الأحد, 20 سبتمبر 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
مجتمع

تفتيت الصخور بالبارود.. استنزاف للعمال وخطر يهدد السكان

📅 سبتمبر 20, 2026

“بارود… بارود”، بهذه الكلمات اعتاد عامل تفتيت الأحجار في جبال مديرية الصلو بمحافظة تعز، عبد الله مهيوب، تحذير المارّة والسكان، لمنحهم وقتا كافيا للابتعاد عن مناطق الخطر قبل بدء عمليات التفجير، التي يقوم بها أثناء عمله في تكسير الأحجار الصلبة التي تستخدم للبناء.

يقول مهيوب إنها عبارة تحذيرية صاغتها الخبرة الميدانية للعمال في مقالع الأحجار، وباتت ترتبط في أذهان الأهالي بيقين الخطر الناجم عن تطاير الصخور والشظايا، مما يفرض عليهم الابتعاد الفوري عن المكان.

وفي ظل غياب المعدات الحديثة وارتفاع تكاليفها وصعوبة نقلها إلى القرى، وجد مهيوب وسكان القمم الجبلية الذين يعتمدون على الحجارة في البناء أنفسهم أمام خيار إجباري وهو الاعتماد على بدائل بدائية أقل كلفة وأشد خطورة.


مواضيع مقترحة


استنزاف للعمال

ظل عبد الله مهيوب، يعمل في الأحجار لسنوات طويلة مستخدماً البارود لتفتيت الصخور وتقطيعها، إذ كانت المهنة مصدر رزقه الوحيد لإعالة أسرته المكونة من زوجة وعشرة أبناء بينهم ابنه الأكبر الذي يعاني مرضاً نفسياً يعجز عن توفير علاجه بسبب الظروف القاسية.

لكنه لم يكن يعلم أن الأيام تخبئ له العجز؛ إذ انقلبت حياته رأساً على عقب إثر انفجار مفاجئ لكمية من البارود أثناء العمل، أسفر عن إصابته بجروح بالغة، كان أشدها فداحة فقدانه البصر.

يقول عبد الله لـ “ريف اليمن”: انفجر البارود وفقدت الوعي، لأستيقظ كفيفاً وجسدي مثقل بالجروح، أُسعفتُ لاحقاً وأجريت أربع عمليات غسيل للعينين في تعز وصنعاء، وصولاً إلى زراعة خلايا جذعية للعين اليسرى في عدن، وكان ذلك كله على نفقة أهل الخير.

ويضيف أنه بحاجة ماسة لعملية زراعة قرنية تبلغ تكلفتها 3500 دولار، وهو مبلغ يعجز تماماً عن توفيره، لتظل أسرته معلقة بالأمل في أن يمد له أحدهم يد العون يستعيد بها بصره ويواصل الكفاح لأجلهم.

ويقول الخبير الجيولوجي ومدير المتحف الجيولوجي اليمني، فهد البراق: تُحفر الصخور الصلبة العصية على التفتيت اليدوي بعمق يتراوح بين متر ومترين باستخدام ضاغط الهواء الكمبريشن.

محمد عبده: مع كل صوت تفجير نسرع إلى الخارج لنتفقد أطفالنا ونتأكد من عدم إصابة أحد بمكروه وهذه المعاناة نعيشها منذ طفولتنا

ويوضح البراق لـ “ريف اليمن” أن الحفرة تُحشى لاحقاً بإحكام بخلطة محددة النسب من البارود والفحم والحصى، مع إبقاء فتحة ضيقة يمتد منها شريط من البارود نحو الخارج؛ وعند إشعال طرفه الممتد، يسري الاشتعال سريعاً إلى العمق محدثاً انفجاراً يفتت الكتلة الصخرية.

عبد الله ليس سوى مثال لضحايا هذه المهنة التي تفتقر لأدنى معايير السلامة؛ إذ يُعد محمد عبد الوارث، وهو أب لأربعة أطفال، ضحية أخرى لانفجار البارود أثناء تقطيع الحجارة. ورغم محاولته الفرار من الموقع، لحقت به الشظايا المتطايرة لتصيب رأسه وأجزاء متفرقة من جسده، مخلفة إصابات بالغة ما زالت تؤثر في حياته.

يقف محمد اليوم عاجزاً عن استكمال العلاج بسبب تدني دخله، وتفاقم معاناته الصحية، ويقول لـ “ريف اليمن”: أعاني كسراً في عظمة الرأس وألم مستمر في الرقبة والكتف، ورغم ذلك، أواصل العمل قدر استطاعتي لأجل أسرتي، لكني لم أعد كما كنت.

ويجد الكثير من سكان القرى في العمل بالمحاجر فرصة أخيرة لكسب العيش، مدركين المخاطر الجسيمة على حياتهم وصحتهم، في ظل غياب المعدات الحديثة واستمرار البارود كخيار يتيم لتوفير أحجار البناء.

خطر يهدد السكان

تصف أم محمد، وهي سيدة من ريف تعز ، تفاصيل حياتها اليومية تحت وطأة التفجيرات المتكررة وخوفها الدائم على أطفالها، قائلة: في موقع قريب من منزلنا، بدأ أحد الجيران حفر أساسات بيته، وحين وجد كتلًا صخرية صالحة للبناء، قرر تفتيتها واستغلالها، وتكرر الأمر مع جار آخر. ومنذ أشهر، نعيش في معاناة مستمرة مع أصوات الانفجارات وتطاير الصخور والأتربة.

