الإثنين, أبريل 27, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

‹طبيبة نجد حوشب› حين يصبح الطب رسالة بوجه المستحيل

في لحظةٍ يتوقف فيها الزمن داخل غرفة طوارئ صغيرة بمستشفى نجد حوشب الريفي بمديرية الشَّعر بمحافظة إب، تعمل الطبيبة أمة الكريم السفياني، ومؤخراً أطلقت مناشدة لتوفير أدوية ومحاليل ومعدات لسد الفجوة اليومية التي تعاني منها مع المرضى.

لم تكن تعلم أن هذه اللحظة، ستتحول سريعا إلى حديث واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ابتعد الجدل ليركز على تفاصيل أخرى لا علاقة لها بالمستشفى الريفي الذي تعمل فيه ويمول غالبية احتياجاته من قبل الأهالي المغتربين.

خلف ذلك الضجيج، كانت هناك طبيبة شابة تكافح للعمل على معالجة المواطنين في إحدى القرى الريفية البعيدة عن الخدمات الصحية المتوفرة عادة في المدن، لكن ماهي قصة الطبيية أمة الكريم السيفياني؟

ولدت الدكتورة أمة الكريم السفياني في المملكة العربية السعودية، ثم عادت مع أسرتها إلى اليمن، حيث نشأت وتلقت تعليمها في صنعاء، هناك بدأت ملامح حلمها تتشكل مبكرًا بين مقاعد الدراسة وأسئلة المستقبل، قبل أن تختار دراسة الطب طريقًا يقربها من الناس ويمنحها فرصة لخدمتهم.


مواضيع مقترحة


لم يكن الطب بالنسبة لها مجرد تخصص دراسي، بل امتدادًا لفكرة أعمق عن “الخدمة” كما تصفها، فكرة بدأت معها مبكرًا وتحوّلت لاحقًا إلى التزام مهني. ومع انتهاء دراستها الطبية، وجدت نفسها أمام متطلب الخدمة الريفية.

قادتها الخطوات العملية كطالبة متخرجة إلى مستشفى ريفي في منطقة “نجد حوشب” الشَّعر، حيث بدأت مرحلة مختلفة تمامًا من حياتها، في مكان بعيد عن صخب المدن، لكنه أقرب -كما تقول- إلى جوهر المهنة التي اختارتها منذ البداية.

دعم عائلي ومجتمعي

في حديثه لـ”ريف اليمن”، قال شقيقها عادل السفياني إن وقوف الأسرة إلى جانب كريمة لم يكن موقفًا استثنائيًا، بل أمرًا طبيعيًا وواجبًا أسريًا، موضحًا أن العائلة حرصت منذ البداية على تشجيعها حتى أكملت دراستها الطبية.

وأوضح أن الأسرة ساندتها في اتخاذ قرار العمل في منطقة نجد حوشب بمديرية الشَّعر في محافظة إب، مع منحها كامل الثقة والحرية والشعور بالأمان، باعتبار ذلك جزءًا من المسؤولية الأسرية لا موقفًا بطوليًا أو استثنائيًا.

وأضاف أن الأسرة تفاجأت بتحول النقاش على مواقع التواصل، بعد أن انشغل البعض بتفاصيل شكلية مثل خصلة شعر، في حين كانت الدكتورة تطلق مناشدة إنسانية لتوفير أدوية وكوادر طبية تسهم في إنقاذ المرضى.

تتسق هذه الشهادة مع ما أكدته الدكتورة كريمة السفياني في حديثها للمنصة، إذ عبّرت عن امتنانها العميق لأسرتها، مشيرة إلى أن دعم والدتها وأهلها كان عنصرًا حاسمًا في قرارها الاستمرار في العمل الريفي، خاصة في مرحلة الانتقال الأولى، حيث حرصت الأسرة على الاطمئنان على تفاصيل سكنها وبيئة عملها، ما منحها شعورًا بالطمأنينة والاستقرار.

ولا يقتصر الدعم على الأسرة فقط، إذ يشير الواقع في المستشفى إلى مساهمة مجتمعية لافتة، حيث يُموَّل راتبها عبر مبادرة دعم يقودها المغترب ناجي عامر، في نموذج يعكس دور المجتمع في سد فجوات القطاع الصحي.

ويؤكد الناشط المجتمعي محمد سعد العودي أن الأهالي احتضنوا الطبيبة وتعاملوا معها بثقة واحترام، وأسهموا في توفير بيئة اجتماعية مساندة حتى أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية لا مجرد طبيبة عابرة في مؤسسة صحية محدودة الإمكانيات.

 من وظيفة إلى رسالة

تروى الدكتورة السفياني لـ”ريف اليمن”، مسيرتها بعد إنهاء مرحلة الامتياز، موضحة أنها تقدّمت إلى مكتب الصحة ضمن متطلبات الخدمة الريفية، قبل أن يتم التواصل معها وعرض فرصة العمل في مستشفى مديرية الشَّعر، وهو الخيار الذي وافقت عليه بعد الاطمئنان للبيئة المحيطة.

غير أن هذه الخطوة التي بدأت كالتزام مهني، تحوّلت تدريجيًا إلى قرار بالبقاء، مدفوعًا بما لمسته من حاجة حقيقية في المنطقة، إلى جانب ما تصفه باحترام الأهالي وتقديرهم الكبير، وارتفاع مستوى التكافل الاجتماعي.

