الأربعاء, مايو 13, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 64

المرأة اليمنية.. دور بارز في إنتاج وتسويق البن

المرأة اليمنية.. دور بارز في إنتاج وتسويق البن
مزارعون يمنيون يقطفون حبات البن الناضجة في مزارع العاصمة في تقليد قديم يعود إلى عصور قديمة( محمد قعطاب)

بجدارة واقتدار، أثبتت المرأة اليمنية حضورها القوي في زراعة وإنتاج وتسويق البن اليمني الأصيل، حيث تمكنت خلال السنوات الأخيرة من إطلاق العديد من المشاريع المتخصصة في إنتاج وبيع القهوة في مختلف المحافظات.

وتعد النساء شريكًا أساسيًا للرجال في جميع مراحل زراعة البن، بدءًا من غرس الثمار والعناية بالنباتات، وصولًا إلى مرحلة الحصاد والتجهيز، ومن ثم بيعه في الأسواق، وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن النساء يشكّلن نحو 50% من القوى العاملة الزراعية في اليمن.

وبحسب مسح ميداني أجرته المؤسسة الوطنية نهر بدعم من منظمة رؤيا أمل في مديرية يهر في يافع بمحافظة لحج جنوبي اليمن، تبلغ نسبة النساء العاملات في زراعة البن 60%، وتقول إقبال قنداس، وهي مديرة إدارة التخطيط في المؤسسة ورئيسة جمعية نساء يافع “إن النساء يشاركن في زراعة القهوة مع الرجال في جميع مراحل الإنتاج”.


        مواضيع ذات صلة

وأضافت قنداس، في حديثها لمنصة “ريف اليمن”، أن النساء يساهمن في معالجة القهوة وتجفيفها، مما يعزز دورهن في تحسين جودة المحصول وزيادة الإنتاجية، مشيرة إلى أن العديد من النساء يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن من خلال العمل الزراعي والمشاركة في تسويق المنتجات، ما يجعلهن جزءًا أساسيًا من الاقتصاد المحلي.

وتتحدث المزارعة نجلاء قاسم (45 عامًا)، عن تجربتها في زراعة محصول البن اليمني الأصيل، وتقول: تظل زراعة البن أحد أهم مصادر الدخل للكثير من اليمنيين، ومساعد أساسي لرفع اقتصاد البلاد التي يعتمد عليها الكثير من المزارعين.

وتضيف قاسم وهي مزارعة من منطقة يهر بيافع لحج:” رغم التحديات الكبيرة التي نواجهها كمزارعين، إلا أن هناك جهوداً مبذولة للحفاظ على هذا المحصول والاستمرار في زراعته والاهتمام به، ونتمنى ان يكون للجهات المختصة دور مساند لنا للاستمرار”.

المرأة اليمنية.. دور بارز في إنتاج وتسويق البن
عائلة يمنية تفرز حبوب البن بعناية للتأكد من جودتها قبل تحضيرها للبيع (محمد قعطاب)

لم تقتصر مشاركة المرأة اليمنية على الزراعة والإنتاج فحسب، بل امتدت إلى افتتاح مشاريع نسائية خاصة بترويج وبيع القهوة، كما هو الحال مع السيدة إسراء أحمد، التي بدأت مشروعها عام 2015 في مدينة عدن.

تقول إسراء لمنصة ريف اليمن:” بدأت فكرة إنشاء المشروع بعد تخرجي من الجامعة، وافتتحت مشروع كافيه “دو لا فيه” بدعم من والدي”، وحظي مشروعها بإقبال كبير، ما دفعها لافتتاح فرع آخر في المدينة.

بدورها، تمكنت السيدة إيمان صالح (29 عامًا) من تأسيس مشروعها الخاص ببيع وترويج القهوة البيضانية بالطريقة التقليدية وبمكوناتها الأصلية، إذ بدأت مشروعها من خلال المشاركة في معرض صنعاء الدولي للقهوة، حيث حقق نجاحًا واسعًا وما زال يحظى بشعبية كبيرة بين عشاق القهوة.

المرأة اليمنية.. دور بارز في إنتاج وتسويق البن
مشروع لتسويق القهوة تقوده نساء، يشارك في معرض صنعاء للقهوة فبراير 2025

وعن التحديات التي واجهتها، أوضحت إيمان أن “عدم تقبل المشروع في بدايته كان أحد أبرز العقبات، لكني لم أيأس، وواصلت المحاولات حتى نجحت في كسب ثقة العملاء والتجار، وأصبحت أجهز القهوة في المنزل وأعرضها على المحلات التجارية، مما ساعد في الانتشار، معبرة عن أملها توسيع نطاق المشروع ليشمل عدة محافظات”.

أما رحاب الشرعبي (24 عامًا)، فقد شاركت في معرض القهوة الذي أُقيم في صنعاء خلال فبراير الماضي، ووصفت مشاركتها بـ”الفرصة الرائعة”، التي مكنتها من التواصل مع عشاق القهوة والمزارعين والتجار.

وأوضحت الشرعبي لمنصة ريف اليمن، أن شركة موكا أند كو، التي تعمل فيها، حرصت على تقديم أفضل أنواع القهوة من خلال جناح متميز، وعرضت منتجاتها بشكل يبرز تاريخ ومكانة القهوة اليمنية الفريدة.

وأكدت أنها شعرت بالفخر عندما شاهدت الجناح الخاص مليئًا بالزوار، حيث استطعنا التحدث مع الزوار عن تاريخ القهوة في اليمن وأهميتها، وتلقينا العديد من الطلبات، مما عزز من مكانتنا في السوق”.

المرأة اليمنية.. دور بارز في إنتاج وتسويق البن
تغليف أحد المتاجر لمنتج البن اليمني لتسويقة

على الرغم من النجاحات التي حققتها المرأة اليمنية إلى جانب شقيقها الرجل، في مجال زراعة وإنتاج القهوة، إلا أن هذا القطاع يواجه العديد من التحديات، أبرزها شح المياه، الذي تفاقم بسبب التغيرات المناخية الأخيرة، بالإضافة إلى نقص الخدمات الزراعية والحاجة إلى دعم مستدام للمزارعين.

وفي هذا السياق، أكدت نجلاء قاسم، أن “الجفاف يتسبب في موت بعض أشجار البن، مما يستدعي توفير دعم كبير لموارد المياه لضمان استمرار الإنتاج”.

من جانبه، أكد محمد عبدالحافظ، مدير الزراعة والري بذات المديرية، أن الجهات المختصة “تعمل على تشجيع الشباب لمواصلة زراعة وإنتاج البن”، مشيرًا إلى أن “البُن من المحاصيل النقدية وله مردود اقتصادي كبير على المجتمع والدولة، مما يتطلب جهودًا مستمرة لإعادة إحياء زراعته”.

ويعتبر البُن اليمني من أبرز المحاصيل النقدية في البلاد، حيث تُقدّر المساحة الزراعية المخصصة لزراعته حاليًا بنحو 34,497 هكتارًا، ويعمل في هذا القطاع ما يقارب المليون شخص، وبفضل الجهود المبذولة من قبل النساء والرجال على حد سواء، يواصل البن اليمني الحفاظ على مكانته الفريدة محليًا وعالميًا، كأحد أجود أنواع القهوة في العالم.

البن اليمني: ثروة مهدورة ومزارعين فقراء

البن اليمني: ثروة مهدورة ومزارعين فقراء

لم يكن المزارع الثلاثيني “أحمد عبده”، الذي ورث زراعة البُن عن والده، يتوقع أن يتراجع محصوله بسرعة مخيفة خلال السنوات الخمس الماضية، بسبب التغيرات المناخية، وشح المياه، والتأثيرات السلبية للصراع المستمر في اليمن منذ عشر سنوات.

البن اليمني

يقول “أحمد” الذي يعيش في منطقة وادي الجنات شرق إب، إن منزل عائلته كان يمتلئ بمحصول البن خلال المواسم، وكانت العائدات تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك مصاريف الزواج وبناء المنازل، لكن اليوم لم يعد البن اليمني المصدر المضمون للدخل، بل أصبح يعاني من تراجع حاد في الإنتاج والتسويق.

ويؤكد لمنصة ريف اليمن أن “المزارع بحاجة إلى تمويل مستمر حتى موعد الحصاد، لكنه غالباً ما يواجه صعوبة في تلبية طلبات الدعم، مما يجبره أحياناً على الاقتراض من التجار الذين يستغلون حاجته بشراء محصوله بأسعار متدنية”، مؤكدا احتكار الآلات، مثل الطواحين والمحامص، من قبل بعض التجار في المحافظة.

يعاني أحمد من صعوبة الحصول على التمويل، ومشقة الوصول إلى الأسواق، وضعف القدرات التسويقية، وصعوبات في التحميص والتغليف بآليات حديثة تتناسب مع الكميات، ويضطر لبيع المحصول أسبوعياً لعدد محدود من التجار، مما يقلل من فرصه في تحقيق عوائد مجزية.


       مواضيع ذات صلة


ومما يشكل خطراً حقيقياً على سمعة البن اليمني والمزارعين لجوء بعض التجار الى استيراد بن خارجي والترويج له بأنه يمني، ويصف المزارع أحمد الأمر بالكارثة، ويقول: “المنافسة غير السوية، ولجوء بعض التجار إلى استيراد البن البرازيلي أو الأفريقي وإعادة تصديره للخارج على أنه بن يمني، بل وبيعه في الأسواق المحلية بنفس الادعاء، يشكل ضربة كبيرة لسمعة ومكانة البن اليمني الأصيل”.

تعكس قصة أحمد واقع آلاف المزارعين والتجار الذين يكافحون للحفاظ على زراعة وتجارة البن وسط تحديات متزايدة، تفاقمت بفعل التغيرات المناخية، وتداعيات الحرب التي تشهدها البلاد منذُ عشر سنوات، رغم الفرص المتاحة لتحسين الإنتاجية وتعزيز جودة هذا المحصول الفريد، خاصة مع تزايد الاهتمام المحلي والعالمي بالقهوة.

