الخميس, 13 أغسطس 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
زراعة

البذور المحلية.. صمام أمان زراعي يواجه خطر الانقراض

📅 أغسطس 13, 2026

يواجه القطاع الزراعي في اليمن انحساراً متزايداً للبذور المحلية لحساب أصناف مستوردة، وهو ما أثار مخاوف لدى المزارعين من تدهور خصوبة التربة، في حين ينفي خبراء زراعيون وجود أسباب علمية تؤكد ارتباط تدهور التربة بخصائص البذور نفسها.

وتتفاوت حدة الأزمة بين المحاصيل المختلفة، إذ تشير مصادر زراعية إلى شبه انقراض لبذور الخضروات المحلية إثر عزوف المزارعين عن زراعتها منذ نحو عقد، مقارنة بأسلوب التعامل مع بذور الحبوب التي لا تزال تحافظ على حضورها النسبي.

وتوارث المزارعون اليمنيون الاهتمام بالبذور وتنقيتها عبر الأجيال، إذ يوضح المزارع قاسم محمد، من ريف تعز، أن المزارع يحرص على انتقاء أفضل الحبوب عقب كل حصاد، لتجري بعدها عمليات التجفيف والغربلة، ثم الحفظ في براميل حديدية تُغلق بإحكام لحمايتها من التلف والرطوبة.


مواضيع مقترحة


شريان الصمود الزراعي

وأوضح قاسم لـ “ريف اليمن” أنه يجري إعادة زراعة البذور في الموسم التالي، مشيراً إلى أن المزارعين يتداولونها فيما بينهم كشكل من أشكال التعاون المجتمعي البسيط.

تكتسب البذور المحلية أهميتها الحيوية من تطورها التدريجي داخل البيئة المحلية، إذ طوّرت عبر الزمن قدرة عالية على التكيف مع الظروف المناخية ونوعية التربة ومقاومة الآفات بفعل الممارسات التقليدية التي توارثها المزارعون جيلاً بعد جيل.

ويوضح مدير المحاصيل الزراعية في المرتفعات الجنوبية بمحافظة تعز الدكتور سعيد سيف، لـ “ريف اليمن”، أن بذور الحبوب لا تزال متوفرة لدى المزارعين وفي عينات تحفظها بنوك الجينات التابعة لمراكز البحوث الزراعية وجامعة صنعاء.

لكنه حذر من أن الأضرار الجسيمة التي لحقت بتلك المؤسسات الحكومية وفي مقدمتها هيئة البحوث الزراعية والمؤسسة العامة لإكثار البذور إثر الحرب وضعف التمويل وتضرر البنية التحتية تشكل تهديداً كبيراً لمخزون الحبوب ينذر بكارثة تماثل أزمة الخضراوات في حال عدم تدارك الوضع.

البذور المحلية.. صمام أمان زراعي يواجه خطر الانقراض
يواجه القطاع الزراعي في اليمن انحساراً متزايداً للبذور المحلية لحساب أصناف مستوردة (ريف اليمن )

من جانبه، أوضح مدير مكتب الزراعة والبيئة بمديرية الشمايتين بمحافظة تعز، سلطان علوان، أن المزارعين ما يزالون يحتفظون بالبذور البلدية لمحاصيل الذرة الرفيعة والدخن والغَرَب، بينما اندثرت بذور الخضراوات لحساب المستوردة، باستثناء أصناف محددة من الطماطم البلدية التي يُحافظ على زراعتها في بعض العُزل.

ويؤكد سلطان علوان وجود متابعة حكومية لإنشاء بنك للبذور المحلية، مشيراً إلى تخصيص الأرضية المطلوبة وإنزال المناقصة الخاصة بالبناء بانتظار بدء التنسيق والتنفيذ الميداني.

استنزاف البذور الأصيلة

الباحث التونسي في علم الوراثة والجينوميات التطبيقية للأنظمة الزراعية والبيئية، الدكتور ضياء بوكتيلة، قال لـ “ريف اليمن”، إن البذور المحلية تشكل خازناً وراثياً ثميناً ومادة خاماً يعتمد عليها العلماء في برامج تحسين المحاصيل لإنتاج أصناف أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية والجفاف والملوحة والآفات.

وأضاف بوكتيلة أن الأهمية الحيوية للبذور تتجلى في خفض التكلفة التشغيلية للزراعة عبر تقليل الاعتماد على المدخلات المكلفة، إلى جانب دورها في صون الهوية والتراث الغذائي والثقافي، وتحقيق استدامة الإنتاج الزراعي وسيادته التي تكفل حق المجتمعات في امتلاك قرارها الزراعي دون الارتهان للأسواق الخارجية أو شركات المستلزمات الزراعية .

