يُعد قطاع الأسماك في اليمن أحد القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تلعب دوراً أساسياً في ضمان الأمن الغذائي وسبل العيش لآلاف الأسر في العديد من محافظات. ورغم الأهمية البالغة لهذا القطاع، تظل مشاركة النساء فيه محدودة للغاية؛ سواء في أنشطة الصيد، أو في الأعمال التجارية المتعلقة به مثل البيع والشراء.
وتمتد السواحل اليمنية على مسافة تتجاوز 2000 كيلومتر، وتغطي عشر محافظات من أصل 22، ويساهم قطاع الأسماك بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف ما يقرب من 2% من القوى العاملة، وعلى الرغم من هذه المساحات الساحلية الواسعة، يلاحظ ضعف شديد في مشاركة النساء، وهو أمر يظهر بشكل جلي عند المقارنة مع مشاركتهن في قطاعات اقتصادية أخرى.
مشاركة محدودة وتحديات متزايدة
ومنذ القدم، لعبت المرأة الريفية الساحلية دوراً حيوياً في مهنة الصيد وصناعة المنتجات البحرية وبيعها، وذلك ضمن إطار التقاليد المتوارثة في مجتمعاتها. ومع ذلك، شهد هذا الدور تحوّلات جذرية خلال نحو عقدين، حيث بدأت تُفرض قيود مجتمعية صارمة حدّت من مشاركتها في القطاع السمكي.
وأدت هذه القيود إلى احتكار هذا المجال للرجال، وقد تفاقمت هذه التحديات نتيجة سنوات الصراع المستمر وزيادة المخاطر؛ مما أثر سلباً على الدور المستدام الذي كانت تؤديه المرأة الساحلية في دعم اقتصاد مجتمعها.
تقتصر المشاركة النسائية في قطاع الأسماك في بعض مناطق محافظة لحج (جنوب غربي اليمن)، كما تقتصر أيضاً بشكل ضئيل للغاية في جزيرة سقطرى (جنوب شرقي اليمن)، بينما لا تكاد تذكر أي مشاركة نسائية ملحوظة في بقية المحافظات الساحلية الأخرى في الوقت الحالي، وفي الغالب ينحصر دور المرأة على الأنشطة الداعمة؛ مثل عمليات التجهيز للصيادين، والبيع، والتجفيف، والتعليب.
وتقول الأمم المتحدة إن دور المرأة اليمنية في قطاع صناعة الأسماك لا يكاد يذكر، مشيرة الى إطلاقها مؤخراً مبادرات تحويلية لإعادة تأهيل البنية الأساسية لصيد الأسماك، ودعم التدريب المهني، وتمكين الشركات التي تقودها النساء، كما تحدثت عن تزويد 831 من النساء المنتِجات الصغيرات بأدوات معالجة الأسماك والمنتجات الثانوية خلال ثمان سنوات.
نساء يمنيات وقارب في سواحل البحر الأحمر بمدينة الحديدة غربي اليمن
قيود اجتماعية
تمثل القيود الاجتماعية أحد أكبر العوائق التي تحُوْل دون المشاركة الواسعة للنساء في صيد الأسماك، ففي المجتمع اليمني التقليدي، تُعتبر العديد من الأنشطة البحرية، مثل الصيد، مهناً حصرية على الرجال، حيث يُنظر إلى المرأة التي تخرج للعمل في البحر والأسواق على أنها تخرج عن المألوف، وهو ما يفرض عليها قيوداً ثقافية شديدة.
وفي تعليق له بشأن محدودية مشاركة المرأة في الصيد؛ يقول “حمود بري”، وهو أحد صيادي محافظة الحديدة، إن هذه المهنة تبدو سهلة لدى البعض، لكنها شاقة وخطرة، مشيراً إلى أنه لا يمكن للنساء المجازفة والمشاركة في هذه المهنة لتوفير فرصة عمل مربحة، مضيفاً أن ذلك يتطلب قوة بدنية وصبراً كبيراً، مما قد يكون تحدياً للنساء.
وأكد بري (43 عاما) في حديثه لـ”ريف اليمن” التأثير الكبير الذي فرضته العادات والتقاليد في المجتمعات المحلية على مشاركة المرأة بفاعلية في هذا القطاع الحيوي، لافتاً إلى أنه سبق وأن عرض على نساء من ذويه المشاركة في عمليات الاصطياد البحرية لكن طلبه قوبل بالرفض.
وأشار إلى أن أحد أولاده رد عليه بالقول: “المرأة مسؤولة عن الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة، وليس الخوض في أعماق البحار”.
وتعاني العديد من النساء من نقص في الموارد المالية، والتمويل اللازم للانخراط في هذا المجال، فإضافة إلى العوائق الاجتماعية؛ تتطلب مهنة الصيد أدوات ومعدات مكلفة قد تكون بعيدة عن متناول النساء اللاتي يعشن في مناطق نائية أو فقيرة، ونتيجة لهذا، تقتصر معظم مشاركات النساء على العمل في التجارة، وصغار الأنشطة.
وقد ساهم تدني مستوى التعليم في بعض المناطق الريفية في ضعف مهارات النساء في التعامل مع الأنشطة التجارية الحديثة، أو العمل في مجال الصيد المتقدم.
تحدي وإصرار
تتميز محافظة لحج بكونها الوحيدة التي تشهد مشاركة متزايدة للنساء في مهنة صيد الأسماك، حيث تبحر النساء في قواربهن إلى أعماق البحر، متحديات الأمواج، في مسعى لدعم الرجال، والمساهمة في تأمين مصدر رزق الأسرة.
تقول “رحيمة ناجي”، إحدى العاملات في بيع وشراء الأسماك في سوق مديرية المضاربة والعارة، إن بعض النساء ارتبطن بالاصطياد منذ زمن بعيد، وورثن هذه المهنة عبر الآباء والأجداد.
وأضافت ناجي لـ”ريف اليمن” أن “بعض النساء قد اكتسبت خبرة تفوق خبرة بعض الصيادين، حيث يتمكنّ من جلب كميات كبيرة من الأسماك مقارنة بهم، وهنّ يعرفن جيداً أماكن تواجد الأسماك بكثافة، ومواسم الصيد، كما أنهنّ يمتلكن فهماً دقيقاً لتقلبات الطقس، وحركات الأمواج غير العادية”.
وأشارت إلى أن عدداً من الصيادات يلتزمن باستخدام أدوات السلامة، كما أنهنّ يمتلكن القدرة على السباحة لفترات ومسافات طويلة في حال فقدن السيطرة على المركب.
وتشدد بعض النساء في المناطق الساحلية على ضرورة توفير برامج تدريبية ودورات تعليمية للنساء في مجال الصيد وتجهيز الأسماك؛ للمساهمة في زيادة مشاركتهن في هذا القطاع، كما يطالبن بتقديم الدعم من المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الربحية؛ لتشجيع المرأة على المشاركة في هذا المجال.
A man works in his field near the village of Al-Gorza Hamdan, northwest of Sanaa April 10, 2014. REUTERS/ Mohamed al-Sayaghi (YEMEN - Tags: ANIMALS AGRICULTURE SOCIETY)
تعد الدورة الزراعية من الأساليب الزراعية الحديثة التي تسهم في تعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية في القطاع الزراعي، حيث تعتمد هذه الممارسة على تناوب زراعة محاصيل مختلفة في نفس الحقل على مدار سنوات عديدة، مما يعود بفوائد متعددة على المزارع والتربة والمحاصيل والبيئة بشكل عام.
في هذا التقرير الارشادي، سنستعرض في “ريف اليمن” مفهوم الدورة الزراعية، وأهميتها، وأنواعها، والعوامل التي يجب مراعاتها عند تصميمها، وذلك بناء على المعلومات التي أوردها المختص في المنصة محمد الحزمي.
ما المقصود بالدورة الزراعية؟
تعني الدورة الزراعية زراعة محاصيل متنوعة بشكل متتابع في نفس الأرض، بحيث لا يُزرع نفس المحصول في موسمين متتاليين، وتهدف هذه الممارسة إلى تحسين خصوبة التربة وحمايتها من التعرية، بالإضافة إلى تحسين بنيتها وزيادة المغذيات فيها، كما تساهم في زيادة الإنتاجية، ومكافحة الآفات والأمراض، وتعزيز التنوع البيولوجي في النظام الزراعي، فضلاً عن تقليل نمو الحشائش والآفات.
أهمية الدورة الزراعية
تلعب الدورة الزراعية دوراً محورياً في تحقيق الاستدامة الزراعية، وتتمثل أهميتها في النقاط التالية:
الحفاظ على خصوبة التربة: زراعة البقوليات (مثل الفول والحمص والعدس) يسهم في تثبيت النيتروجين في التربة، مما يزيد من محتواها من المواد العضوية ويحسن خصوبتها.
منع استنزاف العناصر الغذائية: تمتص المحاصيل المختلفة عناصر معينة من التربة، ويساهم تناوب المحاصيل سنوياً في تقليل فقدان هذه العناصر، مما يمنح التربة فرصة لاستعادتها بشكل طبيعي.
تحسين بنية التربة: جذور النباتات المختلفة تخترق التربة بطرق متباينة، مما يساعد على تحسين بنيتها وزيادة قدرتها على التصريف، على سبيل المثال، تختلف جذور البقوليات عن جذور الذرة في طريقة اختراقها للتربة.
الحد من الآفات والأمراض: تعتمد العديد من الآفات والأمراض على محاصيل معينة للبقاء والتكاثر، ويساهم تناوب المحاصيل في كسر دورة حياتها، مما يقلل من انتشارها ويحد من الحاجة إلى استخدام المبيدات الكيميائية.
تقليل مقاومة الآفات للمبيدات: يؤدي الاستخدام المتكرر لنفس المبيد الحشري إلى تطور سلالات مقاومة من الآفات، يساهم تناوب المحاصيل في الحد من هذه الظاهرة من خلال تقليل تعرض الآفات لنفس الظروف، مما يساعد على الحفاظ على فعالية المبيدات لفترة أطول.
تحسين جودة المحصول: تسمح الدورة الزراعية بزراعة مجموعة متنوعة من المحاصيل، مما يعزز تنوع المنتجات الزراعية ويحسن جودتها
زيادة كفاءة استخدام الموارد:توزيع الأعمال الزراعية على مدار العام، مما يسهم في الاستخدام الأمثل للأرض والوقت والموارد المتاحة.
تختلف الدورات الزراعية باختلاف الظروف البيئية ونوع المحاصيل المزروعة. من أبرز أنواعها:
الدورة الثنائية: تتكون من محصولين رئيسيين يتم تناوب زراعتهما سنوياً.
الدورة الثلاثية: تتكون من ثلاثة محاصيل رئيسية يتم تناوب زراعتها على مدار ثلاث سنوات.
الدورة متعددة المحاصيل: تشمل أكثر من ثلاثة محاصيل وتعتبر أكثر تعقيداً، حيث يتم زراعة مجموعة متنوعة من المحاصيل في دورة واحدة.
