في قرية جبلية بريف تعز، تكافح أم محمد للسيطرة على الحمى التي تلتهم جسد طفلها، الذي قضى ليلته بين الألم والحرارة المرتفعة بسبب إصابته بمرض الملاريا، وتقول بصوت مثقل بالتعب: “كل مرة نقول خلاص انتهت الحمى، لكنها ترجع من جديد، المستوصف بعيد، والعلاج أحيانا ما نلقاه”.
تصف أم محمد واقعها اليومي قائلة:” نعيش بجانب بركة ماء، وكل ما جاء المطر تمتلئ أكثر، ما يتسبب بتواجد البعوض بشكل كبير، أولادي يمرضون واحدا بعد الآخر، وما معنا فلوس نشتري ناموسيات”.
لا تبدو قصة أم محمد استثنائية، بل مشهدًا يتكرر في آلاف القرى، حيث تتحول الأمطار إلى موسم خوف، وتصبح الملاريا ضيفًا ثقيلًا يعود كل عام وسط بيئة صحية متهالكة وخدمات شبه غائبة.
مواضيع مقترحة
- تعز.. الملاريا تفتك بالسكان في ‹شرعب›
- سكان قرية طهرر لحج: العيش وسط الأوبئة بسبب الصرف الصحي
- تصنيف اليمن في أعلى مستويات الطوارئ الصحية
عبء متصاعد
بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية وبيانات وزارة الصحة العامة والسكان، لا يزال اليمن من بين الدول ذات العبء المرتفع للملاريا في إقليم شرق المتوسط خلال عام 2024. وتشير البيانات إلى تسجيل أكثر من مليون و51 ألف حالة مشتبه بها بالملاريا في اليمن خلال عام 2024 بينها أكثر من 210 آلاف حالة مؤكدة.
لكن هذه الأرقام، بالنسبة لسكان الأرياف، ليست مجرد إحصاءات صحية، فخلف كل رقم هناك قصة تشبه قصة أم محمد، تتحول فيها الإحصاءات إلى معاناة يومية يعيشونها داخل المنازل والحقول ومخيمات النزوح، وتضاعفها معاناة الطرق الوعرة وغياب المراكز الصحية.
يقول عبدالرحمن نعمان، وهو ممرض في أحد المراكز الصحية بمديرية جبل حبشي: “نواجه ضغطًا يوميًا كبيرًا، خاصة في موسم الأمطار، نستقبل عشرات الحالات يوميًا، ومعظمها تصل متأخرة بعد أيام من ظهور الأعراض”.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”،”بعض المرضى يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، وعندما يصلون تكون حالتهم متدهورة. المشكلة ليست في المرض فقط، بل في ضعف الإمكانيات، فأحيانًا لا تتوفر الفحوصات الكافية، وأحيانًا ينفد الدواء”.
ويشير إلى أن الإصابات تتكرر داخل الأسرة الواحدة بسبب غياب وسائل الوقاية وانتشار البعوض داخل المنازل، إضافة إلى البيئة المناسبة لتكاثر البعوض”.
وبين نقص الدواء وبُعد المراكز الصحية، تتحول الإصابة بالملاريا في القرى النائية إلى خطر يتفاقم مع كل يوم تأخير في الوصول للعلاج، هذا الواقع تعكسه أيضًا الأرقام الرسمية في تعز، حيث يؤكد مكتب الصحة تسجيل أكثر من 14 ألف حالة إصابة مؤكدة بالملاريا خلال عام 2025، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحالات المشتبه بها.

في المناطق الساحلية، تتضاعف المخاطر مع انتشار المياه الراكدة، التي تشكل بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للملاريا، بينما ساهمت الفيضانات في توسيع نطاق انتشار المرض.
يقول الصيدلي عقيل قاسم إن البعوض أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان في مديرية الخوخة الساحلية بمحافظة الحديدة، ويضيف: “نعيش وسط مياه راكدة، ولا يوجد صرف صحي، وكل ليلة نعاني من البعوض، حتى صار المرض بالنسبة للناس أمرًا معتادًا”.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص في اليمن معرضون لخطر الإصابة بالملاريا، بينما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل هم الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
وفي كثير من المناطق الريفية، لا يحتاج المرض إلى وقت طويل لينتشر، فالمياه المتجمعة بعد الأمطار تتحول سريعًا إلى بؤر لتكاثر البعوض، خصوصًا مع ضعف حملات الرش وغياب مشاريع الصرف الصحي.
تشخيص متأخر
من جانبه، يؤكد الدكتور عادل سعيد، طبيب في أحد المراكز الصحية بمحافظة تعز، أن الملاريا تمثل مؤشراً على خلل أوسع في النظام الصحي والبيئي.
ويقول: “نرى حالات يمكن علاجها بسهولة لو وصلت مبكراً، لكنها تتحول إلى مضاعفات خطيرة بسبب التأخير في الحصول على الرعاية”، لافتا أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً.
مشيراً إلى أن بعض الحالات تصل إلى المراكز الصحية وهي تعاني من فقر دم حاد أو مضاعفات تهدد الحياة نتيجة التأخر في التشخيص والعلاج.

