الأحد, نوفمبر 30, 2025
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

تربية الماعز في الجوف: شريان الحياة الذي يهدده فأس الاحتطاب

تشكّل الماعز شريان الحياة الأول لسكان مرتفعات الجوف، لكنها تواجه اليوم تهديدًا وجوديًا مع تمدد الاحتطاب الجائر الذي يلتهم المراعي ويقوّض مصدر رزق آلاف الأسر..

مع بزوغ الفجر، ينطلق أبو وازع (51 عاماً) من منزله الطيني في أعالي جبال منطقة “العرضية” بمديرية “برط” الجبلية بمحافظة الجوف، حاملاً إحدى أغنامه، ومسابقاً الخطى للحاق بسيارة “تويوتا” قديمة تقله إلى سوق “رجوزة” البعيد، في مشهد يتكرر كل ثلاثاء وخميس، حيث يتدفق السكان من كل حدب وصوب لبيع ما تيسر من الماعز لتأمين لقمة العيش.

في السوق، يبدو جليّاً الاعتماد على الماعز بوصفه شريانَ حياة أساسيّاً، ويصف أبو وازع الماشية بعبارة تختزل مكانتها في الوجدان الشعبي قائلاً: “إنها بندق القبيلة الثاني الذي يعتمد عليه كل الناس هنا”، في إشارة بليغة إلى أنها توازي أهمية السلاح الذي يعد حمله ضرورة متوارثة في المجتمعات القبلية اليمنية.


مواضيع مقترحة


ويضيف بلهجته البدوية: “ماشي معنا دخل يعيشنا في هذه المنطقة القاسية لولا بيع الجلب (الماعز) كنا متنا من الجوع، كل الناس هنا يربون الأغنام ويبيعون منها كل أسبوع لشراء الدقيق والرز والملابس”.

ووفقاً لموقع “وورلد بوبيوليشن ريفيو” يمتلك اليمن 10.8 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي، إلا أن هذه النسبة تمثل العالم بأسره لسكان تلك المرتفعات.

شريان حياة.. وعملة بديلة

في جبال “برط” الوعرة، وحيث تغيب مصادر الدخل الحديثة، تسود حياة البداوة والتنقل، لا تكاد تجد أسرة لا تمارس الرعي؛ فالأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب، بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي نفقات الملابس، وتكاليف شراء الدراجات النارية -وسيلة المواصلات الوحيدة لقهر وعورة الطرق- وحتى تكاليف الزواج والتعليم.

وحتى وقت قريب، كانت الماعز والخراف تُستخدم حرفياً كبديل للنقود، بما في ذلك دفع مهور الزواج. وهذا ما حدث تماماً مع هادي القوزع، وهو شاب ثلاثيني من أبناء المنطقة، لم تساعده أغنامه في سداد مهر زوجته فقط، بل مهدت له الطريق نحو التعليم الجامعي.


الأغنام ليست مصدراً للغذاء فحسب، بل هي “العملة الصعبة” التي تغطي معظم نفقات الأسر في الجوف


يقول هادي، وهو أحد القلائل الجامعيين في منطقته: “في عام 2012، كان لدي شغف بدراسة التجارة، وحين فتحت جامعة العلوم والتكنولوجيا فرعاً في مركز (برط العنان)، كانت تلك فرصتي”.

ويستدرك هادي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “لم أكن أملك المال لتغطية الرسوم التي بلغت حينها 100 ألف ريال (نحو 200 دولار)، لكننا كنا نملك قطيعاً جيداً. بعت أربعة كباش لتدبّر أمر رسوم السنة الأولى، وواصلت الاعتماد على بيع الماعز كلما تعثرت بالرسوم، حتى حصلت على دبلوم المحاسبة”.

هذه القيمة الاقتصادية للماعز يدعمها رأي العلم أيضاً. يؤكد الخبير البيئي اليمني، محمد الشرعبي، أن تربية الماعز في اليمن ليست مجرد وسيلة للعيش، بل “ثقافة زراعية ومعرفة تقليدية متجذرة”.

ويوضح الشرعبي في حديثه لـ”منصة ريف اليمن” قائلاً: “ارتبطت الماعز بحياة اليمنيين من حيث كونها مصدراً للغذاء (ألبان، أجبان، لحوم)، ومصدراً للصناعات الجلدية، فضلاً عن دورها الحيوي في الزراعة؛ إذ يُستخدم سمادها العضوي (الدمال) للحفاظ على خصوبة التربة وتحسين جودة المحاصيل”.

كما يشير إلى أن المزارع اليمني خصص تاريخياً الجزء السفلي من منزله للماشية، مقدماً لها رعاية فائقة ضمن نظام “الزراعة الكثيفة” الذي يجمع بين الإنتاج النباتي والحيواني.

خطر الاحتطاب المحدق

رغم هذه الأهمية، يواجه هذا القطاع خطراً داهماً. فأبو وازع، الذي كان يملك قطيعاً يتجاوز 150 رأساً، يمتلك اليوم 60 رأساً فقط، ويشكو أولاده من صعوبة إطعامها، ويرجع السبب في ذلك إلى تدهور المراعي الطبيعية وتناقص الأمطار، لكن السبب الأبرز والأخطر هو “الاحتطاب الجائر” لصناعة الفحم النباتي.


يمتلك اليمن 10.8 ملايين رأس من الأغنام، وهو ما يمثل 0.73% من الإجمالي العالمي


مع اشتداد الفقر واندلاع الحرب في 2015، لجأ الكثيرون ممن لا يملكون الماشية -أو حتى من يملكونها- إلى قطع الأشجار (مثل القرض والسدر) لتحويلها إلى فحم وبيعه.