عوامل يجب مراعاتها عند تصميم الدورة الزراعية:
عند تصميم دورة زراعية، يجب مراعاة عدة عوامل لضمان نجاحها وفعاليتها، ومنها:
نوع التربة: اختيار المحاصيل المناسبة لنوع التربة وخصائصها.
الظروف المناخية: مراعاة المناخ السائد في المنطقة واختيار المحاصيل التي تتناسب معه.
احتياجات السوق: اختيار المحاصيل التي تلبي احتياجات السوق وتضمن عائداً اقتصادياً مجزياً.
التكلفة الاقتصادية: مراعاة التكلفة الإجمالية للدورة الزراعية، بما في ذلك تكاليف الزراعة والعمالة والمبيدات.
كيف تعزز الدورة الزراعية محتوى النيتروجين في التربة؟
عادةً ما تُدرج البقوليات مثل البرسيم أو البرسيم الأحمر في مخطط الدورة الزراعية كواحد من 3 إلى 4 محاصيل، وتتميز هذه النباتات بقدرتها على تثبيت النيتروجين في التربة، حيث تقوم بكتيريا العقد الجذرية الموجودة في جذورها بتحويل نيتروجين الهواء الجوي إلى نيتروجين عضوي، وهي عملية تُعرف باسم “التثبيت”، وتوفر هذه العملية كميات كبيرة من النيتروجين (N) للمحاصيل اللاحقة، مما يعزز خصوبة التربة ويزيد من محتواها العضوي.
أفضل المحاصيل في الدورة الزراعية:
بعد الطماطم: يُفضل زراعة البقوليات مثل الفول، البازلاء، والبرسيم، حيث تعمل على تحسين التربة وتعويض العناصر الغذائية.
قبل القمح: يُنصح بزراعة محاصيل بقولية مثل الفول، الترمس، والعدس، إذ تثبت النيتروجين وتقلل من الأمراض التي تنتقل عبر القش، مما يؤدي إلى زيادة إنتاجية القمح.
قبل الذرة: زراعة البقوليات مثل الفول السوداني والفول تعزز خصوبة التربة عبر تثبيت النيتروجين، مما يتيح للذرة الاستفادة منه، ويساعد في تحقيق محصول أعلى دون الحاجة إلى الأسمدة غير العضوية المكلفة.
في الختام يمكننا القول إن الدورة الزراعية تعتبر أداة فعالة لتحقيق الاستدامة الزراعية، حيث تسهم في الحفاظ على خصوبة التربة، زيادة الإنتاجية، ومكافحة الآفات والأمراض، من خلال تصميم دورات زراعية مدروسة وفقاً للظروف البيئية والاقتصادية، يمكن للمزارعين تحقيق أقصى استفادة من أراضيهم مع الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاد بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011. تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية:- فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
تحولت الآبار المكشوفة في القرى الريفية بمحافظة حجة شمالي اليمن، إلى كابوس يؤرق حياة السكان، وباتت مصدرًا رئيسيًا للخطر؛ حيث تعرض العديد من الأطفال والنساء خلال السنوات الماضية للسقوط فيها أثناء جلب الماء.
يتم حفر الآبار بطرق بدائية، وبجهود ذاتية من قبل الأهالي، لكنها تفتقر إلى كافة وسائل السلامة، وأغلبها يتم تركُها من دون حواجز حماية؛ إذ يتم رفع الماء منها يدوياً باستخدام الدلو؛ مما يعرض حياة الكثيرين للخطر.
حوادث متكررة
خلال السنوات الماضية، شهدت مديرية “كُعَيدِنَة” عدة حوادث سقوط، وسجلت وفيات، لكن لا توجد إحصائية رسمية دقيقة كَون المحافظة مترامية الأطراف، وأغلب الحوادث لا يتم الإبلاغ عنها من قبل الأهالي.
ويؤكد المواطن “أحمد حاسر” (35 عاما)، المنحدر من قرية المواهبة، لمنصة ريف اليمن أن “الآبار المكشوفة أصبحت شبحاً يهدد حياة السكان في القرى الريفية “. ويضيف: “لا تكاد تخلو قرية من حوادث السقوط أو الغرق في الآبار المكشوفة، ذاكرة الأهالي تحتفظ بالكثير من الحوادث، وتتناقلها عبر الأجيال”.
والدة حاسر كانت إحدى من تعرضوا للسقوط لكنها نجت وكُتبت لها الحياة مجدداً. ويقول: “عندما كانت أمي تجلب الماء انزلقت إلى داخل البئر الذي يصل عمقه نحو 8 أمتار، ولحسن الحظ تم إنقاذها، وأصيبت بكسور ورضوض وكدمات تعافت منها بعد فترة طويلة”.
وتابع: “في البئر الذي يبعد مسافة قريبة عن قريتنا تعرضت نساء للسقوط في البئر الذي يصل عمقه نحو 15-20 متراً، كان آخرها سقوط فتاة وهي تورد الماء لوحدها ولم يكن في المكان أحد ينقذها، وفارقت الحياة”.
يروي “نجيب يتيم”، وهو شقيق الفتاة، لمنصة “ريف اليمن” تفاصيل الحادثة فيقول: “ذهبت أختي، البالغة من العمر (15 عاماً) لجلب المياه من البئر، وأثناء عملية رفع الماء، التف حبل الدلو على ساقها وسحبها إلى البئر”.
ويضيف يتيم: “لم يكن في البئر جدار عازل يحمي من السقوط، تقف النساء على حافّة البئر مباشرة أثناء عملية رفع الماء؛ مما يعرض الكثير منهنّ للخطر”.
الأطفال هم الضحايا
“محمد شوقي” المنحدر من مديرية كعيدنة أشار إلى أن “حياة الناس قائمة على مياه الآبار، لكن ذلك يحمل مخاطر تهدد حياة الأطفال، ثلاث أو أربع آبار في المنطقة كانت -وما زالت- شاهدة على العديد من الحوادث المؤسفة التي حدثت على مر السنين، تاركة خلفها ذكريات مؤلمة”.
ويقول شوقي لمنصة ريف اليمن: “أكثر الآبار خطورة في هذا الوادي بئر “الكاذية”، حيث يبلغ عمقها أكثر من 16 مترًا، رغم أنها تُشَكِّل مصدر حياة للجميع، إلا أنها ومنذ التسعينات غدت سببا للمآسي، وشهدت أكثر من حادثة سقوط”.
بئر مكشوفة بعمق 17 مترا، في قرية المواهبة بمديرية كعيدنة بمحافظة حجة شمال اليمن (ريف اليمن)
وتابع: “في البئر ذاته، سقطت شقيقتي البالغة من العمر 9 سنوات، ولحسن الحظ كنت بالقرب منها تلك اللحظة، وتمكنت من إنقاذها، وتم إسعافها. كما سقطت فتاة أخرى من قرية الدحايمة، في البئر نفسه. وتلتها حادثة أخرى في بئر مجاورة كان ضحيتها طالبة في الصف الثامن”.
يوجد الكثير من الآبار المكشوفة على امتداد العُزَل المترامية الأطراف، في المناطق الريفية بمحافظة حجة، ويلجأ إليها السكان في جميع الأوقات للتزوُّد بالمياه في ظل شح المياه، وغياب المشاريع الحكومية.
وقال مصدر في إدارة مؤسسة المياه بمديرية كعيدنة لمنصة ريف اليمن إنه “يتم حفر الآبار وعمارتها بالأحجار فقط، وتبقى مكشوفة، وهي أكثر خطورة من حيث احتمالية سقوط من يجلب المياه، ومن حيث التلوث”.
بحسب إحصائيات غير رسمية بلغ عدد الآبار في اليمن أكثر من 11 ألفاً في عام 2019، ورغم أن قانون المياه يشدد على أن الآبار يجب أن تُحفر بعد موافقة الحكومة، إلا أن أغلبها -إن لم يكن جميعها- تم حفرها دون طلب موافقات رسمية.
المختص في الزراعة والري، “محمد فقيه” قال إن “حوادث السقوط في الآبار المكشوفة تحدث بشكل متكرر نظرا لتهور المستخدمين، وتقصير الجهات المسؤولة في تأمين الآبار من خلال القيام بوضع حواجز، وإشارات تحذيرية، وتوعية المجتمع بأهمية السلامة”.
بئر قرية المواهبة، تم تسويرها بعد أكثر من 8 حوادث سقوط، وحالتي وفاة (ريف اليمن)
وأضاف فقيه لمنصة ريف اليمن: “تتمثل الحلول في توعية المجتمع، وإنشاء حواجز حول الآبار، وإجراء فحوصات دورية على الآبار للتأكد من درجة أمانها وجودة المياه فيها، وعمل مبادرات مجتمعية لبناء أسوار حول الآبار المكشوفة تمنع السقوط أو إغلاقها، ودعمها بمنظومات طاقة شمسية وخزانات تجميعية تتم التعبئة من صنابيرها”.
مشكلة مستمرة ومناشدات
وعلى الرغم من كثرة الحوادث، ومخاوف السكان من استمرار بقاء الآبار مكشوفة، لا توجد حتى اللحظة أي تحركات رسمية للحد من هذه الحوادث، عدا بعض المبادرات المجتمعية وهي محدودة، تمثلت ببناء حواجز بارتفاع متر تقريباً للحماية من الانزلاق.
“علي الاعوج” أحد سكان ريف محافظة حجة، وسبق أن تعرضت ابنته للسقوط، وتم إنقاذها، عبّر عن خوفه المستمر على أطفاله الذين يقومون بجلب الماء، مؤكدا أن “المديرية بحاجة ماسة إلى حماية مستقبل أطفالنا من هذه الكوارث التي أصبحت تهدد حياتهم كل يوم”.
وناشد الأعوج فاعلي الخير والجهات المعنية ببناء خزان تجميعي للمياه، إلى جانب منظومات لرفع الماء؛ من أجل سلامة الأطفال وحمايتهم من مخاطر هذه الآبار التي أودت بحياة الكثيرين.
وفي ظل استمرار حوادث السقوط في الآبار، ناشد سكان المنطقة السلطات المعنية باتخاذ تدابير عاجلة وفعالة للحد من هذه المخاطر، وذلك من خلال تغطية الآبار المهجورة، ووضع حواجز وقائية، وزيادة الوعي المجتمعي حول إجراءات السلامة؛ حفاظًا على الأرواح، ومنع تكرار مثل هذه الحوادث المأساوية.
ساحل ومنتجع قنا السياحي في محافظة شبوة شرقي اليمن (عمار نميش)
ارتبطت محافظة شبوة بالتأريخ العريق كمركز للحضارات اليمنية القديمة التي تعاقبت عليها، لذا تعد الآثار والمواقع التأريخية من أبرز عوامل الجذب السياحي، بالإضافة إلى التنوع الطبيعي والسواحل الفريدة التي تتميز بها المحافظة التي تتوسط عدد من المحافظات جنوب شرقي اليمن.
