تعد مدينتي جبلة وإب القديمتان الوجه التاريخي للمحافظة وذاكرتها الروحية والثقافية وتفصح العمارة عن مراجل تأريخية متعاقبة، وفيهما تنسجم العمارة مع المعرفة حيث الجامعٌ يتحوّل إلى مدرسة، ومدرسةٌ تنتج مكتبة، ومكتبةٌ تُبقي سيرة ملكةٍ يمنية نشأت يتيمة ثم جلست على عرش الحكم.
في الجزء الثاني من المقالات التي تركز على محافظة إب التأريخية والسياحية، نستعرض تأريخ مدينة جبلة عاصمة الدولة الصليحية وموطن الملكة أروى أطول ترأس قيادة الدولة، بالإضافة إلى مدينة إب القديمة بما فيها من أسوارٍ وأبواب، وجامع، ومدارس، وأسواق.
إقرأ أيضا..
إب موطن مملكة ذي ريدان: حين انتقل التاج من سبأ إلى ظفار
مدينة جبلة
تقع مدينة جبلة جنوب غرب مدينة إب، وقد تقاربت المسافات بينهما بفعل التوسّع العمراني، ترتفع جبلة نحو 1350 مترا فوق سطح البحر، وتقوم على هضبةٍ في السفح الشمالي لجبل التعكّر، وتخطيط المدينة نصف دائري يطلّ على وادٍ ذي منعطفاتٍ ضيقة؛ لذلك سُمّيت قديما بمدينة النهرين.
وتكشف هويتها المعمارية بمنازلها المتلاصقة المشيدة من الأحجار وازقتها الضيقة والنوافذ والاقواس المتقنة عن نمطٍ معماريٍ قريب من إب القديمة، لكنه يحمل خصوصية العاصمة لعصر الدولة الصليحية التي استمرت نحو 91 عاماً (1047- 1138م) وكانوا يرتبطون معها في علاقةٍ تبعيةٍ سياسية/مذهبية نسبيةٍ للدولة الفاطمية في مصر.
في جبلة اعتُمدت سياسات إدارية أعادت ترتيب الأقاليم ومعها الجبايات والولاءات، وشيدت كحلقة وصل بين المركز والأطراف عبر شبكةٍ من القلاع والمرافق والسواقي، وتوطدت مكانةُ المدينة بصفتها مركز إشعاعٍ علمي إلى جانب وظيفتها السياسية.
الملكة أروي
ولدت السيدة بنت أحمد الصليحي سنة 440هـ، يتيمةَ الأب في عدن، وكفلها الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته السيدة أسماء بنت شهاب التي عُرفت بالفطنة وسعة العلم والمشورة حتى خُطب لها على المنابر فأنشّآها على العلم والتهذيب، وظهر عليها علامات النبوغ مبكرا فحفظت القرآن والأخبار والأشعار.
تزوّجت ولي العهد المكرّم أحمد سنة 458هـ، التي تولى الحكم بعد سنة واحدة من زواجهم بعد اغتيال الملك، وكانت السيدة أروى شريكته في التدبير وإدارة الحكم بعدما أصيب زوجها بمرض “الفالج” حيث نُقل إلى حصن التعكر وفوّضها بصلاحيات الحكم ثم توفّي سنة 477هـ؛ فكانت ملكة وصيّة، تدير شبكة من الوزراء والمستشارين وتستمدّ الشرعية من المستنصر الفاطمي في مصر.

كان اسمها الرسمي في سجلات المكاتبات الفاطمية «السيدة» لكنّ الاسم الشعبي أروى طغى لارتباطه بإنشاء السواقي والقنوات وتوسيع موارد الري، فغدا الاسم مرتبط بإنجازات في الموارد المائية، وفي ذلك دلالة على اقتصاد الماء بوصفه لغة للسلطة وللرحمة معا.
حملت لقب «حُجّة الدعوة» في اليمن وبلاد السند والهند وعمان واليمامة؛ وكان الدعاة يتعلمون على يديها «من وراء حجاب»، وجمعت بين النسك والورع والحزم السياسي، وأدارت اليمن أكثر من خمسةٍ وخمسين عاما حتى وفاتها سنة 532هـ، فطُويت بغيابها صفحةٌ من التاريخ اليمني الوسيط.