ويتميز البن اليمني بجودته العالية ونكهته الفريدة، ما جعله واحداً من أشهر أنواع القهوة في الأسواق العالمية، وتقدر المساحة المزروعة بحوالي 34 ألفاً و497 هكتاراً، ويشكل هذا القطاع مصدر رزق لما يقارب مليون شخص.

تحديات زراعة البُن

وتواجه زراعة البن في اليمن تحديات عديدة تؤثر سلباً على إنتاجيته وجودته، تشمل عوامل مناخية، اقتصادية، اجتماعية، وتسويقية، ومن أبرز هذه التحديات شح المياه؛ حيث يعتمد معظم مزارعي البن على مياه الأمطار.

البن اليمني: ثروة مهدورة ومزارعين فقراء
مدرجات زراعة البُن في منطقة حراز جنوب غربي العاصمة صنعاء

ومن ضمن التحديات توسع زراعة القات التي باتت تستهلك أكثر من 90% من المياه في البلاد، كما يشكل ارتفاع تكاليف الإنتاج، بدءاً من الأسمدة والمبيدات وصولاً إلى النقل والتخزين، عبئاً إضافياً على المزارعين.

وتزيد التغيرات المناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار، بالإضافة إلى انتشار الأمراض والآفات، من تعقيد الوضع، وتؤثر تقلبات الأسعار في الأسواق، وضعف البنية التحتية الزراعية، وغياب المعرفة بالممارسات الحديثة على الإنتاجية وجودة المحصول.

“عبدالله علي” (60 عاما) أحد مزارعي البن في منطقة بعدان بريف محافظة إب (وسط اليمن)، أكد بأنه يواجه تحديات وصعوبات كبيرة، فهو مثل غيره من المزارعين يعتمد على الطرق البدائية في الزراعة، بالإضافة إلى ندرة المياه، وتضارب القيم السوقية، خاصة في ظل تقلبات الموسم وصعوبة الوصول إلى السوق في الوقت المحدد.

يقول علي لمنصة ريف اليمن: “رغم قرب نهاية موسم جني البن، الا أن أغلب المزارعين لا يزالون يحتفظون بما جمعوه خلال الأسابيع والأشهر الماضية”، مشيراً إلى تعرضهم للغبن في أسعار المحصول بالوقت الحالي.

وتابع: “أحياناً يصل سعر القدح (ثمانية أثمان) في السوق المحلية إلى حوالي 100 ألف ريال (أقل من 200 دولار) في وقت الذروة، وأحياناً يعود إلى ما دون 50 ألف ريال (أقل من 100 دولار) في فترة الكساد أو عندما يكون الموسم في أوجه”، مؤكداً أن معظم منتجات المنطقة تتعرض لهذا النوع من الظلم غير المنطق.

إضافة إلى ذلك، يعاني المزارعون من ضعف البنية التحتية؛ مثل الطرق وشبكات الري، وعدم وجود دعم حكومي كافٍ، مما يجعلهم يعتمدون على مجهوداتهم الذاتية أو المبادرات المجتمعية لدعم إنتاجهم وتسويق محاصيلهم.

كما أنهم يواجهون صعوبة توسع زراعة القات في المنطقة على حساب البن والمنتجات الأخرى كالذرة والبقوليات والتين والجزر الهندي وغيرها من المزروعات، والتي تؤدي الى استنزاف المياه بشكل كبير، وزيادة الصراع عليها وصل حد القتل.

وفقاً لتصريحات حكومية في عام 2014، فإن الإنتاج السنوي من البن كان يبلغ 25 ألف طن، مع تطلعات لزيادة الإنتاج إلى 50 ألف طن خلال خمس سنوات، ومع ذلك، تراجع الإنتاج في عام 2019 إلى 18 ألف طن.

البن اليمني: ثروة مهدورة ومزارعين فقراء
مزارع يمني مع أفراد عائلته يفحصون ثمار البن (سابكوميد)

وتتنوع أنواع البن اليمني التي تُزرع في مختلف مناطق البلاد، منها: العديني، الدوائري، التفاحي، البرعي، الحمادي، المطري، الحيمي، اليافعي، الحرازي، الخولاني، موكا، الإسماعيلي، الريمي، الوصابي، الآنسي، الصبري، والصعدي.

البُن والفرص المتاحة

وبحسب دراسة نشرتها وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية، يحتل البن اليمني المرتبة الأولى عالمياً من حيث الجودة، ويصل سعر الكيلوغرام منه إلى 500 دولار، بينما يبلغ سعر الطن حوالي نصف مليون دولار، أي أن سعر الكيلو من البن اليمني يعادل سعر 10 براميل نفط.

وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه زراعة البن في اليمن، ثمة فرص متاحة، لاسيما مع زيادة الاهتمام العالمي بهذا المنتج الفريد الذي لا يزال يحتفظ بمكانة مرموقة على الصعيد المحلي والعالمي، مما يعزز من مكانته، كما يمكن أن تسهم المشاركة في المعارض الدولية، إلى جانب تطوير العلامة التجارية وتسهيل عمليات التصدير، في جعله منافساً قوياً في الأسواق العالمية.

ولتعزيز ذلك، يقترح خبراء مهندسون زراعيون تشجيع المزارعين على استبدال القات بزراعة البن، وإنشاء مشاتل متخصصة، وتأسيس جمعيات تعاونية، وتطوير الأبحاث العلمية، والحفاظ على الأصناف المميزة، واستخدام أنظمة الري الحديثة، والتوجه نحو الزراعة العضوية لزيادة الإنتاجية.

بالإضافة إلى تعزيز العمل الجماعي بين المزارعين وتحسين قدرتهم التفاوضية في السوق، وتدريب المزارعين، ودعم المبادرات الشبابية في تسويق البن، مما يسهم في زيادة انتشارها، وتعزيز عمليات التسويق والاستفادة من برامج المنظمات المحلية والدولية لتحقيق تنمية مستدامة لزراعة البن في المنطقة وتعظيم الفائدة منه.

وخلال السنوات الماضية، شهد قطاع البن اليمني محاولات حثيثة لاستعادة مكانته العالمية عبر مبادرات شبابية، وجهود مجتمعية تهدف إلى تسليط الضوء على زراعته وتسويقه محلياً ودولياً، من أبرزها تخصيص الثالث من مارس يوماً سنوياً للاحتفال بـ “عيد موكا”، حيث تُقام فعاليات توعوية وثقافية تمتد لأسابيع تهدف لتعزيز زراعة البن وتشجيع المزارعين.

ورغم أهمية هذه الجهود المحدودة في استعادة مجد البن اليمني عالمياً، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى دعم حكومي واستثمارات مستدامة لضمان نجاحها، خاصة في ظل التحديات المناخية والاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي في اليمن.

القهوة اليمنية: إرث عريق ونكهة فريدة تتحدى الزمن

القهوة اليمنية: إرث عريق ونكهة فريدة تتحدى الزمن

لا تُذكر القهوة إلا ويرافقها اسم اليمن، البلد الذي ارتبط منذ قرون بزراعة البن وتصديره إلى العالم؛ حيث أصبح “موكا اليمن” رمزًا للجودة الفائقة، والمذاق المميز الذي تفوقت به القهوة اليمنية على مختلف الأصناف العالمية، وأضحت علامة تجارية عالمية بجذور تاريخية يمينة.

وتعود زراعة البن في اليمن إلى قرون طويلة، حيث تشير الوثائق التاريخية إلى أن اليمنيين هم أول من قام بزراعة البن وتصديره إلى العالم، ويرتبط اسمه عالميًا بميناء المخا؛ الذي كان المرفأ الأول لشحنات البن اليمني إلى أوروبا والشرق الأوسط منذ القرن الخامس عشر؛ ليصبح لاحقًا الميناء الأشهر الذي استمد منه البن اسمه العالمي “موكا كافيه”.

موكا اليمن إرث عريق

ارتباط اسم ميناء المخا -الذي لايزال إلى يومنا مرفأ هاما على الساحل الغربي للبلاد- بالبن خلال القرون الماضية أصبح يمثل دلالة تاريخية على جودة وتميز مذاق البن القادم من الأراضي اليمنية، متفوقا على أي قهوة أخرى في العالم.

ويؤكد المؤرخ في التراث اليمني “عبد الجبار باجل” أن اليمنيين عرفوا زراعة البن في القرن الخامس الميلادي، فيما كان أبو بكر الرازي من أوائل العلماء الذين ذكروا القهوة اليمنية في كتاباته في القرن التاسع الميلادي.


  مواضيع ذات صلة


ويقول باجل لمنصة ريف اليمن، إن اليمنيين وجدوا في هذه الثمرة ضالتهم في الكسب والتربُّح؛ فراحوا يتوسعون في زراعته وتصديره بمرور السنين والأيام؛ حتى أصبح البن اليمني علامة بارزة للجودة العالية.

ويلفت إلى أن البن اليمني أصبح المشروب الأرقى الذي تفضله أرقى العائلات الحاكمة، سواء في أوروبا أو الهند، وغيرها من دول العالم، وذلك بعد أن ذاع صيته، وزادت شهرته ليصل الطلب عليه من مختلف بلدان العالم إلى مستويات قياسية.

وما يعزز من تأكيدات الباحث باجل ما توصلت إليه بعثة استطلاعية تابعة لمنظمة الغذاء العالمي عام 1924م بعد دراستها لأشجار البن في أثيوبيا التي قيل عنها من قِبَل البعض بأنها المنشأ الأول للبن؛ حيث أكدت في نتيجة دراستها العلمية بأن البن انتقل من اليمن إلى أثيوبيا، وأنهم لم يقوموا بزراعته إلا بعد قرون طويلة من زراعته في اليمن.

شهرة عالمية وسعر خيالي

لا يُعد البن اليمني مجرد مشروب، بل هو منتج فاخر يباع بأسعار خيالية في الأسواق العالمية؛ حيث يصل سعر الكيلوغرام الواحد منه إلى 80 دولارًا، كما يقول تجار البن المحليون، وهو سعر يفوق بكثير أسعار البن القادم من البرازيل وأفريقيا، وغيرها من البلدان المنتِجة.

