كشفت أبحاث جيولوجية حديثة عن معطيات علمية جديدة حول تطور نهر الفرات، ترجح أن المجرى المائي الحالي قد تشكل نتيجة اندماج نهرين قديمين قبل أكثر من مليون عام.
ووفقاً لما نشرته مجلة «National Geographic» فإن تفاصيل نشأة النهر وديناميكيته الجيولوجية ظلت لغزاً محيراً للعلماء لفترات طويلة، نظراً لامتداده الجغرافي الشاسع الذي يبلغ حالياً نحو 1740 ميلاً يربط بين تركيا وسوريا والعراق.
التطور الجيولوجي السحيق مهد الطريق قبل أقل من 6000 عام لنشوء أقدم الحضارات الإنسانية في أرض بلاد ما بين النهرين الخصبة؛ فبموازاة توأمه نهر دجلة، وفرت مياه الفرات الفيضية تربة طميية غنية، تحولت إلى ركيزة أساسية لركوب قطار الاستقرار الزراعي وظهور المدن الأولى.
مواضيع مقترحة
- موجات الحرارة قد تقتل أكثر من الأوبئة مستقبلاً
- ظاهرة الغيوم الملونة في اليمن.. كيف يفسّرها العلماء؟
- مدينة لا تغرب عنها الشمس ثلاثة أشهر: ظاهرة أشبه بالخيال العلمي
ولم يتوقف دور النهر عند حدود الدعم البيئي، بل كان شرياناً محفزاً لابتكارات مؤسسية كبرى غيرت مجرى التاريخ، إذ أسهمت تلك الحواضر المبكرة التي نمت على ضفافه في ابتكار أولى نظم الكتابة، وتطوير مفاهيم السلطة المركزية، وصياغة التشريعات والقوانين التنظيمية التي شكلت الحجر الأساس للحضارة البشرية.
سر الفرات
يكشف بحث جديد نُشر مؤخراً في مجلة “نيتشر جيوساينس” عن الأصل الجيولوجي لنهر الفرات. وتحديداً، كيف أن نهرين منفصلين كانا يتدفقان من تركيا إلى حوض البحر الأبيض المتوسط الجاف آنذاك، التقيا وشكّلا في النهاية مجرى النهر بين حوالي 3.6 مليون و1.6 مليون سنة مضت، مما مهّد الطريق لظهور منطقة الهلال الخصيب.
بدأ المشروع البحثي عام 2014 عندما كان أندرو مادوف، الجيولوجي في شركة شيفرون، يدرس بيانات لمواقع بحرية قبالة سواحل لبنان أثناء بحثه عن الغاز الطبيعي. جُمعت تلك البيانات باستخدام التصوير الزلزالي، الذي يمنح صورة للمواد الجوفية تشبه أشعة الموجات فوق الصوتية.
ويوضح مادوف ذلك قائلاً: “ترتد الموجات الصوتية عن الطبقات الفردية تحت قاع البحر. وبناءً على المدة التي تستغرقها للعودة، يمكنك إعادة بناء الأشكال ثلاثية الأبعاد.
خلال الفحص، لاحظ مادوف شيئاً غير عادٍ في الصور، فبينما كان العلماء يعرفون مسبقاً بوجود رواسب ملحية ضخمة تحت الماء في المنطقة يصل سمكها إلى أربعة كيلومترات في بعض الأجزاء وتكونت قبل أكثر من خمسة ملايين سنة خلال أزمة ملوحة البحر المتوسط التي جف فيها البحر جزئياً أو كلياً.
أدرك مادوف أن الرواسب الموجودة فوق الملح تُشبه تماماً رواسب الأنهار. من هنا تولد لديه شغف لفهم ماهية هذه المجاري المائية ومن أين أتت، وهو ما تلخص في رحلة بحثية استمرت 12 عاماً.
وبعد تحليل دقيق للبيانات الزلزالية، راجع مادوف وزملاؤه الخرائط الجيولوجية البرية للمنطقة، والتي كشفت عن وجود نهرين قديمين يصبان في حوض البحر الأبيض المتوسط: فرع شمالي يُعرف باسم “باليو-كاراسو”، وفرع جنوبي يُسمى”باليو-مورات”، وقد سُمّيا كلاهما نسبةً إلى الروافد الحالية لنهر الفرات.
استخدم الفريق أيضاً النمذجة الحاسوبية لتقدير حجم النهرين، اللذين وصفهما مادوف بأنهما هائلان مقارنةً بالمجاري المائية الحالية في المنطقة. فبناءً على قياس التدفق وكمية الرواسب، كان نهر “باليو-كاراسو” أكبر من نهر النيل.