وتوفت الملكة أروري عن عمر ناهر 92 عاماً، من خلال ضريحها ومعالم جبلة وموقع بناء ضريحها، أرادت أن تبقى معلما لا يتقادم، وأن يظلّ حضورها مرجعا روحيا، وهذا كان جزء من تأثر الدولة الصليحية بالدولة الفاطمية.
جامع الملكة في جبلة
على تلٍّ مرتفع عن المدينة، ينتصب الجامع الكبير المنسوب إلى السيدة أروى؛ تُرجّح مصادر تأريخية أنّ بناؤه يعود إلى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، حين أمرت الملكة بتحويل ما كان يعرف بـ«دار العِزّ» الأول إلى جامعٍ وهذا الدار هو مملوك للعائلة الحاكمة حينها.
وتخطيط الجامع أقرب إلى المستطيل (مقاسة نحو 20×18م)، يتوسطه فناءٌ مكشوف، وتحيط به أروقة من الجهات الأربع وتتفاوت في عدد البلاطات وصفوف الأعمدة، وتعلوها مصندقاتٌ خشبية مزخرفة بنقوشٍ نباتية وهندسية وكتابية تتأثر بفنون العمارة الفاطمية، وللجامع مدخلان جنوبيان، وتقوم في الجهة الجنوبية مئذنتان ما يمنحه حضورا بصريا لافتا على خطّ أفق المدينة.

لم يكن الجامع مكانَ عبادةٍ وحسب لقد كان مركزَ إشعاعٍ علمي، حلقاتُ تحفيظ القران، دروسُ فقهٍ وحديثٍ وتأويل، وإدارة أوقافٍ تُغذّي دور العلم في محيط المدينة، من هنا نفهم كيف التقت السلطة الروحية والسلطة السياسية في بنية واحدة حيث أن «دار العزّ» تُبدّلت وظيفته دون أن يفقد هويته المعمارية أو رسالته السلطوية أيضاً.
بجوار الركن الشمالي الغربي للجامع تقع قبّة الضريح؛ وهو من أهم أضرحة القرن السادس الهجري المتبقية في اليمن، إذ لم يصلنا من أضرحة ملوك الدولة الصليحية غيره شاهدا معماريا مكتملا، دون على جدرانه كتاباتٌ بخطّي الكوفي والنسخ، وزخارف نباتية وهندسية، ومن جانبي المدخل تشكيلاتٌ فنية.
مكتبة الجامع: مخطوطاتٌ بأيدي النساء
تضم مكتبة الجامع الكبير في جبلة نوادر من الكتب والمخطوطات والشروح والتعليقات؛ ويتميّز كثيرٌ منها بأنّه كتبت من قبل نساء عاصرن عهد الملكة أروى، هذا المشهد يبدّد الصور النمطية عن المرأة اليمنية حيث كانت فاعلة في المجتمع تكتب وتُعلّق وتشرح.
وللسيدة أروى نصيبٌ من المخطوطات والتعليقات على بعض الكتب، دلالة على عمق تكوينها المعرفي، ولا تمنح زيارة المكتبة معرفة بنصوصٍ وحبر فقط، بل تكشف جزء من تأريخ الوعي وشكل العلم في جبلة قديماً والذي كان تتشارك فيها الأدوار كمؤسسة مجتمعية فاعلة.
تمثّل جبلة مزار ديني لأتباع الإسماعيلية، ومنهم طائفة البُهرة المنتشرة في الهند، الذين يخصّون ضريح الملكة وجامعها بالزيارة خلال العقود الماضية، حاليا يحتاج الجامع والضريح إلى إدارة منفتحة لجلب السياحة الدينية مرة أخرى يمكن لهذا النوع من السياحة أن يوفّر عوائد اقتصادية كبرى.