ويرجع هذا السعر المرتفع إلى الجودة الفريدة التي يتمتع بها البن اليمني، ومذاقه المميز؛ ما يجعل هذا المنتج كنزا وطنيا، وثروة قومية؛ بفضل الظروف المناخية المثالية، والتربة الخصبة، وطرق المعالجة الطبيعية التي تمنحه نكهته المميزة.

القهوة اليمنية: إرث عريق ونكهة فريدة تتحدى الزمن
مزارع البن بمديرية بُرع محافظة الحديدة غربي اليمن (عبدالله حسن)

وتنتشر زراعة البن في مناطق مختلفة من اليمن، ويزرع بصورة رئيسية على ارتفاع فوق الألف متر عن سطح البحر، وفي الأودية التي تنحدر من المرتفعات الغربية والوسطى والجنوبية، وفي المدرجات الجبلية، خصوصاً في سلسلة الجبال الغربية المطلة على تهامة.

ويعد المناخ الدافئ الرطب، مع توفر القدر الكافي من المياه، مثالياً لنمو البن، ونظراً لافتقار معظم البيئات التي تُزرع فيها شجرة البن في اليمن فإن المزارع اليمني استطاع – مع مرور السنين – أن يكوَّن خبرة كبيرة في التعامل مع شجرة البن ورعايتها ضمن أجواء تضمن لها أفضل شروط الإنتاج، واعتمد في سبيل ذلك تقنيات معتبرة في زراعة هذه الشجرة.

وتظهر براعة المزارع اليمني بصورة جلية في المدرجات الجبلية المكشوفة، وعلى ارتفاع يصل إلى 1700 متر فوق سطح البحر؛ حيث تحولت هذه المدرجات -كما في جبل بُرَع بالحديدة- ما يشبه الحدائق المعلقة، واستطاع ببراعته أن يؤمِّن البيئة المثالية لنمو شجرة البن وإنتاجه.

ومن الطرق التي اتبعها المزارع اليمني؛ العناية بالتربة الزراعية، وغرس الأشجار الحراجية التي تتسم بفاعلية في توفير أجواء رطبة وتجنيب أشجار البن التأثيرات السلبية للبرد القارس؛ وأهما شجرة «الطَّنِب» التي تعد أيضاً مصدراً للأخشاب الجيدة.

ومع ذلك، تعرضت شجرة البن خلال العقود الماضية للتهميش، وانحسرت مساحات زراعتها في موطنها الأصلي إلى مستويات مخيفة، وحلّت محلها أشجار القات؛ لتفقد البلد أحد أهم محاصيلها الاستراتيجية، ورافدا مهما من روافد الاقتصاد الوطني.

إرث يقاوم التحديات

يرجع تميُّز البن اليمني إلى عدة عوامل؛ أبرزها البيئة الجبلية التي توفر تربة غنية بالعناصر المغذية، إلى جانب أساليب التجفيف الطبيعية التي تعتمد على أشعة الشمس؛ ما يمنح حبات البن نكهتها المركزة. كما أن عملية الغسيل والتخمير والتجفيف التقليدية تساهم في الحفاظ على الزيوت العطرية الطبيعية داخل الحبوب، ما يخلق توازنًا مثاليًا بين المرارة والحموضة والنكهة الغنية.

ويشير الباحث “أحمد السامدي” إلى أن البن شهد تطورا كبيرا في القدم؛ حيث وصل حجم الصادرات من البن اليمني خلال تلك الفترة إلى ذروتها، وحققت أرقاما قياسية، لافتا إلى أن البن يعد مصدرا من مصادر الدخل القومي، ويلعب دورا هاما في الاقتصاد وفي الثقافة اليمنية الأصيلة؛ فتُقدَّم القهوة في المناسبات والحفلات والأعياد.

القهوة اليمنية: إرث عريق ونكهة فريدة تتحدى الزمن
رغم مكانته العالمية يواجه البن اليمني تحديات كبرى أدت إلى انخفاض إنتاجه وتراجع صادراته (رويترز)

ويرى المزارع “عبدالله الضاوي”، أن سر تميز البن اليمني يرجع إلى مناخ اليمن المعتدل، وإلى الجبال والوديان؛ حيث تعتبر مناسِبة وملائمة لزراعة البن، ورغم مكانته العالمية؛ يواجه البن اليمني تحديات كبرى أدت إلى انخفاض إنتاجه، وتراجع صادراته.

وبحسب الضاوي، وهو صاحب مزرعة لأشجار البن في منطقة بني مطر، فقد أدى الفقر المائي الذي تعانيه اليمن إلى قيام المزارعين باقتلاع بعض أشجار البن وزراعة شجرة القات بدلا عنها؛ أملاً في الحصول على عائد اقتصادي أكبر من زراعتهم لمحصول البن؛ الأمر الذي أفقد البلاد مصدرا هاما من مصادر الدخل القومي.

كما أن الغش، وما يمارسه بعض التجار من خلال استيراد أنواع مختلفة من البن الرديء، وتسويقه في الداخل على أنه بن يمني، أضرّ كثيرا بالمزارعين، وألقى بظلاله السلبية على مستوى زراعة أشجار البن، بحسب الضاوي. لافتا إلى أن الصعوبات باتت محدقة بزراعة البن اليمني من كل صوب وحدب.

ورغم هذه العقبات، لا يزال العديد من المزارعين متمسكين بزراعة البن، مدفوعين بشغفهم للحفاظ على هذا الإرث التاريخي. ويؤكد الضاوي أن الكثير من المزارعين لايزالون يحرصون على إنتاج البن اليمني الأصيل لإدراكهم بتميُّز وتفرُّد هذه الثمرة، وجودتها العالية.

ويُعد البن اليمني ثروة قومية لا تقل أهمية عن النفط والغاز، لذا تتطلب حمايته جهودًا حكومية ودولية لدعم المزارعين وتشجيعهم على التوسع في زراعته، كما أن تطوير سياسات زراعية تحمي البن اليمني من الاندثار سيكون له انعكاسات إيجابية على الاقتصاد اليمني من خلال تعزيز الصادرات، وتحقيق الأمن الغذائي.

كيف تجهيز الأغنام والماعز للتزاوج؟

تُعد تهيئة الأغنام والماعز لموسم التزاوج خطوة أساسية لضمان تحسين الإنتاجية وزيادة كفاءة التربية، حيث يُعتبر هذا الموسم مرحلة حاسمة في دورة الإنتاج الحيواني، لتأثيره بشكل مباشر على نسبة الخصوبة، عدد المواليد، وجودة الإنتاج، مما يعود بالنفع على المربي ويحقق له الاستدامة في الإنتاج.

يتناول هذا التقرير الارشادي الخطوات الأساسية لتهيئة النعاج (إناث الأغنام) والعنزات (إناث الماعز) والكباش (ذكور الأغنام) والتيوس (ذكور الماعز) لموسم التزاوج.

تحديد موسم التزاوج

يعتمد موسم التزاوج في الحيوانات على مجموعة من العوامل البيئية والإدارية، غالباً ما يُحدد بناءً على دورة الشبق لدى الإناث، التي تتأثر بطول ساعات النهار والتغيرات المناخية. على سبيل المثال في المناطق المعتدلة، يُعد أفضل وقت للتزاوج بين أواخر الصيف وبداية الخريف، لضمان ولادات في فصل الربيع عندما تتوفر المراعي الطبيعية.

وتتكرر دورة الشبق لدى النعاج (الكسب) كل 14-20 يوماً، بمعدل متوسط 16 يوماً، وتستمر الأعراض لمدة حوالي 30 ساعة، أما في الماعز، فتتكرر دورة الشبق كل 17-18 يوماً، وتستمر فترة الشياع من 24 إلى 36 ساعة، و الشبق هي مرحلة الذروة لدى الحيوانات للتزاوج.

يُفضل تحديد فترة التزاوج بحيث تكون قصيرة لضمان ولادة الحملان في فترة زمنية متقاربة، مما يسهل إدارتها لاحقاً.


   إرشادات ذات صلة

التهيئة الصحية للقطيع

قبل بدء موسم التزاوج، يجب التأكد من صحة القطيع بشكل عام. تشمل التهيئة الصحية الخطوات التالية:

  • التخلص من الطفيليات الداخلية والخارجية: يجب معالجة الأغنام والماعز من الديدان والطفيليات الخارجية مثل القراد والقمل باستخدام الأدوية المناسبة، حيث يساعد ذلك على تحسين الحالة الصحية العامة للحيوانات وزيادة فرص الحمل.
  • التطعيمات الوقائية: يجب التأكد من أن القطيع قد تلقى جميع التطعيمات اللازمة ضد الأمراض الشائعة مثل الجدري والالتهاب الرئوي، لأن التطعيمات تحمي الحيوانات من الأمراض التي قد تؤثر على الخصوبة أو صحة الحمل.
  • فحص الحالة الصحية العامة: يجب فحص الحيوانات للتأكد من خلوها من الأمراض المزمنة أو الإصابات التي قد تؤثر على قدرتها على التزاوج أو الحمل.

التغذية السليمة

التغذية تلعب دورًا محورياً في تهيئة الأغنام والماعز لموسم التزاوج:

  • تحسين الحالة الغذائية: قبل موسم التزاوج بفترة كافية (عادة 6-8 أسابيع)، يجب تحسين الحالة الغذائية للحيوانات لضمان وصولها إلى وزن مثالي، لأن الكسب والماعز التي تعاني من سوء التغذية قد تعاني من انخفاض في الخصوبة أو تأخر في الدورة الشبقية.
  • توفير البروتين والطاقة: يجب توفير علائق غنية بالبروتين والطاقة لتحسين الخصوبة، يمكن استخدام الأعلاف المركزة مثل الشعير والذرة بالإضافة إلى البرسيم أو التبن الجيد.
  • المكملات الغذائية: يمكن إضافة مكملات غذائية مثل الفيتامينات (خاصة فيتامين أ، د، هـ) والمعادن (مثل السيلينيوم والزنك) لتحسين الخصوبة ودعم الجهاز المناعي.

