في اليمن ما تزال القبيلة تمثل الركيزة الأساسية للتنظيم الاجتماعي والسياسي ويبرز ‹النكف القبلي› بوصفه أحد أكثر الأعراف حضورًا وتأثيرًا كلما اشتدت الأزمات أو اندلعت النزاعات، فهو ليس مجرد تقليد اجتماعي متوارث، بل آلية جماعية تستنفر أبناء القبيلة، وتحول قضية الفرد أو الأسرة إلى قضية تخص الجماعة بأكملها.
ورغم أن جذور النكف تعود إلى ماقبل القرن التاسع عشر ميلادي، فقد عاد هذا العرف إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، بعد أن وظفته أطراف الصراع في اليمن كوسيلة لحشد المقاتلين واستنفار القبائل تحت شعارات مختلفة، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على دوره التقليدي وتحولاته في السياق المعاصر.
وتُعد البيئة القبلية في اليمن من أكثر البيئات رسوخًا في العالم العربي؛ إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 85% من السكان ينتمون إلى قبائل، فيما تتحدث بعض الإحصاءات عن وجود ما بين 200 و400 قبيلة تنتشر في أنحاء البلاد.
كما تمتلك كثير من هذه القبائل جذورًا تاريخية ضاربة في القدم، يعود بعضها إلى عصور مملكة سبأ، وظلت تحتفظ بنفوذ اجتماعي وسياسي واسع امتد إلى مؤسسات الدولة عبر عقود.
ماهو النكف القبلي؟
يعني النكف في اللغة الاستنفار والدعوة السريعة إلى النصرة، أما في الموروث القبلي اليمني فهو عرف اجتماعي يُلجأ إليه لطلب الدعم العسكري أو المادي أو أي شكل من أشكال المؤازرة في قضية يُنظر إليها على أنها تستوجب وقوف الجماعة إلى جانب صاحبها.
ويلجأ إلى النكف عندما يجد فرد أو أسرة أو حتى قبيلة نفسها عاجزة عن مواجهة خصم أقوى أو حل نزاع بمفردها، فتوجه نداءً رسميًا إلى الأقارب أو الحلفاء أو أبناء القبيلة الأوسع لاستنفارهم ومساندتها، فتتحول القضية من شأن فردي إلى قضية جماعية.
ويُعد النكف جزءًا من منظومة التضامن القبلي التي تقوم عليها البنية الاجتماعية في اليمن، فبحسب دراسة “العرف الحربي القبلي” الصادرة عن برنامج دعم الحوار الوطني، تنظر القبيلة إلى نفسها باعتبارها كيانًا واحدًا، يتحمل أفراده المسؤولية الجماعية، ويعد أي اعتداء على أحدهم اعتداءً على القبيلة بأكملها، الأمر الذي يجعل النصرة والتضامن واجبًا عرفيًا يحكمه الالتزام الاجتماعي أكثر من أي نص مكتوب.

طقوس الحشد
للنكف القبلي طقوس وإجراءات متوارثة يعرفها أبناء القبائل جيدًا، وتختلف بعض تفاصيلها من منطقة إلى أخرى، لكنها تتفق جميعًا في هدف واحد، هو تحويل نداء الاستغاثة الفردي إلى حشد قبلي جماعي.
ومن صور الدعوة للنكف كسر الجفل أو العسيب (وهو الجزء المعقوف في غمد الجنبية) ويعد من أقوى رموز الاستنفار في العرف القبلي اليمني، وهو إعلان صريح بطلب النصرة والفزعة عند وقوع ظلم شديد أو انتهاك صارخ. هذه الإشارة تحمل دلالات عميقة وتفرض التزامات صارمة على القبائل.
كما يعني أن المظلمة بلغت ذروتها وأن الموقف يتطلب هبة جماعية لرد الحق، وبمجرد وقوع الكسر، يتحول الموقف إلى “نكف” أي استنفار عام، حيث يهب الرجال استجابة لهذه الدعوة التي لا تحتمل التأجيل، ويصبح تقديم العون واجباً لا يُعفى منه أحد، وتجاهل هذا النداء يُعد عيباً كبيراً في العرف القبلي.