متحف جبلة والسوق القديم
في مدينة جبلة خُصّص مبنى قديم كان من ملحقات دار الحكم ليكون متحف الملكة أروى، ويتكون من غرف وقاعات عرض لمقتنياتٍ ترصد الموروث الشعبي وأدوات الحياة في ذلك العصر، إضافة إلى قطع أثرية تضم أسلحة وأواني طعامٍ وشراب، أدواتُ زراعةٍ وحدادةٍ ونجارة وكثير من العلوم والمخطوطات.
ويوجد في المتحف مئات الصور التي تحكي عن المعالم الأثرية والنقوش المميزة، ومقتنيات تُحاكي مناهج وطرق التعليم آنذاك، ما يميّز المتحف ليس حجم مقتنياته، بل سياقه التعليمي، فهو يقرّب الزائر من حياةٍ متطورة ومتقدمة ازدهرت في ظل حكم الملكة أروى.
وافتتح المتحف عام 1993 وكان هناك حرص من قبل التربويين بتنظيم رحلات للطلاب إلى المتحف من أجل تنمية إدراك طلاب المدارس حيث كانت جزء من المنهج الدراسي في كافة المراحل التعليمية، حيث ينظر إلى ذلك العصر بازدهار العلم والمعرفة.
كما يشكّل السوق القديم العصب اليومي لمدينة جبلة بدكاكينُ متلاصقة، وحِرفٌ تقليدية، ومنتجاتٌ زراعية، للسوق قيمةٌ تراثية معنوية؛ فهو أرشيف اجتماعي يُظهر تغيرات الذوق والاستهلاك والتواصل بين أهل المدينة وزائريها، ويحتاج تنظيما بسيطا يحفظ نظافته وواجهاته ويمنع التشويه البصري.

بالإضافة إلى ذلك كان هناك اهتمام كبير من قبل الدولة الصليحية بـ “جبل التعكر” لموقعه المشرف على مدينة جبلة (عاصمة الدولة) الذي يرتفع عن سطح البحر نحو 3230م، ويُعدّ من أمنع معاقل اليمن وأكثرها تحصينا، تعاقبت عليه دولٌ منذ 2700 عام.
وتم بناء أسوارٌ وأبراج دفاعية في قمة الجبل، وأيضاً حفر مخازن (مدافن) للحبوب وصهاريج لتخزين المياه ومخازن للسلاح ومنشآت أخرى وكثيرٌ منها من إنجازات الملكة أروى، وما تزال بقايا الحصن شواهد هندسية على إرادة إيصال الماء في التضاريس الوعرة.
إب القديمة وأسوارها العتيقة
تعد مدينة إب القديمة، واحدةٌ من المدن اليمنية التي أحيطت بسورٍ يطوّقها من جميع الجهات، وكان لها خمسة أبواب، ولم يبق منها قائما سوى باب واحد يسمى “باب الراكزة” فيما تتوزّع بقايا السور والأبراج الدفاعية على تخوم النسيج القديم.
هذا التفكير في كثير من المدن اليمنية القديمة يعكس جزء من الاحتياطات الدفاعية والأمنية، وخلق استقرار يجعل المدينة ذات جدوى اقتصادية من خلال تنظيم الدخول والخروج، حماية السوق، وضبط حركة الناس والبضائع بما يضمن مورد الجباية وتأمين بضائع التجار. ومن أبرز المعالم في مدينة إب القديمة:
الجامع الكبير
في وسط مدينة إب القديمة يقع الجامع الكبير ويعرف أيضا بجامع الخطابي أو العمري، ويرجع تأسيسه إلى عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ويقع على ربوةٍ تُبلغ عبر درجٍ مرصوف بالأحجار، تخطيطه يتبع النموذج المبكّر للعمارة الإسلامية، قبة كبيرة تحيط به أربعة أروقة، أعمقها رواق القبلة.

وشهد الجامع توسعاتٍ وتجديدات متوالية، آخرها مسجّل على جدار القبلة باسم الوزير حسن باشا سنة 996هـ، وللجامع ثلاثة مداخل من الجهة الغربية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية بنيت مئذنةٌ عالية يعود طرازها الراهن إلى العصر الرسولي (وقد نُقش تاريخٌ 685هـ على حجرٍ أسفلها).
يُعتبر الجامع الكبير في إب من أقدم أربعة جوامع في اليمن بعد جامع الجند، الجامع الكبير بصنعاء، وجامع الأشاعرة في زبيد، وبني الجامع بتفاصيل معقدة ويتوسط المحراب جدار القبلة المزخرفة وفي الرواق المواجه للقبلة يوجد 12 قبة صغيرة متجاورة تتوسطها قبة عالية.
المدرسة الجلالية العليا
تقع المدرسة الجلالية العليا في وسط إب القديمة، وهي نموذجٌ فريد للمدارس العليا، وأدّت وظيفتين هما المسجدٌ تُقام فيه الشعائر الإسلامية والتراث العلمي، وفي مدخل مسجد الصلاة نقشٌ نصه «أمر بعمارة هذه المدرسة الشيخ جلال الدين محمد بن بكر السيري، شيخ مخلاف بعدان، سنة 815هـ».
يتألّف مكان الصلاة من رواقين يحملان بوائك من أعمدةٍ مضلّعة ذات تيجانٍ رشيقة، تعلوها مصندقاتٌ خشبية بزخارف نباتية وهندسية وكتابية، أما قاعة التدريس تقع غرباً ويفتح على المصلى بعقدٍ حجريٍّ بديع، وتظهر المئذنة بشكل مميز يبدأ بقاعدة مربعة، يعلوها بناء مضلّع مزخرف، وتنتهي بقبة تبدو كأنها تاج معماري متقن.
مدرسة المشنة
شرق المدينة القديمة، في حي الشنين تقغ مدرسة المشنة التي أمر ببنائها الأمير جلال الدين النظاري في منتصف القرن الثامن الهجري. يتشابه تقسيمها الوظيفي والمعماري مع مدرسة الجلالية، وإن كان ثراؤها الفني أقل؛ لكنها تبقى حلقة في سلسلة مؤسساتٍ علميةٍ شكلت شبكة «تعليمٍ عام» بالمعنى التراثي وكان وقف للتعليم عبارة عن حلقاتٌ للمبتدئين والمتقدمين، وأبوابٌها مفتوحة في مجتمعٍ يحب المعرفة.

السوق القديم في إب
يحتفظ سوق إب القديم بطابعه القديم وتبرز فيه محلات الحرف القديمة الشهيرة (نحاس/خشب/جلود)، قهوةٌ ويمنيات، وأثوابٌ تُفصّل على مقاس المدينة، السوق هو منصة ذاكرة تُقرأ منها أحوال الناس وتغيرات الأذواق.
ويحتاج السوق إلى تنظيم من خلال العناية بالواجهات للمحلات، وإنشاء تخطيطٍ بسيطٍ لحركة المشاة وإدارة النفايات؛ فالسائح لا يشتري سلعة فقط، بل صورة وانطباع عن المكان، وهذه يحتاج إلى جهد في التنظيم والترميم والصيانة وفرض ضوابط صارمة للحفاظ على مظهر السوق.
وتربط بين جبلة ومدينة إب القديمة كثير من التفاصيل التأريخية، بدءً من الفكرة المؤسِّسة للمدينتين المتقاربتين جغرافياً، ففي جبلة تتحوّل «دار العزّ» إلى جامعٍ للعلم والعبادة؛ وفي إب القديمة، ينمو المسجد والمدرسة والسوق في منظومة واحدة، وتتشابه الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في المدنيتين من وظيفة المرأة المهم في مراحل متعددة من التأريخ، فوصلت المرأة إلى الحكم بالإضافة إلى دورها ككاتبةٌ وناسخة للمعلقات كما تظهر النقوش.
وتبرز هندسة وصول الماء إلى المنازل والمرافق ففي جبلة تم بناء قنواتٌ تصل الحصن بالمدينة، وفي مدينة إب القديمة، أنشأت شبكة سقاياتٍ وأحواضٍ تخدم المصلين والزوّار، وأيضاً تتشابه لغة الزخرفة النباتية والهندسية والمصندقات الخشبية وأنواع الكتابات بخطي الكوفي والنسخ، وهذه كلها مفردات تُعيد إنتاج المعنى الثقافي الذي يشير لمرحلة تطور علمي.
توصيات سياحية
ربما تتساءل كيف يمكن خلق مسارات سياحية في مديني جبلة وإب القديمة، ورغم أن ذلك مرتبط بحالة الاستقرار في البلاد، لكننا نضع هذه التوصيات لفتح باب الأمل للمستقبل واستغلال المقدرات التي نمتلكها من أجل التنمية.
وهنا أقترح انه يمكن خلق مساريين للزائر إلى جبلة ومدينة إب القديمة تكون متنوعة وثرية يتم فيها استكشاف وزيارة كل المواقع التأريخية بالإضافة إلى المناظر الطبيعة، وأيضا تفعيل السياحة الدينية وخلق ظروف ملائمة لها مثل المزارات الشهيرة في حضرموت شرقي اليمن.
مسار جبلة
يبدأ بزيارة جامع الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، وتكون جولة مع قراءةٍ سريعة لتاريخ البناء ووظائفه، ومن ثم مكتبة الجامع للاطلاع على نماذج مصوّرة من المخطوطات، مع شرح لدور المرأة الناسخة في زمن الدولة الصليحية.
ويكون ضريح الملكة أروى جزء من هذا المسار، وتكون الزيارة تليق بالمكان وتوضع إرشادات واضحة للزوار، تم زيارة متحف جبلة وهي محطة للسائح لقراءة أدوات الحياة اليومية، وينتهي المسار هذا بالصعود إلى جبل التعكّر حيث إطلالة بانورامية ساحرة، وقراءة سريعة لوظائف الأسوار والأبراج، وملاحظة بقايا القنوات.
مسار إب القديمة
يبدأ مسار هذه الزيارة من باب الراكزة وبقايا السور في مدينة إب القديمة، وهذه زيارة معرفية للتأمل وقراءاه التوثيق التأريخي لأسوار المدينة، ومن ثم المرور إلى الجامع الكبير وسط المدينة، حيث يستطيع الزائر تتبع تأريخ التوسعات والنقش الرسولي والتخطيط الحَرمي.
في ذات المسار السياحي يتم زيارة مدرستي الجلالية والمشنة، والوقوف عند الإيوان والمصندقات والمئذنة «التاج» ومقارنة المدرستين ببعضهما والتحولات التأريخية التي جرت فيهما في مراحل متعددة، ينتهي هذا المسار بزيارة السوق القديم وتكون فترة زمنية حرة لالتقاط نبض المدينة وشراء مصنوعات محلية.
السياحة دينية
وتوفر مدينة جبلة سياحة دينية مهمة لبعض الطوائف ويمكن تفعليها بضوابط واستلهام فكرة المزارات الموجودة في حضرموت، ويبدأ ذلك بتوفير مركز استقبال في جبلة لزوّار الجامع والضريح، وإعداد تعليمات الزيارة، وتعريفٌ بالمكتبة، ومعلوماتٌ حول المواعيد المناسبة.
وتحتاج السياحة الدينية دائما للتنسيق مع مسؤولين في الوفود الدينية سواء كانوا من الطائفية الإسماعيلية أو البهرة، لتنظيم الزيارات بما يحفظ الوقار للمدينة ويزيد المنفعة المحلية اقتصاديا للسكان، مع احترام تنظيمات اللباس والتصوير داخل المعالم، وتوفير بدائل لمساحات تصوير خارجية.
5 مفاتيح لتأهيل المدن سياحياً
لا يمكن استقبال زوار وسياح من خارج البلاد دون توفير بنية تحتية أولاً، إلى جانب ذلك تحتاج المدن التأريخية إلى إدارة حديثة واهتمام بالصيانة والتفاصيل الصغيرة التي تعطي انطباع إيجابي للزائر وتجعله مروجاً للسياحة، وهنا اقترح خمسة أشياء يجب الاهتمام بها كالتالي:
- ترميمٌ علميّ: العمل على ترميم أسقف المصندقات، وواجهات المآذن، وأطراف النقوش؛ مع استخدام موادّ محلية (حجر/جص/قضاض) وأساليب إرواء حجرية للزخارف، تحت إشراف خبراء.
- تفسيرٌ موقعي: لوحاتٌ ثنائية اللغة (عربية/إنجليزية) تُعرّف بالمكان وزمنه ووظيفته، وتشرح للزائر تفاصيل المواقع التأريخية وإرشادات أخرى توضح بدقة.
- مساراتٌ آمنة: تحتاج المدن التأريخية والمواقع السياحية تخطيط مشيٍ واضح، درابزين في المنحدرات، نقاط ظلّ واستراحة قرب المواقع، ومخارج طوارئ.
- حُرّاسُ ذاكرة: تدريب مرشدين محليين (نساء ورجالا) على السرد الرشيق، الإسعاف الأولي، وأخلاقيات الاستقبال.
- اقتصادٌ أهليّ: بيوت ضيافة محدودة السعة حول جبلة، أكشاكُ قهوةٍ ريفية قرب باب الراكزة، وأسواقٌ للحِرف الأصيلة (خشب/نحاس/نسيج) تُمنع فيها السلع الوافدة التي تُشوّه ذائقة المكان.
كيف نحافظ على المدينتين؟
في مواسم المطر تصبح الأسقف الخشبية والمصندقات أكثر عرضة لتسرّب المياه، ما يهدّد الزخارف ويُضعف البنية، المعالجة الفاعلة تبدأ ببرنامج صيانةٍ دورية يعتمد موادّ مائية غير جارحة تحفظ لون الخشب ونسيجه، مع إغلاقٍ مؤقت للنقاط الحساسة عند اشتداد الأمطار، وتوجيه حركة الزوار بعيدا عن المواضع المعرّضة للخطر إلى أن تُستكمل المعالجات.
وتواجه المعالم أيضا ظاهرة العبث والخدش على الجدران، وهي خسارة متراكمة للذاكرة البصرية/ الحلّ يعتمد مقاربة مزدوجة، رقابة بكاميرات تُغطي الممرات الرئيسة، وحملات توعية مدرسية ومجتمعية تُحوّل “الحماية” إلى سلوكٍ يومي، مع غرامات واضحة تُطبَّق بثبات لردع المخالفات من دون ضجيج.
أما التشويه البصري حول المواقع -من لوحات وإعلانات وأسلاك وبسطات عشوائية- فيُعالج عبر دليل واجهات مُلزم يحدد ألوان الطلاء المسموح بها، وأحجام ونِسَب اللوحات وخاماتها، ومسارات تمديد الأسلاك بعيدا عن الواجهات التاريخية. بالتوازي، يُنشأ سوقٌ بديلٌ منظم لأصحاب البسطات في نطاقٍ قريب، يوفّر لهم دخلا مستقرا ويُعيد للمشهد صفاءه.
وتبقى الخدمات الأساسية حجر الزاوية في تجربة الزائر، واقترح تُجهّز محيطات المواقع بمراحيض صديقة للبيئة تعمل بالتبخير أو التحلّل، ونقاط لمياه الشرب، ومواقف سيارات صغيرة خارج الحرم الأثري، مع تشغيل نظام عرباتٍ خفيفة للنقل الداخلي. بهذه البنية الرشيقة تُصان كرامة المكان، وتتحسّن جودة الزيارة، ويشعر المجتمع والزائر معا أن التراث قابل للحياة لا مجرد أثرٍ للفرجة.
المراجع
– الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن- حسين بن فيض الله الهمداني الطبعة الثالثة، 1986م.
– هذه هي اليمن… الأرض والإنسان والتاريخ – عبد الله الثور، دار العودة- بيروت.
– الملكة سيدة بنت أحمد الصليحي – إيمان ناجي سعيد المقطري، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 2004م.
– نتائج المسح السياحي (1996–1999م) – الهيئة العامة للتنمية السياحية، صنعاء.
– العيون المائية الحارّة في اليمن وأهميتها- هيئة المساحة الجيولوجية والثروات المعدنية، صنعاء. الطبعة الأولى، 2003م.
– موسوعة أعلام اليمن – عبد الولي الشميري.
– حمير بين الخبر والأثر – الدكتور يوسف محمد عبد الله مجلة دراسات يمنية، العدد 42، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1990م.