إدارة القطيع

إدارة القطيع بشكل صحيح قبل موسم التزاوج تساعد على زيادة معدلات الحمل وتحسين إنتاجية القطيع:

  • فصل الذكور عن الإناث: قبل موسم التزاوج بفترة كافية (حوالي شهر)، يجب فصل الذكور (الكباش أو التيوس) عن الإناث لزيادة الرغبة الجنسية لدى الذكور وتحفيز الإناث على الدخول في مرحلة الشبق (الرغبة في التزاوج).
  • اختيار الذكور المناسبة: يجب اختيار الذكور ذات الصفات الوراثية الجيدة والقادرة على التزاوج بكفاءة، يُفضل استخدام ذكور ذات تاريخ إنجابي جيد وخالية من الأمراض.
  • تقسيم القطيع: يُفضل تقسيم القطيع إلى مجموعات بناءً على العمر والحالة الصحية لضمان إدارة أفضل.
  • توفير بيئة مناسبة: يجب توفير مأوى نظيف وجيد التهوية، مع التأكد من توفر المياه النظيفة والظل الكافي.
  • مراقبة سلوك الحيوانات: خلال موسم التزاوج، يجب مراقبة سلوك الحيوانات للتأكد من حدوث التزاوج بشكل طبيعي، وتدخل المربي عند الحاجة.

اختيار الحيوانات المناسبة

يجب اختيار الاغنام والماعز المناسبة للتزاوج واستبعاد التي تجاوزت عمر 8 سنوات، حيث تقل خصوبتها وقدرتها على الإنتاج، كما يتم استبعاد التي تعاني من مشاكل صحية كالتالي:

  • ذات الضرع المعيوب: الماعز أو الاغنام التي تعاني من مشاكل في الضرع قد تواجه صعوبات في إرضاع المواليد، مما يؤثر على صحتها ونموها.
  • الضعيفة أو الهزيلة: الأغنام أو الماعز صغيرة الحجم أو ضعيفة التكوين أو قليلة الحركة قد لا تكون قادرة على تحمل متطلبات التزاوج والإنتاج.
  • التي لم تلد لموسمين متتاليين: يُفضل استبعاد الاغنام والماعز التي لم تنجب لفترات متتالية، حيث قد تكون مصابة بالعقم أو تعاني من مشاكل صحية.
  • المصابة بعاهات دائمة: مثل الماش العرج أو مشاكل في العين أو أي إعاقات أخرى قد تؤثر على قدرتها على التزاوج أو العناية بالمواليد.

تحفيز الرغبة في التزاوج “الشبق”

في بعض الأحيان، قد تحتاج الإناث إلى تحفيز لزيادة الرغبة في التزاوج، خاصة في الأوقات التي لا تكون فيها الدورة الشبقية نشطة بشكل طبيعي:

  • استخدام التقنيات التحفيزية: يمكن استخدام تقنيات مثل “التأثير الذكري” حيث يتم إدخال ذكر إلى مجموعة الإناث لتحفيزها على الدخول في مرحلة الشبق.
  • التحكم في الإضاءة: في حالة الأغنام، يمكن استخدام التحكم في الإضاءة لتحفيز الدورة الشبقية، مثلا زيادة ساعات الإضاءة الاصطناعية يمكن أن تساعد في تحفيز الشبق.

كيف تجهيز الأغنام والماعز للتزاوج؟

الرعاية بعد التزاوج

بعد انتهاء موسم التزاوج، من الضروري متابعة الإناث للتأكد من حدوث الحمل وضمان صحة الحمل:

  • مراقبة علامات الحمل: بعد حوالي 3 أسابيع من التزاوج، يجب مراقبة الإناث للتأكد من عدم عودتها إلى مرحلة الشبق، مما يشير إلى احتمال حدوث الحمل.
  • الرعاية الغذائية للحوامل: يجب توفير تغذية إضافية للإناث الحوامل لدعم نمو الأجنة، خاصة في الثلث الأخير من الحمل حيث يزداد احتياجها للطاقة والبروتين، ويُنصح بتوفير نظام غذائي متوازن لتجنب الإجهاض أو ضعف الأجنة.
  • فصل الإناث الحوامل: يُفضل فصل الإناث الحوامل في مجموعات خاصة لضمان حصولهن على العناية اللازمة.
  • مراقبة الحالة الصحية: يجب مراقبة الحالة الصحية باستمرار والتأكد من خلو القطيع من الأمراض التي قد تؤثر سلبًا على الحمل.

تسجيل التواريخ المهمة

يجب تسجيل جميع البيانات والتواريخ المتعلقة بمواسم التزاوج، بما في ذلك:

  1. تواريخ التزاوج.
  2. عدد الإناث التي تم تلقيحها.
  3. نسبة الحمل المتوقعة.
  4. أي مشاكل صحية أو سلوكية تمت ملاحظتها.

ويعد تسجيل هذه البيانات يساعد في تحسين إدارة القطيع في المواسم القادمة.

اذا تتطلب تهيئة الأغنام والماعز لموسم التزاوج تخطيطاً دقيقاً وإدارة جيدة للقطيع من النواحي الصحية والتغذوية والسلوكية، باتباع الإرشادات المذكورة أعلاه، يمكن للمربين زيادة معدلات الخصوبة وتحسين إنتاجية القطيع، مما يؤدي إلى تحقيق عوائد اقتصادية أفضل.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاد بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

شَربة السنا: تقليد صحي وموروث شعبي

شَربة السنا: تقليد صحي وموروث شعبي

مع اقتراب شهر رمضان، تحافظ بعض العائلات اليمنية، خاصة في الأرياف، على تقليد صحي قديم يُعرف بـ”شَربة السنا”، كوسيلة لتنظيف الجهاز الهضمي، والاستعداد لتغيير النظام الغذائي خلال الشهر الفضيل، وهذا الطقس المتوارث، بالإضافة إلى أنه ممارسة صحية، فهو يعكس وعيًا شعبيًا بأهمية الوقاية من الطفيليات والاضطرابات الهضمية.

وشربة السنا عبارة عن نباتات من فصيلة الـ Cassia التي تشمل الشّجيرات المُتقزّمة والأعشاب، وهي نباتات معمرة ذات أوراق ريشيّة الشّكل، تتشكّل من أزواج، وتتميّز بالأزهار الصّفراء، وأحياناً البيضاء أو الزهريّة الموجودة في نهاية الأغصان على عناقيد قائمة.

تراث صحي متجذر

وتستعمل هذه النبتة لعلاج الإمساك منذ قرون؛ حيث إنّها فعّالة في علاج الإمساك الذي ينتج من، عدة عوامل، بما فيها العمليات الجراحية وبعض الأعراض الجانبية للأدوية، وتؤدي هذه المهمة بسبب احتوائها مركبات السّينوسايد التي تُسبّب تهيّجاً في بطانة الأمعاء، ممّا يُسبّب التأثيرات المُسْهِلة (المُليّنة).

ورغم تطور الطب الحديث وانتشار الأدوية، لا تزال “الشَّربة” تحظى بمكانة خاصة لدى كبار السن وبعض العائلات الريفية، الذين يؤمنون بفعاليتها في تنظيف المعدة وتحسين الهضم، ومع ذلك، شهدت هذه العادة تراجعًا في بعض المناطق، فيما لا تزال قائمة في أخرى.


مواضيع مقترحة

“غنية محمد القدسي”، سيدة من أرياف تعز، تقول: “اعتدنا على تناول الشَّربة سنويًا قبل شهر رمضان لعلاج الإمساك وتنظيف المعدة، ولتخليص الجسم من المشكلات الهضمية”.

وتضيف القدسي لمنصة ريف اليمن: “نجتمع كعائلة ونشرب كوبًا منها ليلًا قبل النوم، ثم كوبين على الريق صباحًا، يليها وجبة إفطار وغداء دافئة وسوائل كالقهوة والمرق، مع تجنب المشروبات الباردة التي يُعتقد أنها تقلل من مفعولها”.

تُحضَّر الشَّربة عادةً من عشبة السنا المعروفة علميًا باسم Senna، والتي استخدمت منذ آلاف السنين في الطب التقليدي كملين طبيعي، نظرًا لاحتوائها على مركبات الجلوكوسيدات التي تعزز حركة الأمعاء وتمنع امتصاص السوائل، مما يسهم في التخلص من الإمساك والفضلات المتراكمة.

الآراء الطبية 

يؤكد مختص الأعشاب “محمد عبد الحميد” أن عشبة السنا تعد خيارًا فعّالًا لمن يعانون من الإمساك المزمن، لكن يجب استخدامها بحذر. ويشرح: “تزيد مكونات السنا من تقلصات الأمعاء، وتمنع إعادة امتصاص السوائل؛ مما يسهل الإخراج، لكن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة”.

أما الدكتور “محمد العتيق”، فيحذر من تجاوز الجرعات المحددة، حيث إن الإفراط قد يسبب قيئًا شديدًا و إسهالًا حادًا، بل وقد يؤدي إلى الجفاف أو الفشل الكلوي. ويوصي بالاكتفاء باستخدامها ليومين إلى ثلاثة أيام فقط كل شهرين.

في سوق العطارة في الباب الكبير بمدينة تعز، يشهد “عمر الحمادي”، بائع الأعشاب، إقبالًا مستمرًا على شراء عشبة “السنا المجففة”، ويقول: “الناس يستخدمونها كبارًا وصغارًا، فهي جزء من الموروث الصحي المتوارث”، ويضيف أن وصفة تحضيرها لا تزال تنتقل شفهيًا بين الأجيال، دون الحاجة إلى إرشادات مكتوبة.

ورغم ذلك، يرى البعض أن العادات الصحية تغيرت مع الزمن، حيث تراجعت شعبية الشَّربة في بعض المناطق بسبب توفر البدائل الطبية الحديثة، وزيادة الوعي بالممارسات الصحية.