يحيى القرشي (40 عاماً)، أب لأربعة أطفال من منطقة “العشة”، يعتمد بشكل شبه كلي على صناعة الفحم لأن ما يملكه من ماعز قليل لا يكفي لإعالة أسرته. يوكل يحيى أولاده لقطع الأشجار وحرقها ببطء في حفر معزولة عن الهواء لإنتاج الفحم، وبعد بضعة أيام، يُستخرج الفحم، ويجري تبريده قبل تعبئته في أكياس (شوالات) للبيع.

يقول القرشي لـ”منصة ريف اليمن”،: “معظم الناس في المنطقة يسودون (ينتجون الفحم). ننتج شوالة (كيساً) كل أسبوع أو أسبوعين ونبيعها بـ 7 أو 8 آلاف ريال (حوالي 17 دولاراً). مبلغ قليل، لكنه يغطي المصاريف الضرورية بعد انقطاع راتب والدي التقاعدي بسبب الحرب”.

أدت الحرب وما نتج عنها من أزمات، مثل قلة توافر غاز الطهو وارتفاع أسعاره، إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة، مما خلق سوقاً رائجة لهذه المادة.

زمة الغاز الناجمة عن الصراع ضاعفت نسبة اعتماد العديد من المواطنين على الحطب بشكل رئيسي -خاصة القاطنين في الأرياف- كونه متوافراً بكثرة في المناطق التي يعيشون فيها، إلى حد أن يحيى القرشي وغيره من غالبية سكان منطقة برط الجبلية يعتمدون كلياً على الحطب في الطبخ باستثناء مركزي المديرية، رجوزة والعنان، حتى قبل اندلاع الحرب بكثير.

يربط هادي القوزع بين الحرب وغياب بدائل الدخل، قائلاً: “المنطقة حدودية مع السعودية، وكان الشباب سابقاً يعملون هناك ويدعمون أسرهم. الآن أصبحت المنطقة منطقة حرب، والتهريب شبه مستحيل وقد يكلفك حياتك، فلم يبق أمام الناس سوى ما تجود به البيئة”.


أدت الحرب إلى تحويل الفحم والحطب من “كماليات” إلى ضرورة للطبخ والتدفئة.


ويتفق الخبير الشرعبي مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن انقطاع سلاسل إمداد الغاز وتدهور العملة دفعا بالفقراء إلى هذا النهج، بل وظهر “سماسرة وتجار” يمارسون قطع الأشجار بشكل ممنهج لتلبية الطلب المتزايد في المدن.

وبحسب تقارير، يعد الاحتطاب الجائر الذي يطال غابات وأشجار اليمن، من أخطر الظواهر التي تصاعدت خلال سنوات الحرب الأخيرة، إذ يؤدي إلى آثار بيئية عديدة، منها تدهور الغطاء النباتي، والتربة وتسرب المياه، وتزايد مساحات التصحر، بحيث أن الاحتطاب الجائر لا يمثل سوى إحدى الظواهر التي فاقمتها الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عشر سنوات.

انقطاع الخدمات أو تراجعها إلى حد كبير، إلى جانب ما تعرضت له البنية التحتية من أضرار عطلت منشآت حيوية، يتعدى أثره اليابسة إلى البيئة البحرية.

حلقة مفرغة وكارثة بيئية

النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي كارثة بيئية تهدد “شريان الحياة” نفسه. فقطع الأشجار يقضي على المراعي التي تتغذى عليها الماعز، ويعرض التربة للانجراف.

ووفقاً لدراسة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي (ديسمبر 2022)، بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار الموسمية وموجات الجفاف المتكررة وسوء استخدام المياه الجوفية والاحتطاب وتدهور الموارد، فضلاً عن التوسع العمراني.

وبحسب الدراسة، فإن التصحر في اليمن يأتي بأشكال عديدة وبدرجات متفاوتة، ويشمل تدهور المناطق الزراعية والمراعي، واقتلاع الأشجار المزروعة والانهيارات الطينية، بالإضافة إلى تدهور الموارد الطبيعية المختلفة مثل المياه والنباتات، وتملح التربة، وزحف الكثبان الرملية، والتوسع العمراني.


بلغت نسبة التصحر في اليمن نحو 86%، نتيجة التغيرات المناخية وندرة الأمطار  وموجات الجفاف والاحتطاب


مأزق وجودي

يحذر الخبير محمد الشرعبي من أن “تعرية الجبال” من غطائها النباتي يحولها من “خط دفاع أول” يحمي الوديان ويغذي المياه الجوفية، إلى منحدرات صخرية تزيد من سرعة السيول الجارفة وكارثيتها. ويضيف: “استمرار استنزاف الغطاء النباتي سيؤدي لانعدام سبل العيش، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مما يفتح الباب لمزيد من الصراعات”.

لتدارك الوضع، ينصح الشرعبي بضرورة إعادة تشجير الجبال واعتماد برامج الإدارة البيئية للجبال في اليمن بأكمله. لكن حلولاً كهذه تستلزم وجود إمكانات وجهوداً حكومية منظمة، وهو ما يبدوا أمراً بعيد المنال مع استمرار الصراع وغياب حل يلوح في الأفق.

يقف سكان مرتفعات الجوف أمام خيارات أحلاها مر. فبينما ينصح الخبراء بضرورة إعادة التشجير وحماية الجبال، يجد السكان أنفسهم مضطرين لقطع الأشجار لإطعام أطفالهم اليوم، حتى وإن كان ذلك يعني القضاء على مراعي مواشيهم التي ستطعمهم غداً.

تستمر الحلقة المفرغة؛ نزيف في الثروة الحيوانية يقابله تزايد في صناعة الفحم، في ظل غياب أي حلول حكومية أو بدائل اقتصادية تلوح في الأفق لإنقاذ الإنسان والبيئة في آن واحد.


أنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

شارك الموضوع عبر: