الخميس, مارس 5, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 82

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل

شهارة، مدينة يمنية عريقة، تقع شمال العاصمة صنعاء، على ارتفاع يبلغ نحو ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر، وهي إحدى المدن اليمنية المعلقة في سلسلة من الجبال الوعرة.

تتميز شهارة  (إحدى مديريات محافظة عمران)، بوجود تصميمات معمارية فريدة، وكانت تعد إحدى أهم وجهات السياح الذين يصلون اليمن، إلا أنها تواجه كغيرها من المناطق الأثرية اليمنية، تحديات جمة، وتتعرض المعالم الأثرية فيها للإهمال الكبير، مع غياب تام لدور السلطات المعنية.

تواجه المدينة التاريخية مخاطر وتحديات جمة بسبب الإهمال، حيث تعرضت بعض المعالم الثقافية والسياحية خصوصاً القصور التراثية للتدمير وأخرى لأضرار كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، دون أي تدخل مما يساهم في توسع دائرة الانهيار لما تبقى من آثار للمدينة.

يقول مدير مكتب الثقافة والسياحة بمديرية شهارة علي هراوة إن “الأماكن والمعالم الأثرية بمدينة شهارة تعاني من الإهمال، ولم تلقَ المعالجة والترميم اللازمين، كما هو حال جسر شهارة وحصن الناصرة ودار سعدان وبواباتها القديمة”.

وأضاف هرواة لـ “منصة ريف اليمن”، :”هناك بيوت معرضه للانهيار في الوقت الحالي مثل: بيت إسماعيل معرض للانهيار التام على الرغم من كونه قصر قديم بالإضافة دار سعدان وذلك ما يجعل صورة المدينة مشوهه وتفقد جمالها”.

وسرد أسماء بعض المباني التراثية المنهارة وهي :”بيت الحاجري، وبيت قسوة وبيت المنصور في الناصرة الداخلية وانهيار بيت حنش الجزء الشمالي منه وبيت المنصور في المزرابة”.

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل
جسر شهارة يقع بمحافظة عمران شمال اليمن (فيسبوك/ معاذ الشعيبي)

جسر شهارة

خططت مدينة شهارة على شكل حارات، رغم أن مساحتها  ضيقة، ويلغ عدد حاراتها نحو 16 حارة تقريباً، وكل حارة بها مسجد، وساحة، وبركة، ومقبرة، ونحو ذلك.

ضمت المدينة عدد من القصور الكبيرة، والمباني العالية، التي تتميز بتصميمات فريدة، ونسبة المباني العالية والقصور العظيمة في المدينة أضعاف المباني العادية.

يعتبر جسر شهارة لوحة فنية رائعة في الإبداع والتصميم، فهو يربط بين شهارة الأمير، وشهارة الفيش، بعد أن انفصلا بهوة طبيعية سحيقة.

قبل الجسر عاشت شهارة مقصية مستبعدة بسبب جبالها العصية، التي كان يصعب على ساكنيها الذهاب والعودة، حيث كانت الطريق تتطلب الكثير من الوقت والجهد، وكان الأهالي يلجأون للنزول إلى أسفل الأخدود الفاصل بين الجبلين ثم الصعود إلى الجبل الآخر.

وفي عام 1905م، تم إقامة الجسر على أخدود شديد الانحدار يفصل بين الجبلين، يبلغ ارتفاعه من أسفله إلى أعلى قمة الجبل حوالي 200 متر. أقيم الجسر على ارتفاع 50 متراً من أسفل الأخدود، في منطقة يبلغ مسافتها 20 متراً، ونتيجة للارتفاع البالغ 50 متراً من قاع الأخدود فقد بنيت في الأسفل عدة جسور ونوبة ـ برج ـ تم الاعتماد عليها في إقامة هذا الجسر.

أبواب وحصون وسدود

للمدينة 6 أبواب منيعة، تم تشييدها لحماية المدينة من أي غزو خارجي، وهي باب النصر، باب النحر، باب السرو، باب الحرم، باب السويد، باب بيت لقمان، كما يوجد فيها حصن الناصرة، الذي شيده العثمانيون أثناء مكوثهم في المدينة نهاية القرن العاشر الهجري كما جاء في كتاب “شهارة في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر” للدكتور الباحث محمد الدبي الشهاري.

مدينة شهارة.. ماضٍ مزدهر وحاضر مهمل
أهم معالم مدينة شهارة (ريف اليمن)

استغل سكان المدينة التاريخية مياه الأمطار عبر بناءهم سدودا كبيرة، وبركا واسعة، تستوعب كميات كبيرة من المياه، تكفي سكان المدينة لعدة سنوات، وجعلوا المدينة عبارة عن صبابات وسواقي تصب في تلك البرك، التي معظمها تجاوز عمرها ما يقارب 1000عام.

صممت تلك البرك والسدود بإتقان عجيب، واختيرت ووزعت أمكنتها بعناية، فقد احتوت المدينة مع صغر مساحتها على أكثر من (17) سداً وبركة بين كبيرة ومتوسطة منها: بركة الطوف، والأحسني، والشرقي الأسفل، والأعلى، والعنكبوت، وسد الجامع, والسبع، وسد النحر، وبركة باب النصر، والخارجية، والمحطة، والصلال، وأبو طالب، والشحنة، وبركة الشفاء وغيرها.

وفي ختام تصريحه، دعا مدير مكتب الثقافة والسياحة بمديرية شهارة “الجهات المختصة إلى إصلاح مجاري الصرف الصحي، ورصف الشوارع بالأحجار، وترميم المباني المعرضة للانهيار والحفاظ على الحصون القديمة وإعادة بناء الأسوار المتضررة.

كما دعا إلى ترميم الجامع الكبير وحفظ المخطوطات التاريخية والمصاحف، مناشدا المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث للقيام بدورها في حماية المدينة التراثية من الانهيار، مشددا على ضرورة توعية الناس بأهمية الحفاظ على المواقع الأثرية”.

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم
جسر "وادي نخلة"

تمكّنت مبادرة تعاونية بمحافظة تعز من تشييد “جسر” يقع على طريق رئيسية، ويربط بين ثلاث محافظات، بعد سنوات من المعاناة والخسائر المادية والبشرية التي تعرض لها سكّان تلك المناطق نتيجة الأمطار والسيول التي أودت بحياة العشرات.

ويربط جسر نخلة بين ثلاث محافظات هي: تعز، إب، والحديدة،  حيث يستفيد منه أكثر من نصف مليون نسمة من سكان تلك المحافظات بشكل مباشر وغير مباشر.

في منتصف شهر أغسطس من عام 2013، كان وادي نخلة شاهدا على مأساة إنسانية مؤسفة؛ إذ جرفت السيول موكب عرس بأكمله، ما أدى إلى وفاة 27 شخصا من أسرة واحدة، معظمهم من النساء والأطفال.

هذه الحادثة، وإن كانت هي الأكبر تكلفة من جهة الخسائر البشرية، واحدة من كثير من المآسي التي تخلفها السيول في مواسم الأمطار نتيجة لغياب الإنشاءات الضرورية من جسور وعبارات وأنفاق وتصريفات مياه ونظام إنذار مبكر في الوادي.

الدافع للمبادرة

هذه المآسي المستمرة دفعت الأهالي في المنطقة إلى إطلاق مبادرة مجتمعية لتشييد جسر “نخلة” لتجنب تكرار خسائر الأرواح والممتلكات، بحسب غسان أبو عدي أحد أهالي المنطقة، في حديثه لمنصة “ريف اليمن”.

ويعد الجسر واحد ضمن المئات من المبادرات والمشاريع الخدمية التي موّلتها ونفذتها مبادرات مجتمعية بمختلف مناطق الريف اليمني خلال سنوات الحرب، ومثلت تلك المبادرات شاهدًا على تماسك المجتمع اليمني، ومؤشرًا يبعث على التفاؤل بإمكانية تجاوزه مأزق الحرب.

يقول أبو عدي في حديثه لريف اليمن: “على الرغم من أن معاناتنا جراء غياب الجسر ليست جديدة، انتظرنا تدخل الحكومات المتعاقبة لإنجازه منذ تشييد الطريق الإسفلتي في تسعينيات القرن الماضي دون فائدة”، ويضيف: “عندما لمسنا مؤخرا قدرتنا كمجتمع على حلحلة مشاكلنا الخدمية المتعثرة من خلال النجاحات التي حققتها المبادرات المجتمعية التي انطلقت في مناطق مختلفة، تداعى الأهالي والتجار والمغتربون إلى إطلاق حملة لتشيد الجسر بمجهود ذاتي عام 2021”.

ونُفذت المرحلة الأولى من المشروع المتمثلة بالأعمال الخرسانية من قواعد وركائز ومجنحات، والتكلفة النهائية بحسب التصاميم الهندسية وجداول الكميات والإنشائية، 460 مليون ريال، ما يعادل 855 ألف دولار أمريكي، بحسب المدير التنفيذي للمشروع المهندس أحمد القحطاني.

تفاصيل الجسر

بحسب المهندس القحطاني، يبلغ الطول الإجمالي للجسر 194 مترا، بعرض 10.76م، وارتفاع فتحة الجسر لمرور الماء 5.5م، وبعرض 13م، مؤكدا أن التصاميم راعت المعايير الهندسية المتعارف عليها عالميا، بما في ذلك إضافة “البرنجات الأفقية” التي تعمل على امتصاص الصدمات الناتجة عن الأثقال والقوى الأفقية الناتجة من حركة المركبات فوق الجسر وقوى الزلازل، كما تضمنت أعمال التنفيذ وجود جدران حماية وموجهة للسيل وجدران مانعة، ورصف أرضية السائلة بالكتل الصخرية مع الخرسانة بطول 30 مترا وعرض 13 مترا.

بالنسبة للتحديات يؤكد القحطاني “الإمكانيات المادية من العوائق التي واجهتنا، لإعتمادنا بالمشروع على تمويل المواطنين والتجار والمغتربين، واقتصرت مشاركة السلطات المحلية على مبلغ 100 مليون ريال يمني، سُلم نصفها، والنصف الأخر ما زلنا ننتظر ونأمل تسلّمه بأقرب وقت”.

ويضيف: “حاليا نقوم بالأعمال في قاع السائلة وقبل حلول موسم الأمطار القادم، ونأمل أن ننتهي من صبّ الجيردرات والسطح وبلاطات مقتربات الجسر قبل موسم الأمطار القادم”، متمنيا من جميع أبناء المناطق المستفيدة من هذا المشروع أن يبادروا بالمساهمات السخية قبل حلول موسم الأمطار.

نتيجة لشحّة الإمكانيات، كان العمل بالمشروع قد توقف لعدة أشهر، ثم عاود استئنافه من جديد مطلع شهر يناير الماضي، بفضل حملة تبرعات أطلقها الطفل المبدع في مجال الإعلام وصناعة المحتوى محمد فواز العامر (12 عامًا)، وتمكنت الحملة من جمع مبلغ يزيد عن 100 ألف ريال سعودي في يومين.

يتحدث الطفل العامر لمنصة “ريف اليمن” عن تفاعل الناس مع الحملة قائلاَ: “المشروع بالنسبة للأهالي  يعد حلما طال انتظاره وكان قاب قوسين من التعثر، وبدأ الناس يشعرون بخيبة الأمل، فقررت استثمار مساحة تواصلي مع جمهوري على منصات التواصل الاجتماعي لخدمة المشروع”.

ويضيف: “دعوت الناس للتبرع بمنشورات  ومواد إعلامية تظهر أهمية إنشاء الجسر وتبرز الجهود التي بذلت، وسرعان ما هبّ الجميع من محبي الخير، وجمعنا مئة وخمسة آلاف وسبعمائة ريال سعودي”.

جسر وادي نخلة.. السيول لن تكون مميتة بعد اليوم
تفاصيل مشروع جسر وادي نخلة (ريف اليمن)

إنقاذ المشروع

يعود الفضل لحملة التبرعات التي أطلقها بإنقاذ المشروع ودفع عجلته إلى الأمام، للطفل “العامر” والذي يعد نموذج يعكس الروح الإيجابية التي يتميز بها الموهوبين والناشطين المجتمعيين اليمنيين، الذين سخّروا قدراتهم، لخدمة المبادرات المجتمعية التي تشكلت في مناطقهم النائية، وكان لهم دور كبير في إنجاحها وإظهارها لتكون مصدر إلهام.

الصحفي والناشط المجتمعي، محمد زياد، أشاد بالمبادرة، وأكد في حديثه لمنصة ريف اليمن أن “المبادرات المجتمعية التي شهدتها مناطق الريف اليمني في سنوات الحرب، تمكّنت من خلق حراك قائم على الشعور بالمسؤولية المجتمعية لدى المواطنين ومنطلق من حاجاتهم الخدمية الماسة”.

وقال أيضا: “إن المشاركة بالمبادرات واجب الجميع سواء الجانب الرسمي أم المجتمع من تجار وناشطين ومؤثرين، وعليهم أن يتجاوزا الخلافات التي يفرزها الصراع والحرب، ويلتفوا حول ذلك الحراك ويدعموه ماديا ومعنويا، ويذللوا الصعوبات أمامه، ويرفعوا مستوى الوعي الشعبي بأهمية المشاركة الإيجابية فيه، ويوصلوا الصورة الإيجابية التي ترسمها الجهود الجبارة للأهالي للعالم”.

ويختم حديثه بالإشارة إلى أن “الخروج من مأزق الحرب وإعادة دفع عجلة التنمية لن يتحقق إلا بتظافر كل الجهود ابتداءً بوعي الفرد مرورا بدور المجتمع وانتهاءً بواجب الدولة ومسؤوليتها تجاه التنمية الشاملة بمختلف الجوانب وعلى المستويات كافة”.

بسبب الفقر.. سكان الريف يستقبلون رمضان بفرحة منقوصة

الفقر
إمرأة تعاني أسرتها من ظروف معيشية سيئة تسبب لأطفالها بسوء التغذية (يونيسف)

“لم أشترِ شيئاً من الاحتياجات الرمضانية، ظروفي قاسية، وبصعوبة أتمكن من تأمين متطلبات الحياة اليومية”، بهذه الكلمات بدأ محمد حِزام (50 عاما) سرد معاناته مع حلول شهر رمضان المبارك الذي يستقبله اليمنيون على وقع أوضاع صعبة جراء الحرب المستمرة.

ينحدر حزام من ريف السَّيّاني جنوب محافظة إب وسط اليمن، ويعمل بالأجر اليومي بمهنة النجارة منذ سنوات، لكنه على غرار ملايين اليمنيين المتعبين والمثقلين بهموم الحرب، يستقبل رمضان هذا العام وسط ظروف قاسية أثقلت كاهله وأجبرته على التخلي عن شراء الاحتياجات الرمضانية المتنوعة.

توسع رقعة الفقر

ومثل حزام ملايينُ اليمنيين بالمناطق الريفية النائية، يستقبلون رمضان في ظل أوضاع قاسية انعكست سلباً على مختلف مجالات الحياة وتسببت بحرمان غالبية المواطنين من شراء الاحتياجات الرمضانية التي طالما كانت تزيّن موائد الإفطار بمنازل اليمنيين منذ عقود طويلة.

يقول حزام إنه “سيكتفي بوجبة “الشَّفُوت” و”العَصيدة”، فهما الوجبتان المتاحتان على مائدة الإفطار”، مضيفاً بأنه سوف يُحرم من شراء الخضروات.

ويضيف لـ”منصة ريف اليمن”،: “الناس في ضيق كبير، سابقا كنا نستعد لقدوم شهر رمضان والأسواق مكتظة والبسمة بوجوه الناس، أما الآن فالوضع مختلف تماما، غيّبت الحرب طقوس اليمنيين الرمضانية”.

ويتميز رمضان باليمن بكثير من الطقوس التقليدية المتعارف عليها في الأكلات التي تحضر بالمطبخ اليمني، وتزين موائد الإفطار الرمضانية في منازل اليمنيين، وتختلف من منطقة إلى أخرى، وتنفرد كل محافظة بطقوسها الخاصة المتوارثة منذ عقود طويلة.

عامل البناء بريف محافظة إب بشير محسن البالغ من العمر (53 سنةً) أيضا لم يتمكن من تأمين الاحتياجات الرمضانية بسبب ظروفه المعيشية القاسية.

ويقول لـ” منصة ريف اليمن”، “كل همنا الوحيد هو توفير التمر والزبادي، أما بقية الأشياء فقد أصبحت من الماضي”، ويضيف: “وضعنا المعيشي صعب للغاية، حتى المساعدات الإنسانية التي كنا نحصل عليها كل ثلاثة أشهر أصبحت متوقفة منذ عدة شهور”.

من جانبه أكّد المزارع جابر مقبل (60 سنةً) الذي يعمل بالزراعة وتربية الثروة الحيوانية منذ طفولته قائلاً لمنصة ريف اليمن: “تمكّنت من شراء التمر وقليل من الاحتياجات الأخرى بفضل بيع إحدى المواشي. أما الزبادي فمن الأبقار، نحن مبتهجون بقدوم شهر رمضان”.

أسعار باهظة

في ظل تحذيرات دولية من ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية والوقود على المدى القصير في عموم اليمن، بسبب تأثيرات أحداث البحر الأحمر تشهد بعض أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ارتفاعا ملحوظاً، ولا سيما الاحتياجات الرمضانية والأكثر استخداما خلال شهر رمضان، بالإضافة إلى ارتفاع السلع الأساسية: القمح والدقيق والسكر والزيوت وغيرها من المواد الغذائية.

وتشكو السيدة عائشة محسن (37 سنةً) من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية بشكل لافت وتقول لـ”منصة ريف اليمن”،:”أسعار السلع باهظة، زوجي يعمل موظفاً حكومياً وبسبب توقّف صرف الرواتب الحكومية أواخر عام 2016 ليس بمقدورنا تحمل أعباء الاحتياجات الرمضانية”.

وفي حين تشكو عائشة ومثلها ملايين اليمنيين بالمناطق الريفية من ارتفاع أسعار السلع، يؤكد الصحافي الاقتصادي وفيق صالح أن أزمة الغلاء تعود في المقام الأول إلى تفاقم الأزمات في سلاسل الإمداد إلى اليمن وارتفاع تكاليف الشحن البحري بصورة قياسية، بسبب تأثيرات التصعيد في البحر الأحمر.

وقال الصحافي صالح لـ”منصة ريف اليمن”،: “هناك موجة من الغلاء والتضخم تجتاح الأسواق التموينية شملت مختلف السلع الأساسية والضرورية، مع حلول شهر رمضان المبارك الذي تزداد فيه عملية الإقبال والطلب من قبل المستهلكين”.

أسواق فارغة من الزبائن

على غير العادة، بدت الأسواق الشعبية في مراكز المديريات الريفية والمحلات التجارية هذه الأيام شبه خالية من المشترين مع تراجع ملحوظ للقدرة الشرائية عند المواطنين بشكل لافت مقارنة مع الأعوام الماضية، وذلك بسبب استمرار توقف الرواتب وركود الأعمال بمختلف القطاعات الحيوية، بحسب إفادة تجار من محافظة إب لمنصة ريف اليمن.

وبحسب الأمم المتحدة، يظل 80% من سكان اليمن البالغ عددهم 32 مليونا بحاجة إلى المساعدات، في حين تعاني المنظمات الإغاثية من نقص تمويل عملياتها الإنسانية، ما يؤثر سلبا على حياة كثير من الفقراء في البلد الذي يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية بالعالم.

إب.. امرأة ريفية تنجح بإنشاء مشروع للتمكين الإقتصادي

امرأة يمنية تنجح بإنشاء مشروع للتمكين الإقتصادي
إمرأة يمنية في ذمار تعمل في الملابس، مستفيدة من دعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن

تمكّنت السيدة منال أمين (40 عاما) من افتتاح مشروعها الاستثماري بريف السَّيّاني جنوب إب وسط اليمن، بهدف تأمين الغذاء لأفراد عائلتها، على غرار كثير من المشاريع النسائية التي ظهرت مؤخراً بمختلف المحافظات اليمنية في سنوات الحرب.

عاشت منال مع أفراد عائلتها التسعة أوضاعا معيشية قاسية؛ إذ كان زوجها، المتوقف راتبه منذ سنوات، يذهب إلى حراج العُمال، لكنه يعود إلى منزله من دون الحصول على فرصة للعمل، مما ضاعف معاناتهم، وهو حال معظم الأسر اليمنية في بلد تشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

تقول منال لمنصة ريف اليمن: “كان أطفالي يتضوّرون جوعا، ويقضون معظم الأيام على وجبة وحدة، ووجدنا أنفسنا عاجزين عن توفير أبسط الاحتياجات الضرورية”.

وتضيف: “باع زوجي قطعة أرض. نفدت المدخرات كافة، ففكرت ببيع مجوهراتي لتوفير الغذاء، لكني تراجعت حينها، وبدأت التفكير بطريقة لاستثمارها، لا سيما بعدما سمعت عن قصص نساء يمنيات يعملن في مشاريع استثمارية تمكّن من خلالها من الوقوف أمام متطلبات الحياة اليومية وأسهمن في تأمين الغذاء وإعالة أفراد عوائلهن.

بداية مشروع امرأة ريفية

بدأت السيدة منال عام 2017 مشروعها الاستثماري بشراء ملابس نسائية وبيعها داخل منزلها كأول سيدة تعمل بهذا المجال في قريتها، ودفعها أكثر نحو العمل تعرضها للإهانة، إذ تقول: “ذات يوم كان أحد أطفالي يصرخ بصوت مرتفع ويطلب من والده مبلغا من المال لشراء حذاء بعد أن تمزقت الأولى، وذهبت للاقتراض من إحدى النساء، لكنها رفضت وقالت لي بسخرية: من أين لك المال؟ وهي تلمّح إلى عدم تمكني من تسديدها المبلغ”.

على مدى سنوات غيّرت الحرب دور المرأة الريفية في المجتمع، وتحمّلت المرأة العبء الأكبر بتوفير الغذاء لأفراد العائلة، من خلال فتح المشاريع الاستثمارية المتنوعة مثل المحلات التجارية، أو العمل بمجالات أخرى تؤمن متطلبات الحياة اليومية كالزراعة وتربية الثروة الحيوانية وغيرها من الأعمال.

ولا تزال أرقام مشاركة المرأة اليمنية في سوق العمل غير معروفة، لكنها تعتبر من أدنى المعدلات في العالم؛ إذ لا تزال الفجوة كبيرة بين مشاركة المرأة ومشاركة الرجل في سوق العمل وبيئة الأعمال.

تكمل منال: “بعد ذلك الموقف، بعتُ ما كان بحوزتي من مجوهرات، بلغت قيمتها نحو 700 ألف ريال يمني، أي ما يعادل نحو 1300 دولار أمريكي بسعر صرف الدولار في صنعاء، وبدأت العمل في المشروع الاستثماري الذي كلفني مبلغ 3 مليون ريال يمني، وبدأت بمساندة زوجي وأطفالي حتى عام 2019”.

صعوبات إقتصادية

تذكر منال أنها واجهت صعوبات كبيرة من أبرزها: الترويج للمشروع، وعدم معرفة النساء به، بالإضافة إلى الصعوبات والمعوقات الأخرى مثل بُعد المسافة بين القرية والمدينة، وذلك كان يكلفها أجورا باهظة أثناء نقل البضاعة، لكنها تغلبت على كل تلك العراقيل”.

منذ عام 2019، حققت منال أرباحا مالية كبيرة، وقامت بتوسعة المحل، وأصبح لديها قسم خاص ببيع ملابس الأطفال بمختلف أنواعها، بالإضافة إلى توفير الموديلات النسائية كافة، وتأتي إليها النساء للشراء من مناطق خارج القرية.

ولتجاوز آثار الحرب، اضطر كثير من النساء اليمنيات إلى ابتكار مهن مختلفة وأغلبها داخل المنازل، كصناعة الطعام والحلويات والخياطة وغيرها، وبيعها للمواطنين وحتى للمحال التجارية.

عن تجربة منال، يقول رمزي أحمد (30 سنةً) وهو أحد سكان القرية: “إن المشروع نموذج للمرأة اليمنية المكافحة، فهي سابقاً كانت تعيش حياة صعبة والبؤس مع أفراد العائلة بفعل توقف راتب زوجها مصدر دخلهم الوحيد، أما اليوم فقد تمكنت من تحويل حياة أسرتها إلى الأفضل”.

أما نجود غانم (44 سنة) وهي أم لسبعة أولاد، فتقول: “وفّرت علينا السيدة منال مشقة السفر إلى المدينة التي تبعد مسافات طويلة وتكلفة مالية باهظة، فهي توفر أصنافا متنوعة راقية وأفضل من المحلات التي يديرها الرجال. أشتري الملابس في الأعياد والمناسبات لي وأطفالي من محلها بأسعار مناسبة”.

ابتهاج بالنجاح

بعد مرور أربعة أعوام من نجاح مشروعها الاستثماري، تشعر منال بالارتياح والسعادة حيث أصبحت تملك محلا لبيع الملابس النسائية وملابس الأطفال، وأصبحت التكلفة الإجمالية للمحل نحو 5 مليون ريال يمني، وأصبحت تحقق أرباحا مالية مرضية، ويعيش أفراد عائلتها حياة مستقرة، ويواصل أطفالها تعليمهم الدراسي ووضعهم المادي صار أفضل”.

وتسترجع منال اللحظات الأليمة فتقول لمنصة ريف اليمن: “يا لها من ساعات عصيبة وأنت تنظر إلى أطفالك وهم يعانون، بينما أنت تقف عاجزا عن تخفيف معاناتهم. أستطيع القول إن تلك الفترة كانت من أصعب أيام حياتنا. كان الله بعون الفقراء والكادحين الذين لا يجدون قُوت يومهم”.

وتؤكد أنه لا يأس مع الحياة مهما كانت الظروف، وتشرح قائلة: “أنا بدأت مشروع بمبلغ مالي صغير، واليوم أصبح رأس مالي يصل لأكثر من 5 مليون ريال يمني، وأتطلع إلى توسعة المشروع مستقبلاً”، داعية النساء اليمنيات إلى العمل وفتح مشاريع استثمارية فهي الوسيلة الوحيدة للوقف أمام أعباء الحياة في زمن الحرب.

ولا تزال النساء اليمنيات يواجهن التشرد والنزوح، ويتحملن مسؤولية إعالة أسرهن، خصوصا بعد فقدان أزواجهن وأقاربهن بسبب الحرب، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن هناك أكثر من مليوني يمنية في سن الإنجاب، منهن أكثر من ثلاث مئة ألف حامل يواجهن خطر التعرض للمضاعفات التي تشكل خطرا مباشرا على أرواحهن إذا لم يحصلن على الرعاية العاجلة والأدوية.

تربية الأبقار.. رافد اقتصادي ينحسر بالأرياف اليمنية

تربية الأبقار.. رافد اقتصادي ينحسر بالأرياف اليمنية
تراجع اهتمام الأسر اليمنية في الأرياف اليمنية خلال السنوات الماضية (منصة ريف اليمن)

في السنوات الماضية، تخلّى كثير من المزارعين اليمنيين عن تربية الأبقار بالمناطق الريفية لأسباب عدة، أبرزها التغيرات المناخية، وتوسع زراعة شجرة القات، ووصول الإنترنت والجوالات إلى الأرياف.

وتسبب وصول الإنترنت والجوالات إلى بعض المناطق الريفية بإشغال كثير من السكان على رأسهم النساء عن الاهتمام بالأبقار، والعزوف عن تربيتها، وهو ما انعكس سلبا على حياة الأسر، وفاقم من معاناتهم في بلد تعصف به الحرب منذ أكثر من ثماني سنوات.

ووفقا للأرقام الواردة في الكتاب السنوي للإحصائيات الزراعية الصادر عام 2016 عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية التابعة لجامعة الدول العربية، فإن عدد الثروة الحيوانية (الأبقار) بلغ في اليمن خلال عام 2015 [1721.900] بقرة، لكنه شهد تراجعا ملحوظا حيث بلغ خلال عام 2021 [1250.000] بقرة، وفقا لإدارة الإحصاء في وزارة الزراعة اليمنية.

ويتحسّر الزارع عصام القوسي (42 عاما) على قرار تخليه عن تربية الأبقار. ويقول لمنصة “ريف اليمن”: “بعد أن كنتُ أتناول السمن البلدي بشكل شبه يومي، أفتقد الآن لتذوقه ولو لمرة واحدة في الشهر. أستطيع القول إني فقدت البقالة المجانية من داخل المنزل”.

تراجع زراعة الأعلاف

قبل اندلاع الحرب، كانت مساحة المراعي الطبيعية في اليمن تبلغ نحو 16 مليون هكتار موزعة على مناطق بيئية شديدة التباين، وتمثل المصدر الرئيسي لغذاء الثروة الحيوانية، وتختلف طبيعة النباتات الرعوية المنتشرة وفقاً لطبيعة المناطق، بحسب المركز الوطني للمعلومات.

وأدى توسع زراعة شجرة القات إلى تراجع نسبة زراعة الأعلاف، خصوصاً بعد إقبال المزارعين على زراعته طلبا للدخل السريع، وهو ما جعل الأبقار تواجه تهديدا وجوديا بسبب نقص الأراضي الزراعية التي توفر الأعلاف والحشائش، واضحت معظم المنازل خالية من الأبقار.

ويقول القوسي إنه تخلى عن تربية الأبقار في عام 2012 نتيجة استبدال زراعة شجرة القات بزراعة الحبوب المتنوعة، مما جعل أسرته تواجه صعوبات كبيرة في توفير ما يكفي من الأعلاف لسد حاجة الماشية. ويتمنى العودة مجددا لتربية الأبقار، لكنه يرى صعوبة في ذلك، بسبب عدم توفر الغذاء والأعلاف الكافية.

ويضيف لمنصة “ريف اليمن”: “الزبادي أصبح من الأساسيات التي نشتريها بشكلٍ يومي، ونعتمد على الحليب الصناعي للأطفال، وهو ما يكلف مبالغ مالية كبيرة”.

تماماً مثل القوسي، يشعر المزارع محمد مجاهد (48 عاما) بالحسرة والندم بسبب تخلّيه عن تربية الأبقار، ويتذكر كيف كانت حياة أسرته تنعم بالحليب والحقين والسمن عندما كان يمتلك بقرة، حتى أتت شجرة القات وتسببت بخلو معظم المنازل من الأبقار حسب وصفه.

ويقول مجاهد لمنصة “ريف اليمن”: “كانت أمي تجمع السمن لمدة أسبوعين، فتحصل على نحو لترين من السمن البلدي، ثم نبيعه في الأسواق، ونتمكن من شراء بعض من احتياجاتنا الأسبوعية، ويبلغ سعر اللتر من السمن بين (3500 – 5000) ريال”.

ويضيف: “كانت البقرة سابقاً توفر لنا ما نحتاجه من اللبن والحليب في الوجبات اليومية، ولم نلجأ يوما لشراء الزبادي ومشتقاته من المحلات التجارية، أما الآن فالشراء بشكل يومي”.

النساء وتربية الأبقار

في الغالب تعد المرأة هي صاحبة الدور الرئيس في تربية الأبقار؛ إذ إن تربية الأبقار تكاد تكون مقصورةً على النساء، وهن مَن يقمن بإطعام الأبقار يومياً، وجلب الحشائش وحصد الأعلاف من محيط المزارع، ولكن ليس انعدام الحشائش وحده ما تسبب بالعزوف عن تربية الأبقار؛ إذ توجد مناطق متعددة لم تصل إليها حتى اللحظة زراعة شجرة القات، لكن شكاوى المواطنين تتوالى من عزوف النساء عن تربية المواشي برغم توفر الإمكانيات والبيئة المناسبة.

ويُرجع المزارع السبعيني مهدي الحداد سبب عزوف النساء عن تربية الأبقار إلى ما أسماه بـ”الدلع” عند بنات هذا الوقت ويقول: “هذه التصرفات ظهرت بعد وصول الإنترنت والجوالات بأوساط النساء الريفيات”.

وقال الحداد لمنصة “ريف اليمن”: “المشكلة هي اقتناع عدد كبير من الرجال بمطالب النساء بالتخلي عن تربية الأبقار، حتى وصل الأمر عند بعض أولياء الأمور إلى الاشتراط على مَن يتقدم إلى الزواج بابنته بعدم مطالبة البنت بتربية الأبقار”.

وتحتفظ البقرة بمكانتها الكبيرة في العائلة الريفية، وذلك بصفتها واحدة من أهم المقومات الرئيسية في الأسرة، حيث كان لا يخلو منزل ريفي من وجود البقرة.

وتُقدّر أحدث البيانات الصادرة عن إدارة الإحصاء والمعلومات الزراعية في وزارة الزراعة حجم الثروة الحيوانية في اليمن لعام 2021 بنحو 20.9 مليون رأس، منها مليون و250 ألف بقرة، بعد أن كان عددها خلال عام 2015 1721.900 وفقا للمنظمة العربية للتنمية الزراعية.

وعن أهمية تربية المواشي، يقول الخبير الاقتصادي رشيد الحداد: “إن تربية الحيوانات وخاصة الأبقار والأغنام يُعد جزءا رئيسيا من ثقافة المجتمع اليمني الريفي، وينظرون إليها بوصفها عادة متوارثه ترتبط بفلاحة الأرض والاعتناء بها، لذلك هي من أهم العادات التي توارثها المزارعون”.

رافد اقتصادي

ويضيف الحداد لمنصة “ريف اليمن” أن دور المواشي متعدد الجوانب، فتربيتها تسهم في منح المزارع الألبان والزبدة واللحوم، بالإضافة إلى أن بيعها صغارها مجدٍ اقتصاديا، ولذلك خففت بشكل كبير من معاناة المزارعين اليمنيين خلال السنوات الماضية.

وتساعد الثروة الحيوانية سكان الريف على توفير متطلبات المعيشة اليومية من ألبان وحقين ولحوم وغيرها، كما تُعد الثروة الحيوانية عاملا مساعدا للأسر الريفية، حيث تقوم ببيع صغارها وتوفير متطلبات أخرى كالملابس والحبوب والعلاج وغيرها.

وبحسب بيان أصدرته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو في 2020، توفر الثروة الحيوانية الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، حيث تربي الأسر الأغنام والماعز والماشية، وتعتمد على استهلاك وبيع منتجاتها للبقاء على قيد الحياة.

شبوة.. سكان قرى “وادي النْحَرْ” محرومون من الخدمات الصحية

شبوة بيحان صحة قرى وادي النْحَرْ
مرضى داخل مشفى بيحان بمحافظة شبوة شرقي اليمن (منصة ريف اليمن)

تتردّد الطفلة المصابة بمرض الثلاسيميا فاطمة ناجي (8 سنوات) مرّة كل أسبوع على مشفى بَيْحان الذي يبعد 25 كيلومترا عن منزلها في قرية وادي اَلْنَحَرْ بمحافظة شَبوة شرقي اليمن.

وتفتقر قرى وادي النحر بمديرية بَيحان شمال عَتَق المركز الإداري للمحافظة إلى وجود وحدات ومراكز صحية، وإلى غياب الصحة الإنجابية وصحة الطفل والتغذية، الأمر الذي يسبّب أعباء كبيرة على السكان في ظلّ الظروف الاقتصادية المزرية.

ويقطع عشرات من المواطنين هذه المسافات وأكثر، ويتحمّلون تكاليف النقل التي تتجاوز 50 إلى 80 ألف ريال (الدولار 1600 ريال)، من دون تكاليف الغذاء والدواء والإقامة إذا كانت الحالة تستدعي ذلك.

وصلت تلك المعاناة إلى حدّ وفاة مواطنين بسبّب تأخر نقلهم للمشفى، نتيجة المسافة الطويلة ووعورة الطرق، في حين تضاعفت حالات أخرى كانت في الحدود الصحية الأمنية.

ولا توجد إحصائية دقيقة بعدد الحالات التي توفيت جراء تأخير نقلها إلى المستشفى الحكومي، لكن الدكتور حسين كَرْنُوْن رئيس قسم العمليات الجراحية في المستشفى أكّد على وفاة حالتين تأخرتا عن الوصول في الوقت المناسب نتيجة البعد.

ويشير الطبيب كَرْنُوْن لمنصة “ريف اليمن”، “أن أحد المتوفين في عمر 41 عاما، وتوفي بسبب مسّ كهربائي، وطول المسافة تعد سببا لفقدان الحياة، والآخر كان طفلا بعمر 13 عاما، وتوفى قبل 3 أشهر بسبب عدم القدرة على وقف النزيف وسرعة إيصاله للمشفى”.

صعوبات التنقل

يذكر الحاج محمد الفقير  بالحميات -وهو من سكان قرية اَلْقُلِيتَه بوادي اَلْنَحَرْ- وقال: “إنه أصيب بحميات والتهابات، الأمر الذي جعله يتحمل عبء الانتقال نحو مركز مُوْقِسْ الصحي الذي يبعد عن منطقته 22 كيلومترا قاطعا مسافات وعرة لإجراء فحوصات طبية وشراء بعض الأدوية؛ إذ لا يوجد في قريته مختبر أو صيدلية دوائية”.

وأشار الفقير في حديث له إلى منصة “ريف اليمن” أنه يضطر أحيانا للانتقال للمركز عبر صعود أعلى سيارة العبور (الكبوت) بين الرياح والشمس، ويعرض حياته للخطر، لعدم قدرته على دفع تكلفة أجرة السيارة، فهو يحاول توفيرها كي يدفع المبلغ للفحوصات وشراء الأدوية.

واستغرب مِن عدم التفات الجهات الحكومية أو المنظمات العاملة في البلد إلى هذه المعاناة في قرى ريف وادي اَلْنَحَرْ التي تواجه المعاناة منذ زمن، وقد طالب بالعمل على توفير بعض الخدمات الصحية أو بناء مراكز صحية لتخفيف معاناة السكان.

تكاليف كبيرة

رئيس جمعية اَلْنَحَرْ التنموية الخيرية، صدام حسين، قال إن بعض قرى الوادي تبعد عن مستشفى بيحان بمسافات ما بين 20 و30 كيلو، وهو ما يزيد من معاناة المواطنين الذين يعمل أغلبهم بالزراعة والرعي ويفتقرون إلى الدخل الثابت.

ويضيف حسين لمنصة “ريف اليمن” قائلا: “يتحمّل المواطنون تكلفة مالية تتراوح بين 50- 80 ألف ريال للانتقال نحو مشفى بيحان، وهي مبالغ مرتفعة بالنسبة لسكان المناطق الريفية في هذه القرى التي يتاخم بعضها خطوط المواجهات العسكرية”، ويلفت إلى أن قريته لم تنل زيارة العربة المتنقلة ولو ليوم واحد كل ثلاثة أشهر أو حتى كل عام.

ومما يضاعف المعاناة بحسب صدام أن هذه القرى يفصلها عن المشفى عدد من الوديان التي تصبّ فيها سيول الأمطار، وهي تؤدي إلى انقطاع الخطوط وتوقف المواصلات في مواسم الأمطار، فضلا عن المواجهات العسكرية بالمنطقة، وهو ما يجعل الوصول بالمريض إلى المستشفى أشد صعوبة.

يطالب رئيس جمعية اَلْنَحَر من السلطات “إيجاد سيارة إسعاف لتلك القرى، أو بناء مركز صحي قريب” ويحتاج تمويل طبي من منظمة الصحة العالمية أو الهلال الأحمر اليمني أو الصليب الدولي، وأن يُشرك كوادر المنطقة الطبية  للتدريب معاهم.

معاناة النساء في شبوة

ليست وحدها الخدمات الصحية التي تغيب عن تلك القرى، بل حتى القابلات لا تتوفر فيها، الأمر الذي يزيد من معاناة النساء الحوامل، ويعرض حياتهن للخطر والموت.

ويذكر المواطن محمد حسين أنه عانى العام الماضي عندما نقل زوجته لمشفى بيحان في مركز المديرية ليتفاجأ بسيول جارفة في الطريق، منعهم من المرور بالوادي.

ويضيف: “في تلك اللحظة الصعبة، أشار علينا أحد المواطنين بالمرور عبر طرق وعرة، واضطررنا لعبورها رغم طول المسافة، ووصلنا بعد أربع ساعات من الألم والمعاناة”.

وطالب حسين مكاتب الصحة بالمحافظة والمديرية والمنظمات الدولية بالعمل على بناء مراكز صحية في هذه القرى، وتدريب قابلات وفتح مراكز قبالة وتوليد لتخفيف العبء على النساء، ووقف نقلهن إلى خارج هذه القرى الريفية إلا في الحالات الحرجة التي تستدعي التدخل.

زراعة القات: تهديد للمحاصيل واستنزف للمياه الجوفية

جزء من مزرعة "قات" في ريف محافظة إب اليمنية (منصة ريف اليمن)
جزء من مزرعة "قات" في ريف محافظة إب اليمنية (منصة ريف اليمن)

بعد أن كان المزارع مهدي غانم (55 عاما) يحقّق الاكتفاء الذاتي سنوياً من الحبوب المتنوعة مثل الذرة البيضاء والذرة الشامية والقمح والبقوليات، أصبح اليوم يخسر نصف المحصول بسبب زراعته لشجرة القات.

غانم من أهالي منطقة السَّيّاني جنوب محافظة إب بوسط اليمن، ويعمل في الزراعة منذ طفولته، وهو يمتلك كثيرا من الأراضي والمساحات الواسعة، لكنه عقب اندلاع الحرب استبدلَ بنصف مزروعاته شجرة القات على غرار أغلبية المزارعين بمختلف المحافظات.

ومؤخراً توسعت ظاهرة زراعة شجرة القات بشكل لافت في كثير من الوديان والحقول والجبال في المناطق الريفية اليمنية، وكل ذلك كان على حساب تراجع زراعة المحاصيل الزراعية التي بدأت بالانحسار بشكل غير مسبوق، مما انعكس سلباً على حياة المزارعين، وفاقم من معاناتهم في بلد يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

توسع زراعة القات بلا فائدة

بالنسبة للمزارع غانم، لم يكسب من المساحات المزروعة بشجرة القات شيئاً طوال فترة فصل الصيف، مقارنة بما كان يحصل عليه عند نهاية الموسم الزراعي الذي يبدأ في أبريل /نيسان، ويستمر حتى موسم الحصاد في أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام.

ويقول غانم لمنصة ريف اليمن: “نزرع نوعاً من القات يسمى (البلدي)، ونعتمد في زراعته على مياه الأمطار الموسمية، ومع إغلاق الطرق الرئيسية بين المحافظات بسبب الحرب، أصبحنا نبيع القات في الأسواق بأسعار منخفضة جداً، ولا سيما في الموسم الماضي؛ إذ لم تغطِّ مبيعاته تكاليف العمال الذين يعملون في إصلاح المزرعة”.

ويضيف: “في السنوات الأخيرة لم تعد زراعة القات مجدية، لا سيما عند زارعي القات البلدي الذين يعتمدون على مياه الأمطار بدرجة أساسية؛ إذ إن شجرة القات تتطلب كثيرا من الماء، ومع تراجع هطول الأمطار وموجة الجفاف التي شهدتها البلاد، انعكس ذلك سلباً على ملاك مزارع القات”.

ويكمل غانم في بيان أبعاد المشكلة: “صحيح أن هناك مناطق يحصل ملّاك مزارع القات فيها على أموال باهظة، لكنهم المزارعون الذين يعتمدون على مياه الآبار، أما نحن فزراعة المحاصيل الزراعية المتنوعة أنسب لنا. قبل سنوات كنت أحصل على محصول وفير يؤمن احتياجات الأسرة لسنة كاملة، أرغب بالعودة إلى غرس المحاصيل الزراعية”.