قاتل الطفيليات 

تلعب الظروف البيئية والممارسات الصحية دورًا رئيسيًا في انتشار الأمراض الطفيلية في اليمن، حيث يعتمد الكثير من السكان على مصادر مياه غير معالجة، مثل البرك والآبار السطحية؛ مما يزيد من خطر الإصابة بالطفيليات المعوية، كما أن استخدام مياه غير نظيفة لري المحاصيل، وعدم غسل الخضروات جيدًا قبل تناولها يعزز احتمالات انتقال العدوى.

كما تعتمد العديد من الأراضي الزراعية في اليمن -خاصة القريبة من مياه الصرف الصحي- على المجاري غير المعالجة لري محاصيلها الزراعية، وباتت هذه المشكلة متداولة مؤخراً على نطاق واسع؛ حيث يشير إخصائيون إلى أنها تعد من الأسباب الرئيسة للأمراض والأوبئة الخطيرة؛ مثل الكوليرا والسرطان.

وتحتوي مياه الصرف الصحي على ملوثات بيولوجية وكيميائية تؤثر سلباً على صحة الإنسان والبيئة؛ مما يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، وبالتالي، فإن استخدام هذه المياه لري المحاصيل يشكل تهديداً حقيقياً لصحة المستهلكين، ويؤثر سلباً على جودة المحاصيل.

ومن العوامل الأخرى التي تساهم في تفشي الطفيليات قلة الوعي حول ضرورة غسل اليدين وتعقيم الطعام، فضلًا عن سوء التغذية وضعف المناعة؛ مما يجعل السكان أكثر عرضة للإصابة. وفي ظل هذه الظروف، تبقى الممارسات التقليدية -مثل تناول الشُّربة- وسيلة بديلة يلجأ إليها البعض كإجراء وقائي.

ورغم تراجُعِ استخدامها في بعض المناطق، لا يزال العديد من اليمنيين يعتبرون الشَّربة جزءًا لا يتجزأ من استعدادهم لشهر رمضان، سواء لاقتناعهم بفعاليتها، أو لارتباطها بالعادات العائلية المتوارثة. ومع استمرار التحديات البيئية والصحية، قد يبقى لهذا التقليد مكانة بين الممارسات الصحية الشعبية، خاصة في المجتمعات الريفية التي لا تزال تعتمد على التداوي بالأعشاب.

ريف تعز: أطفال يبيعون الخبز لأجل العيش

أطفال ريف تعز.. حين يصبح الخبز أملًا للحياة

على طريق الضباب المؤدي إلى مدينة تعز، يصطف العديد من أطفال القرى يوميًا من ساعات الصباح الباكر وحتى الظهيرة، حاملين “الكَدِر” (وهو نوع من الخبز الذي يتم إعداده منزلياً) لبيعه على المارة والمسافرين، لتأمين لقمة العيش لأسرهم.

وخلال السنوات الأخيرة تفاقمت ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، حيث أجبرت الأوضاع المعيشية الصعبة العديد من الأطفال -خاصة في المناطق الريفية- على ترك مدارسهم، والانخراط في أعمال مختلفة مقابل دخل زهيد.

حين يصبح الخبز أملًا للحياة

“حمزة الضبابي”، أحد هؤلاء الأطفال، يروي لمنصة ريف اليمن، كيف يحرص على التواجد مبكرًا كل يوم ليتمكن من بيع ما لديه من “الكَدِر” الذي تصنعه أسرته فجرا، موضحًا أن الأطفال يتسابقون للوصول إلى الزبائن والمسافرين، محاولين إقناعهم بالشراء.

ويضيف حمزة بحسرة: “في كثير من الأحيان نعود إلى المنازل بوجوه شاحبة، وقلوب مثقلة بالخيبة بعد أن نفشل في بيع كامل الكمية”. ورغم المخاطر والتعب، لا يكفي ما يكسبه هؤلاء الأطفال لسد احتياجات أسرهم الأساسية إلا بالحد الأدنى.


  مواضيع مقترحة


ويلفت حمزة إلى أن بعض الأطفال يتمكنون من بيع 10 حبات كدر، والبعض سبع، وأحيانا هناك من يبيع 15 حبة، مشيرا إلى أن الواحدة تباع ب 500 ريال يمني أي ما يعادل (0.22 دولار)، وهو مبلغ زهيد مقابل الأتعاب التي تُبذَل لصناعة الخبز، وبيعه تحت أشعة الشمس الحارقة.

ويعتمد سكان الأرياف اليمنية بشكل كبير على الأطفال في أداء الأعمال منذ سن مبكرة، حيث يُكلَّفون بأدوار ومسؤوليات تفوق أعمارهم، وتُثقل كاهلهم، مما يحمل تأثيرات عميقة عليهم، جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا، وينعكس سلبًا على حياتهم المستقبلية.

أطفال ريف تعز.. حين يصبح الخبز أملًا للحياة
تفاقمت عمالة الأطفال بعد اندلاع الحرب وأضحى 29% من الأطفال منخرطون في العمل (ريف اليمن)

“أمين عبدالله” (54 عامًا)، أحد سكان المنطقة، أكد أن ظاهرة بيع الكدر توسعت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، حيث كانت سابقًا تقتصر على عدد قليل من البائعين، لكنها اليوم أصبحت مصدر دخل لكثير من العائلات الفقيرة رغم العائد المادي المنخفض، وسط تصاعد الفقر، وتزايد أعداد العاطلين عن العمل.

حرمان من التعليم

وأظهر مسح عنقودي متعدد المؤشرات أجراه الجهاز المركزي للإحصاء بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن 29% من أطفال اليمن منخرطون في العمل، وتتراوح أعمارهم بين 12 و14 عاماً. ووفق تقرير أصدرته منظمة العمل الدولية في يونيو/حزيران 2021، احتل اليمن المركز الأول عربياً لعمل الأطفال بنسبة 13.6%.

إلى جانب حرمانهم من التعليم، يقول التربوي “أنور العامري” إن هؤلاء الأطفال الذين يعملون في الشوارع والأسواق يواجهون مخاطر متعددة، أبرزها سوء التغذية، والاستغلال، والاعتداءات الجسدية والنفسية.

ويؤكد العامري خلال حديثه لمنصة ريف اليمن، أن أطفال القرى الريفية يعملون لساعات طويلة، وغالبًا حتى أوقات متأخرة من الليل دون راحة، وفي بيئات غير آمنة؛ مما يعرضهم لمخاطر الحوادث والاستغلال.

من جهتها، أشارت الأخصائية المجتمعية “داليا محمد”، رئيسة مؤسسة “لأجلك”، إلى أن عمالة الأطفال لها تأثيرات خطيرة على صحتهم الجسدية والنفسية والعقلية، موضحة أن العديد منهم يعانون من الضغوط النفسية نتيجة فقدان آبائهم بسبب الحرب، أو بسبب تعرضهم لأعمال العنف، ما يزيد من معاناتهم اليومية.

أطفال ريف تعز.. حين يصبح الخبز أملًا للحياة
أطفال في أيديهم نوع من الخبز الذي يتم إعداده منزليًا لبيعه على المارة والمسافرين غربي تعز(ريف اليمن)

مسؤولية مبكرة

وتلفت داليا إلى أن عمالة الأطفال في اليمن ظاهرة قديمة، لكنها تفاقمت بشكل ملحوظ بعد اندلاع الحرب، حيث فقد آلاف الآباء وظائفهم؛ ما دفع الأطفال إلى تحمل المسؤولية وإعالة أسرهم، مشيرة إلى أنه ومع استمرار الصراع وغياب فرص العمل، بات الكثير من الأطفال مضطرين للعمل في مهن خطرة، أو غير مناسبة لأعمارهم.

وترى داليا محمد أن القضاء على عمالة الأطفال في ظل الأوضاع الحالية أمر صعب، لكنها تؤكد أهمية تنفيذ برامج توعية، وتوفير بيئات عمل آمنة للأطفال الذين لا خيار لهم سوى العمل، إلى جانب وضع خطط استراتيجية من قِبَلِ الدولة لتحسين الظروف الاقتصادية، وخلق فرص عمل للعائلات، مما يسهم في تقليل الاعتماد على الأطفال كمصدر دخل للأسرة.

وتشدد على أهمية تحسين أوضاع هؤلاء الأطفال عبر برامج دعم التعليم، والمبادرات المجتمعية لمساعدتهم على التوازن بين العمل والدراسة، ومنحهم فرصة لبناء مستقبل أفضل من خلال جهود جماعية من الحكومة والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية؛ لتخفيف معاناتهم، وحمايتهم من الاستغلال، بما يضمن لهم طفولة آمنة.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن عمالة الأطفال في اليمن باتت واحدة من ظواهر الحرب المؤلمة، في ظل غياب الحماية من قبل الجهات الرسمية، وتدني تدخلات الوكالات الدولية والمنظمات الأممية لتوفير الحماية والحياة الكريمة للأطفال.

ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار

ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار

لطالما كانت الأغاني الزراعية في ريف تهامة جزءًا أصيلًا من حياة المزارعين، ترافقهم أثناء الحرث والحصاد، وتضفي روح التعاون والبهجة على ساعات العمل الطويلة، فهي لم تكن مجرد تسلية، بل كانت وسيلة لخلق التواصل والانسجام بين المزارعين، وتحفيزهم على مواجهة مشقة العمل.

ومع تغيُّر أنماط الحياة، واختفاء العديد من الممارسات التقليدية، فضلاً عن غياب الاهتمام الرسمي بالتوثيق؛ بدأ هذا التراث في التلاشي؛ حيث تراجعت أهمية الأغاني الزراعية، وأصبحت تُذكر نادرًا، بل تحولت إلى جزء من ماضٍ لا يعرفه الجيل الجديد.

ألحان الحقول

المزارع “وليد عبيد” من قرية ظمي يروي بأسى كيف أن هذه الأغاني التي كانت مصدرًا للفرح والتحفيز أصبحت الآن منسية تقريبًا، ويقول: “كنا نغني أثناء حرث الأرض وحصاد المحاصيل للتغلب على تعب العمل الشاق”.