قديمًا، كان إعلان النكف يتم بوسائل ذات دلالات رمزية معروفة في المجتمع القبلي؛ ففي القضايا العادية كان يقتصر على إطلاق النار في الهواء أو إرسال رسول إلى القبائل المجاورة يحمل دعوة النكف، أما في القضايا الكبرى، فكان الرسول يحمل قطعة قماش سوداء مربوطة بعصا فوق ظهر الناقة، ويجوب بها القبائل داعيًا إلى النفير، وفي بعض الحالات كانت امرأة تتولى هذه المهمة، فتتنقل بين القبائل لإبلاغ الرسالة.
وبعد وصول الدعوة، تتوافد القبائل لسماع تفاصيل القضية، فإذا تبين لها أنها عادلة أعلنت مؤازرتها للطرف الداعي، وتحركت معه مسلحة، وعند وصول القبائل المحتشدة إلى محيط الجهة المقصودة، تنصب ما يُعرف بـ”المطارح”، ثم ترسل رسولًا يطلب “الجلوس للحق”، في إشارة إلى بدء إجراءات التسوية وفق الأعراف القبلية.
الزوامل والاستعراض الجماعي
يرتبط النكف عادةً بمظاهر جماعية تعكس قوة الحشد، أبرزها أداء “الزامل”، وهو نشيد قبلي جماعي يستحضر معاني النخوة والشجاعة والنجدة، إلى جانب إطلاق الرصاص والتلويح بالجنابي، وهي رموز حربية متجذرة في الثقافة القبلية اليمنية، تجعل من النكف حدثًا اجتماعيًا لافتًا يصعب تجاهله.
إذا لم يكن حشد الأسرة أو القبيلة كافيًا، يتدرج النكف إلى مستويات أعلى، فيُوجَّه النداء إلى القبائل كاملة ويُعرف هذا المستوى بـ”الداعي الكبير”، ويُعد أعلى درجات الاستنفار القبلي، ولا يُلجأ إليه إلا في القضايا المصيرية أو الاستثنائية التي تتجاوز قدرة القبائل الأصغر على معالجتها.
لا يستند النكف إلى نص قانوني مكتوب، وإنما يقوم على منظومة من الأعراف الاجتماعية الملزمة أخلاقيًا. فالقبيلة تقوم على ما يشبه “العقد الاجتماعي” بين أفرادها؛ إذ يتنازل الفرد عن جزء من استقلاليته مقابل ضمان حماية الجماعة له عند الحاجة.
ومن هذا المنطلق، فإن عدم الاستجابة لنداء النكف المشروع يُعد عيبًا قبليًا كبيرًا، يسيء إلى مكانة الفرد ووحدته القبلية، وقد يعرضه للنبذ الاجتماعي.
في المقابل، لا يعترف القانون اليمني الرسمي بالنكف القبلي كإجراء قانوني، بل يعده من الأعراف غير المكتوبة التي تُمارس خارج إطار مؤسسات الدولة، في حين يجرّم الدستور والقوانين اليمنية أي تعبئة أو أعمال مسلحة تتم خارج سلطة الدولة.
ويرتبط النكف بآلية عرفية أخرى تُعرف بـ”المواخاة”، وتتيح للأسر أو القبائل الأقل قوة عقد تحالف مع قبيلة أكبر، سواء من داخل اتحادها القبلي أو خارجه، بهدف الحصول على الحماية والدعم عند الحاجة.
وتوضح دراسة “العرف الحربي القبلي” أن هذا النظام يسهم في تحقيق نوع من التوازن بين الكيانات القبلية، ويحد من قدرة القبائل الأقوى على فرض هيمنتها على القبائل الأضعف.
وفي الوقت نفسه، لا تُعد الاستجابة للنكف مطلقة، بل تخضع لضوابط عرفية تمنع إساءة استخدامه، إذ إن إعلان النكف دون سبب مشروع، أو استدراج القبائل إلى نزاع يفتقر إلى المبرر العرفي، قد يحمّل صاحب الدعوة المسؤولية، ويعرضه للوم المجتمع القبلي بدلًا من دعمه.
