مع ساعات الصباح الأولى، غادر المزارع الأربعيني أبو علي منزله في قرية المعرص بمحافظة الحديدة متجهًا إلى مزرعته، كما يفعل كل يوم، وبين حرارة الشمس المرتفعة وساعات العمل الطويلة، واصل حراثة أرضه دون أن يمنح نفسه وقتًا للراحة أو لشرب كمية كافية من الماء.
مع مرور الوقت، بدأ يشعر بدوار وإرهاق شديدين، لكنه تجاهل الأعراض وأصر على مواصلة العمل، قبل أن يسقط مغشيا عليه إثر إصابته بإجهاد حراري حاد، وبسبب بعد المرفق الصحي وتأخر إسعافه، تحولت لحظات العمل الاعتيادية إلى تجربة كادت تنتهي بفقدان حياته.
لا تمثل قصة أبو علي حادثة معزولة، بل تعكس واقعًا يعيشه كثير من سكان الريف اليمني، حيث ترافق الأعمال الزراعية والأنشطة اليومية مخاطر متعددة، في ظل محدودية وسائل الوقاية، وضعف الوعي بإجراءات السلامة، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية.
ضرورة لا رفاهية
في الريف اليمني، لا تقتصر السلامة المهنية على التعليمات والإجراءات التنظيمية، بل ترتبط مباشرة بحماية الأرواح والحد من الإصابات التي قد تنتج عن ممارسات يومية تبدو مألوفة، فالمزارعون والرعاة والنساء العاملات في جمع الحطب والأعلاف يواجهون باستمرار مخاطر استخدام الأدوات الحادة، والتعرض للمبيدات، والعمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، والتنقل عبر المنحدرات الجبلية، إضافة إلى مخاطر الآبار المكشوفة والسيول وضربات البرق خلال مواسم الأمطار.
ويرى محمد فقيه، الناشط في القطاع الزراعي، أن السلامة المهنية في الريف ما تزال تواجه تحديات كبيرة، في ظل اعتماد معظم الأعمال على وسائل تقليدية، مع غياب الحد الأدنى من وسائل الحماية الشخصية.
وتجسد حياة أم علي، وهي امرأة ريفية في أواخر الثلاثينيات، جانبًا من هذه التحديات؛ إذ تبدأ يومها منذ الصباح الباكر في التنقل بين الجبال والوديان لجمع الحطب والأعلاف ورعي الأغنام، وتقول لـ”ريف اليمن”: “يومي كله حركة بين المرتفعات والمنحدرات، وهذا حال أغلب نساء القرية.”
مواضيع مقترحة
- مأرب.. عمال الأحجار مشقة مضاعفة بأجر زهيد
- حضرموت.. عمال النظافة بين قسوة العمل وغياب التقدير
- مياه الصرف الصحي في صنعاء: أزمة متراكمة وحلول قيد الانتظار
من جانبه، يرى الدكتور حسن جناح، رئيس قسم الموارد البشرية بمكتب الصحة في مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، أن مستوى السلامة المهنية في كثير من المناطق الريفية لا يزال بين المتوسط والضعيف، نتيجة محدودية الوعي والإمكانات، وضعف تطبيق معايير السلامة.
ويشير إلى أن حملات التوعية القائمة، التي تشمل الورش الميدانية، والمنشورات الإرشادية، والبرامج الإذاعية، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، أسهمت في تحسين الوعي لدى بعض الفئات، لكنها لا تزال بحاجة إلى التوسع للوصول إلى مختلف التجمعات الريفية.
الطريق جزء من الخطر
في كثير من قرى الريف اليمني، لا تقتصر مشقة العمل على الحقول والمراعي، بل تبدأ منذ الخطوة الأولى خارج المنزل، فالسكان يضطرون يوميًا إلى عبور مسارات جبلية ضيقة ومنحدرات وعرة للوصول إلى المزارع أو لجمع الحطب والأعلاف، في رحلة تتكرر كل يوم، لكنها لا تخلو من المخاطر.