ويأتي انحسار بعض أصناف البذور نتيجة التوسع في استيراد بذور تجارية خارجية عالية الإنتاجية، ما دفع المزارعين إلى التفريط بالأصناف الأصيلة والاعتماد على بذور هجينة مخصصة لموسم واحد يظل استمرار زراعتها مرهوناً بمدى تدفقها من الشركات الموردة.

بوكتيلة: البذور المحلية خازن وراثي ثمين ومادة خام يُعتمد عليها لإنتاج أصناف أكثر قدرة على مواجهة الجفاف والآفات 

وأرجع مسؤول محاصيل الذرة الشامية الدكتور محمد الأسودي إقبال المزارعين على البذور المستوردة إلى إنتاجيتها العالية، مؤكداً أن ذلك يتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ الأصناف المحلية عبر تنفيذ برامج تحسين وراثي لرفع إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة.

الممارسات الخاطئة

ونفى الدكتور سعيد سيف الشائعات المتداولة حول وجود بذور تضر بالبيئة أو تُحوّل الأراضي إلى مساحات صلبة، مؤكداً أن البذور التي توزعها المنظمات في كثير من المناطق هي بالأساس أصناف محلية.

وأوضح أن تدني إنتاجيتها وفشلها يعود إلى سببين رئيسين: أولهما استخدام المزارعين لحبوب مخصصة للاستهلاك الغذائي كبذور للزراعة، والثاني غياب التوافق البيئي جراء نقل البذور وتوزيعها بين محافظات تختلف ظروفها المناخية، كنقل بذور من الحديدة الحارة لزراعتها في تعز وإب المعتدلتين، أو العكس، ما يؤدي إلى تراجع المحصول.

كما أكد الدكتور ضياء بوكتيلة خلو الأدبيات العلمية الموثوقة من أي أدلة تثبت وجود بذور مستوردة صُممت أو عولجت كيميائياً لتدمير التربة أو الإضرار بخصوبتها بشكل متعمد.

وأوضح أن تدهور الخصوبة ينجم عن ممارسات زراعية وإدارية خاطئة، تشمل زراعة أصناف غير ملائمة للبيئة المحلية، والاعتماد على نظم استزراع مكثفة تستهلك كميات كبيرة من المياه والأسمدة والمبيدات، فضلاً عن تكرار زراعة المحصول نفسه دون اتباع دورة زراعية متوازنة، لافتا أن معالجة بعض البذور التجارية بمبيدات فطرية أو حشرية لحمايتها هي ممارسة مقننة تخضع لمعايير السلامة ولا تستهدف الإضرار بالتربة.

البذور المحلية.. صمام أمان زراعي يواجه خطر الانقراض
تعد البذور المحلية حجر الأساس للتنوع الوراثي الذي طوّره المزارعون عبر آلاف السنين (ريف اليمن)

البنوك المجتمعية

تكشف المعطيات الميدانية عن تحركات لحماية المخزون الوراثي في اليمن، إذ بدأ برنامج الأمن الغذائي التابع لمنظمة الأغذية والزراعة الفاو، في نهاية عام 2023 بالتعاون مع الهيئة العامة للبحوث الزراعية، إنشاء مجاميع لبذور الأصل والمدخرات الوراثية وبنوك بذور مجتمعية، تحت إشراف جهات مختصة ولجان تضم مزارعين وسلطات محلية.

تعتمد العملية على اختيار مزارعين موثوقين لرفد البنك بـ “بذور الأساس” حيث تُعامل وتُوثق وتُحفظ مختلف الأصناف. وأفادت البيانات باختيار خمسة بنوك بذور في محافظة تعز شملت مديريات صبر الموادم، والمعافر، والمواسط، والشمايتين، وموزع، إلى جانب بنوك أخرى في محافظات لحج، وأبين، وذمار، وتهامة بمحافظة الحديدة.

ويشدد متخصصون على ضرورة إسراع المؤسسات الأكاديمية والبحثية في إجراء عمليات تحسين وراثي للأصناف البلدية لرفع إنتاجيتها وقدرتها على منافسة الهجن المستوردة، بالتوازي مع تكثيف التوعية والرقابة لحماية المزارعين من التفريط ببذورهم الأصيلة.

وتعد البذور المحلية حجر الأساس للتنوع الوراثي الذي طوّره المزارعون عبر آلاف السنين، والأكثر ملاءمة للبيئة لمقاومتها التغيرات المناخية وتكيفها مع طبيعة التربة.