وتوضح أن وجودها في المستشفى لم يعد مجرد أداء لواجب وظيفي، بل مسؤولية إنسانية، خاصة في ظل غياب الكوادر وتعدد الأدوار التي تضطلع بها يوميًا.

ويؤكد أهالي المنطقة أن وصولها شكّل تحولًا في واقع الخدمات الصحية، إذ أسهم في توفير رعاية أساسية كانت مفقودة، وخفّف من معاناة المرضى الذين كانوا يضطرون للتنقل إلى المدينة، ما عزّز قناعتها بأن البقاء في الريف لم يعد خيارًا عابرًا، بل التزامًا اختارته.

أمة الكريم السفياني: التحدي لا يقتصر على ضغط الحالات بل يمتد إلى نقص أدوات التشخيص وغياب الكوادر المتخصصة

حياتها في الريف

تقول الدكتورة كريمة السفياني لـ”ريف اليمن”، إن يومها في المستشفى الريفي يبدأ حيث تنتهي حدود التخصصات، موضحةً: “أكون طبيبة الطوارئ والباطنية ونساء وولادة في نفس الوقت”، في ظل غياب الكوادر المتخصصة.

وتضيف أن التحدي لا يقتصر على ضغط الحالات، بل يمتد إلى نقص واضح في أدوات التشخيص، من محاليل أساسية إلى أجهزة غير متوفرة، ما يجعل الوصول إلى تشخيص دقيق أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان.

وتشير إلى أنها تلجأ أحيانًا للتشخيص بالإمكانات المتاحة أو عبر استشارة أطباء تعرفهم، لكن ذلك لا يلغي صعوبة الموقف، خاصة مع الحالات الحرجة التي تحتاج تدخلًا سريعًا أو تحويلًا عاجلًا إلى مدينة إب.

وتضيف: “نحاول ننقذ، لكن أحيانًا الوقت ما يسعفنا”، في إشارة إلى واقع يومي تضطر فيه لاتخاذ قرارات مصيرية بإمكانات محدودة، وسط سعي مستمر لتقديم ما يمكن رغم كل التحديات.

أثرها على الناس

في مجتمعٍ ريفي كان يفتقر لوجود طبيبة، شكّل وصول الدكتورة كريمة السفياني نقطة تحوّل لافتة في واقع الخدمة الصحية بمديرية الشَّعر، ويقول الناشط المجتمعي محمد سعد العودي لـ”ريف اليمن”، إن المستشفى وهو الوحيد في المنطقة، كان يعاني من غياب الكادر النسائي، قبل أن يتغير الوضع مع قدومها، حيث أصبحت خدمات الفحوصات والولادة متاحة، وبدأ الأهالي يلمسون فرقًا حقيقيًا في مستوى الرعاية.

‹طبيبة نجد حوشب› حين يصبح الطب رسالة بوجه المستحيل
صورة من ساحة مستشفى نجد حوشب الريفي بمحافظة إب وسط اليمن (فيسبوك)

ويضيف أن الثقة التي حظيت بها لم تأتِ من فراغ، بل من تعاملها الإنساني والتزامها في موقع العمل، ما جعلها محل تقدير واسع بين السكان، ورغم استمرار التحديات، من نقص المعدات والكوادر إلى كثافة الحالات التي تتدفق يوميًا— والتي يُحال جزء كبير منها إلى مدينة إب — إلا أن وجودها خفّف عبئًا كبيرًا عن الأهالي، الذين كانوا يضطرون سابقًا لقطع مسافات طويلة بحثًا عن رعاية طبية أساسية.

ويؤكد العودي أن تمسّك المجتمع ببقائها يعكس حجم الحاجة إليها، ليس فقط كطبيبة، بل كعنصر استقرار صحي أعاد قدرًا من الطمأنينة إلى حياة الناس.

التحديات القاسية

خلف هدوء المستشفى الريفي، تواجه الدكتورة كريمة السفياني واقعًا يوميًا مثقلًا بالتحديات، حيث لا يقتصر الأمر على ضغط العمل وتدفق الحالات، بل يمتد إلى نقص حاد في الأدوية الأساسية، بما في ذلك أدوية طارئة قد تحدد الفارق بين الحياة والموت.

السفياني: بعض العلاجات المنقذة للحياة غير متوفرة ما يضاعف من صعوبة التعامل مع الحالات الحرجة

تقول لـ “ريف اليمن”، إن بعض العلاجات المنقذة للحياة غير متوفرة حتى في مدينة إب نفسها، ما يضاعف من صعوبة التعامل مع الحالات الحرجة داخل المستشفى، وتستعيد واحدة من أكثر اللحظات قسوة، حين اضطرت لتحويل مريضة تعاني مضاعفات خطيرة بسبب السكري، لكن بُعد المسافة وتأخر الوصول حالا دون إنقاذها، لتصل خبر وفاتها قبل أن تبلغ وجهتها.

“نحاول ننقذ… لكن أحيانًا الوقت ما يسعف”، تقولها بشكل يلخّص ضغطًا نفسيًا ومهنيًا تعيشه يوميًا، وهي تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرارات مصيرية، والعمل كطبيبة عناية مركزة بإمكانات محدودة، في سباق دائم مع الوقت ونقص الموارد، وفي مكانٍ مثل مديرية الشَّعر بمحافظة إب، يبدو بقاءها ليس مجرد وظيفة، بل حكاية امتداد للحياة في وجه النقص.

شارك الموضوع عبر: