الأحد, مايو 31, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

‹ العيدية › صناعة الفرحة في وجوه أطفال الريف

تُعتبر العيدية أو مايسمى محليا بـ” عسب العيد ” (هدية يُقدمها الأهل والأقارب للأطفال)، جزءاً لا يتجزأ من طقوس العيد في أرياف اليمن؛ إذ يحرص الناس في العيد على إعطاء الأطفال هذه العيدية كعادة متأصلة يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.

ولا تقتصر العيدية على رسم الفرحة والبسمة في وجوه أطفال الريف فحسب، بل تحمل أبعادًا اجتماعية ونفسية عميقة، حتى باتت تُعد جزءًا من الموروث الثقافي الذي يحافظ اليمنيون عليه رغم سنوات الحرب والأزمات المعيشية.

يقول سعيد محمد، وهو شاب ثلاثيني يعيش في عزلة بني شيبة الشرق بريف محافظة تعز،:”أحرص في كل عيد على إعطاء الأطفال عوّادة، لأنها تسعدهم وتزرع الفرحة في قلوبهم، وعندما أرى ابتسامتهم أتذكر كم كنت أفرح حين كنت أتلقى العوّادة في طفولتي.”


مواضيع مقترحة


ويضيف لـ”ريف اليمن”: “الأطفال لا يهتمون بحجم المبلغ أو الهدية المقدمة، بقدر فرحتهم بالحصول عليه، ففرحتهم تبدو واحدة مهما كان المبلغ بسيطًا، ويعتبرونه دينا سنويا يجب قضاءه من قبل الأهل والأصدقاء”.

وتؤدي العيدية دورا اجتماعيا مهما في تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع، خصوصا في المناطق الريفية التي ما تزال تحافظ على طبيعة العلاقات الأسرية والتقارب الاجتماعي، إضافة إلى أنها تسهم في خلق أجواء قائمة على المودة والاحترام بين أفراد المجتمع.

ويرى الباحث في علم الاجتماع وضاح فرحان، أن “العيدية عادة منتشرة ليس في اليمن فحسب، بل في كثير من المجتمعات العربية، لكن حضورها في اليمن، وخصوصًا في الأرياف، اكتسب أهمية أكبر خلال سنوات الحرب المستمرة منذ 2015.”

ويضيف خلال حديثه لـ”لـ”ريف اليمن”: أنّ العيدية تقوي لغة التواصل بين الأبناء والآباء داخل الأسرة نفسها، وتعزز التواصل بين الأسرة وجيرانها، وبالتالي تعزيز التواصل في إطار المجتمع الواحد”، كما تعمل على تعزيز ولاء وانتماء الطفل للمجتمع وتخلق لديه قيم إيجابية تعزز التماسك والترابط المجتمعي.


فرحان: العيدية تعمل على تعزيز ولاء وانتماء الطفل للمجتمع وتخلق لديه قيم إيجابية تعزز التماسك والترابط المجتمعي


وتشير البيانات الصادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أنّ الأطفال في اليمن يشكّلون نسبة 41% من إجمالي عدد السكان في البلاد، إذ بلغ عدد الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن 15 أكثر من 17.1 مليون نسمة في عام 2025، وهو ما يجعل العادات المرتبطة بالطفولة والأعياد ذات حضور واسع في المجتمع اليمني.

ولا يتوقف تأثير “العيدية” عند الجانب الاجتماعي فقط، بل يمتد إلى الجوانب النفسية لدى الأطفال والأشخاص الذين يقدمونها، وتوضح المتخصصة في علم النفس والإرشاد النفسي رقية الذبحاني، أن “العيدية تترك أثرا نفسيا إيجابيا لدى الطفل، إذ تجعله يشعر بالاهتمام والتقدير والخصوصية، كما تسهم في تعزيز ثقته بنفسه.”

وتضيف لـ”ريف اليمن”، أن طريقة تقديم “العيدية”، وما يرافقها من كلمات ثناء وإطراء، تمنح الطفل شعورا بالفرح والاحتواء وتزيد من ثقته بنفسه، في حين يشعر الشخص الذي يقدمها بالرضا وتقدير الذات، نتيجة مشاركته فرحة العيد مع الأطفال.


الذبحاني:العيدية تترك أثرا نفسيا إيجابيا لدى الطفل وتجعله يشعر بالاهتمام والتقدير والخصوصية وتعزز ثقته بنفسه


الطفل أنور عارف عبر عن فرحته بقدوم العيد قائلا: “أبقى أنتظر صباح العيد بفارغ الصبر، لأنه اليوم الذي نحصل فيه على العيدية والهدايا من الأقارب والجيران والأصدقاء، وبها تكتمل فرحتنا بالعيد.”

ويضيف مبتسما: “لدي أسماء محددة أظل أحسب كم سأجمع منهم هذا العيد، لأن كل شخص متعود يعطينا مبلغًا معينًا في كل سنة، ونقوم بجمعها إضافة لما نحصل عليه من الأسرة من المال”.

ويشير عارف أن “العيدية تدخل البهجة والسرور إلى قلوب الأطفال، حيث يذهبون لشراء الألعاب والجعالة، وهكذا تكتمل فرحة العيد بالنسبة لنا.”


الحمادي: العيدية ليست مجرد مبلغ مالي يُمنح للأطفال، بل فعل رمزي يحمل معاني المحبة وصناعة البهجة 


الباحث في التراث الشفاهي عمران الحمادي، قال إن العيدية تعكس طبيعة المجتمع اليمني القائم على التكافل والكرم والتقارب الاجتماعي، فهي ليست مجرد مبلغ مالي يُمنح للأطفال، بل فعل رمزي يحمل معاني المحبة وصناعة البهجة خاصة لدى الأطفال الذين ينتظرونها كجزء من طقوس العيد”.

ويضيف الحمادي لـ”ريف اليمن”: أن “العيدية تبقى مرتبطة في ذاكرة الإنسان حتى بعد تقدمه في العمر، إذ يتذكر الأشخاص من كانوا يمنحونهم العيدية في طفولتهم، ثم يجدون أنفسهم يكررون السلوك ذاته مع الأجيال الجديدة.”

ويلفت إلى أن لهذه العادة بعدا وجدانيا خاصا لدى اليمنيين المغتربين، خصوصا الأسر التي تعود إلى البلاد في مواسم الأعياد، إذ تستعيد من خلالها ذكريات الطفولة وتربط الحاضر بالماضي بصورة اجتماعية جميلة تعزز الإحساس بالانتماء والهوية الاجتماعية المشتركة.