أما رفض النكف المشروع، فيُنظر إليه بوصفه إخلالًا بواجب نصرة المظلوم وحماية الأرض والعرض، ويُعد من أشد صور التقصير في العرف القبلي، إذ قد يترتب عليه نبذ اجتماعي، أو فرض غرامات عرفية، أو حرمان الممتنع من الحماية عند تعرضه لأزمات مستقبلية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن رفض النكف كان يُعد في الماضي خيانة قد تفقد القبيلة مكانتها بين القبائل، ولا يزال حتى اليوم يمثل أداة ضغط اجتماعي، إذ توصف القبائل أو الأفراد الذين يتخلفون عن الاستجابة بالضعف أو التخاذل، وهو ما يجعل النكف التزامًا عرفيًا يحظى بقوة معنوية كبيرة داخل المجتمع القبلي اليمني.
من يحق له الدعوة إلى النكف؟ وما شروطها؟
لا يحق لأي شخص إطلاق نداء النكف بصورة عشوائية، بل يخضع ذلك لتراتبية اجتماعية راسخة داخل البناء القبلي، ويأتي الفرد أو الأسرة المتضررة في مقدمة من يملكون حق إطلاق النداء الأولي عندما يتعرضون لاعتداء أو ظلم يعجزون عن مواجهته بمفردهم، ويتولى عادة عاقل الأسرة أو كبيرها هذه المهمة.
أما إذا اتسعت القضية وأصبحت تتطلب تحريك القبيلة بأكملها، فإن شيخ القبيلة أو شيخ الضمان يتولى توسيع دائرة النكف، مستندًا إلى شرعيته الاجتماعية بوصفه الممثل الرسمي للقبيلة أمام غيرها.
ولا تُعد الدعوة إلى النكف مشروعة إلا إذا استندت إلى سبب عرفي واضح، كوقوع اعتداء ثابت، أو انتهاك للحرمات، أو تعرض أحد أفراد القبيلة لظلم بيّن. أما إذا افتقرت الدعوة إلى هذا المبرر، فإن الداعي نفسه يصبح عرضة للمساءلة واللوم وفق الأعراف القبلية.
كما تفرض الأعراف تدرجًا في مستوى الاستنفار بحسب حجم القضية، فلا يُلجأ إلى “الداعي الكبير”، أي استنفار الاتحاد القبلي بأكمله، إلا في القضايا المصيرية التي تعجز الوحدات القبلية الأصغر عن احتوائها، أو التي تمثل تهديدًا مباشرًا لكيان القبيلة.

القبائل اليمنية الكُبري
يرتبط النكف تاريخيًا بالاتحادات القبلية الكبرى التي شكّلت العمود الفقري للبنية القبلية في شمال ووسط اليمن، وفي مقدمتها حاشد، وبكيل، ومذحج.
- حاشد
يُنسب اتحاد حاشد، مع بكيل، إلى أصل قبلي واحد هو همدان، ويمتد نفوذه في محافظات صنعاء وعمران وأجزاء من حجة والمحويت.
ويُعد حاشد أكثر الاتحادات القبلية نفوذًا سياسيًا منذ قيام النظام الجمهوري عام 1962، وهو ما منح نداءات النكف الصادرة باسمه وزنًا كبيرًا داخل المجتمع القبلي، ومن أبرز بطونه التي شاركت في حالات نكف موثقة: خارف، والعصيمات، وبني صريم.
- بكيل
يُعد اتحاد بكيل الأكبر من حيث المساحة وعدد القبائل، إذ ينتشر في محافظات الجوف ومأرب وصعدة وصنعاء وعمران، وبعد الوحدة اليمنية انقسم إلى أربعة أقسام رئيسية هي: أرحب، ومرهبة، ونهم، وشاكر، إلا أن نفوذه السياسي ظل أقل تماسكًا من حاشد نتيجة تعدد المشيخات داخله.
ومن أبرز فروعه التي شاركت في نكفات موثقة: دهم بفروعها آل مروان وبني نوف والمهاشمة في الجوف، إضافة إلى ذو محمد، وذو حسين في برط، وقبائل أرحب ونهم.
