في قلب التضاريس الوعرة، والمنحدرات الشاهقة لريف محافظة تعز، يقف مشروع مياه دبع الخارج شامخاً كواحد من أنجح المشاريع التعاونية الأهلية على مستوى اليمن، فبمبادرة أطلقها الاهالي قبل نحو ستة عقود، تأسس المشروع، ولازال صامدا رغم الظروف والحروب التي شهدتها البلاد طيلة السنوات الماضية.
لم يكن المشروع مجرد شبكة لضخ المياه، بل تحول إلى الركيزة الأساسية التي استندت عليها التنمية المحلية؛ شاقاً للطرقات، وداعماً للتعليم والصحة، ومجسداً لأرقى صور التكاتف المجتمعي الذي يخدم اليوم حوالي خمسة وعشرين ألف نسمة، في المنطقة الواقعة جنوبي تعز، المحافظة الأكثر تأثرا بأزمات المياه.
رحلة البداية
يروي مدير المشروع، طارق ياسين، فصول التأسيس ويقول:” في منتصف ستينات القرن الماضي عقب تأسيس جمعية أبناء دبع، تأسس المشروع وكانت نقطة الانطلاق الأولى بئر بدائية تقع في أسفل منطقة (الجُبا)، حيث كان الأهالي يعانون للوصول إليها مستعينين بالحمير لنقل المياه إلى قراهم في الأواني الحديدية والفخارية”.
مواضيع مقترحة
- فتاة ريفية تحترف صيانة الهواتف لحماية النساء من الابتزاز
- قصة هائل في ذمار: نازح متشرد ينجح بتحقيق ثروة زراعية
- متجاوزين الإعاقة.. 5 إخوة يصنعون قصة ملهمة
ويضيف لـ”ريف اليمن”،: في ذلك الوقت قرر الأهالي وضع حد للمعاناة، فتعاقدوا مع شركة أمريكية جلبوها من المملكة العربية السعودية لحفر البئر الأولى، وعقب نجاح الحفر، أنشأ الأهالي شبكة مياه وخزانات فرعية لكل قرية لتقريب المسافات وتخفيف المشقة عن المواطنين”.
لم يكتف الأهالي بالحفر فقط، بل أوصلوا المياه إلى المنازل، ويشير ياسين أنه في بداية ثمانينات القرن الماضي (تحديداً عام 1981 أو 1982م)، بدأت المرحلة الأولى لربط المنازل مباشرة بآبار المشروع، وهي المرحلة التي سبقت تولي الأستاذ هزاع عبدالله محمد إدارة المشروع في عام 1986م، ليقود دفة الإدارة حتى عام 2025م.
لافتا أن المنطقة تدين بالفضل لعدد من المؤسسين القدامى، وفي مقدمتهم المهندس أحمد محمد عثمان الأحمدي، الذي سخر خبرته الكبيرة في هندسة المكائن وتدريب وتأهيل الكوادر المحلية، واشتغل بقوة خلال ثمانينات القرن الماضي لوضع اللبنات الفنية الأولى للمشروع.
أرقام وبنية تحتية
المشروع الذي بدأ ببئر واحدة، يمتلك اليوم بنية تحتية بهندسية معقدة، حيث بلغ إجمالي الآبار المحفورة على مدار تاريخ المشروع 14 بئراً، ويوضح طارق ياسين أن الطبيعة الجيولوجية فرضت تحدياتها، إذ إن هناك 8 آبار منها تعطلت أو تبين أنها غير صالحة (مياه كبريتية أو جافة)، ليبقى للمشروع حالياً 6 آبار عاملة، عذبة وصالحة للشرب.
ويشير الناشط حسام الدبعي إلى أن المشروع يتولى إدارة شبكة أنابيب ضخمة يبلغ طولها حوالي خمسين كيلومتراً لتغطية القرى المستفيدة والتي تقدر بنحو 42 قرية، لافتا أن أثر المشروع امتد ليكون مظلة تنموية شاملة للمنطقة طوال ستة عقود.

ويضيف لـ”ريف اليمن”، :” خلال ثمانينات القرن الماضي، أسهم المشروع في تأسيس مدرسة الغزالي ومستوصف الغزالي، بالإضافة إلى تأسيس مدرسة “22 مايو” في الفجيحة، ولم يقتصر الدور على البناء، بل امتد لدعم استمرار العملية التعليمية عبر دفع رواتب المعلمين في بعض المدارس لضمان عدم توقف التعليم.
وفي جانب البنية التحتية، يتولى المشروع صيانة الطرق الجبلية بشكل دوري، لا سيما خلال مواسم الأمطار وتدفق السيول، حيث يمتلك “شيول” خاصا به ومخصص بالكامل لفتح الطرقات المغلقة وتأمين حركة سير المواطنين.
سر الاستمرارية
في وضع توقفت فيه معظم المشاريع الخدمية استمر المشروع بالعمل، ويكمن سر صموده في “لوائحه التنظيمية” الصارمة وحياده المطلق؛ إذ يؤكد القائمون عليه أن من أبرز أسباب نجاحه واستمراريته أنه ظل مشروعاً أهلياً خدمياً يعمل لأجل أبناء المنطقة كافة دون تمييز.
ويفصل أديب علي أحمد الكُعَيْتي، رئيس لجنة المستفيدين، آلية التنظيم الداخلي التي تبدأ بالتحديث المؤسسي من خلال اختيار الإدارة وتجديدها عبر اجتماعات رسمية لممثلي الجمعية العمومية، لافتا أن الإدارة تعكف حالياً على تجديد النظم الداخلية لتتوافق مع القوانين الحديثة المنظمة للمشاريع التعاونية والجمعيات الخيرية.
وأوضح لـ”ريف اليمن”، أن المشروع يمتلك فريق صيانة مخصصاً للتدخل الفوري ومعالجة الأعطال الفنية فور حدوثها لمنع انقطاع الخدمة عن المواطنين، ولديه كذلك التعرفة الخيرية والاستدامة فالمشروع تعاوني خيري لا يستهدف الربح، وتُحتسب تعرفة استهلاك المياه بناءً على المصروفات التشغيلية فقط، كما تُدفع رواتب ومستحقات العاملين بانتظام نسبياً من إيرادات فواتير المياه التي يسددها المستهلكون.