وتبعد شبوة عن العاصمة صنعاء نحو 458 كم، جنوب شرق اليمن، وتعد ثالث أكبر المحافظات من حيث المساحة، وقد اشتُهرت المدينة القديمة شبوة كعاصمة لمملكة حضرموت القديمة، وحاليا تعد غالبية المحافظة ريفية ولا يوجد سوى مدينة عتق يمكن اعتبارها مدينة حضرية.
تُعد محافظة شبوة واحدة من أروع الوجهات السياحية في اليمن، حيث تجمع بين جمال الطبيعة وثراء التاريخ، من وديانها الخضراء وأراضيها الخصبة إلى آثارها العريقة التي تحكي قصة حضارات قديمة، وتتوفر فيها مقومات سياحية فريدة.
في النطاق الجغرافي الحالي لمحافظة شبوة، قامت ثلاث ممالك يمنية قديمة (حضرموت، قتبان، أوسان) أثرت في مسار الحضارات الإنسانية على مر العصور، تعود بداية تاريخ هذه الممالك إلى ما قبل القرن العاشر قبل الميلاد، كانت هذه الممالك تتحكم في مسارات قوافل التجارة، وسنستعرض تلك المدن التأريخية في الجزء الثاني من المقال.
وشكلت شبوة نقطة وصل بين الطرق التجارية البرية والبحرية التي كانت تنطلق من ميناء قنا التاريخي، وتبرز فيها الوديان الخصبة الفريدة التي لها تأريخ عريق منذ قرون، وهذا ما يجعل من شبوة منطقة جذب سياحي يمكن أن تخلق تنمية لافته.
جانب من العمارة الطينة للمنازل في محافظة شبوة (حسن بارحمة)
تتنوع تضاريس شبوة بين صحراء واسعة في الشمال تمتد حتى الربع الخالي، وسواحل طويلة في الجنوب على البحر العربي تصل إلى 150 كم، فضلاً عن السهول والهضاب والجبال والوديان الزراعية الخصبة، كما يتنوع المناخ فيها مما يضفي عليها تنوعًا طبيعيًا وجغرافيًا ملحوظًا.
في الجزء الأول من المقال الذي يستعرض السياحة في شبوة نورد هنا ابزر المواقع السياحية والأثرية في عدد من المديريات، ونستكمل ذلك في الجزء الثاني الذي يستعرض المديريات الأخرى والتي كان معقل لثلاث ممالك في الحضارة اليمنية القديمة.
مديرية عَتق
تعد مديرية عتق المركز الإداري لمحافظة شبوة، حيث تعتبر مركزًا عمرانيًا متطورًا يشمل مرافق الحياة العصرية، مثل الشوارع الواسعة والمرافق السياحية الحديثة، وفيها مطار عتق الدولي، وترتبط المدينة بشبكة من الطرق البرية الأسفلتية التي تربطها بالمحافظات اليمنية الأخرى، ومدينة عتق هي المنطقة الحضرية بقية المديريات ريفية، يوجد في عتق مناطق سياحية أبرزها:
متحف الآثار
افتُتح المتحف في عام 1984م في مركز المدينة، ويضم خمس قاعات عرض. القاعة الأولى تعرض مقتنيات التراث الشعبي والعادات والتقاليد القديمة، بينما تخصص الثانية لعرض الأسلحة القديمة حتى مرحلة النضال ضد الاستعمار البريطاني. تضم القاعات الأخرى قطعًا أثرية متنوعة جمعت من مواقع شبوة القديمة ومن مواقع الممالك الأخرى.
ويحتوي المتحف على أكثر من 3500 قطعة أثرية، تم توثيق جزء منها وعرضه لزوار المتحف، بينما لا يزال جزء آخر في مخازن المتحف، ويعتبر هذا المتحف من أهم المنارات المعرفية في المحافظة ويلعب دورًا هامًا في تعريف الأجيال بتراث أجدادهم وعظمة حضارتهم.
قصر ذيبان التأريخي في مدينة عتق بمحافظة شبوة شرقي اليمن (يحيى المريسي)
المواقع الأثرية
تحتوي مديرية عتق على بقايا مواقع أثرية هامة، منها سد بن عقيل الواقع شرق المدينة، وكذلك حصون الجابية، وبقايا آثار قصر ذيبان، وحصن آل العمياء، وحصن الرومي.
ويوجد في عتق منتزهات حديثة أبرزها حديقة “شبوه لاند”، وهي أول حديقة ترفيهية في تاريخ المحافظة، وتقع على مساحة 8000 متر مربع وتوفر خدمات سياحية متميزة، مما يجعلها متنفسًا عائليًا لسكان مدينة عتق.
مديرية حبان
تقع مديرية حبان على الطريق السياحي الأسفلتي الذي يربط مدينة عتق بمحافظة أبين في اتجاه مدينة المكلا، وتتميز المباني في حبان بطابع معماري جميل يعكس تاريخ وأصالة المكان، حيث يستخدم في البناء الطوب الطيني.
وهذا الطوب مصنوع من الطين المخلوط من التراب والتبن المجفف بالشمس (يسمى محلياً المدر)، وتعتبر هذه التقنية من أقدم تقنيات البناء بالطين، وتتميز بتوفر مادتها في البيئة المحلية، ورخص ثمنها، إضافة إلى مقاومتها للحرارة والحرائق، وعزلها للصوت.
اكتسبت مدينة حبان أهمية كبيرة عبر العصور التاريخية، إذ كانت محطة على طريق القوافل التجارية القديمة القادمة من ميناء قنا التاريخي باتجاه الحواضر الشمالية مثل بيحان، عين، حريب، ثم مارب.
وخلال العصر الإسلامي، كانت حبان واحدة من مدن الحضارة الإسلامية في اليمن، واحتوت على العديد من المساجد التاريخية، أبرزها جامع حبان الذي يعود تاريخه إلى عام 266 هجريًا.
مدينة حبان التأريخية في شبوة 2019 (عمار نميش)
وفي العصر الوسيط، كانت إحدى حواضر الدولة الطاهرية في القرن السابع الهجري. وفي العصر الحديث، أصبحت عاصمة لسلطنة الواحدي، حيث عاصرت العديد من السلطنات والإمارات والمشيخات في محافظة شبوة. ومن أبرز المناطق السياحية:
وادي حبان: يعد من أهم المتنزهات السياحية الطبيعية ويقصده السكان والزوار للاستمتاع بالطبيعة الخلابة، يمتاز بمساحات خضراء على ضفتيه طوال العام، حيث تنتشر أشجار النخيل والبلوط واللبخ، كما يحيط به متنفسات جبلية، وولا تزال بعض أشجار اللبان والمر والصبر تنمو في الشعاب المنخفضة ومنحدرات الأودية التي تُستخدم كمراعي لقطعان الإبل.
مصنعة حبان: من أبرز المعالم التاريخية والسياحية في مدينة حبان، مصنعه الذي شيد في موقع استراتيجي يطل على المدينة والأراضي الزراعية الواسعة، وهي محصنة طبيعياً، حيث لا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق واحد منحوت في الصخر، ولا تزال بقايا آثار المصنعة قائمة حتى اليوم.
جبل كدور: يقع جبل كدور جنوب مدينة حبان، ويتميز بأهميته التاريخية في النقوش اليمنية القديمة التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وما تزال بقايا آثار المنشآت والتحصينات الدفاعية موجودة على الجبل، بالإضافة إلى العديد من الرسوم والنقوش القديمة على صخور الجبل.
مديرية رضوم
تقع مديرية رضوم جنوب مدينة عتق بمسافة 135 كم، تكمن أهمية هذه المديرية سياحيًا وتاريخيًا في أنها تشغل الواجهة البحرية على الشريط الساحلي الطويل للمحافظة، الممتد بطول 150 كم على البحر العربي.
وتوجد بها العديد من المواقع الأثرية والتاريخية والشواطئ الجميلة التي تشكل مقومات سياحية طبيعية مدهشة، وامتداد للتأريخ العريق الذي تتمتع فيه المنطقة التي يوجد فيها أحد أقدم الموانئ في العالم.
منتجع قنا السياحي
يعتبر منتجع قنا السياحي واحدًا من أبرز معالم الجمال على شاطئ بير علي الساحل المطل على البحر العربي. يُعد هذا المنتجع أكبر وأجمل مشروع استثماري سياحي في شبوة، حيث اجتمع سحر المكان مع عبقرية التصاميم الهندسية العصرية.
أعاد المنتجع إحياء ميناء قنا التاريخي وأعاد إليه رونقه الحضاري. تم افتتاح المرحلة الأولى من المنتجع في عام 1922م، وتشمل المسابح والشاليهات والفنادق السياحية الراقية، بالإضافة إلى المطاعم ومراكز التسوق والحدائق الخضراء ومرافق الترفيه، ويقدم تجربة فريدة للزوار على الشاطئ الذهبي.
يشكل هذا المنتجع انطلاقة حقيقية لتأسيس نمط السياحة البحرية في اليمن على أسس علمية ومعايير دولية، وهو مثال على كيف يمكن للمكان المتميز أن يكون نقطة جذب سياحي عالمي. وفق خبراء السياحة والمتخصصين.
منتجع قنا السياحي الذي يطل على ساحل البحر العربي وكان قديما ميناء بحري شرقي اليمن (عمار نميش)
ميناء قنا التاريخي
يقع ميناء قنا على ساحل البحر العربي بالقرب من منتجع قنا السياحي، بجانب حصن ماويه المعروف بحصن الغراب. كان ميناء قنا يعد الميناء الرئيسي لمملكة حضرموت القديمة، ويعود تاريخه إلى ما قبل القرن العاشر قبل الميلاد.
يعتبر من أولى محطات الترانزيت في العالم القديم، وقد ذكر في النقوش اليمنية القديمة باسم “قنا”، قام فريق التنقيب الأثري اليمني السوفيتي في السبعينات بأعمال تنقيب في الموقع، حيث أكدت النتائج الدور الهام لميناء قنا في التجارة البحرية القديمة، وخاصة في التجارة مع الهند.
حصن ماوية “حصن الغراب”
شُيد حصن ماويه على قمة الجبل المطل على ميناء قنا من الجهة الجنوبية الشرقية، ويضم الحصن بقايا آثار التحصينات الدفاعية التي كانت تحمي الميناء من هجمات البحر.
وأُكتشف الحصن عام 1938م من قبل بحارة السفينة الإنجليزية “يالينورس”، وعلى الطريق المؤدي إلى قمة الحصن، تم العثور على نقوش مسندية، وعثر الباحثون على بقايا آثار التحصينات الدفاعية على قمة الحصن.
وديان لها تاريخ
تتمتع محافظة شبوة بتاريخ أثري عميق، حيث تمتاز وديانها بخصوبة زراعية وطبيعة ساحرة تُعد من المتنفسات السياحية الجاذبة، ويرتبط تاريخ المحافظة بشبكة من مسارات حركة القوافل التجارية القديمة التي كانت تنطلق من ميناء قنا.
