الاثنين, 14 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
نقيل

أطفال حجة: من الفصول إلى تهريب القات والموت على الحدود

📅 سبتمبر 14, 2026

لم تحمِ المراتب العليا التي حققها الطالب مروان في مدرسته بمديرية أسلم شمال غربي محافظة حجة، ولا حلمه في أن يصبح طبيباً، من النجاة من تداعيات المعيشة الصعبة التي دفعته لمغادرة مقاعد الدراسة مبكراً.

نشأ مروان في رعاية أمه عقب انفصال والديه، ورغم الظروف القاسية،عملت على توفير متطلبات تعليمه الأساسي حتى أظهر تفوقاً بشهادة كادره التعليمي، لكن مسيرته التعليمية انتهت في الصف الثالث الاعدادي، إذ تسببت الظروف المعيشية في إجباره على مغادرة المدرسة والتوجه نحو الشريط الحدودي للعمل في تهريب القات.

تعكس قصة مروان واقع مئات الأطفال والشباب بمديرية أسلم، ممن دفعهم انعدام الفرص وتدهور الأوضاع إلى العمل في تهريب القات عبر المسالك الجبلية الوعرة المؤدية إلى الأراضي السعودية، بحثاً عن عائد مالي لتأمين الاحتياجات الأساسية لعوائلهم.


مواضيع مقترحة


رحلة الموت

تُعد منطقة الجبانة المتاخمة للحدود اليمنية السعودية المقصد الأساسي للمتجهين من أبناء المنطقة. وفي أواخر عام 2022، توجه مروان برفقة أفراد من قريته إلى تلك المنطقة، غير أن الرحلة انتهت بمقتله برفقة أحد مرافقيه وإصابة آخرين نتيجة استهدافهم بقذيفة هاون من قبل حرس الحدود السعودي عقب تجاوزهم السياج الحدودي.

يقول عبدالله (اسم مستعار)، أحد سكان المنطقة، يبدأ مسار نقل القات من محافظة صعدة وصولاً إلى مديرية رازح، ثم إلى مديرية شدا عبر طريق جبلي يتسم بالانعطافات الحادة والمقاطع الصخرية. وبعد الوصول إلى شدا، ينقل العاملون شحناتهم مشياً على الأقدام لمسافات طويلة باتجاه منطقة الجبانة الواقعة على مقربة من الشريط الحدودي الفاصل.

أجبرت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة عدداً كبيراً من الأطفال على التسرب من المدارس واللجوء إلى تهريب القات

تتميز بيئة العمل في الجبانة بوجود تجمعات مؤقتة تشمل خياماً متفرقة بين الأشجار الكثيفة لاستراحة الناقلين، وتخضع المواد الاستهلاكية الأساسية في النقاط لارتفاع في الأسعار نتيجة صعوبة الإمداد والترحيل؛ حيث تصل تكلفة عبوة المياه سعة لتر واحد إلى 1500 ريال يمني.

وتشير تقديرات أهالي المنطقة وشخصيات محلية إلى أن عدد المتوفين من أبناء مديرية أسلم جراء الحوادث والاستهدافات المباشرة في المناطق الحدودية تجاوز 200 شخص حتى نهاية عام 2025، في حين يستمر مئات الأطفال والشباب في ممارسة النشاط اليومي بحثاً عن العائد المادي.

البحث عن لقمة العيش

يوضح نعيم (اسم مستعار)، أحد القائمين على شبكات نقل القات، أن الدخول بهذا المجال يبدأ غالباً كحل مؤقت لتوفير التكاليف المعيشية، لكنه يتحول تدريجياً إلى عمل مستمر بسبب ارتفاع العائد المالي المباشر مقارنة بانعدام فرص العمل المحلية في القطاعات الزراعية أو الخدمية. ورغم المخاطر الميدانية ورفض العائلات المبدئي لهذه الممارسات، فإن الضغوط الاقتصادية تدفع الكثيرين لخوضها.

تتعدد الحالات الميدانية التي تعكس الواقع؛ حيث تشير خديجة (51 عاماً) إلى أن نجلها الحاصل على شهادة الجامعية في تخصص الصيدلة اضطر للعمل في نقل القات بمنطقة الجبانة عقب عجز عن العثور على فرصة عمل في مجاله أو الحصول على دخل ثابت.