ومع حمل الأحمال الثقيلة، والعمل على السفوح الصخرية، وغياب الأحذية المناسبة أو وسائل الحماية، يصبح فقدان التوازن كافيًا لتحويل يوم عمل اعتيادي إلى مأساة.
وتجسد حادثة شهدتها منطقة الأشمور بمحافظة عمران حجم هذه المخاطر، بعدما توفيت امرأة، وهي أم لأربعة أطفال، إثر سقوطها من قمة جبلية أثناء جمع الأعلاف لمواشي أسرتها في حادثة تعكس حجم المخاطر التي تواجهها النساء والرجال على حد سواء في أعمالهم اليومية.
ولا تتوقف المخاطر عند الطرق الجبلية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الريفية كافة، حيث قد تتحول أبسط الممارسات إلى مصدر خطر في ظل غياب الوعي ووسائل الوقاية، ويرى المهندس الزراعي سالم راجي، مدير مكتب الزراعة بمديرية دوعن في محافظة حضرموت، أن الاستخدام غير الآمن للمبيدات الزراعية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المزارعين.
ويؤكد لـ”ريف اليمن” أن عدم الالتزام بفترة الأمان بعد رش المبيدات قد ينعكس سلبًا على صحة المزارعين والمستهلكين، لافتًا إلى أن محدودية التعليم لدى شريحة واسعة من العاملين في الزراعة تجعل الوعي بالمخاطر أقل من المستوى المطلوب، رغم جهود الإرشاد الزراعي.
لا تتوقف المخاطر عند الطرق الجبلية بل تمتد إلى تفاصيل الحياة الريفية حيث قد تتحول أبسط الممارسات إلى مصدر خطر في ظل غياب الوعي ووسائل الوقاية
إلى جانب ذلك، تتكرر إصابات ناتجة عن استخدام الأدوات الزراعية، والسقوط من الأشجار والمرتفعات أثناء جمع الأعلاف أو جني المحاصيل، فضلًا عن التعرض المستمر لأشعة الشمس لساعات طويلة.
وتقول أم علي: “أحيانًا نسير في طرق جبلية زلقة، وقد نتعرض للسقوط أو التعثر، كما نعمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، ونواجه لدغات الحشرات، وإصابات الأشواك، وأحيانًا جروحًا من الفأس أو المحش.”
وتستعيد إحدى التجارب التي مرت بها قائلة: “ارتد عليّ حجر كبير أثناء محاولتي كسر غصن يابس، فأصاب قدميّ برضوض شديدة، وأجبرني على البقاء في المنزل فترة طويلة، إضافة إلى تحمل تكاليف علاج لم تكن سهلة.”
مخاطر موسمية
ومع حلول مواسم الأمطار، تبرز مخاطر أخرى تهدد سكان الريف، في مقدمتها السيول والآبار المكشوفة، ففي كثير من المناطق، تتحول السيول إلى أماكن جذب للأطفال والمراهقين، غير مدركين ما تخفيه من تيارات قوية وحفر عميقة قد تؤدي إلى الغرق خلال لحظات.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل نحو 1,142 حالة وفاة غرق في اليمن خلال عام 2020، في ظل غياب بيانات وطنية حديثة توثق حجم هذه الحوادث، كما تتكرر سنويًا حوادث الصواعق الرعدية، التي تحصد عشرات الأرواح، خصوصًا بين المزارعين والرعاة الذين يواصلون أعمالهم في الحقول المفتوحة أثناء العواصف.
لا تحتاج الحوادث إلى ظروف استثنائية حتى تقع، فقد يقترب طفل من بئر مكشوف أثناء اللعب، أو يستخدم مزارع مبيدًا دون وسائل حماية، أو يصعد شاب شجرة لجمع الأعلاف قبل أن ينكسر أحد أغصانها، أو يواصل عامل يومه تحت حرارة الشمس حتى يفقد وعيه نتيجة الإجهاد الحراري.
ويرى محمد فقيه أن تكرار هذه الحوادث يعكس ضعف ثقافة السلامة المهنية في كثير من المناطق الريفية، إلى جانب محدودية برامج التوعية والإرشاد، مؤكدًا أن مسؤولية الحد منها لا تقع على الأفراد وحدهم، بل تتطلب دورًا أكبر من الجهات المعنية في نشر الثقافة الوقائية وتوفير بيئة عمل أكثر أمانًا.
لا ترتبط حوادث العمل في الريف اليمني بطبيعة البيئة الوعرة وحدها، بل تتفاقم أيضًا بفعل الفقر وضعف الوعي بإجراءات السلامة، فالكثير من الأسر تضطر إلى مواصلة أعمالها في ظروف قاسية دون وسائل حماية أساسية، إما بسبب ارتفاع تكلفتها أو عدم توفرها، فيما ينظر بعض العاملين إلى إجراءات الوقاية باعتبارها ترفًا لا ينسجم مع ضغوط الحياة اليومية.
كما يسهم ضعف الوعي في استمرار ممارسات خطرة، مثل تخزين المبيدات داخل المنازل، أو ترك الآبار مكشوفة، أو العمل لساعات طويلة تحت أشعة الشمس دون فترات راحة أو تعويض كافٍ للسوائل، وهي ممارسات تجعل الحوادث تتكرر بصورة كان يمكن الحد منها بإجراءات بسيطة.
جناح: من أبرز التحديات التي تواجه السلامة المهنية في الريف محدودية الوعي بمخاطر العمل، وارتفاع تكلفة معدات الوقاية، وضعف الرقابة والإرشاد
ويرى الدكتور حسن جناح أن من أبرز التحديات التي تواجه السلامة المهنية في الريف محدودية الوعي بمخاطر العمل، وارتفاع تكلفة معدات الوقاية، وضعف الرقابة والإرشاد، إلى جانب الاعتماد على وسائل عمل تقليدية، وصعوبة وصول الجهات المختصة إلى كثير من المناطق النائية.
إجراءات وقائية
من جهته، يؤكد المهندس سالم راجي أن تفعيل أنظمة الصحة والسلامة المهنية يمثل خطوة أساسية لتحسين بيئة العمل، داعيًا إلى تعزيز دور الجهات المختصة في متابعة تطبيق إجراءات السلامة، بما يشمل العاملين في القطاع الزراعي وسكان المناطق الريفية.
ويرى مختصون أن الحد من الحوادث في الريف لا يتطلب دائمًا حلولًا مكلفة، بل يبدأ بإجراءات وقائية بسيطة يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في حماية الأرواح، ومن بين هذه الإجراءات تغطية الآبار المكشوفة، ونشر الوعي بالاستخدام الآمن للمبيدات، وتشجيع استخدام القفازات والأحذية المناسبة أثناء العمل، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، إضافة إلى الامتناع عن السباحة في السيول والسدود، والتوقف عن العمل في المناطق المكشوفة أثناء العواصف الرعدية.
ويؤكد محمد فقيه أن تعزيز السلامة المهنية في الريف يبدأ بنشر الوعي بالمخاطر، وتوفير وسائل الحماية الأساسية، وتحسين خدمات الإرشاد الزراعي، وتأمين مصادر مياه الشرب للعاملين في الحقول، مشددًا على أن حماية العامل الريفي تمثل ركيزة أساسية لاستدامة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة الحياة في المجتمعات الريفية.
كما يدعو المهندس سالم راجي إلى التوسع في استخدام وسائل المكافحة الزراعية الآمنة، والالتزام بالممارسات الزراعية السليمة التي تقلل الحاجة إلى المبيدات، إلى جانب تكثيف برامج التوعية عبر المدارس والملتقيات الشبابية والإرشاد الميداني، فيما يشدد الدكتور حسن جناح على أهمية توسيع برامج التدريب والتوعية، وتوفير معدات الوقاية بأسعار مناسبة، وتعزيز الرقابة على بيئات العمل، والاستفادة من التقنيات الحديثة في القطاع الزراعي، مع إشراك المجتمعات المحلية في نشر ثقافة السلامة المهنية.