وعلى ضفاف هذه الوديان، انتشرت محطات الخدمة التي تقدم للمسافرين على أثرها كان التواجد السكاني في القرى، والمدن الأثرية التي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، ومن بين هذه الوديان، نجد مسارات هامة للحركة السياحية، وأهمها:
وادي عبدان في نصاب
يعتبر وادي عبدان من الأودية المهمة تاريخيًا وسياحيًا، حيث يحتوي على “نقش عبدان الكبير” الذي يعد من أبرز النقوش اليمنية القديمة المكتشفة حتى اليوم، ويعود تاريخه إلى عام 355 ميلادي، واكتشفته البعثة الأثرية الفرنسية في منتصف السبعينات من القرن الماضي.
ويعد هذا النقش سجلًا تاريخيًا حقيقيًا لمجريات حياة الأسرة اليزنية على مر الأجيال، حيث يذكر القيل “ملشان” وأبناؤه، كما يروي أحداث القرن الرابع الميلادي التي أسهمت في تعزيز قوة اليزنيين، وقد صحح النقش العديد من التصورات السائدة حول دور اليزنيين في التاريخ اليمني والعربي خلال القرن الرابع، الذي كان مرحلة انتقالية مهمة قبل ظهور الإسلام.
وادي عبدان في مديرية نصاب بمحافظة شبوة (فهد عتيش)
تتواجد في مديرية نصاب العديد من المعالم الأثرية، أبرزها “هجر الجنادلة” التي تقع عند ملتقى وادي الجنادلة ووادي الحجر غرب وادي عبدان، والتي تضم بقايا معقل اليزنيين.
وادي يشبم في الصعيد
يقع وادي يشبم جنوب شرق مدينة عتق بمسافة 30 كم، وهو من أبرز المسارات السياحية في المحافظة، وكان قديمًا أحد أهم مسارات حركة القوافل التجارية، كما كان بوابة مهمة لتحكم حركة القوافل القديمة، وذكرت النقوش القتبانية، المعروضة في متحف بيحان برقم 659، وادي يشبم كمنطقة استراتيجية.
اليوم، لا يزال وادي يشبم يشكل متنفسًا سياحيًا طبيعيًا لسكان عتق والقرى المحيطة، ويضم العديد من المعالم التاريخية، مثل “سد ضومرين” وبقايا “قصر الصعيد” و”حصون الصعيد”، التي تروي تاريخ المنطقة العريق.
وادي ميفعة
يقع وادي ميفعة جنوب غرب مدينة عتق، على مسافة 110 كم، وهو من أجمل المتنزهات الطبيعية في محافظة شبوة، وتاريخيًا كان وادي ميفعة يمثل العاصمة الأولى لمملكة حضرموت القديمة قبل أن تُنقل العاصمة إلى شبوة. يتميز الوادي بمساحاته الخضراء الواسعة التي تقع عند ملتقى وادي حبان ووادي عماقين.
على ضفاف وادي ميفعة، توجد بقايا واحدة من أهم وأجمل المدن الأثرية في المنطقة، حيث تزين جدرانها النقوش المسندية التي تروي عظمتها التاريخية. كما كان وادي ميفعة يمثل أحد المسارات المهمة للقوافل التجارية القديمة من ميناء قنا إلى شبوة القديمة، ولا يزال حتى اليوم يشكل مسارًا رئيسيًا للحركة السياحية في المنطقة.
وادي جردان
يقع وادي جردان في مديرية جردان شمال مدينة عتق على مسافة 120 كم. يُعرف الوادي بإنتاجه لأجود أنواع العسل، حيث تتوفر مراعي النحل على ضفتيه وسط مساحات خضراء جميلة وأراضٍ زراعية خصبة.
حاجز سد الدغثور في وادي جردان بمحافظة شبوة شرق اليمن اغسطس 2022 (عمار نميش)
ويُعد وادي جردان من المتنفسات الطبيعية لسكان محافظة شبوة، كما كان في العصور القديمة مسارًا رئيسيًا للقوافل التجارية القادمة من ميناء قنا إلى مدينة شبوة القديمة. يتمتع الوادي بتراث تاريخي وثقافي غني، ما جعله مقصدًا سياحيًا مهمًا، بالإضافة إلى معالمه الطبيعية الخلابة، ومن أهم المعالم التاريخية والسياحية في الوادي.
هجر البنا: تقع “هجر البنا” على ضفة وادي جردان إلى الجنوب من منطقة عياذ، على مسافة 4 كم، وفي هذه المنطقة بقايا أطلال على تل مستطيل أبعاده 140 × 210 مترًا، وماتزال بقايا آثار التحصينات الدفاعية موجودة على جدران السور المتبقية، مما يعكس أهمية الموقع التاريخية.
حاجز سد الدغثور: يُعد حاجز سد الدغثور من أكبر الحواجز المائية في المنحدرات الجبلية لروافد وادي جردان، ويعد من أهم المعالم السياحية في المنطقة بسبب موقعه الفريد عند الصدع الجبلي، وتصميمه الهندسي الذي يبرز جمال الطبيعة. وتظهر الجوانب الصخرية للسد بلوحات فنية جميلة تشكلت بفعل عوامل التعرية الطبيعية، وعلى الرغم من عدم توفر أبسط الخدمات السياحية في الموقع، إلا أن السد يعتبر وجهة جذب مهمة للزوار.
جبال الملح الصخري:تشتهر محافظة شبوة بجبال الملح الصخري، وأهمها جبل الملح في منطقة عياذ في جردان. يتم استخراج الملح من هذه الجبال باستخدام أدوات بدائية، على الرغم من عدم توفر أدنى شروط السلامة المهنية، وانخفاض الأجور. ومع ذلك، يمثل العمل في هذه المناجم مصدر رزق لكثير من أبناء المحافظة، حيث يُعد طوق نجاة لهم من البطالة والفقر.
المصادر:
– شبوه تاريخ وحضارة (بحوث المؤتمر العلمي الثالث)، مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية، الطبعة الأولى، 2021م.
– بافقيه محمد عبد القادر، في العربية السعيدة: دراسات تاريخية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، الطبعة الأولى، 1987م.
– د. بافقيه محمد عبد القادر، تاريخ اليمن القديم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1985م.
– الأرياني مطهر علي، في تاريخ اليمن: نقوش مسندية وتعليقات، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء.
– الجرو إسمهان سعيد، دراسات في التاريخ الحضاري لليمن القديم، دار الكتاب الحديث، القاهرة، 2003م.
– الهمداني الحسن بن أحمد، صفة جزيرة العرب، تحقيق محمد بن علي الأكوع، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، الطبعة الثالثة، 1983م.
-الهيئة العامة للتنمية السياحية، صنعاء، تقرير نتائج المسح السياحي لمحافظة شبوة، 1997م.
اعتادت معظم مناطق الريف اليمني إقامة حفلات الزفاف بالتزامن مع مواسم الحصاد، أو في أعقابها، مدفوعة بعدة عوامل يأتي في أبرزها العامل الاقتصادي؛ إذ تعتمد غالبية الأسر الريفية على الزراعة كمصدر رئيس للدخل، إلى جانب تربية الماشية وبعض الأنشطة المرتبطة بالبيئة المحلية.
خلال السنوات الأخيرة، ومع تداعيات الحرب التي أثرت بشكل واسع على مختلف القطاعات، لاسيما الجانب الاقتصادي؛ باتت “الأعراس الموسمية” أكثر ارتباطًا بالاستقرار المالي الذي يوفره محصول الحصاد.
ارتباط اقتصادي وثقافي
ويُنظر إلى هذه الفترة على أنها التوقيت الأمثل لتحمُّل تكاليف الزواج، في ظل شحّ الموارد المالية على مدار العام، ما يجعل مردود المحصول الزراعي عاملًا حاسمًا في تحديد التوقيت.
ويؤكد “عبد الكريم محمد”، وهو مأذون شرعي هذه الظاهرة؛ إذ يقول لمنصة ريف اليمن: “من خلال عملي، لاحظت أن العديد من الأسر الريفية تفضِّل إقامة حفلات الزواج بناءً على المواسم الزراعية، خاصة في موسم الحصاد، أو بعد بداية موسم الأمطار”.
ويعزو عبدالكريم، السبب الرئيسي الذي يقف وراء ذلك، إلى الاستقرار المالي الذي توفره هذه الفترات؛ حيث يكون لدى الأسر وفرة اقتصادية تُعين على تغطية تكاليف الزفاف وتحمُّل نفقاته.
إلى جانب ذلك، يشير عبد الكريم إلى جزئية حساسة تتمثل في كون “كثير من الأسر الريفية تعتقد أن الزواج في هذه الفترات يضمن التوفيق والبركة في الحياة الزوجية، وهو ما يجعل هذه المواقيت أحد العوامل التي يحرص الناس على مراعاتها لضمان أن تكون بداية الحياة الزوجية في أفضل الظروف الممكنة”، حد قوله.
“عبد الواحد الزريقي” (34 عامًا)، الذي أقام زفافه في موسم الحصاد، يرى أن هذا التوقيت هو الأنسب اقتصاديًا واجتماعيًا، إذ يقول لمنصة ريف اليمن: “تعيَّن عليَّ إقامة زفافي في موسم الحصاد لأنه الوقت الأنسب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية لأبناء الريف المعتمدين على الزراعة كمصدر دخل”.
ويضيف الزريقي بالقول: “بعد موسم الحصاد نكون قد جنينا المحاصيل، مما يوفر السيولة المالية اللازمة لتنظيم الزواج، والتكفل بنفقاته”. ويستطرد: “كما أن المطر يرمز إلى الحياة والنماء، ما يمنح هذه الفترة طابعًا رمزيًا مميزًا لبداية حياة جديدة”.
رغم هذا الانطباع المثالي والحيثيات المنطقية في تعليل العلاقة بين إقامة حفلات الزفاف والسيولة المالية التي يجنيها القرويون من عائدات محاصيلهم الزراعية عقب -أو خلال- مواسم الحصاد، لا يغفل البعض عن الإشارة إلى وجود ضغوط مضاعفة، خصوصًا على الفتيات الريفيات المقبلات على الزواج وأسرهن.
وتتمثل هذه الضغوط في الجمع بين الانشغال بالترتيب لإجراءات الزفاف، والانشغال بالأعباء الزراعية التي تترافق مع موسم الحصاد، أو ما يليه من مهام ما بعد جني المحصول.
ارتباط حفلات الزواج بالمواسم الزراعية ليس وليد الظروف الراهنة بل هو تقليد متجذر في الثقافات وله امتداد تأريخي (فؤاد)
تقول “ملوك عبد الوارث” (27 عامًا)، لمنصة ريف اليمن: “الزواج أثناء موسم الحصاد يحمل الكثير من التحديات بالنسبة لنا كفتيات ريفيات، وعلى الرغم من أن هذه المواسم توفر بعض الاستقرار المالي للأسر بفضل وفرة المحاصيل، إلا أنني أرى أن هذه العادة تضع ضغوطًا كبيرة على الفتيات، خاصةً أنهن يشاركن في عملية الحصاد”.
وتضيف: “نشارك في أعمال الحصاد إلى جانب الاستعداد للزفاف، مما يجعل الأسرة تركز أكثر على الإنتاج الزراعي بدلاً من التحضير الكافي لمراسم الزواج”، وبحسب ملوك فإن “هذا التوقيت قد يؤدي إلى تقليص الخيارات المتاحة للفتاة، ويُفرض عليها إتمام الزواج بسرعة دون استعداد كامل”.
جذور تاريخية
يرى الدكتور “هزاع الحمادي”، الباحث في التاريخ اليمني، أن ارتباط حفلات الزواج بالمواسم الزراعية ليس وليد الظروف الراهنة، بل هو تقليد متجذر في الثقافات، وله امتدادٌ ضاربٌ في عمق التاريخ لدى المجتمعات الزراعية منذ القِدم.
ويضيف الحمادي في تصريح لمنصة ريف اليمن: “في العديد من الثقافات حول العالم، يرتبط توقيت الزواج ارتباطًا وثيقًا بالمواسم الزراعية، ليس فقط الزواج، بل حتى العبادات والقرابين والنذور ومختلف الطقوس الدينية والاجتماعية؛ حيث تُعتبر هذه الفترات هي الأنسب بسبب الوفرة”.
ويردف: “في اليمن القديم، كان للزراعة دور محوري في بناء المجتمع وتحديد أبعاده الاقتصادية والاجتماعية، وكانت المواسم الزراعية تمثل أوقاتًا مهمة بالنسبة لليمنيين في مختلف الدول اليمنية القديمة.
ويشير إلى أن الأسر كانت تشهد زيادة في الموارد المالية نتيجة لمحاصيلها الزراعية، ومن هنا كانت العائلات في اليمن تختار توقيت الزواج خلال هذه الفترات لضمان قدرتها على تأمين كافة متطلبات العرس، ما يعكس التفاعل بين الدورة الزراعية والأنماط الاجتماعية”.
ووفقًا للحمادي؛ فإن الزواج في فترات الحصاد بالنسبة للمجتمعات الزراعية يُعد خطوة نحو الاستقرار والازدهار، حيث إن ارتباط الزواج بموسم الحصاد كان -ولايزال- يعني بداية حياة جديدة تتماشى مع دورة الأرض وخصوبتها.
لافتا إلى أن اقتران تقويم موسم الحصاد الزراعي بمواعيد إقامة حفلات الزواج، يعد عنصرًا جوهريًا يعكس الثقافة اليمنية القديمة، وعلاقتها العميقة بالأرض والزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
ويعكس تقليد الأعراس الموسمية في الريف اليمني تداخلًا وثيقًا بين الثقافة الزراعية والأنماط والظروف الاجتماعية في فسيفساء الريف اليمني بمختلف بقاعه وشِعابه، وخلفيات فلكلوره الثقافي في الجبل والسهل، ويتجلى من خلاله الارتباط الخفي والظاهر للأرض في تشكيل تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع الريفي في اليمن.
فضلًا عن الرمزية التي يكتنفها هذا التقليد الشائع كتجسيدٍ مجازي للخصوبة والاستقرار، وفاتحةٍ لبناء مستقبل جديد للأزواج في بيئة تعتمد على الزراعة كمحرك أساسي للاقتصاد والمعيشة، وهي بذلك تتجاوز كونها مجرد استجابة اقتصادية للواقع الريفي، بقدر ما تمثل إرثًا ثقافيًا متجذرًا يُبرِز العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض، ويُعيد تعريف مفهوم البركة والوفرة والبدايات الواعدة.
محافظة شبوة إحدى أبرز المحافظات اليمنية التي تجمع بين عبق التاريخ وأصالة التراث والطبيعة الخلابة، إذ تزخر المحافظة التي احتضنت حضارات عريقة مثل أوسان وقتبان وحمير، بآثارها التي تحكي قصص الأجداد وعبقرية التاريخ.
وتعكس محافظة شبوة تنوعًا ثقافيًا ومعماريًا فريدًا، وتمثل مديرية الطلح خصوصا نافذة مشرقة على التراث المعماري اليمني القديم، حيث تتناثر فيها الحصون والقلاع التي تُعرف محليًا بـ”المصانع”، وهي لاتزال شاهدة على عبقرية الأجداد وحنكتهم في مواجهة تحديات الزمن.
بين الجبال الوعرة والطبيعة الخلابة، تقف هذه المعالم شامخة، تحمل في تفاصيلها قصصًا عن حضارات أوسان وقتبان وحمير، وتروي فصولًا من تاريخ غني بالإبداع الهندسي والحياة القبلية، وتعد الحصون والقلاع ، (وتسمى مصانع ومفردها مصنعة) من أهم المعالم الأثرية لمعظم القبائل اليمنية، على وجه الخصوص قبائل محافظة شبوة.
شبوة والإرث التأريخي
وتعد مصنعة روضة بامخشب، من أجمل القلاع والحصون في المديرية وأروعها على مستوى المحافظة، من حيث التصميم والمتانة والقوة والجمال، إذ يفوق عمرها 600 عام تقريباً ، وهي تحفة معمارية فريدة من نوعها من ناحية التصميم والهندسة المعمارية، ولاتزال شاهدة على عبقرية الأجداد الأوائل.
ويقول مدير عام مكتب السياحة في محافظة شبوة جاسم رويشان: “من قام بتشييد هذه القلاع والحصون هم أناس عاديون لا يمتلكون أي شهادات في مجال البناء والهندسة، ولكنهم يمتلكون عبقرية فريدة، ومهارات متوارثة”.
وأضاف رويشان لمنصة ريف اليمن:” عندما تنظر إلى الأعلى باتجاه سطح المصنعة تجد زيادة في الجدار العلوي بين الأركان الدائرية، وتوجد فتحات لرمي الحجارة أو الرماح على أي عدو يحاول مهاجمة المصنعة وكسر أو تفجير باب المصنعة”.
تضم جوانب المصنعة فتحات نوافذ تسمى” العُكُر” وهي على شكل مثلث تعتبر قمة الهندسة والإبداع ولها خصائص حربية لمواجهة العدو من كل الاتجاهات، بحيث يصعب على المهاجم إصابة المتمترس فيها، و تحيط بالمصنعة فتحات مربعة والبعض مستطيلة للتهوية ودخول الشمس والضوء لكل من الدرج والممرات و الحجرات .
تجدر الإشارة إلى أن العيدان المستخدمة في سقف طوابق المصنعة هي من الأشجار المتواجدة في البيئة المحلية مثل :عود السدر – والسرح – القرض – الصر، وهي عيدان صلبة تقاوم كل عوامل الطبيعة، وما زالت رغم تلك السنين قوية ومتينة.
ويسمى باب المصنعة “فرخ” ويرتفع عن سطح الأرض ثلاثة أمتار ويتم الوصول إليه عبر سلم يسمى (مشعبة-أو عود)، وهو (أي الباب) تحفة نادرة، مصنوع من شجرة السدر، وبه نقوش وزخرفة تدل على مهارة صانعه خلال تلك الحقبة.
وقال الباحث في تاريخ محافظة شبوة عيظة عبدالعزيز:” هذه العيدان تُقطع في فصل الشتاء، والسر يكمن في أنه لا تدخلها (الأرضة) في الشتاء، ويضل العود قويا شديد الصلابة والمتانة”.
تعكس شبوة تنوعًا ثقافيًا ومعماريًا فريدًا، وتمثل مديرية الطلح نافذة مشرقة على التراث اليمني القديم (ريف اليمن/ عيظة عبدالعزيز)
وأضاف في حديث لمنصة ريف اليمن “عندما تقف أمام هذه القلاع والحصون و تتأملها من الخارج تندهش بتصاميمها وفنونها وأركانها الدائرية وارتفاعها الذي يصل إلى أكثر من خمسة طوابق “، وبالإضافة إلى مصنعة روضة بامخشب يوجدُ في مديرية الطلح مصنعة الباجحاو وهي شبيهة إلى حد كبير بمصنعة روضة بامخشب.
يقول عيظة إن:” مصنعة الباجحاو تنسب إلى آل عمر بن سعيد الباجحاو آل هميم بلعبيد في قرية الحصون منطقة معبر (شورة الهميم) بمديرية الطلح. إذ تم بناؤها في 1770 و 1780 ميلادي تقريباً ، و بناها سعيد بن محمد باجحاو الهميمي بالعبيد” .
وتتكون مصنعة الباجحاو من 5 طوابق غالبيتها عبارة عن غرف صغيرة مقسمة لخانات تسمى “رهوق” ومفردها “رهق” وتستخدم لتخزين الحبوب، أما الطابق الثالث يسمى الفاضلة وهو عبارة عن مجلس واسع بنوافذ صغيرة جداً وأكثرها على شكل مثلث للمراقبة وكشف كل الطرق التي تدخل معبر من جميع الجهات.
وتضم مديرية الطلح العديد من الحصون الحربية المنتشرة في كل قرية، إذ تضم بعض القرى نحو أكثر من 10 حصون غير أنها تتعرض للإهمال، ويلفت رويشان إن عدد المصانع التي تعرضت للإهمال والانهيار، تقريبا 8 مصانع، في حين أن عدد الحصون الموجودة في المديرية تقريبا تصل إلى أكثر 250 حصناً وأجملها مبنية من مادة الصليل (القرف) والبعض مبني من الطين (المدر) مثل حصون الوديان المنتشرة في محافظة شبوة وحضرموت.
معالم سياحية في مهب النسيان
يحرص الكثيرون على زيارة مديرية الطلح الواقعة على بعد 150 كيلومتر تقريبا من الجهة الشرقية لمحافظة شبوة؛ من أجل مشاهدة هذه الحصون والقلاع الذي شيدها القدماء بتمعن فريد ودهاء كبير يعكس ثقافة المحافظة وتاريخها التليد.
ويقول الناشط الثقافي والتاريخي عناد الكور لمنصة ريف اليمن أن عملية بناء الحصون والقلاع تبدأ بالقاعدة الأساسية التي يجري بنائها على مستوى سطح الأرض، ويطلق عليها “الساس” وهي مبنية من الأحجار الصلبة، مكبوسة بالتراب
ويضيف، أن الناس يستخدمون مادة اللبن المستخرج من الوديان كمادة أساسية في البناء، يضاف له الصفائح الحجرية الجيرية المتحجرة وشبه الصلبة التي تسمى “الصليل”، والتي تستخرج من مناطق تشبه الجبال وتسمى “الأقاحل” ومفردها “أقحل.”
كما تستخدم مادة الصليل والطين المخلوطة (بالذياد والتبل) وهي من مخلفات المحاصيل الزراعية مثل حبوب (الطهف) والقمح، وتستخدم مع الطين كمادة غراء بين الصليل لتماسكها ويعطي المبنى متانة وقوة.
