملوثات، واستخدام أجهزة تنفس خاصة مزودة بفلاتر كيميائية (مثل أقنعة الغاز) للحماية من الغازات السامة كأول أكسيد الكربون.

وينبه بأن الكمامات المتوفرة في الصيدليات أو أقنعة “N95” غير مخصصة للحماية من الغازات الكيميائية والأبخرة، مشيرا إلى أن الحل الأمثل يكمن في توفير معدات تنفس تغطي الوجه بالكامل مع نظام تزويد هواء نقي لتوفير حماية شاملة للعينين والرئتين، مشددا على أن توفر هذه المعدات غير كاف، بل يجب إقرانه بتدريب العاملين على طريقة استخدامها الصحيحة وصيانتها الدورية لتجنب تسرب الملوثات.

خطر بيئي ومناخي

مستشار وزارة المياه والبيئة لشؤون التغييرات المناخية في حضرموت فهمي بن شبراق، أطلق تحذيرا من التبعات البيئية والمناخية والاقتصادية الناتجة عن قطع أشجار السمر لإنتاج الفحم، وما يرافق ذلك من تحطيب جائر آخذ في الاتساع.

دعوات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا الاستنزاف وحماية الغطاء النباتي (ريف اليمن)

وقال بن شبراق لـ”منصة ريف اليمن” إن “استنزاف الغطاء الشجري، وتحديدًا أشجار السمر، يتسبب بأضرار بيئية بالغة، نحن نشهد تدهورا متسارعا في الغطاء النباتي، وتأثرا مباشرا وخطيرا على التنوع الحيوي”.

وأوضح أن أشجار السمر تؤدي دورا محوريا في تثبيت التربة، وأن فقدانها يسرع من وتيرة التصحر بشكل ملحوظ، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية المترتبة، إذ تعد هذه الأشجار عنصرًا أساسيًا في دعم إنتاج العسل.

وأكد بن شبراق أن التحطيب الجائر يسهم في تفاقم التغير المناخي عبر مسارين رئيسيين: انبعاثات الكربون الناتجة عن عملية حرق السمر لإنتاج الفحم، وفقدان مصارف الكربون الطبيعية نتيجة إزالة الغطاء النباتي الذي يمتص غازات الاحتباس الحراري؛ ما يعني خسارة خط دفاع طبيعي ضد التغير المناخي.

ويشير إلى أن نمو أشجار السمر يستغرق سنوات طويلة، في حين تتطلب صناعة الفحم كميات كبيرة منها، الأمر الذي يجعل تعويض الفاقد مستحيلاً على المدى القريب، مؤكدا على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا الاستنزاف وحماية الغطاء النباتي.

مأرب.. مؤتمر «أجند المناخ» يوصي بتفعيل دور الإعلام للتوعية

مأرب.. مؤتمر "أجندة المناخ" يوصي بتفعيل دور الإعلام بالتوعية

أوصى مؤتمر «أجند المناخ» الذي عقد في مأرب الثلاثاء بتفعل دور الإعلام بالتوعية المناخية ودعم المبادرات البيئية، تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والشباب، واستعرضت الجلسات عدد من المحاور.

شهدت محافظة مأرب انعقاد النسخة الثانية من مؤتمر أجندة المناخ للشباب اليمني، والذي نظمته منصة صحصح بمشاركة عدد من الجهات الرسمية والمبادرات الشبابية ووسائل الإعلام، ويهدف إلى تمكين الشباب من صياغة السياسات المناخية، وبناء قدراتهم لمواجهة التحديات البيئية، وإبراز دورهم الفاعل في تحقيق التنمية المستدامة.

وشارك في المؤتمر عدد من الخبراء والمختصين في قضايا البيئة والتنمية المستدامة في مأرب، وشاركت “منصة ريف اليمن” كإحدى الجهات الإعلامية المدعوة والمهتمة بتغطية قضايا المناخ والبيئة والتنمية المستدامة في الريف اليمني.