ويضيف :”كانت هذه الأغاني تتضمن معاني الفرح والاحتفال بالعمل الزراعي، وتعكس العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه”، ومع التغيرات المتسارعة في أسلوب الحياة، واستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة، بدأ هذا التراث في التلاشي تدريجيًا ولم يعد يحظى بمكانته السابقة لسكان تهامة، وأصبح جزءًا من الماضي الذي لا تعرفه الأجيال الجديدة


  مواضيع مقترحة


في الماضي القريب، كانت المهاجل الشعبية تملأ الأمسيات الزراعية بصوت المزارعين المتحدين في العمل والأمل، ويتذكر المزارع “نصر خان”، كيف كانت هذه الأهازيج تعبر عن مشاعر الفلاحين وآمالهم، مرددًا بعضًا من أبياتها التي كانت تتردد خلال موسم الحصاد.

وخلال حديثه لمنصة ريف اليمن ردد المزارع خان عدداً من تلك الأبيات التي كانت حاضرة بقوة في أوساط المزارعين، ومنها:

“وامعين الليل

وايا الله سترك

وامغطي العيب

ياوكيل الناس

أنت وكيلي الليل

وايا قاضي الدين

والديون الليل…”

لافتا أن هذه المهاجل كانت تملأ المساء وتعبّر عن مشاعر المزارعين، لكنها الآن بدأت تختفي مع تطور أساليب العمل الزراعي، مؤكدا أن الكثير من هذه المهاجل قد غابت، وأصبح المزارع يذهب للحصاد دونها.

غياب التوثيق التهديد الأكبر

من أبرز التحديات التي تواجه الموسيقى الشعبية في ريف تهامة، غياب التوثيق الرسمي للموروث الغنائي الشعبي، وهو ما يؤدي إلى تراجع حتمي لهذه الأغاني مع مرور الوقت، خاصة أن الأغاني الشعبية في تهامة كانت تُنقل شفهيًا من جيل إلى جيل، مما يجعلها عرضة للضياع والنسيان.

الباحث في التراث الثقافي “رفيق العكوري” يشير إلى أن هذا التراث يشكل جزءًا أساسيًا من هوية سكان تهامة الثقافية، ورغم ذلك، لم تحظَ هذه الأغاني بالاهتمام الكافي من المؤسسات الحكومية، ما ساهم في غياب التوثيق المناسب لها.

ويضيف العكوري لمنصة ريف اليمن: “على الرغم من الجهود الفردية المبذولة من قبل بعض المهتمين، مثل الباحث الدكتور فهد الشعيبي، الذي تمكن من توثيق 127 أغنية شعبية تهامية، إلا أن هذه الجهود تبقى محاولات فردية”.

ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار
بدأ هذا التراث في التلاشي تدريجيًا ولم يعد يحظ بمكانته السابقة وأصبح جزءًا من الماضي (فيسبوك)

ويشدد على ضرورة وجود مشروع مؤسسي يشمل توثيق وتسجيل كافة الأغاني التراثية التي تشكل جزءًا من الحياة الثقافية للمنطقة، منوها أنه في التسعينات، كان هناك مشروع لتوثيق الموروث الشعبي في تهامة، لكنه لم يُنفذ بسبب ضعف الموارد، وغياب الدعم من الجهات الرسمية.

دور الموسيقى الشعبية

لم تكن الأغاني الزراعية مقتصرة على الحقول فقط، بل كانت تُغنى أيضًا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حيث لعبت دورًا في تعزيز الروابط المجتمعية، وبثِّ روح التضامن بين أبناء القرى، ولا تزال الموسيقى الشعبية -رغم تراجعها- تمثل عنصرًا أساسيًا في النسيج الاجتماعي لسكان ريف تهامة.

الناقد الموسيقي “جمال حسن” يؤكد أن غياب التوثيق جعل الأغاني الشعبية التهامية مهددة بالانقراض، خاصة في ظل انقطاع الأجيال الحالية عن ممارسات الماضي، مشيرًا إلى أن هذه الأغاني لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تعبر عن قيم المجتمع التهامي، وتاريخه الطويل في الزراعة والعمل الجماعي.

هذه الأهازيج لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل كانت تحمل معاني القوة والارتباط بالأرض، وتعكس تجارب المزارعين في مواجهة صعوبات الحياة الزراعية، ومع ذلك، فإن التطور التكنولوجي، والتوسع في استخدام الآلات الزراعية، وتغيُّر طبيعة العمل الزراعي، كلها عوامل جعلت هذه الأغاني تفقد مكانتها في الحياة اليومية..

ويرى العكوري أن إهمال الموسيقى الشعبية بسبب غياب الدعم الرسمي، وتجاهل المؤسسات المعنية في ريف تهامة يشكل تهديدًا حقيقيًا لتراث غني يعكس الحياة الثقافية والاجتماعية للمنطقة، مجددا تأكيده أن الجهود الفردية لا تكفي للحفاظ على هذا التراث في ظل غياب دعم رسمي واضح.

ويؤكد أن تجاهل المؤسسات المعنية لهذا الموروث جعل الحفاظ عليه رهينًا بالجهود الشخصية والمبادرات المحدودة، ما يعزز من احتمالية اختفائه نهائيًا خلال العقود القادمة.

ويلفت إلى أن الحل الأمثل يكمن في إطلاق مشاريع توثيق موسيقي رسمي، وتنظيم مهرجانات ثقافية تحيي هذه الأغاني وتعيدها إلى الواجهة، مؤكدًا أن ذلك سيسهم في ربط الأجيال الجديدة بتراثها الموسيقي الأصيل

الصِّقَارَة في اليمن.. رياضة تراثية تعود إلى الواجهة

الصقارة في اليمن
صقر في مهرجان ذهباء العاشر للموروث الشعبي بمديرية عسيلان شبوة، فبراير 2025 (عمار نميش)

على امتداد الصحاري والرمال الشاسعة، تظل حضرموت شاهدًا حيًا على فن الصِّقَارَة، الذي يعكس الأصالة اليمنية والإبداع التراثي العريق، إذ تعود جذور هذه الرياضة إلى عصور قديمة؛ حيث كان الحارث الكندي أول من درّب الصقور على الصيد، ما جعل الصقارة جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية اليمنية والعربية.

وفي محاولة لإعادة الاعتبار لهذا التراث العريق؛ أعلن سكان وادي حضرموت في ديسمبر 2023م تأسيس الجمعية اليمنية لرياضات وسباقات الصقور في مدينة تريم، كأول كيان مؤسسي يُعيد إحياء هذا الفن القديم كرياضة تنافسية، ومجال يُبرز الهوية اليمنية للعالم أجمع، لتشرق الصقارة مجددًا كفلسفة وحكاية تأبى الانطفاء.

الصِّقَارَة في اليمن

تأسيس الجمعية جاء بجهود الدكتور “علي سالمين الهميمي”، ودعم قبيلة بلعبيد، وكان بمثابة إعلان عن عودة الصِّقَارَة إلى واجهة المشهد الثقافي والرياضي، حيث اجتمع أكثر من مئة صقار وهاوٍ وإداري من شبوة وحضرموت، إضافة إلى يمنيين مقيمين في السعودية والإمارات، تحت مظلة واحدة تهدف إلى إعادة إحياء هذا الفن، وتعزيز مكانته محليًا وعالميًا.

حملت الجمعية شعارًا يضم 22 نجمة ترمز إلى عدد المحافظات اليمنية؛ بهدف توحيد الشباب حول هذا التراث الأصيل، ومنذ تأسيسها حرصت الجمعية على تنظيم فعاليات تراثية وندوات توعوية، كما شاركت في محافل دولية لتعريف العالم بالصقارة اليمنية، كان أبرزها الاحتفال بيوم الصقور العالمي في نوفمبر 2024 تأكيدًا لالتزامها بالحفاظ على هذا الإرث.

بفضل ذلك، أصبحت حضرموت بوابة للصقارة اليمنية نحو العالمية؛ حيث شاركت الجمعية في معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية (ADIHEX) ومعرض كتارا الدولي للصيد والفروسية في الدوحة؛ مما ساعد في تعريف العالم بالإرث اليمني للصقارة.

كما سجل الفريق اليمني مشاركة مشرفة في كأس الاتحاد الدولي لرياضات وسباقات الصقور بدبي؛ حيث نافس 22 فريقًا من 20 دولة، وحقق الصقار “عبدالقادر العيدروس” المركز السادس في فئة “الجير شاهين”، بينما شارك الصقار “عبدالرحمن بادعام” في فئة “القرموشة”.

الصِّقَارَة في اليمن.. رياضة تراثية تعود إلى الواجهة

الاعتراف الدولي بالصقارة اليمنية جاء تتويجًا لهذه الجهود، حيث حصلت الجمعية في نوفمبر 2024 على عضوية مراقب في الاتحاد الدولي للصقارة وحماية الطيور الجارحة في منغوليا؛ مما فتح أمامها آفاقًا جديدة للمشاركة في المحافل العالمية، والمساهمة في حماية هذا التراث.

ويصف الدكتور علي الهميمي، رئيس الجمعية، هذا الإنجاز بأنه بداية لمسار طويل يهدف إلى ترسيخ مكانة اليمن على خارطة الصقارة الدولية، مشددًا على ضرورة تحقيق توازن بين الحضور الدولي والتطوير المحلي.

ويقول الهميمي لمنصة ريف اليمن: “تعمل الجمعية على غرس ثقافة الصقارة كجزء من الهوية الوطنية اليمنية، وتعزيز مكانة حضرموت كمركز ثقافي عالمي للصقارة بالتعاون مع شيوخ القبائل, وإدراجها تحت مظلة المؤسسات المحلية والدولية المختصة, وتوسيع حضورها”، مؤكدا  أن هذه المشاركة مثلت انطلاقة مهمة عكست الجهود المبذولة لتطوير الرياضة محلياً, معرباً عن عزمه على تعزيز المشاركة المستقبلية، وتطوير أداء الفريق؛ لتحقيق إنجازات أكبر.