تتعرض هذه الآثار للإهمال وسط دعوات للسلطات للحفاظ عليها وحمايته من الاندثار (ريف اليمن/ عيظة عبدالعزيز)
ويؤكد عيظة أن الاهتمام والمحافظة على حماية آثار مديرية الطلح محدود، قمنا بمبادرة ثقافية للحفاظ على التراث والنمط المعماري الذي تتميز به المديرية وقمنا بتشجيع مالكي الحصون على ترميمها والحفاظ عليها من عوامل التعرية الطبيعية لتبقى شاهدة على عبقرية الإنسان اليمني في الفن المعماري”.
ويطالب الباحث في تاريخ محافظة شبوة، السلطة المحلية والجهات ذات الاختصاص بالتدخل لترميم الحصون والقلاع بالطريقة العلمية المتبعة من قبل الهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية أو استشارة مختصين في مجال الحفاظ على التراث العمراني.
من جانبه قال مدير الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية في شبوة الدكتور محمد السدلة :”من المحزن أن تتعرض المعالم الأثرية في شبوة للإهمال مضيفًا لمنصة ريف اليمن بأن:” هناك إهمال متعمد لإعاقة عمل الهيئة حيث يتمثل هذا الإهمال بالموازنة التشغيلية الضئيلة للهيئة والتي هي بحدود 23 ألف ريال” .
ودعا السدلة السلطة المحلية والجهات المعنية إلى سرعة الحفاظ على المدن التاريخية والحصون والقلاع الأثرية، لما تمثله من رمزية تاريخية وثقافية فريدة.
ورغم أهمية التراث اليمني فإنه منذ زمن يواجه خطر الإهمال ويحتاج إلى تكاتف الجهود للحفاظ عليه، باعتباره جزء من هوية اليمن وثقافته، وواجب على الجميع أن يشارك في حمايته ليبقى منارة للأجيال القادمة.
“أربعة آلاف شخص يُقتلون في اليمن سنويًا بسبب النزاع على الأراضي والمياه”، وفقًا للمركز الدولي المعنيّ بتأثير الصراعات على المدنيين ‹سيفيك› هذا الرقم الصادم يعكس مدى تصاعد التوترات والصراعات داخل المجتمعات الريفية؛ للحصول على حصص كافية من المياه.
مع تراجع هطول الأمطار الموسمية، وتدهور الأوضاع المعيشية والأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب؛ باتت مشكلة المياه تشكل تحديًا كبيرًا، وتهدد الاستقرار المجتمعي والاقتصادي لسكان القرى الريفية الذين يعتمدون على الزراعة بدرجة أساسية في تأمين احتياجاتهم اليومية.
حروب المياه
ولعل أبرز حروب المياه التي شهدها الريف اليمني، ما دار بين قريتي قراضة والمرزوح في مديرية صبر الموادم، بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن، والتي استمرت لنحو 17 عاما، على مراحل خلّفت 18 قتيلا، وحوالي 70 جريحا من الطرفين، إضافة إلى تهجير عشرات الأسر وتدمير المزارع.
يستذكر “عمر الشجاع (40 عاما)”، الذي كان وسيطا محليا في النزاع الذي بدأ بين القريتين عام 1998م، واستمر حتى 2014، كيف شهدت القريتان مشكلات متعددة، وتسببت بمآسي كثيرة، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وتم تشكيل لجان رئاسية وحملات أمنية حتى تمكنت الدولة من حلها.
يلفت الشجاع خلال حديثه لمنصة ريف اليمن، إلى أن “لجان الوساطة بذلت حينها جهودا كبيرة للعمل على حل هذه المشكلة، وتضمنت الحلول المقترحة تقسيم المياه بشكل عادل بين القريتين، وتنفيذ مشاريع تنموية تساهم في تقليل التوتر وضمان استقرار العلاقات، من ضمنها مشروع جسر السلام”.
ويقول الباحث الاجتماعي “محمد علي أبو صلاح”، إن المياه تعتبر أحد أسباب الصراعات بين أفراد المجتمع، حيث يؤدي الحرص للحصول عليها بسبب شحتها إلى نزاعات بمختلف المحافظات؛ ما يسفر عن سقوط ضحايا، ويهدد استقرار القرى والمزارعين وسبل عيشهم.
أبو صلاح شدد خلال حديثه “لمنصة ريف اليمن”، على التعاون والحوار وإيجاد الحلول؛ لتجنب هذه المشكلات التي تهدد استقرار السكان، وحل النزاعات سلميا، وتحويل الموارد المائية الى وسيلة للاستقرار الاجتماعي، بدلا من تحويلها إلى مصدر للاقتتال، لافتاً إلى أن المياه شريان حياة، ويجب إيجاد حلول وأرضية مشتركة لجميع الاطراف المستفيدين من هذه الموارد.
ومنذ بداية النزاع الحالي في 2014، زادت الأطراف المتحاربة من مفاقمة أزمة المياه في اليمن، وهناك –بحسب الأمم المتحدة– 15.3 مليون يمني، أي أكثر من نصف السكان، لا يحصلون على مياه كافية ومأمونة ومقبولة للاستخدامات الشخصية والمنزلية، بما في ذلك الشرب والطهي والصرف الصحي.
بالإضافة للصراع على المياه، تصاعدت كذلك حدة التوترات على الأراضي، خصوصاً مع التوسع العمراني الكبير الذي شهدته العديد من القرى الريفية في اليمن، كما هو الحال في ريف محافظة صنعاء، والتي غالبيتها ناجمة عن غياب الوثائق الرسمية لدى بعض الأطراف المتنازعة.
تمديدات خاصة بمياه الري لآبار مشتركة الملكية في منطقة بني حشيش بصنعاء (ريف اليمن)
تروي السيدة “وفاء الحميدي (30 عاما)” وهي إحدى نساء قرية بيت اللهيدة في بني حشيش، شمال صنعاء، حادثة صراع حول تقسيم حدود الأرض بين قبيلتين، والتي راح ضحيتها قتلى وجرحى أواخر موسم الصيف الماضي.
تقول الحميدي لمنصة ريف اليمن: “بعد أن تدخلت السلطة المحلية لإنهاء المشكلة، رفض أحد الأطراف الحكم بسبب مقتل أحد أفراده، وقام بتطويق الوسطاء وإطلاق النار عشوائيا ما أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة آخرين”.
صراعات الأراضي
ويوضح العقيد بالأمن رامز الضراب، أن “النزاع كان حول “المشاع”، وهي أراضٍ ذات ملكية عامة تُشكّل حدودًا بين منطقتين، وتمتاز هذه الأراضي بخصوبتها العالية وتوفر مصادر المياه فيها، فضلاً عن أهميتها لزراعة القات، ما يجعلها محط أطماع متزايدة بين القبيلتين”.
ويضيف الضراب، وهو أحد ضباط شرطة بني حشيش لمنصة ريف اليمن: “هذه القضية ليست استثناءً، بل جزءاً من نمط متكرر في المنطقة، حيث تؤدي العوامل الاقتصادية، مثل زراعة القات وندرة الموارد، إلى تأجيج الخلافات”.
ويلفت إلى أهمية وضع حلول جذرية تشمل توثيق الأراضي، وتنظيم استغلال الموارد، وتعزيز دور السلطة المحلية في حل النزاعات قبل أن تتحول إلى صراعات دامية تُهدد الاستقرار في المنطقة بأكملها.
وتلعب المجالس المحلية في اليمن دوراً مهماً في تخفيف التوتر وتسوية النزاعات والخلافات المجتمعية، مستفيدة من معرفتها العميقة بالديناميكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقبلية المحلية المعقدة، وبحسب “فيصل مجلي”، وهو عضو المجلس المحلي بصنعاء، إن المجلس يؤدي دورًا بالغ الأهمية في تسوية النزاعات من خلال فهم الأسباب الكامنة وراءها، وتحديد الحقوق لكل طرف، ومعرفة من تجاوز على الآخر، ثم العمل على إيجاد حلول عادلة وفعالة.
وأضاف مجلي لمنصة ريف اليمن: “عندما يتعلق النزاع بمصادر المياه، يتدخل المجلس المحلي لاحتواء الخلافات التي قد تؤدي إلى صراعات أوسع، ويتمثل الحل غالبًا في طلب حفر بئر إضافي لتخفيف الضغط وتجنب الفتنة، أو وضع خطة مدروسة لتقسيم المياه بشكل عادل تحت إشراف المختصين في المنطقة”.
ويشكّل تغير المناخ تهديدا كبيرا على الموارد الشحيحة أصلا، في بلد يعد من أكثر بلدان العالم فقراً في المياه، ما يجعله معرَّضاً لخطر الجفاف التام، إذ توقع البنك الدولي في عام 2010 استنفاد احتياطيات المياه الجوفية في اليمن بين عامي 2030 و2040، في وقت قال فيه المركز إن هذا التوقع لم يتغير إلى حد كبير.
ويجزم المركز الدولي المعنيّ بتأثير الصراعات على المدنيين (سيفيك)، أن شح المياه والأراضي لا يزال حتى اليوم من أكبر التحديات التي تواجه اليمن، ولا تزال تتسبب في النزاعات المحلية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ إن العائلات تهرب من النزاع، لينتهي بها الأمر إلى التقاتل مع المجتمعات المضيفة هناك حول مصادر المياه المحدودة.
حُرم الطفل “فراس عبدالله”، البالغ من العمر 9 سنوات، من أبسط حقوقه المتمثلة بالتعليم، بعد أن أجبرت ظروف النزوح القاسية أسرته على إيقافه عن مواصلة دراسته بالصف الثالث الابتدائي، في مخيم الرحبة للنازحين، الواقع في مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز (جنوب غربي اليمن).
وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم الدولي للتعليم الذي يصادف الـ24 من يناير من كل عام، بهدف تسليط الضوء على تحديات قطاع التعليم عالميًا، بات الوضع في اليمن مختلفاً كثيرا، وأصبحت هذه المناسبة فرصة لتسليط الضوء على معاناة آلاف الأطفال النازحين الذين حُرِموا من التعليم.
معاناة وحرمان من التعليم
وخلال سنوات الحرب، شهد التعليم في اليمن تحديات كثيرة، ويواجه الأطفال اليمنيون بشكل عام، والنازحون على وجه التحديد، صعوبات كبيرة للحصول على فرص التعليم في بيئة آمنة ومناسبة؛ نتيجة استمرار الصراع المسلح، والنزوح المستمر، وانقطاع المرتبات.
ويواجه أطفال مخيم الرحبة تحديات يومية تتمثل في السير لمسافات طويلة على الأقدام للوصول إلى مدرسة صلاح الدين الأيوبي، مما يزيد من معاناتهم، ويعيق قدرتهم على الاستمرار في التعليم بشكل منتظم.