لا يقتصر الخطر على المناطق الريفية المستقرة فقط، بل يمتد أيضًا إلى مخيمات النزوح، حيث تتقاطع الملاريا مع بيئة هشة تفتقر لأبسط الخدمات يقول إسماعيل الصبيحي، وهو نازح في مخيم قرين بمحافظة لحج:”نعيش وسط تجمعات للمياه الراكدة وطفح للصرف الصحي وانتشار للمخلفات”.
ويضيف:” مع انعدام الخدمات نحن معرضون للبعوض والملاريا طوال الوقت، أولادي يمرضون بشكل متكرر، وأحيانًا لا نجد حتى وسيلة نقل للوصول إلى أقرب مركز صحي”.
تراجع برامج المكافحة
قبل سنوات الحرب، كانت برامج مكافحة الملاريا تحقق تقدمًا ملحوظًا في عدد من المحافظات اليمنية، غير أن الصراع المستمر أدى إلى تراجع كبير في قدرات القطاع الصحي وبرامج الترصد والمكافحة.
ويقول تيسير السامعي، المسؤول الإعلامي بمكتب الصحة في تعز:”هناك إهمال واضح في التعامل مع هذا الوباء نتيجة ضعف الدعم والتوعية، فالبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا تراجعت قدراته بشكل كبير خلال سنوات الحرب”.
ويضيف لـ”ريف اليمن”:”تكشف الأرقام المسجلة لدينا عن واقع صحي مقلق، حيث تم تسجيل 14 ألفًا و349 حالة إصابة مؤكدة بالملاريا خلال عام 2025، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحالات المشتبه بها”.
ويشير السامعي إلى أن الملاريا ما تزال من أخطر المشكلات الصحية في اليمن، موضحًا أن نحو 60% من السكان معرضون لخطر الإصابة بها، فيما تتراوح الإصابات السنوية بين مليونين وثلاثة ملايين حالة، مع معدل وفيات يقارب 1%”.
ويتابع:”تتفاقم تداعيات المرض في المناطق الريفية والنائية التي تفتقر للخدمات الطبية، حيث يُحرم كثير من المرضى من الوصول إلى الرعاية الصحية، بينما يؤدي شح الأدوية وندرة الفحوصات التشخيصية إلى وفاة بعض الحالات، خصوصًا بين الأطفال والنساء”.

ورغم تنفيذ برامج استجابة خلال عامي 2023 و2024 شملت أكثر من 15 محافظة و200 مديرية، وتوزيع أكثر من مليوني ناموسية مشبعة بالمبيدات، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة، خصوصًا في المناطق النائية التي لا تصلها التدخلات بشكل منتظم.
ويشير السامعي أن البرنامج يواجه اليوم نقصًا حادًا في الأدوية والناموسيات والإمكانيات التشغيلية، ما يحد من قدرته على السيطرة على انتشار المرض، مؤكدا وجود إهمال واضح في التعامل مع الوباء نتيجة ضعف التوعية والتثقيف الصحي، وتراجع قدرات البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا منذ اندلاع الحرب.
حلول ممكنة
بدروه يؤكد الباحث في الترصد الوبائي الدكتور علي نعمان أن السيطرة على الملاريا في اليمن ما تزال ممكنة، لكنها تتطلب تدخلًا متكاملًا ومستمرًا.
ويقول لـ”ريف اليمن:”لا يمكن الاعتماد على حل واحد، بل على حزمة متكاملة تشمل توزيع الناموسيات، والرش الداخلي للمنازل، وتصريف المياه الراكدة، وتعزيز قدرات المراكز الصحية”.
ويضيف: “على المستوى الصحي، يجب تعزيز قدرات المراكز الريفية، سواء في التشخيص السريع أو توفير الأدوية، أما على المستوى المجتمعي، فالتوعية تلعب دورًا أساسيًا، فعندما يفهم الناس كيفية انتقال المرض، يصبح بإمكانهم حماية أنفسهم بشكل أفضل”.
ويؤكد أن تنفيذ هذه الإجراءات بصورة منظمة ومستدامة يمكن أن يسهم في خفض معدلات الإصابة خلال سنوات قليلة، حتى في ظل الظروف الحالية، فالملاريا ليست مجرد مرض موسمي، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال الصحي والبيئي.