تحديات وطموح

في ذات السياق يتحدث الصقار عبدالقادر العيدروس، قائلا: “هذا الإنجاز لم يكن سهلًا؛ واجهنا تحديات كثيرة من نقص الأدوات، لكننا صنعناها بأيدينا وبعشقنا للصقارة”.

بدأ العيدروس رحلته منذ الـ13 من عمره، ومنذ التحاقه بالجمعية عام 2023م، أخذ على عاتقه النهوض بهذه الرياضة، ويضيف لمنصة ريف اليمن: “بدعم وإشراف الدكتورعلي الهميمي، تم إنشاء الجمعية, وكان للأستاذ علي باشعيب نائب الجمعية، والأستاذ صلاح باوزير دوراً كبيراً في تحقيق هذا الحلم, الدولة لم تُبدِ اهتماماً برياضة الصقور، لكننا تجاوزنا كل الصعاب”.

ورغم الإنجازات، “هناك تحديات، أبرزها: ضعف الدعم المالي لتنظيم الفعاليات، والتغيرات البيئية التي تقلِّص مَوَاطن الصقور، بالإضافة إلى غياب الرعاية البيطرية المتخصصة، وضعف الوعي حول أهميتها كموروث ثقافي يجب حمايته, وغياب البنية التحتية”، بحسب الدكتور الهميمي. ويؤكد أن الجمعية تسعى إلى تحقيق استدامة مالية وإدارية لضمان استمرار أنشطتها، وإدراج الصقارة تحت مظلة المؤسسات الدولية.

الصِّقَارَة في اليمن.. رياضة تراثية تعود إلى الواجهة

في ذات السياق يقول “أحمد سليمان”، اختصاصي بيئي في مجال الطيور: “الصقارة تحمل في طياتها عمقاً ثقافيا يجب ممارستها بشكل يحترم الطبيعة والبيئة, وبناء هياكل تنظيمية للحفاظ عليها وتطويرها”.

ويلفت سليمان إلى أن “التدهور البيئي, والصيد الجائر، وفقدان البيئات الطبيعية, وتجارة الصقور وبيعها؛ يشكل خطرا كبيرا على الصقور البرية، واستدامة هذه الرياضة, لذا يجب تطبيق قوانين صارمة لحمايتها”.

ويرى العيدروس أن الظروف الاقتصادية التي تؤثر على توافر المستلزمات الضرورية للعناية بالصقور, وغياب الدعم الرسمي والمراكز المتخصصة يجعل من تدريبها والعناية بها أمرًا أكثر صعوبة مقارنةً بالدول الأخرى.

ويؤكد أن العناية بالصقور تتطلب توفير غذاء متوازن؛ حيث تُعد لحوم الحمام والقمري الأفضل، بينما يُنصح بتجنب لحوم الأغنام والدجاج لفترات طويلة، لأنها تؤدي إلى ضعف الريش وتكسُّره.

حماية التنوع البيئي

إلى جانب الجهود المبذولة في تطوير الصقارة كرياضة، تسعى الجمعية اليمنية إلى تعزيز الوعي بالصيد المستدام؛ لحماية الصقور البرية التي تمر عبر حضرموت خلال هجرتها السنوية من الانقراض والاتجار غير المشروع، حيث أشار الدكتور الهميمي إلى أن الجمعية تعمل على تنظيم حملات توعوية، وبرامج لحماية الطيور، بالإضافة إلى تعليم الأجيال الجديدة أساليب الصقارة التقليدية، بما يضمن استمرار هذه الرياضة كجزء من الهوية الثقافية اليمنية، ومراقبة أعداد الصقور البرية وحمايتها, والسيطرة على أعداد الطرائد؛ مما يحدُّ من الإضرار بالنظام البيئي.

تعود جذور الصقارة في اليمن إلى قرون طويلة، وارتبطت بالقبائل البدوية التي جابت الصحاري والوديان، معتمدةً عليها في الصيد وتأمين الغذاء, وتعتبر رمزًا للقوة والمهارة والاعتزاز بالنفس في الثقافة اليمنية, وتناقل هذا الفن عبر الأجيال وبشكل فردي.

وتُستخدم الصقور في القصص الشعبية والأشعار التي تمجد المهارات والخصال الحميدة للصقار, وتنظم القبائل مسابقات وعروضًا للصقور يبرز أهميتها كجزء من الهوية الثقافية, وارتبطت بكرم الضيافة، حيث كانت الطرائد التي يتم صيدها تقدم في والمناسبات الاجتماعية الكبرى.

وينوه الهميمي بأن الصقارة ارتبطت بالعادات والتقاليد اليمنية، وتُمارس في المناسبات الاجتماعية، وتعتبر رمزًا للفخر العائلي أو القبلي, بينما تتبادل الصقور كهدايا ثمينة بين الأصدقاء والزعماء القبليين، مما يعزز الروابط الاجتماعية, بالإضافة لاستخدامها في الصيد الجماعي، بما يعكس التعاون والتلاحم في المجتمع.

الصِّقَارَة في اليمن.. رياضة تراثية تعود إلى الواجهة

ورغم أنها رياضة تراثية، إلا أنها تحمل بُعدًا اقتصاديًا، فهي تسهم في تنشيط السياحة الثقافية في اليمن, فالمهرجانات والمسابقات التي تنظمها الجمعية اليمنية لرياضات وسباقات الصقور تستقطب الزوار المهتمين بهذه الرياضة.

أقدم الرياضات العربية

يتوارث الصقارون اليمنيون طرقًا فريدة في صيد الصقور، أبرزها استخدام الشبكة المثبتة على ظهر الحمامة على مسافة حوالي 30 مترًا من مكان الصقار وتربط بحبل فينجذب إليها الصقر ويهبط لافتراسها، ويعلق في فخٍ مُحْكم، قبل أن يقترب الصقار منه بحذر، مغطّيًا رأسه بـ”البرقع” لتهدئته.

وللصقور أنواع عدة تشمل: “الشواهين الجبلية”، ويُستخدم لصيد الطرائد الصغيرة, والوكري وهو من أسهل الصقور تدريبًا، ويستخدمه المبتدئون, أما “الصقر الحر” فهو الأقوى والأكثر قدرة على التحمل، ويُستخدم في الصيد الشاق.

تعد الصقارة من أقدم الرياضات العربية، ويعود تاريخها إلى 4000 سنة, وامتدت هذه الممارسة إلى ما قبل الإسلام وفي القرآن الكريم، تم ذكر “الجوارح” كوسيلة للصيد. ومع مرور الزمن، أصبحت الصقارة مرتبطة بالمكانة السياسية والاجتماعية، حيث كانت تُدار من قبل “أمير الصقار”، وهو منصب رفيع في بعض الدول الإسلامية.

في عام 2010، أدرجت منظمة اليونسكو الصقارة ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية، وتُمارس هذه الرياضة في أكثر من 90 دولة حول العالم. ويؤكد الدكتور عبدالرحمن بادعام، أحد الصقارين اليمنيين البارزين، أن الصقارة ليست مجرد هواية، بل هي فن يعكس العلاقة بين الإنسان والطبيعة، ويجب أن تحظى بمزيد من الاهتمام لضمان استمراريتها.

ورغم التحديات، تسعى الجمعية اليمنية لرياضات وسباقات الصقور إلى تحقيق توازن بين الحفاظ على التراث وتطوير الرياضة بما يتماشى مع متطلبات العصر، واضعة نصب أعينها هدفًا أساسيًا يتمثل في تعزيز مكانة اليمن عالميًا في مجال الصقارة، وبناء جيل جديد من الصقارين يحملون هذا الإرث بفخر نحو المستقبل.


صورة الغلاف: صقر في مهرجان ذهباء العاشر للموروث الشعبي بمديرية عسيلان شبوة شرقي اليمن، فبراير 2025 (تصوير: عمار نميش)

أسباب ركل الأبقار أثناء عملية الحلب

رفس الأبقار أثناء الحلب مشكلة شائعة في المزارع، قد تؤثر على سلامة الحلابين وجودة الحليب، مما ينعكس سلباً على إنتاجية المزرعة، حيث ينشأ هذا السلوك نتيجة لعوامل جسدية، نفسية، وبيئية، مثل الألم، التوتر، أو التعامل غير المناسب.

في هذا التقرير الإرشادي، يسلط المهندس الزراعي في منصة ريف اليمن محمد الحزمي، الضوء على أبرز أسباب ركل الأبقار أثناء الحلب، مع تقديم حلول عملية للحد من هذه المشكلة وضمان عملية حلب أكثر أماناً وكفاءة، وذلك استجابةً لاستفسارات المتابعين حول أسباب هذا السلوك.


         إرشادات ذات صلة


أسباب رفس الأبقار أثناء الحلب

  • الألم أو الانزعاج الجسدي:

– التهاب الضرع (Mastitis): يعد التهاب الضرع من أكثر الأسباب شيوعاً لرفس الأبقار، حيث يسبب هذا الالتهاب ألماً شديداً في الضرع، مما يجعل البقرة تتفاعل بعنف (بالركل) عند لمس المنطقة المصابة.
– إصابات الضرع أو الحلمات: الجروح، التورم، أو التشققات في الحلمات تزيد من حساسية المنطقة، مما يؤدي إلى رد فعل دفاعي مثل الرفس.
– معدات الحلابة غير المناسبة: في حالة الحلابة الآلية، قد يتسبب الضغط العالي لآلة الحلب أو تثبيت كؤوس الحلمة بشكل غير صحيح في شعور البقرة بالألم.

أسباب ركل الأبقار أثناء عملية الحلب

  • التعامل الخاطئ مع البقرة:

– الحركات المفاجئة أو الخشنة: تعامل الحلابين بقسوة أو بشكل مفاجئ قد يثير خوف البقرة، مما يؤدي إلى رد فعل عدواني.
– عدم الاعتياد على البشر: الأبقار التي لم يتم تدريبها على التفاعل مع البشر قد تظهر سلوكاً دفاعياً أثناء الحلب.

