يحتل الفحم مكانة بارزة في الحياة اليومية لسكان لحج واليمن عموما؛ فهو ليس مجرد وقود، بل جزء أصيل من الموروث الغذائي والاجتماعي، ويتعدد استخدامه بين التبخير والشواء والطهي، ورغم انتشار وسائل الطهي الحديثة، يظل الفحم الخيار المفضل لما يمنحه من نكهة مميزة ومذاق لذيذ.
لكن إنتاج الفحم يشكل تهديدا بيئيا متزايدا، حيث يؤدي قطع الأشجار بشكل واسع إلى استنزاف الغطاء النباتي وظهور مساحات جرداء غير قادرة على مقاومة عوامل التعرية، كما يساهم هذا التدهور في زيادة معدلات التصحر وانجراف التربة، إضافة إلى تراجع التنوع الحيوي الذي تعتمد عليه الحياة البرية في مناطق الشعاب والوديان.
مواضيع مقترحة
- التحطيب الجائر.. مصدر دخل مهدّد للبيئة
- ذمار.. وصاب وعُتمة تحت وطأة التحطيب الجائر
- حرائق جبال بعدان: خطر يهدد المراعي والتنوع البيئي
خطوات صناعته
يروي “سالم الشيخ (67 عاما)”، أحد أقدم صانعي الفحم في لحج، تجربته الممتدة لثلاثة عقود في هذا المجال، ويشرح لـ”منصة ريف اليمن” خطوات التصنيع قائلاً: “نقطع أشجار السَّمُر من شعاب ووديان الصبيحة، ثم نحفر حفرة بعمق متر، نضع بداخلها الحطب، ونشعل النار باستخدام مخلفات المواشي، ثم نغلق الحفرة بإحكام كامل لمنع دخول الهواء”.
ويؤكد الشيخ أن منع تسرب الهواء هو السر الرئيسي لنجاح العملية، لأن دخول الهواء يحول الحطب إلى جمر ويُفسد الفحم. ويضيف أن صناع الفحم في لحج كانوا قبل سنوات يصدرون إنتاجهم إلى السعودية ودول الخليج، لكن التصدير أوقف رسميا بسبب ارتباط بعض عمليات تهريب المخدرات بشحنات الفحم.
الإقبال على الفحم لا يقتصر في الأرياف، بل يمتد إلى المدن لما يمنحه من نكهة مدخنة طبيعية، وتقول المواطنة “حياة فضل (27 عامًا)” من لحج: “أفضِّل الطعام المطهو بالفحم، خاصة السمك والدجاج، وأراه أكثر صحة إضافة إلى طعمه اللذيذ”.

لا يقتصر استخدام الفحم على الطهي، بل يحظى بمكانة خاصة في الطقوس الاجتماعية، خاصة المرتبطة بالبخور في لحج وعدن، وتقول “سمر صالح (35 عاما)” من عدن: “أحرص دائما على توفر الفحم في المنزل، خصوصا لطقوس الخميس التي نقوم فيها بصناعة الحلوى وتبخير البيت بالبخور العدني أو اللحجي”.
وتشير إلى أن تجمعات النساء، لا سيما في الأعراس والمناسبات، لا تخلو من روائح البخور التي تحتاج إلى أجود أنواع الفحم.
يوضح سالم الشيخ أن للفحم ثلاثة أنواع رئيسية الفحم الجمعي (المكسر) يستخدم للبخور، وسعر الجونية 25 كيلو إلى 26 ألف ريال، والفحم المُقلم (مخصص للشيشة)، وتتراوح أسعاره بين 30–32 ألف ريال، والفحم الرصاصي (الأقل جودة) وسعره حوالي 10 آلاف ريال، ويستخدمه أصحاب المطاعم للشواء والطهي.
تحذيرات صحية
يحذر الدكتور “علي الصياء”، استشاري الأمراض الصدرية، من المخاطر الصحية لصناعة الفحم التقليدية، خصوصا تلك التي تعتمد على الحفر تحت الأرض، حيث يتعرض العمال لغازات سامة أبرزها أول أكسيد الكربون.
ويوضح لـ”منصة ريف اليمن”، أن هذا الغاز يرتبط بالهيموجلوبين بدلاً من الأكسجين، ما يؤدي إلى نقص تروية الأعضاء الحيوية، وظهور أعراض مثل الصداع والدوخة، وقد يصل الأمر إلى فشل تنفسي، كما تتسبب أكاسيد الكبريت والنيتروجين في التهابات مزمنة بالشعب الهوائية والحويصلات الرئوية، وترفع خطر الإصابة بالانسداد الرئوي وسرطان الرئة.