- مذحج
تُعد مذحج من أقدم القبائل اليمنية، وتنتمي مع همدان إلى أبناء سبأ، وتنتشر في مأرب والبيضاء وأبين وشرق ذمار، وتنقسم تاريخيًا إلى ثلاثة فروع رئيسية هي: مراد، وعنس، وسعد العشيرة.
ومع مرور الزمن اندمجت أجزاء واسعة منها ضمن اتحاد بكيل، وهو ما يفسر تراجع ظهور اسم “مذحج” كاتحاد جامع في أخبار النكف المعاصرة، مقارنة بحاشد وبكيل، إذ غالبًا ما يُشار إلى قبائلها بأسمائها المستقلة، مثل مراد أو عنس.
محطات مفصلية
شهد النكف القبلي تراجعًا ملحوظًا بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أرست النظام الجمهوري، إذ أدى تأسيس مؤسسات القضاء الحديثة إلى تقليص دور الأعراف القبلية في إدارة النزاعات، وانحسر استخدام النكف تدريجيًا كوسيلة تقليدية للحشد.
إلا أن هذا التراجع لم يؤدِ إلى اختفائه، فقد عاد النكف للظهور في محطات عديدة من تاريخ اليمن الحديث، خاصة خلال فترات الصراع، حين استدعت بعض القوى السياسية والعسكرية هذا الموروث لحشد رجال القبائل تحت شعارات مختلفة.
كما رافقت تلك الدعوات مظاهر قبلية تقليدية، مثل ارتداء الزعماء للزي القبلي، وإنشاد الزوامل التي اعتادت القبائل ترديدها في مواسم العمل الجماعي والحروب، لما تحمله من معانٍ تحفيزية تعزز روح التعبئة والانتماء.
وفي النزاعات المحلية، تشير دراسة “الأدوات التقليدية اليمنية لحل النزاعات” إلى أن وسائل الحشد القبلي، مثل الوقفات القبلية والقطاع القبلي، ما زالت تُمارس حتى اليوم في بعض المحافظات، ولا سيما مأرب وصنعاء، خاصة في مناطق همدان، حيث تتدخل قبيلة بوصفها طرفًا ثالثًا، وتحتشد قبائل أخرى لمساندتها بهدف إنهاء الخلافات بين الأطراف المتنازعة.
ورغم قدم النكف القبلي، فإنه لا يزال يمثل أحد أبرز الأعراف الحية التي تعكس طبيعة العلاقات داخل المجتمع القبلي اليمني، وآليات التضامن والحشد التي تلجأ إليها القبائل عند غياب الدولة أو ضعف حضورها.
كما أظهرت العقود الأخيرة أن هذا الموروث لم يعد يقتصر على تسوية النزاعات التقليدية، بل أصبح قابلًا للتوظيف من قبل أطراف سياسية وعسكرية لتحقيق أهداف تتجاوز وظائفه الأصلية، وهو ما يجعل فهم النكف القبلي ضرورة لفهم كثير من ديناميكيات الصراع والتحالفات داخل المجتمع اليمني المعاصر.
المراجع
- عادل دشيلة «قبائل شمال اليمن بين حقبة صالح وعهد الحوثيين: دراسة مقارنة» مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 27 فبراير 2022.
- عبدالناصر المودع، «العرف الحربي القبلي»: دراسة وصفية/تحليلية، برنامج دعم الحوار الوطني (أُجريت الدراسة الأصلية بين عامي 1999-2000م).
- د. محمد النجار، د. عبدالملك عيسى، نورية شجاع الدين، الحسن القوطاري «الأدوات التقليدية اليمنية لحل النزاعات ودور النساء والرجال» مؤسسة تنمية القيادات الشابة 2018.
- سعيد سعد اليوسفي «الأعراف القبلية ودورها في تعزيز مفاهيم العدالة الانتقالية في اليمن» (ورقة سياسات)، مؤسسة سد مأرب للتنمية الاجتماعية (MDF) بالشراكة مع معهد DT.
- موقع تداوين «أسماء قبائل اليمن» و«أكبر قبائل مذحج اليمنية»