  • التوتر البيئي أو النفسي:

– بيئة الحلابة غير المألوفة: الضوضاء، الازدحام، أو وجود حيوانات أخرى في مكان الحلب قد يزيد من توتر البقرة.
– التغييرات في الروتين: تغيير وقت الحلب أو تبديل الحلابين قد يسبب ارتباكاً للبقرة، مما يؤدي إلى سلوك غير طبيعي.

  • مشاكل في إجراءات الحلابة:

– عدم تحفيز إدرار الحليب: الحلب دون تحضير البقرة (مثل تنظيف الضرع أو تدليكه) قد يؤدي إلى تأخير تدفق الحليب، مما يسبب انزعاجاً للبقرة.
– إطالة مدة الحلابة: بقاء آلة الحلب لفترة طويلة بعد انتهاء عملية الحلب قد يسبب تهيجاً في الضرع.

  • عوامل صحية عامة:

– سوء التغذية: نقص العناصر الغذائية الأساسية قد يؤثر على صحة الضرع ويزيد من تهيجه.
– الهرمونات: الأبقار في فترة الشبق (التبويض) قد تكون أكثر عصبية وتفاعلاً.

ملاحظة: بعض الأبقار قد تكون عصبية أو عدوانية بسبب عوامل جينية أو تجارب سلبية سابقة.

الضوضاء، الازدحام، أو وجود حيوانات أخرى في مكان الحلب قد يزيد من توتر البقرة


طرق الوقاية والعلاج

  • الفحص الدوري للضرع: يجب فحص صحة الضرع بانتظام للكشف عن أي التهابات أو إصابات ومعالجتها فوراً.
  • تدريب الحلابين: تدريب الحلابين على التعامل الهادئ والاحترافي مع الأبقار، وتجنب الحركات المفاجئة أو الخشنة.
  • ضبط معدات الحلابة: التأكد من أن معدات الحلب تعمل بشكل صحيح، وأن الضغط مناسب، مع تنظيفها وتعقيمها بانتظام.
  • توفير بيئة هادئة: توفير بيئة حلابة هادئة ومستقرة، مع تقليل الضوضاء والازدحام.
  • تعويد الأبقار على الروتين: تعويد الأبقار على روتين الحلب منذ الصغر، وتجنب التغييرات المفاجئة في الروتين.
  • التغذية السليمة: توفير تغذية متوازنة تحتوي على جميع العناصر الغذائية الضرورية لصحة الضرع.
  • التخلص من الأبقار العدوانية: في حالة استمرار السلوك العدواني لبعض الأبقار رغم اتخاذ جميع الإجراءات الوقائية، يمكن النظر في التخلص منها لضمان سلامة الفريق.

من خلال ما سبق وجدنا أن رفس الأبقار أثناء الحلب ليس سلوكاً عشوائياً، بل هو استجابة لعوامل يمكن التحكم فيها من خلال الرعاية الجيدة والتعامل الصحيح، ويساعد الفحص الدوري، تدريب الحلابين، وتوفير بيئة مريحة على الحد من هذه المشكلة، مما ينعكس إيجابا على جودة الحليب، إنتاجية المزرعة، وسلامة العاملين.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاد بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

العدالة الاجتماعية: فجوة تتوسع في ريف اليمن

العدالة الاجتماعية: فجوة تتوسع في ريف اليمن

في الوقت الذي احتفل فيه العالم باليوم العالمي لـ “العدالة الاجتماعية”، لا تزال هذه العدالة بعيدة المنال في العديد من مناطق اليمن، وخصوصًا في الأرياف التي تعاني من تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية بسبب استمرار الحرب التي عمّقت انتهاكات حقوق الإنسان، وأضعفت الحريات الأساسية.

وتعاني المناطق الريفية اليمنية من غياب الخدمات الأساسية، مثل: التعليم والصحة والبنية التحتية، فضلًا عن انعدام التنمية الاقتصادية، وانتشار الفقر والبطالة؛ بسبب ضعف برامج التنمية، وغياب الرقابة على تنفيذها، خصوصًا في ظل الحرب التي زادت من معدلات الفقر والتخلف، وأثّرت بشكل مباشر على استقرار المجتمع وتقدّمه.

المساواة في الفرص والحقوق

والعدالة الاجتماعية هي مبدأ يهدف إلى تحقيق المساواة في الحقوق والفرص بين جميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية، أو الخلفية الاقتصادية، أو العرق أو الجنس، وهي تعتمد على توزيع عادل للموارد والخدمات، وضمان تكافؤ الفرص، وإزالة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بما يحقق حياة كريمة للجميع.

ويؤكد الدكتور “محمود البكاري”، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، أن تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب خطوات عملية لمعالجة الفجوة الاقتصادية، وتحقيق تنمية شاملة، موضحًا أن الحرب المستمرة تمثل العائق الأكبر أمام العدالة الاجتماعية؛ حيث تعطِّلٌ المشاريعَ التنموية، وتزيد من معدلات الفقر والبطالة؛ ما يجعل تحقيق التنمية تحديًا بالغ الصعوبة.


       مواضيع مقترحة

وأشار البكاري خلال حديثه لمنصة ريف اليمن، إلى أن التشريعات والقوانين الوطنية تضمن العدالة الاجتماعية، إلا أن الواقع يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب الاستقرار السياسي، وتوقُّف برامج التنمية نتيجة النزاعات المستمرة؛ ما يعوق تنفيذ السياسات التنموية.

ويؤكد أن التعليم هو الأداة الأكثر فعالية للتوعية بأهمية العدالة الاجتماعية؛ حيث يساعد في حشد جهود المجتمع والدولة لتحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس ينعكس إيجابًا على حياة الأفراد والمجتمع.

العدالة الاجتماعية: فجوة تتوسع في ريف اليمن
فلاح يمني في إحدى جبال ريف محافظة إب وسط اليمن (مروان البعداني)

ويشدد البكاري على ضرورة توافق الإرادات السياسية والمجتمعية لتحقيق العدالة والتنمية الشاملة كأهداف استراتيجية للمؤسسات الرسمية، والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الإعلامية والثقافية، مشددا على أهمية دور الأفراد في تعزيز العدالة الاجتماعية من خلال الوعي بمصفوفة الحقوق والواجبات، والدفاع عنها، وتربية أفراد الأسرة على قيم العدالة كممارسة وسلوك يومي لتحقيق مجتمع أكثر عدلاً واستقرارًا.

ومنذ اندلاع الحرب قبل عشر سنوات، تفاقمت معاناة الأسر اليمنية، لا سيما في المناطق الريفية التي أصبحت الأكثر تضررًا من الأزمة الإنسانية؛ فقد تسببت الحرب في اتساع رقعة الفقر، وحرمان العديد من اليمنيين من حقوقهم الأساسية؛ مما جعل العدالة الاجتماعية في هذه المناطق أمرًا بعيد المنال.

وتؤكد عضو اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، القاضية “إشراق المقطري” أن حقوق الإنسان تشكل الأساس لتحقيق العدالة بجميع أشكالها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد من صراعات وحروب، موضحةً أن الصراعات والحروب تضاعف الانتهاكات، وتؤدي إلى تحديات جديدة أمام المؤسسات الحقوقية والأمنية.


حقوق الإنسان تشكل الأساس لتحقيق العدالة بجميع أشكالها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد


وأضافت المقطري لمنصة ريف اليمن، أن العنف والاعتداءات على الحقوق تتفاقم خلال النزاعات، مما يستدعي تكاتف جهود الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والاتحادات العمالية؛ لضمان حماية حقوق الإنسان، وتعزيز مبادئ العدالة الاجتماعية.

فجوة متزايدة

وتشير إلى أن عدم المساواة في الفرص والموارد هو أحد الأسباب الرئيسية للصراعات؛ حيث ولّدت هذه الفجوة مطالبات متزايدة بالمواطنة المتساوية، وضرورة معالجة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.

وشددت المقطري على أهمية دور الأفراد في تعزيز حقوق الإنسان من خلال الالتزام بالقوانين والمبادئ التي تحمي هذه الحقوق، بالإضافة إلى التعاون بين الأفراد والمؤسسات الأمنية والقضائية لضمان عدم المساس بها.

وأوضحت أن تحقيق العدالة الاجتماعية يستوجب ضمان حقوق الإنسان بمختلف أشكالها المدنية والاقتصادية والاجتماعية؛ من خلال وضع استراتيجيات واضحة لحماية هذه الحقوق من التهميش والتمييز، داعيةً إلى سنِّ قوانين تحمي هذه الحقوق من أي انتهاك.


لا يزال تحقيق العدالة الاجتماعية في اليمن -وخاصة في المناطق الريفية- تحديًا كبيرًا في ظل استمرار الحرب، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي


كما شددت المقطري على أن التعاون بين الأفراد والمؤسسات الأمنية والقضائية ضروري لضمان عدم المساس بالحقوق الأساسية، مؤكدةً أن حماية حقوق الإنسان تتطلب جهودًا مشتركة من جميع مكونات المجتمع لتحقيق الاستقرار والعدالة للجميع.

ولا يزال تحقيق العدالة الاجتماعية في اليمن -وخاصة في المناطق الريفية- تحديًا كبيرًا في ظل استمرار الحرب، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي، حيث تعيق النزاعات تنفيذ القوانين والتشريعات الوطنية التي تنص على مبادئ العدالة والمساواة، مما يزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا.

ويرى حقوقيون أن الحل يكمن في توافق الإرادات السياسية والمجتمعية على جعل العدالة الاجتماعية والتنمية أولوية وطنية، إلى جانب تعزيز التعليم والتوعية، ودعم دَوْرِ الأفراد والمجتمع المدني في تحقيق هذه الأهداف.

ومع استمرار الأوضاع الصعبة، يظل الأمل معقودًا على الجهود المشتركة بين الدولة والمجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان حقوق الإنسان؛ ليصبح هذا المفهوم أكثر من مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل واقعًا ملموسًا يسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وعدلًا.


صورة الغلاف: البراء منصور | مجلة العربية السعيدة