يقول “محمد الغفاري”، عم الطفل فراس في حديث لـ”منصة ريف اليمن”، إن “ظروف النزوح جعلت التعليم شبه مستحيل، ولم نتمكن من توفير المستلزمات المدرسية من كتب وحقائب بسبب الفقر، كما أن المسافة الطويلة بين المخيم والمدرسة تزيد الوضع سوءًا”.
ويضيف الغفاري: “أطفال مخيم الرحبة يواجهون صعوبة كبيرة في الحصول على التعليم في مخيمات النزوح؛ بسبب عدم توفر مدرسة قريبة من المخيم، ويسلكون مسافة طويلة سيرًا على الأقدام إلى مدرسة صلاح الدين الأيوبي التي تبعد مسافة كبيرة عن المخيم”.
الغفاري أشار إلى أن المدرسة -التي أصبحت ملاذًا وحيدًا لأطفال المخيم- تعاني من اكتظاظ كبير؛ نتيجة تزايد أعداد الطلاب النازحين وطلاب المجتمع المضيف؛ ما يجعل الحصول على تعليم نوعي أمرًا شبه مستحيل.
أطفال يتلقون التعليم داخل إحدى مخيمات النزوح بمحافظة مأرب شرقي اليمن (ريف اليمن)
وتقول الأمم المتحدة إن هناك 8.1 مليون طفل وطفلة في اليمن بحاجة إلى مساعدة التعليم في حالات الطوارئ في اليمن، يشمل ذلك 1.65 مليون طفل نازح داخليًا، و1.5 مليون طفل من ذوي الإعاقة والأقليات التي تواجه تحديات في الحصول على التعليم.
“منير مقبل عبدالجليل”، مسؤول التعليم في مخيم الرحبة، أكد لـ”منصة ريف اليمن” أن الوضع التعليمي في المخيم يعاني وضعاً صعباً؛ حيث يواجه الطلاب صعوبات كبيرة في الالتحاق بالتعليم نتيجة بُعدِ مسافة المدرسة عن المخيم، وعدم قدرتهم على توفير المستلزمات المدرسية إلى جانب الرسوم الدراسية؛ الأمر الذي أدى إلى تسرُّب العديد من الطلاب في المخيم.
وأوضح عبدالجليل أن مدرسة صلاح الدين الأيوبي فرضت هذا العام رسومًا تتراوح بين 5000 إلى 10 آلاف ريال يمني حسب المرحلة الدراسية؛ ما أدى إلى حرمان العديد من الطلاب من التسجيل؛ كون غالبية أولياء الأمور غير قادرين على تسديد الرسوم.
“الفصول الدراسية مكتظة للغاية، إذ يصل عدد الطلاب في الفصل الواحد إلى 150-160 طالبًا”، يضيف عبدالجليل. موضحاً أن أكثر من 211 طالبًا وطالبة من المخيم يواجهون خطر الانقطاع عن التعليم بسبب هذه التحديات، لافتاً إلى أن وضع التعليم في المخيم يتطلب تدخلاً عاجلاً لتوفير بيئة تعليمية مناسبة للطلاب.
عبدالجليل أشار إلى أن المنظمات الإغاثية والصندوق الاجتماعي، لم يلتزموا بتعهداتهم بإضافة فصول دراسية جديدة لتحسين الوضع التعليمي، ما يترك الأطفال عالقين في دوامة الحرمان، مشيراً إلى أن إدارة المدرسة رفضت تسجيل بعض الطلاب، وحرمتهم من التعليم بسبب الكثافة الطلابية.
يكاد هذا الوضع ينطبق على مختلف مخيمات النزوح بالمحافظات، فالأطفال النازحون في مخيمات مأرب يعانون أيضا في سبيل حصولهم على التعليم، غير أن معاناتهم تختلف قليلا؛ إذ تتمثل في انعدام الكادر التعليمي؛ ما جعل خريجي الثانوية العامة يقومون بالتدريس لتغطية عجز وغياب المعلمين في المخيمات.
وأوضح “زايد الجبري”، أحد المعلمين في مخيمات النزوح، لـ”منصة ريف اليمن” أن معظم من يقومون حاليا بمهنة التدريس يفتقرون إلى المؤهلات اللازمة، حيث يعمل الكثير منهم كمتطوعين دون خبرة أو تدريب كافٍ، ولم يحصلوا أيضا على مقابل مادي من مكتب وزارة التربية والتعليم بالمحافظة.
تشير أحدث البيانات الأممية إلى أن حوالي 40% من الأطفال لا يلتحقون بالمدارس (ريف اليمن)
لم يكن تهجير الأطفال والفتيات من منازلهم وتشريدهم وأسرهم في صحاري ووديان محافظة مأرب كافيا، بل رافقه أيضا الزواج المبكر، والحرمان من التعليم نتيجة الأوضاع التي تشهدها البلاد، وانهيار العملية التعليمية. “الأطفال هنا لا يحصلون على تعليم جيد بسبب نقص الكوادر المؤهلة، ما يزيد من صعوبة تحسين مستواهم التعليمي”، يضيف الجبري.
ما زالت الأزمة في اليمن واحدةً من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتواجه البلاد تحدياتٍ هائلةً رغم تحول الاهتمام العام إلى حالات طوارئ عالميةٍ أخرى. وفقا للأمم المتحدة، يوجد في اليمن 18.2 مليون شخص –بما في ذلك 4.5 مليون نازح– بحاجةٍ ملحة إلى المساعدات الإنسانية، ويشمل ذلك أكثر من 60 ألف لاجئٍ وطالب لجوءٍ من الصومال وإثيوبيا بشكلٍ رئيسي.
معلمون بلا مؤهلات
مسؤول القطاع الخامس الشرقي للنازحين في مديرية الوادي بمحافظة مأرب “ناصر على الأشرم” قال لـ “منصة ريف اليمن” إن التعليم في مخيمات النزوح يواجه تحديات كبيرة ومعقدة، خاصة تعليم الأطفال؛ حيث يعانون من ظروف صعبة في الحصول على التعليم.
ويشير الأشرم إلى أن الظروف المعيشية التي يعاني منها الأطفال تؤثر على تركيزهم في التعليم، نتيجة سوء التغذية والضغوط النفسية التي يواجهونها. ولفت إلى أن الزواج المبكر كان أحد أسباب حرمان الفتيات في المخيمات من التعليم، وأن العديد من الأطفال يلجؤون إلى العمل لمساعدة أسرهم؛ مما يؤثر على تحصيلهم الدراسي.
ويرى أن انخفاض مستوى التعليم في محافظة مأرب يعود إلى عدة أسباب، منها: نقص الموارد والبنية التحتية، وهذا ما يؤدي إلى انخفاض مستوى التعليم، بالإضافة إلى انخراط الطلاب في سوق العمل للبحث عن مصدر دخل لتوفير بعض من المتطلبات الأساسية لأسرهم، وهذا ما يؤدي إلى تسرب الطلاب من المدارس.
وتشير أحدث البيانات الأممية إلى أن حوالي 40% من الأطفال في سن الدراسة لا يلتحقون بالمدارس، وسط تصاعد الأزمة الإنسانية في البلاد، وتظهر سجلات الالتحاق بالنظام التعليمي أن 61% فقط من الأطفال في سن الدراسة يذهبون إلى المدارس، من بين 10.7 ملايين طفل في سن الدراسة باليمن.
وتؤكد الناشطة الحقوقية “إشراق المقطري” أن نسبة التعليم في مخيمات النزوح متدنية، وأن هناك شريحة كبيرة من الأطفال تواجه صعوبات وتحديات كبيرة في الحصول على التعليم.
معلمة تشرف على الجانب الترفيهي للأطفال النازحين (ريف اليمن)
وأشارت في حديثها لـ “منصة ريف اليمن” إلى الوضع الصحي والنفسي الذي يواجه الأطفال في مخيمات النزوح، لافتة إلى أنهم بحاجة إلى تأهيل نفسي ودمج في المجتمع وإعادة الثقة إليهم، بالإضافة إلى معلمين متخصصين في التعامل مع الأطفال الناجين من مناطق الصراع.
وبحسب المقطري، فإن مخيمات النزوح غير مهيأة للتعليم؛ كونها لم تحصل على الإعداد والتجهيز من قبل المنظمات الدولية والكيانات الحكومية لإعداد خطة إستراتيجية لشرائح النازحين، وبناء مدارس لهم، وتوفير المستلزمات الدراسية للأطفال النازحين من الكتب والحقيبة المدرسية والزي المدرسي، وتمكينهم من تلقي التعليم.
وأكدت أن هناك مخاطر أمنية يواجهها الطلاب النازحون، يعاني منها القادمون من المحافظات المنكوبة، ويتعرضون للكثير من الإقصاء والتمييز والتهميش في المدارس بالمحافظات والمديريات التي استضافت هؤلاء النازحين.
ووفقا للمقطري: “الأطفال النازحون يعانون من نظرة سلبية، حيث يُنظر إليهم على أنهم عبء على المجتمعات المضيفة؛ ما يؤدي إلى عزلتهم وتسربهم من المدارس، وأصبح لدى الكثير مبرر إضافي لعدم رغبتهم بالانخراط في التعليم”.
ومهما اختلفت الأسباب وتعددت التحديات، يبقى أطفال مخيمات النزوح في اليمن محرومين من أبسط حقوقهم الأساسية، وهو التعليم، ومع ارتفاع أعدادهم، تبدو المخاوف من أن جيلاً كاملاً مهدد بالأمية أمراً واقعياً، وهو ما يستدعي تحركاً عاجلاً من الجهات المعنية لتوفير بيئة تعليمية مناسبة، وإطلاق برام لإنقاذ هؤلاء الأطفال من براثن الجهل والضياع.
المدرجات الزراعية البدعية في جبل صبر بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن/ محمد التويجي)
التربة التي اعتبرت كنزا ثميناً لقرون من الزمان، تحول المدرجات الزراعية شديدة الإنحدار في اليمن إلى أرض خصبة ومنتجة، والقهوة المزروعة هناك تم تقديمها في المقهى الأول بلندن عام 1652.
دائمًا تدرك أنك على وشك رؤية شيء مثير للاهتمام عندما يخلع سائق سيارتك حذائه ويمسك بدواسات القدم بقوة بأصابع قدميه المتصلبة.
كنت جديدًا في اليمن ولم يكن لدي أي فكرة عما أتوقعه، كل ما رأيته هو أننا كنا على هضبة جبلية صخرية نندفع نحو حافة منحدر على متن سيارة تويوتا لم يتذكر أحد صيانتها وفحصها.
انحرفت آثار الإطارات المتوازية على قمة الجبل المتربة إلى اليسار بشكل حاد، واختفى الأفق في فراغ ضبابي مزرق اللون. لقد بدأ نزولنا للأسفل حيث نمر بسلسلة من الاهتزازات والاصطدامات المروعة.
