يقف المزارع أحمد صالح (65 عاماً) على أطراف مزرعته في قرية الحصن بمحافظة أبين يتأمل أرضه التي رافقته منذ الطفولة، ويستعيد من تربتها تفاصيل سنين طويلة من العمل والذاكرة، ينظر إليها كما ينظر المرء إلى أرشيفه الشخصي الذي لا تحتفظ به الأوراق، بل تدونه المواسم.
يروي صالح كيف كان المزارعون يستدلون على مواعيد الحراثة والبذور بحركة النجوم ومطالعها، وكيف كانوا ينتقون البذور بعناية فائقة ويحتفظون بها من عام إلى آخر، موضحاً لـ “ريف اليمن” الطرق التقليدية لتوزيع المياه عبر السواقي التي كانت تقسم الحصص بين الناس وفق أعراف غير مكتوبة، تحكمها الحكمة والعدالة المجتمعية.
لم يكن حديثه استعادة للماضي بقدر ما كان تعبيراً عن قلق عميق؛ إذ يرى أن الخبرات الزراعية التراكمية باتت مهددة بالزوال مع رحيل الجيل السابق، فكل مزارع يمتلك خبرة زراعية يغادر الحياة، يأخذ معه فصلاً كاملاً من المعرفة الشعبية التي لم تدوّن في الكتب، وظلت حبيسة الذاكرة والممارسة اليومية الطويلة.
مواضيع مقترحة
- الزراعة المستدامة.. وسيلة فعّالة لمواجهة التحديات المناخية
- زراعة القمح في لحج: نجاح واعد رغم التحديات
- مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
تعليم الأجيال
يقول أحمد صالح: “للأسف الشديد لم أعلم أبنائي الزراعة فهم مغتربون خارج اليمن ولو كانوا هنا لكنت علمتهم أساليب الزراعة وطرقها كما تعلمتها من آبائي وأجدادي”.
ويؤكد لـ”ريف اليمن” أن ذلك لم يمنعه من مواصلة رسالته؛ إذ يحرص على تقديم المشورة والخبرة لكل من يحتاجها من جيرانه أو المزارعين في المنطقة: “أفيد غيري من الجيران أو أي مزارع يحتاج إلى مشورتي لأن الخبرة يجب ألا تضيع”.
من جانبه، يقول المهندس الزراعي عبدالقادر السميطي إن القرى الزراعية في اليمن، كانت في الماضي تؤدي دور المدارس المفتوحة، إذ تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر من خلال العمل المباشر في الحقول.

ويوضح السميطي لـ” ريف اليمن” أن المزارعين امتلكوا عبر الزمن معرفة متراكمة بمواسم الزراعة، ومواعيد الحراثة، وأساليب حفظ البذور، وقراءة المؤشرات المناخية من حركة الرياح والسحب، وتنظيم الري بما يحافظ على الموارد.
أسباب تراجع المعرفة
يربط مدير الإرشاد الزراعي باسم عقيل تراجع انتقال المعرفة الزراعية بضعف ارتباط الشباب بالأرض، واتجاههم إلى أعمال أخرى في المدن توفر دخلاً أسرع، أو الالتحاق بالوظائف الحكومية.
وأوضح عقيل لـ “ريف اليمن” أن التراجع يعود لأسباب اقتصادية واجتماعية، في مقدمتها ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية، وتراجع العائد الاقتصادي للزراعة الذي أصبح في كثير من الحالات غير قادر على تغطية تكاليف الإنتاج، بالإضافة إلى دخول مظاهر التمدّن والانتشار الواسع للتكنولوجيا؛ ما أسهم في ابتعاد الشباب عن الحقول وإضعاف تواصلهم اليومي مع كبار المزارعين.
يوافقه الرأي المزارع جهلان الحاشدي (40 عاماً) وهو مزارع في همدان، قائلاً لـ “ريف اليمن” إن البيت والحقل كانا في السابق مساحة واحدة يتعلم فيها الأبناء بالممارسة اليومية إلى جانب آبائهم وأجدادهم، أما اليوم فقد انشغل كثير من الشباب بالدراسة والعمل والانتقال إلى المدن، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأجيال وانقطاع المسارات الطبيعية التي كانت تنقل الخبرة.
وينتاب الحاشدي القلق من انقطاع الموروث الزراعي الذي ورثه عن آبائه وأجداده، لذلك يحرص على اصطحاب أبنائه إلى المزرعة لتعليمهم أساليب الزراعة كي يتعودوا على الأرض، ويضيف: “ألاحظ في الوقت الراهن أن كثيرًا من الأبناء لم يعودوا يرغبون في تعلم الزراعة أو ممارستها وهذا يقلقني كمزارع لأن هذه المهنة والخبرة التي توارثناها قد تضيع إذا لم تجد من يحملها من بعدنا”.

كما أشار الحاشدي إلى أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا عزز لدى البعض الاعتقاد بأن المعلومات المتاحة عبر الإنترنت تكفي، رغم أن خبرة المزارعين التقليديين ترتبط بخصوصية الأرض والبيئة المحلية أكثر من ارتباطها بالمعلومات العامة لذلك لا بد من توثيقها.
ضرورة التوثيق
أما الخبير في الإرشاد الزراعي عبدالعليم العبسي فيرى أن ضعف الاهتمام المؤسسي بالموروث الزراعي، إلى جانب الحرب وعدم الاستقرار، والهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، كلها عوامل عمّقت تراجع انتقال المعرفة بين الأجيال.
ولحماية الإرث من الضياع، يرى باسم عقيل أن الوسيلة الأكثر فاعلية تتمثل في تشكيل لجان محلية داخل القرى تتولى مقابلة كبار السن، وتوثيق المعارف الزراعية والشعبية بالصوت والصورة ثم أرشفتها، مع إشراك الشباب من خلال إنشاء جمعيات متخصصة بالموروث الزراعي ترتبط بمراكز توثيق متخصصة.
و يؤكد المهندس السميطي والخبير العبسي على أهمية جمع الأمثال والحكايات الزراعية، وإعادة طباعة المراجع القديمة وإتاحتها إلكترونياً، بالتوازي مع إدماج الموروث الزراعي ضمن المناهج التعليمية المستدامة لتشجيع الشباب على التعليم الزراعي.
وضمن حديثه لـ “ريف اليمن” شدد العبسي على ضرورة التوازن بين الماضي والحاضر عبر الاستفادة من التقنيات الحديثة دون التفريط بالممارسات التقليدية الفعالة مثل استخدام الأسمدة العضوية والمبيدات النباتية.

أما السميطي فيؤكد أن فقدان المعارف لا يعني خسارة معلومات زراعية فقط، بل فقدان جزء من الهوية الثقافية والتاريخية للمجتمع، وأن حماية ذاكرة الأرض لم تعد مسؤولية المزارعين وحدهم، بل مسؤولية مجتمع كامل يريد أن يحتفظ بمستقبله دون أن يفقد جذوره.
وكانت دراسة حول المعرفة التقليدية بالنباتات البرية في اليمن عام 2024، اعتمدت على مقابلات مع 1020 مشاركاً من 15 منطقة في جنوب اليمن، أظهرت أن كبار السن ما يزالون يمثلون المصدر الرئيس للمعرفة التقليدية، بينما سجل الشباب مستويات أضعف في امتلاك المعرفة ونقلها، بما يعكس اتساع الفجوة المعرفية بين الأجيال.





