في توثيق علمي هو الأول من نوعه في السهول الساحلية، رصد باحثون من جامعة عدن نوعًا من البزاقات الأرضية الاستوائية في إحدى مزارع مديرية المحفد بمحافظة أبين جنوبي اليمن.
يضع الرصد جملة من الأسئلة حول نطاق انتشار الآفة في مزارع أبين، وحجم تأثيرها في المحاصيل المحلية، وما إذا كان وجودها في المحفد بؤرة لانتشار أوسع نحو مناطق زراعية أخرى، أم أن حصر المشكلة وتقييمها يتطلبان إجراء مسوحات ميدانية عاجلة.
وتثير البزاقة الاستوائية مخاوف وتساؤلات لدى المزارعين والأوساط الأكاديمية بشأن المخاطر الزراعية المحتملة، لا سيما مع ارتباطها بأضرار تصيب المحاصيل في بيئات مختلفة حول العالم.
مواضيع مقترحة
- تجربة من ‹دلتا أبين›.. كيف يعزز النظام الزراعي المتكامل التنمية؟
- مزارعو الطماطم في ‹دلتا تُبن› بين الخسارة والإفلاس
- دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال
ما البزاقة الاستوائية؟
تُعد البزاقات الاستوائية من الرخويات الأرضية التي تفتقر إلى صدفة خارجية واضحة، بخلاف الحلزونات. وسُجلت أنواع منها في مناطق استوائية وشبه استوائية حول العالم، وارتبط وجودها بإلحاق خسائر بالمزروعات، خصوصًا في البيئات المواتية لتكاثرها.

وعن طبيعة هذا الكائن المكتشف، أوضح أستاذ علم الحيوان المشارك بكلية العلوم في جامعة عدن، الدكتور عبد الله ناصر الهندي، لـ “ريف اليمن” أن النوع المرصود في المحفد هو البزاقة الجلدية الاستوائية اسمها العلمي: Laevicaulis alte، وتنتمي إلى فصيلة Veronicellidae.
وأضاف الهندي أن الفريق وثّق وجودها عبر جمع وفحص 18 عينة من منطقة الدراسة خلال الفترتين ديسمبر 2025 ويونيو 2026، تراوحت أطوالها بين 30 و80 ملم، وتتميز بلون ظهري يتدرج من البني إلى البني الفاتح، يتوسطه خط طولي أبيض كريمي مع بقع بيضاء صغيرة غير منتظمة.
وحذر الهندي في الوقت ذاته من أن خطورتها تكمن في قدرتها العالية على التأقلم مع البيئات الزراعية والتحول إلى آفة مدمرة متى ما توافرت الظروف المناسبة وازدادت كثافتها العدديّة.
ويُعد التسجيل التوثيقَ العلمي الأول للنوع في السهول الساحلية الجنوبية لليمن المطلة على خليج عدن وبحر العرب، حيث سبق تسجّيله في السهل التهامي شمال البلاد خلال الفترة 1986 – 1990 بينما لا يزال الشريط الساحلي يعاني نقصًا حادًا في الدراسات الخاصة بالقواقع والبزاقات وتوزيعها الجغرافي.
انتقال مواد الزراعة والشتلات بين المناطق المختلفة يعد من الأسباب المحتملة في انتشار آفة البزاقة
وفي قراءته لطبيعة الاكتشاف، نبه الهندي على ضرورة التمييز بين الرصد العلمي الجديد في منطقة جغرافية والظهور الأول فيها؛ إذ لا يمكن تحديد تاريخ وصول البزاقة إلى أبين بدقة أو الجزم بحديثة ظهورها، مؤكدًا: «ما نستطيع إثباته هو توثيق وجودها في موقع الدراسة، وهو ما يشكل إضافة علمية لقاعدة البيانات الجغرافية للحيوانات في اليمن».
كيف وصلت إلى المزارع؟
رغم عدم حسم مسار دخول البزاقة إلى أبين، يظل نقل المواد الزراعية والشتلات بين المناطق والبلدان السبب الرئيسي، إذ تختبئ البزاقات وبيوضها في التربة المحيطة بالجذور أو بين بقايا النباتات، وتنتقل بمرونة عند غياب الفحص الحجري الدقيق.
ينطبق ذلك تمامًا على شهادة صادق الكازمي، أحد مزارعي المحفد الذين رصدوا الآفة، إذ نقل لـ “ريف اليمن” انطباعاته القادمة من الميدان قائلًا: «لم نعرف هذا النوع من البزاقات من قبل، ومن الممكن أن يكون قد وصل إلى المزرعة بسبب نقل شتلات المانجو إليها قبل نحو ثلاث سنوات».