يعتمد النظام الهندسي حالياً على ثمانية مواقع ضخ، تُدار أساساً بمادة الديزل، باستثناء موقع واحد يعتمد جزئياً على منظومة الطاقة الشمسية، ويمتلك المشروع ثمانية خزانات (منها خزانان تجميعيان رئيسيان وخزانات فرعية لتغذية القرى) وتتم عملية الضخ عبر ثلاث مراحل هندسية معقدة.
الصمود في وجه الأزمات
يعتبر استمرار ضخ المياه طوال العقود الماضية دون انقطاع نجاح إداري فريد، ويلفت حسام الدبعي إلى أن أداء المشروع بلغ ذروته الإنسانية والتعاونية في عامي 2015 و2016م؛ ففي ظل أزمة الديزل الخانقة التي أوقفت مشاريع البلاد جراء الحرب، صمد مشروع دبع بل وقام بتقديم الديزل لعدة مشاريع مياه مجاورة من مخزونه الاحتياطي الخاص.
ويعزو أديب الكُعَيْتي هذا الصمود إلى نجاح الإدارة وعلاقاتها الإيجابية مع الجميع، إلى جانب الوعي العالي للأهالي الذين تقبلوا خطة الإدارة في ترشيد الاستهلاك وتجاوز الأزمة، خاصة مع غياب صندوق طوارئ مالي للمشروع.
لم تقف جهود الإدارة عند حدود التشغيل، بل تعدتها إلى حماية البقاء المائي للمنطقة، ويشرح الكُعَيْتي أنه بسبب انتشار مزارع القات واستنزافها الجائر للمياه الجوفية، قادت الإدارة مبادرة قانونية وبيئية بالتعاون مع مشروعين مجاورين لإنشاء “محمية مائية محددة”.
ويقول:”بعد إعداد الدراسات العلمية، رفعت الإدارة طلبها للسلطات المحلية التي استجابت وفرضت المحمية بقوة القانون لحماية الأمن المائي للسكان، كما تحافظ الإدارة على تنسيق مستمر مع الجهات المانحة لتصاريح الحفر، حيث يتم الاعتراض قانونياً على أي طلبات حفر عشوائية جديدة في المنطقة لحماية آبار المشروع.

التحديات والحلول
رغم هذه النجاحات، يقف المشروع اليوم أمام منعطف صعب وتحديات راهنة تهدد استمراريته ما لم يتم تداركها، ويوضح طارق ياسين وحسام الدبعي أن أبرز هذه العقبات تتمثل بأزمة الوقود وارتفاع أسعارها، الأمر الذي يهدد برفع قيمة الاستهلاك على المواطن بنسبة تتجاوز 100%، (الوحدة بـألفين ريال حاليا)وهو ما لا يمكن للمواطنين تحمله في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي تمر بها البلاد.
ومن الصعوبات أيضا تهالك الشبكة العامة والخزانات حيث تجاوزت العمر الافتراضي، وباتت عتيقة وتحتاج إلى إحلال وتجديد شامل، فضلا عن التوسع السكاني وضيق التوصيلات التي صُممت قديما لتغطية عدد محدود من المنازل.
يرى القائمون على المشروع أن الحل الجوهري والوحيد للنجاة من أزمة الوقود وتخفيض الكلفة على المواطنين يكمن في التحول الكامل نحو الطاقة الشمسية المتجددة لتشغيل كافة مواقع الضخ المتبقية بدلاً من الاعتماد على الديزل.
ويشير الناشط المجتمعي حسام الدبعي إلى تطلعات الأهالي الذين يطمحون حالياً، وبشكل جاد، إلى إعادة تفعيل “جمعية أبناء دبع الخارج”، بهدف استعادة الدور التنموي والريادي للمغتربين من أبناء المنطقة، لكي يساهموا بفاعلية في تمويل تحديث المعدات العتيقة وتحويل المشروع نحو الطاقة النظيفة.
وتعد قصة نجاح مشروع مياه دبع الخارج طيلة هذه السنوات إحدى ثمار التعاون المجتمعي الذي غرسه الآباء والأجداد منذ ستينات القرن الماضي، وتدعو إدارة المشروع جميع أبناء دبع للمحافظة على هذا المنجز التاريخي والتكاتف المشهود لاستمرار نجاحه