بينما كان نهر “باليو-مورات” أكبر من نهري دجلة والفرات الحاليين مجتمعين. ورغم هذه الغزارة، يوضح مادوف أن النهرين لم يتدفقا على موقع البحر المتوسط الجاف إلا لحوالي 120 ألف عام فقط، وهي فترة تعد قصيرة جداً من الناحية الجيولوجية.
رؤية جديدة
أظهرت بيانات الفريق البحثي أن الأحداث التكتونية مثل الزلازل وتشكّل السلاسل الجبلية أدت في النهاية إلى دفع المياه نحو الجنوب الشرقي بعيدًا عن البحر الأبيض المتوسط، حيث اندمجت في مجرى مائي واحد قبل أن تصب في الخليج العربي.
و أكد أنجيلو كاميرلينغي، الباحث في المعهد الوطني لعلوم المحيطات والجيوفيزياء التطبيقية (OGS) في إيطاليا، أن الدراسة تقدم رؤى جديدة وبالغة الأهمية حول “أزمة ملوحة البحر الأبيض المتوسط” خلال العصر الميوسيني.
وأوضح كاميرلينغي أنه في الوقت الذي يتفق فيه معظم العلماء على جفاف البحر الأبيض المتوسط تمامًا خلال تلك الحقبة، يظل حجم انخفاض مستوى سطح البحر وآلية امتلاء الحوض بالمياه العذبة لاحقًا محل جدل واسع، لا سيما وأن هناك أطروحة تتبناها مجموعة محدودة من الباحثين ترى أن البحر لم يجف كليًا؛ وهنا يبرز بحث “مادوف” ليقدم مصدرًا جديدًا ومفسرًا لتدفق المياه العذبة.
وأضاف كاميرلينغي، الذي شارك في مشروع ممول من الجمعية الجغرافية الوطنية لدراسة الفيضان الضخم المحتمل الذي أنهى أزمة الملوحة: “أعتقد أن هذا الكشف قد يضع حدًا لنقاش علمي استمر لعقود”.
من جهة أخرى، أشار الباحث إلى وجود هامش من عدم اليقين بشأن المسارات الدقيقة لتلك الأنهار القديمة، نظرًا لاعتماد بحث “مادوف” على النمذجة الحاسوبية والتحليل الزلزالي عن بُعد بدلاً من الأدلة الميدانية المباشرة. ورغم تأكيده على أن تحليل العينات الحقلية من شأنه تعزيز النتائج وتدقيق التقديرات، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن هذه الفرضيات “لا تقلل مطلقًا من القيمة العلمية لهذا العمل”.
شريان الحضارة
لا يمكن اختزال الأثر البالغ لنهر الفرات في صياغة التاريخين الطبيعي والبشري على حد سواء. ووفقاً للباحث “مادوف”، فإن النظرة المعاصرة للأنهار والمظاهر الطبيعية غالباً ما تراها كعناصر عابرة، إلا أن التحولات الجيولوجية الصغرى في عمر الكوكب كالزلازل وتشكّل الجبال تمتلك قوة تدميرية وبنائية هائلة تكفي لرسم مسارات حضارات كبرى.
ويوضح “مادوف” أن نقطة التحول الجوهري تمثلت في اندماج نهري “باليو-كاراسو” و”باليو-مورات”؛ فلو لم يغيرا مساريهما ويلتقيا، لما تشكّل “الهلال الخصيب” الذي استندت إليه البشرية.
ويبدو أن الحركية المستمرة لمجرى الفرات قد وجهت أنماط الهجرة الإنسانية لآلاف السنين؛ وتعد مدينتا “أور” و”إريدو” باكورة الحواضر البشرية أبرز شاهد على ذلك، حيث هُجرتا تماماً بعد أن غيّر النهر مجراه بعيداً عنهما.
و يرى فيصل حسين، المؤرخ في جامعة ولاية بنسلفانيا، أن ظهور المجتمع الحديث كان نتاجاً لسلسلة من العمليات الجيولوجية الدقيقة والمنسقة.
ويضيف حسين: “يساعدنا هذا الاكتشاف على فهم السياق المادي والبيئي الذي هيأ الظروف لولادة الابتكارات الأكثر أهمية في مسيرة الإنسانية؛ إذ إن النواة الأولى لكل ما نسميه اليوم بالحضارة الحديثة قد نشأت في ذلك الموقع تحديداً”.