وأكد بأنه لاحظ انتشارها التدريجي عبر آثار تشبه خيوط العنكبوت على سطح التربة في ساعات الصباح الباكر، قبل أن يتفاجأ بكثافتها وسرعة تكاثرها.
يتفق أستاذ علم الحيوان الدكتور سالم بسيس مع هذا الاحتمال، مبينًا لـ “ريف اليمن” أن حركة التجارة الزراعية القادمة من موطن النوع الأصلي في شرق أفريقيا، أو الشحنات التجارية التي تصل ميناء عدن ثم تتجه نحو مزارع أبين، تُعد من المسارات المحتملة لدخول الكائن، مع الإشارة إلى أن هذه التفسيرات تستند إلى سلوك انتشار الأنواع الدخيلة وليست نتيجة تتبع مباشر لمسار الدخول.
تهديد المحاصيل
وحول الأثر الزراعي المتوقع، حذرت الأستاذ المساعد في التنوع الحيوي بالتربة بكلية التربية جامعة عدن، الدكتورة أبرار صالح مقطن، من أن البزاقة الاستوائية قد تتسبب في إتلاف المحاصيل من خلال التغذية على الأوراق والثمار والبراعم القمية ونباتات الزينة.
وأوضحت مقطن لـ “ريف اليمن” أن الخضروات الورقية والشتلات الصغيرة في المشاتل هي الأكثر عرضة للتلف، وأن استمرار تمددها دون تدخّل سينجم عنه خسائر اقتصادية فادحة.
ورغم عدم وجود تقديرات رقمية دقيقة لحجم الخسائر المالية في أبين حتى الآن، لاحظ الفريق البحثي بحسب مقطن وجود البزاقة بكثافة تحت أشجار الفاكهة دون تسجيل أضرار مادية ظاهرة على الأشجار البالغة، وهو ما لا ينفي خطرها الداهم على الشتلات الحديثة والمحاصيل القريبة.
الدكتور النهدي: وثقنا وجود هذا النوع بجمع وفحص 18 عينة في المحفد وهو ما يمثل إضافة علمية لمعرفة توزيعه الجغرافي في اليمن
وعلى أرض الواقع، بدأ الخطر يلقي بظلاله على المزارعين، إذ أكد الكازمي إتلاف البزاقة لمحاصيل عديدة بينها البقوليات، وسط قلق جارف من عجزهم عن السيطرة عليها.
وأوضح الكازمي لـ “ريف اليمن” جربنا عدة وسائل للتخلص منها، شملت رش المبيدات الحشرية، والجمع اليدوي، وتقليب التربة، وحرق الزيوت المستعملة، لكن هذه المحاولات لم تحقق نتائج مستدامة؛ إذ تعود البزاقات إلى الانتشار بكثافة خلال فترة قصيرة.
كما دعا الجهات المختصة والباحثين إلى إيجاد حلول علمية ناعمة وعاجلة تحمي أرزاقهم.
تدابير الوقاية
لتفادي تفاقم الأزمة، شددت الدكتورة أبرار مقطن لـ “ريف اليمن” على أن الحد من انتشار البزاقة يتطلب تطبيق برامج الإدارة المتكاملة للآفات وتفعيل تدابير الوقاية النباتية والرقابة الحجرية على الشتلات والتربة الواردة عبر الموانئ والمنافذ.
ولم تقف تحذيرات مقطن عند الجانب الزراعي، بل امتدت إلى البُعد الصحي حيث أوصت بارتداء قفازات واقية عند جمع البزاقات وتجنب لمسها مباشرة؛ نظرًا إلى أن بعض أنواعها تعمل كمضيف وسيط لطفيليات تشكل خطرًا مباشرًا على الإنسان، وفي مقدمتها الطفيليات المسببة لداء الدودة الرئوية.
كما دعت إلى ضرورة التعامل الحذر مع مواد المكافحة الكيميائية وفق الإرشادات الفنية، وتوسيع نطاق المسوحات الميدانية للتحري عن الآفة في المحافظات المجاورة، مع وضع خطة طوارئ متكاملة للحد من أضرارها البيئية والزراعية.
ويظل ظهور البزاقة الاستوائية في مزارع أبين ملفًا مفتوحًا يستدعي المتابعة العلمية وتحرك الجهات المختصة، لتطويق الآفة وحماية المحاصيل من أي تداعيات كارثية قبل فوات الأوان.