وفي حالات أخرى، تعتمد بعض الأسر نظام المناوبة بين أبنائها لتوزيع المخاطر وتأمين سيولة مالية مستمرة؛ حيث ينتقل أحد الأبناء للعمل في الشريط الحدودي لفترة محدودة لتغطية النفقات الأسرية والديون قبل أن يعود ويحل محله شقيقه. ويذكر عبدالرحمن، أحد العاملين في المنطقة، أن تراكم ديونه التي تجاوزت مليون ريال يمني كان السبب المباشر لوصوله إلى الحدود لمواجهة الالتزامات المالية للأسرة.

وتدار عمليات نقل القات عبر الشريط الحدودي وفق تنظيم محدد لتوزيع المهام بين أفراد المجموعة؛ حيث يتولى العتّال الحمل المباشر للشحنات بنقل حمولة تصل إلى 80 ربطة من القات على ظهره عبر المرتفعات والجبال.

ويتقدم المجموعة قائد ميداني يُعرف بـ “المُعدّي”، يسير خالي الوفاض لاستكشاف الطريق وتحديد التوقيت المناسب للتحرك. ويتقاضى “المُعدّي” أجراً يبلغ أضعاف أجر العتّال نظير مسؤوليته التنظيمية وارتفاع نسبة المخاطرة القانونية والأمنية التي يتحملها في حال القبض عليه.

ولضمان عدم الانكشاف، تستخدم المجموعات لغة إشارات ورموزاً متفقاً عليها مسبقاً للتواصل أثناء السير ليلاً. كما تعتمد بعض المجموعات على ترتيبات مسبقة للعبور عبر نقاط محددة مقابل دفع مبالغ مالية، بينما تواجه المجموعات التي تتحرك دون تنسيق مخاطر التعرض المباشر لإطلاق النار والقصف من قبل حرس الحدود.

التكييف القانوني

ينص التشريع السعودي على تصنيف مادة القات ضمن المواد المخدرة المحظورة. ووفقاً للمادة 37 من نظام مكافحة المخدرات في المملكة العربية السعودية، تُحدد عقوبة تهريب المواد المخدرة بالإعدام تعزيراً، مع منح القضاء صلاحية تخفيف العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن 15 سنة.

بالإضافة إلى غرامة مالية لا تقل عن 100 ألف ريال سعودي، والجلد بما لا يزيد على 50 جلدة. أما المادة 41 فتحدد عقوبة الحيازة بنية الاستخدام الشخصي بالسجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنتين.

الفقيه: المديرية تشهد انخفاضاً حاداً في مشاريع التمكين الاقتصادي وتقتصر تدخلات المنظمات على المساعدات الغذائية الطارئة

يقضي الشاب علي أحمد حكماً بالسجن في سجن جازان عقب ضبطه المتكرر بشحنات من القات. ورغم السجن والعقوبات، يعود بعض أفراد المجموعات إلى ممارسة النشاط ذاته عقب الإفراج عنهم.

وعاد الشاب عمرو إلى العمل في منطقة الجبانة بعد قضاء 5 سنوات في السجون السعودية، مبرراً ذلك في حديث لـ “ريف اليمن” بمسؤوليته عن إعالة 17 فرداً في أسرته، ومؤكداً أن غياب البدائل الاقتصادية يترك خيار العمل الحدودي القائم رغم اتساع نطاق مخاطره.

يوضح مدير مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمديرية أسلم، طارق الفقيه لـ “ريف اليمن”، أن المديرية تشهد انخفاضاً حاداً في مشاريع التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، حيث تقتصر غالبية تدخلات المنظمات على تقديم المساعدات الغذائية الطارئة التي لا توفر فرص عمل مستمرة، مما يفرز واقعاً يتفوق فيه العائد المالي للعمل الحدودي على برامج الإغاثة المتاحة.

وأكد الفقيه تنفيذ حملات توعية داخل المدارس بالتعاون مع الكوادر التعليمية للتنبيه إلى المخاطر الأمنية والقانونية المرتبطة بهذه الأنشطة، مشيراً إلى استمرار التواصل مع الجهات المحلية والدولية للمطالبة بتقديم مشاريع سبل العيش وتوفير البدائل التنموية التي تضمن حماية القاصرين والشباب في المنطقة.

وخلال السنوات الأخيرة تفاقمت ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، حيث أجبرت الأوضاع المعيشية الصعبة العديد من الأطفال -خاصة في المناطق الريفية- على ترك مدارسهم، والانخراط في أعمال مختلفة مقابل دخل زهيد.