مأرب.. مؤتمر "أجندة المناخ" يوصي بتفعيل دور الإعلام بالتوعية
جانب من الحضور في مؤتمر أجندة المناخ للشباب اليمني بمأرب الثلاثاء 25 نوفمبر 2025

الزراعة والتغيرات المناخية

وتناول المؤتمر عدة محاور رئيسية، كان أولها “الزراعة المستدامة والأمن الغذائي في ظل التغيرات المناخية”، حيث تحدّث مرعي كريشان المهندس الزراعي والباحث في التغيرات المناخية لدى مكتب الزراعة مأرب عن التحديات المناخية التي واجهت القطاع الزراعي.

وأشار كريشان، أن أبرز التحديات هي شحة المياه، والجفاف، تذبذب كميات هطول الأمطار، والفيضانات والصواعق الرعدية، وتدهور التربة المستمر. وأشار إلى أهمية تبني أساليب زراعية مرنة تعتمد على التجارب الميدانية للتكيّف مع المناخ.


مرعي كريشان: نحتاج تبني أساليب زراعية مرنة تعتمد على التجارب الميدانية للتكيّف مع المناخ


من جانبه قدّم المهندس محمد أحمد العبادي، مدير عام الهيئة العامة لحماية البيئة بمأرب، عرضًا بيانيًا كشف فيه أن استهلاك المياه في المدينة بات يشكّل تحديًا كبيرًا، حيث يصل استهلاك الفرد اليومي من المياه إلى 15–30 لترًا مكعبًا، في ظل وجود ما يقارب 2 مليون نسمة، ما يعني استهلاكًا يوميًا يُقدّر بـ30 مليون لتر مكعب.

قدم الماء خلال المؤتمر بأواني الفخار المصنوعة من الطين والتي تعد موروث تقليدي مهمل بسبب إنتشار البلاستيك (ريف اليمن)

وخلال حديثة في جلسة عن “الموارد المائية”، أشار العبادي إلى “جفاف كثر من الآبار خلال السنوات الأخيرة”، مؤكدًا ضرورة “نشر ثقافة الترشيد، ومراقبة وتنظيم حفر الآبار الجوفية”.

النفايات والطاقة المتجددة

وكشف سالم الكثيري، مدير الإدارة الفنية في صندوق النظافة والتحسين “أن 53% من النفايات التي يتم فرزها في مأرب عبارة عن مواد بلاستيكية، ما يعكس الحاجة الملحة لحلول مستدامة في إعادة التدوير وتقليل التلوث”.

واستعرض في ورقة حول إدارة النفايات، أبرز التحديات البيئية التي تواجه القطاع، والخطط المستقبلية لمعالجة المشكلات البيئية وتحسين الأداء في محافظة مأرب.

كما أشار إلى جهود الصندوق في رفع مستوى النظافة في مدينة مأرب، وتنفيذ مشاريع تطويرية تهدف إلى تحسين المشهد الحضري وتعزيز الوعي البيئي، مع التأكيد على أهمية إشراك الشباب في المبادرات البيئية المجتمعية.


سالم الكثيري: 53% من النفايات التي يتم فرزها في مأرب مواد بلاستيكية، ما يعكس الحاجة لحلول مستدامة في إعادة التدوير وتقليل التلوث


وفي محور الطاقة المتجددة، ناقش الناشط سلطان جباري فرص الطاقة المتجددة في اليمن، مؤكدًا أن البلاد تُعد سوقًا واعدًا للطاقة الشمسية والرياح، نظرًا لارتفاع معدل السطوع الشمسي الذي يصل إلى 300 يوم سنويًا، وبمتوسط 5.5–6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يوميًا، وخاصة في محافظة مأرب.

وقال جباري “أن 70% من دول العالم تضع خططًا للتحول إلى الطاقة المتجددة بحلول 2030، مما يعزز من أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي محليًا، وضرورة تمكين الشباب للمشاركة فيه”.