المدرجات الزراعية
توقفنا لندور حول منعطف حاد، وقفزت من السيارة لأستمتع بالمنظر. ثم ألقيت نظرة أولى على أحد أعظم الإبداعات البشرية في العالم: المدرجات اليمنية. فهي تمتد من القمة إلى قاع الوادي، وتتعرج حول محيطها، وهي إنجاز مذهل من الجهد الجماعي الذي تم تكراره في سلسلة الجبال التي تمتد من الحدود السعودية إلى النقطة الجنوبية من شبه الجزيرة العربية عند عدن.
المدرجات الزراعية البدعية في جبل صبر بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن/ محمد التويجي)
إن كل جدار من جدران المدرجات لهو شهادة على فن البناء بالحجارة، حيث يبلغ ارتفاع بعضها ارتفاع المنزل للحفاظ على بضعة أمتار من التربة. وهذه التربة، التي تم جمعها بعناية والاعتناء بها على مدى قرون، تحول هذه المنحدرات الشديدة إلى أرض خصبة منتجة.
كان البن المزروع هنا يقدم في أول مقهى في لندن في عام 1652، على الرغم من أن الأصل الحقيقي في ذلك الوقت كان غامضًا لدرجة أنه كان يُعرف باسم ميناء “موكا” (المخا) في البحر الأحمر حيث كان التجار يشترونه.
في كل مكان ترى فيه الصنعة المعقدة والعناية التي تبذل للسيطرة على التربة والمياه والاحتفاظ بها. بعض الصهاريج الحجرية أكبر قليلاً من حوض الاستحمام، والبعض الآخر بحجم حمام السباحة الأولمبي مع أنظمة معقدة للوصول عبر السلالم والحواف.
في الربيع، على أحد الجبال، جبل صبر بالقرب من مدينة تعز الجنوبية، كنت أسير عبر بساتين مظللة من أشجار البن واللوز والقات، مستمعاً إلى المزارعين وهم يتحدثون مع أصدقائهم الذين قد يكونون على بعد 100 متر فقط على شرفة عبر الوادي، لكنهم يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام.
وتستخدم الجدران المشرفة كمقبرة أيضاً. فعندما يموت الناس، تتحول القرية بأكملها إلى حملهم عند الفجر ووضع الجثث المغطاة خلف حجر. وآخر ما يفعله الجميع هو دفع الأقحوان وحبوب البن.
كانت العديد من المدرجات قديمة بالفعل عندما وصفها العالم العربي أبو الحسن الهمداني في القرن العاشر بأنها من عجائب الدنيا. والحقيقة أن المدرجات الزراعية هي نتاج أجيال من التفاني البشري، حتى يومنا هذا.
صحيح أن بعضها تردى في حالة سيئة، لكن بعضها الآخر لا يزال قائماً، وبفضل إدارتها للتربة والمياه، تظل رمزاً قوياً للاستدامة والعناية البيئية والحس السليم.
في قرية الضياء بريف تعز، عاش الراحل خالد الحيدري حياته مصاباً بإعاقة في يده اليمنى، لكنها لم تقف عائقًا أمامه، بل استطاع التغلب عليها من خلال إنجاز أفكار خارج المألوف، سواءً على مستوى أسرته أو مجتمعه، حتى أصبح يلقَّب بصديق البيئة والسكان.
تمكن الحيدري من المساهمة في مشاريع مختلفة؛ أبرزها تخفيف أزمة المياه عن سكان قريته بمديرية سامع جنوبي المحافظة، بالإضافة إلى ابتكار حلول صديقة للبيئة؛ في تأكيد عملي بأن الاستدامة تبدأ من الفرد، وأنه بإمكان المواطن المجتهد أن يخدم بيئته، ويحقق لنفسه شيئاً من الاكتفاء الذاتي.
تخفيف أزمة المياه
بجهود ذاتية، تمكن الحيدري من استخراج المياه من باطن الأرض من أمام منزله في منطقة جبلية، عبر استخدام أدوات بسيطة، ثم أصبح مشروعه واحدًا من أهم منابع مياه الشرب لسكان قرية الضياء، خصوصاً خلال فصل الشتاء.
تؤكد السيدة هدى عبدالمجيد، وهي إحدى سكان قرية الضياء، بأن “الحيدري من أبرز رجال الخير في القرية؛ حيث ساهم في استخراج مياه الشرب من باطن الجبل، فكان ذلك العين مصدرًا لجميع سكان قريتنا، أنا وجميع النساء نجلب المياه من هناك، لاسيما في فصل الشتاء، كهذه الأيام”.
وأضافت هدى لمنصة ريف اليمن: “قرية الضياء من أكثر قرى مديرية سامع معاناة في المياه، ومن هنا تأتي الأهمية الكبيرة للبئر الذي أنجزه المرحوم خالد الحيدري، الذي نسأل الله أن يكتب له الأجر العظيم، ويسكنه فسيح جناته”.
تحويل محيط منزله إلى بستان
على الرغم من المساحة الصغيرة والتضاريس الوعرة، إلا أن الحيدري تمكن من استصلاحها وتحويلها إلى بستان؛ مستفيدا من الماء الذي كان قد استخرجه من باطن الجبل.
وتمكن الحيدري من زراعة العديد من الأشجار والفواكه المتنوعة، مثل: التفاح، والرمان، والعِنَب، والمانجو، والبُن، بالإضافة إلى زراعة الخضروات مثل: البطاط، والبصل، والبقل، والثوم، والدُّبا، والكراث.
كما تمكن الحيدري من زراعة البقوليات؛ إذ كان يعتمد على أساليب زراعية عضوية بعيدًا عن المبيدات والكيماويات، مما جعل بُستانه ومزرعته المتواضعة مُلهمة وحالة فريدة وسط التضاريس الصعبة للمنطقة.
الغاز من مخلفات الماشية
عُرف الراحل خالد الحيدري بتفكيره خارج المألوف في مجتمعه، ولم يتوقف تميّزه عند مجرد التفكير، بل كان دائم الاجتهاد في تحويل الأفكار إلى واقع ملموس ومنظور ومُثمر، بكثير من التجارب التي لم توقِفها الإخفاقات وكثرة المحاولات.
جانب من الأشجار التي قام الراحل الحيدري بزراعتها جوار منزله في قرية الضياء بمديرية سامع جنوب تعز (ريف اليمن)
حقق الحيدري نجاحًا مميزًا بتمكّنه من استخلاص الغاز المنزلي من فضلات الأبقار والأغنام، وخاض الكثير من المحاولات. ورغم الفشل إلا أنه تمكن من الوصول إلى تجربة ناجحة، واستطاع إشعال شولة منزله بالغاز المُنتج محليًا.
وعن نجاح تجربته يتحدث ابنه يونس قائلاً: “ظل والدي يحاول كثيرًا استخراج الغاز من مخلفات المواشي، بعد أن كان قد سمع وقرأ عن إمكانية استخراجه من المخلفات، وأن هناك من نجح في مناطق بعيدة وفي بعض الدول، فبقيت الفكرة تراوده وتكبر لديه، ثم بدأ يحاول تنفيذها في 2014 تقريبًا”.
وأضاف يونس لمنصة ريف اليمن: “بدأ والدي بعمل حفرة لمخلفات المواشي، وتجهيز جدرانها بمواد أسمنتية وشمعية وأشياء أخرى تمنع تسرب الغاز، وقام بتوصيل أنبوب من الحفرة إلى شولة البيت، لكن الغاز في البدايات لم يشتعل، ومع ذلك لم يستسلم، بل ظل يحاول، فأعاد تأهيل الحفرة من جديد”.
وتابع:” بعد ذلك قام بإضافة مواد أخرى، حتى تمكن من تشغيل الغاز بعد نحو سنة من التجارب، فساعدنا ذلك على تقليل الاعتماد على الغاز المُشترى، ولو أن لدينا عدداً من البهائم ومرعى مناسباً، لتمكنّا من تحقيق الاكتفاء الذاتي”.
إصلاح الأجهزة الكهربائية
امتد إبداع الحيدري إلى إصلاح بعض الأجهزة الكهربائية؛ إذ كان العديد من سكان قرية الضياء يقصدونه لإصلاح أجهزتهم. حاول مرارًا تقوية تغطية الهاتف في منزله باستخدام أدوات بدائية؛ كلاقطات الراديوهات (الأريلات)، فعل ذلك رغم أنه لم يدرس الهندسة، بل كان التحق بكلية التربية، ولم يكمل دراسته بسبب الظروف المعيشية.
محمد دعكم، أحد الوجاهات المجتمعية في قرية الضياء أكد لمنصة ريف اليمن أن “الراحل خالد كان شخصية عصامية مُتعدد المواهب، وصاحب عقلية متقدة وعبقرية نادرة، عاش حياة ثريّة بالإنجازات”.
صور مدمجة لجانب من محيط منزل “الحيدري” المزروع بالأشجار والنباتات المختلفة (ريف اليمن)
وأضاف لمنصة ريف اليمن: “رغم الإعاقة في يده اليمنى، إلا أنه الأكثر إنجازًا في المجتمع، جهوده أفادت أسرته ومجتمعه، وامتدت ثمارها الإيجابية إلى خارج القرية”.
رغم الإعاقة عمل الحيدري في البناء، لكنه في السنوات الأخيرة فضَّل العمل في الخياطة، وقام بإنشاء معمل للخياطة في منزله، فتعلّم وعلّم أفراد أسرته حرفة الخياطة، وأصبح مقصدًا لسكان قريته والقرى المحيطة.
لم يقتصر الأمر عند ذلك، بل وفّر لفترة زمنية فرص عمل في معمله لعدد من نساء القرية، فاستفاد واستفادت أسرته والعديد من النساء، واستفاد مجتمعه؛ من خلال تعزيز الاستدامة الاقتصادية في الريف، بدلًا عن الذهاب إلى المدينة.
الوفاة واستمرار الحلم البيئي
توفي الحيدري عام 2018، وهو في مطلع الأربعينات من عمره إثر مضاعفات صحية، وبقيت أفكاره ومشاريعه قائمة بجهود أبنائه الذين حافظوا عليها واستمروا على طريق أبيهم، فما أنجزه الراحل ما يزال قائمًا، بل إن بعضه حظي بشيء من التطوير على أيدي أولاده.
وحتى اللحظة، لا يزال منزل الحيدري -الذي يبعد مسافات عن قريته الريفية- مركزًا لأفكاره البيئية ومشاريعه التنموية التي حققها بجهوده الذاتية. عاش صديقًا للبيئة، وبطلًا لم تصنعه الأضواء بل صنع نفسه بنفسه، فهو قصة نجاح جديرة بالتوثيق، أنجز وتميّز، وأشعل نور الأمل بيده المُعاقة، وخلال فترة حياته أثبت الحيدري أنه بالإمكان تحقيق جوانب من التنمية المستدامة بالإرادة والإبداع رغم الأوجاع والمعوقات والصعوبات وشحّة الإمكانيات.
نار مشتعلة من الغاز الذي نجح في استخراجه من مخلفات الحيوانات (ريف اليمن)