المهندس الصلوي: غياب الاستثمار في المعدات الحديثة بقطاع البناء بالمناطق الريفية يضاعف معاناة العاملين ويخفض الإنتاجية والجودة

ولم تقتصر الأضرار على الخوف والخطر المباشر، بل امتدت لتطال سلامة المنازل؛ إذ تذكر سيدة أخرى فضلت عدم ذكر اسمها لـ “ريف اليمن”، أن اهتزاز الأسطح والجدران أثناء التفجيرات تسبب في ظهور تشققات تتسرب منها مياه الأمطار.

وتضيف:”رغم أذاها وانزعاجها، تقدر ظروف الأهالي الذين يلجأون إلى هذه البدائل البدائية لغياب المعدات الحديثة التي تُنهي معاناة السكان والعمال وأصحاب المنازل على حد سواء.

من جانبه، يؤكد محمد عبده، أحد سكان مديرية الصلو، حجم الهلع الدائم بقوله: “مع كل صوت تفجير نتردد صداه سواء كان قريباً أم بعيداً نسرع إلى الخارج لنتفقد أطفالنا ونتأكد من عدم إصابة أحد بمكروه. هذه المعاناة نعيشها منذ طفولتنا، ونأمل أن تتوقف يوماً بتوفير آلات حديثة بديلة لتفتيت الصخور وتقطيعها”.

يرى الصحفي الاقتصادي نبيل الشرعبي أن غياب الرقابة والتنظيم الحكومي لقطاع مقالع الأحجار، إلى جانب انعدام أي كيان نقابي يمثل العاملين فيه، يفاقم معدلات الإصابات والوفيات والإعاقات الجزئية أو الكلية بين العمال.

ويوضح الشرعبي لـ “ريف اليمن” أن آثار الحوادث لا تقف عند حدود العامل المصاب، بل تمتد لتلقي بظلالها على أسرته؛ إذ يؤدي فقدان معيلها الأساسي إلى إقحامها في دوامة سحيقة من الأزمات المعيشية والاقتصادية. وتزداد هذه الأزمة تعقيداً مع حاجة المصاب لرعاية صحية وعلاج مستمر في ظل غياب أي تغطية تأمينية أو جهة تتكفل بتلك التكاليف.

ويتابع: “تحت وطأة هذا الواقع، يتحول أفراد الأسرة من معالين إلى معيلين يقع على عاتقهم توفير نفقات العلاج والرعاية رغم ضيق ذات اليد، مما يضطر الكثير منهم إلى بيع ممتلكاتهم أو التورط في ديون متراكمة”.

يدفع العاملون في تقطيع الصخور ثمنا باهظا بين إصابات تهدد حياتهم وصحتهم وأسر تُترك لمواجهة مستقبل مجهول

ويؤكد الشرعبي أن الضغوط المتزايدة تدفع بعض الأسر إلى إقحام الأطفال والنساء في سوق العمل غالباً في أعمال شاقة تفتقر لأدنى معايير السلامة مما يعرضهم للاستغلال المادي، أو يفتح الباب أمام انزلاقهم نحو أنشطة غير مشروعة يعاقب عليها القانون.

حلول هندسية غائبة

ويؤكد نائب مدير التخريط الجيولوجي بهيئة المساحة الجيولوجية، المهندس الجيولوجي فيصل الصلوي، أن غياب الاستثمار في المعدات الحديثة بقطاع البناء في المناطق الريفية يضاعف معاناة العاملين؛ سواء على الصعيد الصحي وفي مقدمته استنشاق غبار السيليكا المسبب للأمراض الرئوية المزمنة أو من حيث الإصابات الجسدية الناجمة عن تطاير الشظايا والإجهاد الشاق.

وأوضح الصلوي لـ “ريف اليمن” أن العزوف عن إدخال التقنيات الحديثة لا يقف عند الأضرار البشرية، بل يمتد ليتسبب في انخفاض الإنتاجية، وتدني جودة المنتج، واستنزاف الموارد نتيجة ضعف الكفاءة في التعامل مع الكتل الصخرية.

وعن البدائل العلمية المتاحة، يوضح أن ثمة تجارب ناجحة اعتمدت حلولاً هندسية بديلة للطرق البدائية في تفتيت الصخور، منها استخدام المواد الكيميائية التوسعية؛ وهي مواد تُصب داخل ثقوب صخرية وتتمدد ببطء لتفتيت الكتلة دون ضجيج أو شظايا أو اهتزازات خطرة.

ويتابع: “تُعد تقنية القطع بالأسلاك الماسية من أكثر التقنيات نجاعة وشيوعاً في دول الجوار، لا سيما عند استخراج أحجار البناء والزينة عالية القيمة كالجرانيت والرخام”.

وفي ظل غياب المعدات الحديثة وضعف التنظيم، يواصل العاملون في تقطيع الصخور في القرى الريفية في اليمن دفع ثمن باهظ لتأمين أحجار البناء، بين إصابات تهدد حياتهم وصحتهم، وأسر تُترك لمواجهة مستقبل مجهول عقب فقدان معيلها.