مع بزوغ كل صباح، يبدأ الشاب جواد عقلان رحلته اليومية من قرية “كُحلان” في الأطراف الجنوبية لمديرية صبر الموادم بمحافظة تعز، خلف مقود سيارته ذات الدفع الرباعي، ناقلا الأهالي إلى سوق مديرية المسراخ عبر طريق “جبحة”، ومؤمنا احتياجات آخرين، في قرية لا يربطها بمحيطها سوى ثلاث مركبات تشق طريقا أنهكتها السيول.
يقول عقلان لـ”ريف اليمن”: “العمل في قيادة السيارة ليس سهلا، فكيف إذا كان في طريق يخشى كثيرون عبوره خوفا على أرواحهم ومركباتهم؟، ويضيف:” لا خيار أمامي سوى الاستمرار رغم المخاطر والمعاناة اليومية، إذ تتعرض سيارتي لأعطال متكررة تستنزف جهدي ومالي.”
“في كل موسم أمطار تتحول طريق (جبحة) إلى كارثة بفعل السيول الجارفة القادمة من الجبال، فتتدمر بالكامل، يوضح عقلان، لكنه يؤكد أنهم يضطرون في كل مرة إلى إصلاحها بجهود ذاتية وبإمكانيات شحيحة، في مشهد يتكرر عامًا بعد آخر”.
مواضيع مقترحة
رصف الطرقات.. مبادرات ريفية لإنقاذ الحياة
التلفريك في وصاب وريمة: شريان حياة للقرى الريفية
مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل
لا تتوقف المعاناة عند صعوبة التنقل، بل تمتد إلى الحالات المرضية الطارئة، وبحسب عقلان يستغرق نقل المريض عبر الطريق في حال كانت سالكة، ما بين ساعة وساعة ونصف، بينما يؤدي انقطاعها بسبب السيول إلى حمل المرضى على الأكتاف لساعات طويلة، الأمر الذي ينتهي أحيانًا بفقدانهم قبل الوصول إلى المستشفى وهي حالة تتكرر في مناطق ريفية مختلفة.
ويستذكر جواد حامد، أحد أبناء المنطقة، حادثة وقعت في 10 سبتمبر/أيلول 2023، عندما قطعت السيول الطريق بالكامل، ومنعت وصول سيارة الإسعاف، ما اضطر الأهالي إلى نقل شقيقه المريض على الأكتاف عبر طرق جبلية وعرة.
عزلة ومعاناة
ويروي لـ “ريف اليمن”، كيف انهم تمكنوا من الوصول إلى السيارة في أسفل الجبل بعد مشقة كبيرة، إلا أن شقيقه فارق الحياة قبل بلوغ المستشفى، مرجعا تردي الطريق أسباب ما حدث، ومطالبًا الجهات المعنية بسرعة التدخل لمعالجة المشكلة.
لا تقتصر المعاناة على سائقي المركبات فقط، بل تشمل آلاف السكان في قرية “كُحلان”، الذين يعيشون عزلة متكررة وصراع دائم مع قسوة الطبيعة بسبب الطريق الوحيدة المؤدية غربًا إلى مديرية المسراخ، والبالغ طولها نحو سبع كيلو مترات.

ويمر هذا الطريق داخل سائلة ضيقة بين الجبال، ما يجعله عرضة للانجراف والانقطاع مع كل موسم أمطار، وقد يستمر إغلاقه لأشهر، وأحيانًا لسنوات، الأمر الذي يجبر الأهالي على نقل احتياجاتهم سيرًا على الأقدام أو على ظهور الحمير.
ولا تقف آثار الطريق عند حدود التنقل، بل تنعكس على الأوضاع المعيشية، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية نتيجة صعوبة وصول الشاحنات وارتفاع تكاليف النقل.
ويقول رافع الكحلاني، أحد أبناء القرية، لـ”ريف اليمن”: “لم تعد وعورة الطريق تهدد حياتنا فقط، بل أصبحت تستنزف مواردنا أيضًا، أسعار المواد الغذائية ترتفع باستمرار بسبب عزوف الشاحنات عن الوصول، وارتفاع أجور النقل على من يغامر بالوصول.”
مبادرة مجتمعة
وأمام استمرار المعاناة، بادر أهالي القرية إلى تشكيل لجنة مجتمعية لتولي مهمة البحث عن حلول عملية، ويقول ممثل اللجنة رائد الكحلاني لـ”ريف اليمن”: “خوفنا على أطفالنا ومرضانا، ومعاناة الناس المستمرة، دفعانا إلى التحرك بعد سنوات من الانتظار، فشكلنا لجنة تضم وجهاء وشخصيات اجتماعية لقيادة مشروع شق طريق بديلة.”
ويضيف أن اللجنة تعمل وفق آلية واضحة لتوزيع المهام الهندسية والميدانية، وإدارة التبرعات بشفافية، إلى جانب التنسيق مع المغتربين والجهات الداعمة، بهدف إنهاء عزلة القرية.

ويوضح المهندس ماجد الرداعي أن الدراسات الميدانية قادت إلى اختيار مسار بديل يربط القرية بطريق تعز – العروس – الشقب، بعيدًا عن مجرى السيول، رغم الطبيعة الجبلية الوعرة للموقع.
ويشير إلى أن الأهالي تبرعوا بالأراضي، وشاركوا في أعمال الشق وجمع التبرعات، فيما وفر المجلس المحلي آلية ثقيلة ساهمت في إنجاز المرحلة الأولى من المشروع، التي تضمنت شق وتسوية طريق بطول 1200 متر،
ويؤكد أن المشروع لا يزال بحاجة إلى استكمال أعمال الرصف الحجري وبناء الجدران الساندة في المقاطع الخطرة لضمان استدامة الطريق، لافتا أن التكلفة التقديرية للمشروع تقدر بنحو 125 مليون ريال يمني، منها 62 مليون ريال للمقاطع شديدة الخطورة بطول 360 مترًا، و63 مليون ريال لاستكمال بقية أجزاء الطريق.
وخلال السنوات الماضية تمكّن سكان بعض المناطق الريفية من تنفيذ مبادرات مجتمعية عدّة، كان أبرزها تلك التي أسهمت في إصلاح كثير من الطرقات الوعرة، وشقّ أخرى جديدة، لإنقاذ حياة السكان، وللتخفيف من معاناتهم.

ورغم ارتفاع التكلفة، يواصل أهالي “كُحلان” حشد جهودهم لإنجاز المشروع، ويشير القائمون عليه إلى أن أحد الداعمين، الحاج عبد الجبار هايل سعيد، اشترط مساهمة مجتمعية بنسبة 30% من قيمة الدعم، بما يعادل 17 مليون ريال، قبل اعتماد التمويل لرصف الطريق الجديدة.
وخلال خمسة أيام فقط، تمكن الأهالي من جمع المبلغ كاملًا، في خطوة تعكس حجم التكاتف المجتمعي وإصرار السكان على إنهاء عزلتهم، معبرين عن أملهم أن تجد مبادرتهم استجابة من الجهات الداعمة، لاستكمال المشروع الذي يرون فيه أكثر من مجرد طريق، بل شريان حياة يربطهم بالخدمات الأساسية، ويكسر عزلة مجتمع بأكمله.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية، والموارد، والتعليم، وفرص العمل، والإمدادات الغذائية.