ويؤكد أن الجسيمات الدقيقة والهواء الجوي تسبب تهيجا والتهابات مزمنة في الرئة، وقد تزيد من خطورة الإصابة بالانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة. ونبه الدكتور الصياء إلى أن هذا التلوث لا يقتصر على المخاطر المهنية المباشرة، بل يشكل أيضاً خطراً صحياً واضحاً على السكان القريبين من مواقع الحفر.
ولتجنب هذه المخاطر، يشدد الدكتور الصياء على ضرورة توفير تهوية جيدة وكافية في أماكن العمل لتقليل تركيز الملوثات، واستخدام أجهزة تنفس خاصة مزودة بفلاتر كيميائية (مثل أقنعة الغاز) للحماية من الغازات السامة كأول أكسيد الكربون.
وينبه بأن الكمامات المتوفرة في الصيدليات أو أقنعة “N95” غير مخصصة للحماية من الغازات الكيميائية والأبخرة، مشيرا إلى أن الحل الأمثل يكمن في توفير معدات تنفس تغطي الوجه بالكامل مع نظام تزويد هواء نقي لتوفير حماية شاملة للعينين والرئتين، مشددا على أن توفر هذه المعدات غير كاف، بل يجب إقرانه بتدريب العاملين على طريقة استخدامها الصحيحة وصيانتها الدورية لتجنب تسرب الملوثات.
خطر بيئي ومناخي
مستشار وزارة المياه والبيئة لشؤون التغييرات المناخية في حضرموت فهمي بن شبراق، أطلق تحذيرا من التبعات البيئية والمناخية والاقتصادية الناتجة عن قطع أشجار السمر لإنتاج الفحم، وما يرافق ذلك من تحطيب جائر آخذ في الاتساع.

وقال بن شبراق لـ”منصة ريف اليمن” إن “استنزاف الغطاء الشجري، وتحديدًا أشجار السمر، يتسبب بأضرار بيئية بالغة، نحن نشهد تدهورا متسارعا في الغطاء النباتي، وتأثرا مباشرا وخطيرا على التنوع الحيوي”.
وأوضح أن أشجار السمر تؤدي دورا محوريا في تثبيت التربة، وأن فقدانها يسرع من وتيرة التصحر بشكل ملحوظ، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية المترتبة، إذ تعد هذه الأشجار عنصرًا أساسيًا في دعم إنتاج العسل.
وأكد بن شبراق أن التحطيب الجائر يسهم في تفاقم التغير المناخي عبر مسارين رئيسيين: انبعاثات الكربون الناتجة عن عملية حرق السمر لإنتاج الفحم، وفقدان مصارف الكربون الطبيعية نتيجة إزالة الغطاء النباتي الذي يمتص غازات الاحتباس الحراري؛ ما يعني خسارة خط دفاع طبيعي ضد التغير المناخي.
ويشير إلى أن نمو أشجار السمر يستغرق سنوات طويلة، في حين تتطلب صناعة الفحم كميات كبيرة منها، الأمر الذي يجعل تعويض الفاقد مستحيلاً على المدى القريب، مؤكدا على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذا الاستنزاف وحماية الغطاء النباتي.