يعلق الخبير في الشؤون الاقتصادية رشيد الحداد قائلاً: “هذه النبتة استحوذت على مساحات زراعية خصبة، وقد عزف كثير من الناس عن زراعة محاصيل نقدية مهمة، واستبدلوا بها زراعة القات، نظرا لتراجع الجدوى الاقتصادية لبعض المحاصيل، ولعدم وجود الأسواق القادرة على استقبال تلك المحاصيل بأسعار مجدية”.

ويضيف الحداد في حديث خاص لمنصة ريف اليمن: “شجرة القات ضارة بصحة الإنسان. استحوذت على مساحات زراعية واسعة في الجمهورية اليمنية بالإضافة إلى استهلاكها كميات كبيرة من المياه تتجاوز 50%”.

هدر للمياه

بمناطق ريفية مختلفة من محافظة إب، وأبرزها: ميتم والسحول وودي نخلان، يزرع المزارعون شجرة القات في فصل الشتاء باستخدام مياه الآبار، ولا يزالون يسقون أشجار القات بالطريقة التقليدية، أي غمر الحقول بالمياه، وذلك يؤدي إلى ضياع كميات كبيرة من المياه، فيضطر بعضهم إلى استخراج المياه من الآبار وتوصيلها للحقول عبر السواقي، مما يؤدي إلى هدر كثير من المياه.

ووفقاً لكثير من الدراسات، تستهلك شجرة القات في اليمن أكثر من 800 مليون متر مكعب من المياه؛ إذ يُروى الهكتار الواحد بكمية تقديرية تصل إلى 6،279 مترًا مكعبًا، وهذا يفوق استهلاك القمح بـ4،252 مترًا مكعبًا لكل هكتار.

وفي ظل استمرار هدر المياه، تحذر تقارير دولية ومحلية من احتمالية حدوث موجة جفاف في اليمن، ويؤكد تقرير حديث للبنك الدولي أن توفير مياه الشرب في اليمن سيكون من أكبر المشاكل التي سيواجهها اليمنيون في السنوات المقبلة. ويعتبر استنزاف المياه لزراعة شجرة القات السبب الرئيسي وراء كارثة الجفاف المتوقع حدوثها مستقبلاً في البلاد؛ إذ يتزايد استنزاف المياه بشكل كبير بالتزامن مع تنامي زراعة القات التي تمثل تهديداً كبيراً للبيئة والإنسان في اليمن.

خطر على البيئة

بالإضافة إلى تأثيرات زراعة شجرة القات على المحاصيل الزراعية والنقدية وهدر المياه الجوفية، تعتبر النبتة أيضا من أهم الأخطار التي تهدد البيئة، فهي تحتاج إلى السموم والمبيدات الكيماوية، ويستخدم المزارعون المبيدات بشكل مفرط، وكل ذلك ينعكس بصورة سلبية على البيئة والإنسان.

أستاذ العلوم الزراعية بجامعة لحج الدكتور أحمد محرن يقول: “تُستخدم المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية بكميات كبيرة في زراعة شجرة القات، وتؤدي هذه المواد الكيميائية إلى تلوث التربة والمياه، مما يشكل خطرًا على الصحة العامة والبيئة”.

وأضاف في حديث خاص لمنصة ريف اليمن: “تتسرب المبيدات الحشرية إلى التربة والمياه الجوفية، مما يؤثر على النباتات والحيوانات التي تعيش في هذه المناطق، كما يمكن أن تنتقل هذه المواد الكيميائية إلى الإنسان عن طريق الغذاء والماء، وتؤدي الأسمدة الكيميائية إلى زيادة نسبة الملوحة في التربة، مما يؤثر على نمو النباتات، كما يمكن أن تتسبب في تلوث المياه الجوفية، وذلك يؤثر على جودة المياه الصالحة للشرب”.

وفي ظل الأضرار الاقتصادية والمخاطر البيئة الناجمة عن التوسع في زراعة شجرة القات في اليمن، ينصح الخبير الاقتصادي الحداد بضرورة إنقاذ القطاع الزراعي والحد من زراعة النبتة التي يصفها بـ”الضارة”، مؤكدا أنه لو سُخّرت هذه المياه لزراعة القمح والحبوب المتنوعة، لكانت الجدوى أكبر، وأن ذلك كان سيحقق الأمن الغذائي في فترة وجيزة.

معالم لحج التاريخية مهددة بالاندثار بسبب العبث

معالم لحج التاريخية مهددة بالاندثار بسبب العبث

تعاني المواقع والمعالم الأثرية بمحافظة لحج من إهمال كبير، وتتعرض باستمرار لعمليات سلب ونهب وبسط، مما يهدّد باندثارها، في ظل صمت الجهات المختصة، وعدم قيامها بحماية تلك المعالم الفريدة.

وتعرضت كثير من المواقع الأثرية بالمحافظة الواقعة جنوبي اليمن، للنهب والبسط العشوائي نتيجة التوسع العمراني، في حين أن معظمها قد طُمست معالمها، وبعضها لم يعد منها سوى بقايا وأطلال، وأخرى في حالة متدهورة تتساقط يوما بعد آخر.

تزخر المحافظة بإرث معماري ومعالم تراثية فريدة، اكتسبت شهرة واسعة في الأرجاء؛ إذ تحوي المدينة خمسة وثلاثين موقعا أثريا، وهي بقايا لمبان وقصور وحصون قديمة ونقوش بالخط المسند معظمها تعود إلى عهد الحضارة اليمنية القديمة.

ويؤكد مدير مكتب الآثار بالمحافظة عارف عبد العزيز أن “المواقع الأثرية تعرضت للإهمال نتيجة الاوضاع التي تمر بها، في حين تعرضت بعض القطع الأثرية كالنصوص والأواني الأثرية للسرقة من قبل المواطنين خلال اندلاع الحرب”.

وعن دور المكتب في استعادة المسروقات، يقول عبد العزيز لـ”منصة ريف اليمن“: “تواصلنا مع الجهات الأمنية والمختصة بهدف إرجاع القطع الأثرية المسروقة لكن دون جدوى”، مشيراً بأنه “اضطر للقيام بشراء بعض القطع المسروقة بأكثر من عشرة مليون ريال يمني من ماله الخاص”.

 أما عن تدمير الأماكن التاريخية والأثرية فأوضح أن “بعض النازحين اقتحموا القصور العبدلية للسكن فيها قبل الحرب نظرا لأسباب كثيرة منها تدهور المعيشة بالبلاد بشكل عام، والبعض الآخر جاء ليسكن فيها بعد الحرب نتيجة تدمير منازلهم”.

مكتب لحج بدون ميزانية

يشير عبد العزيز إلى أن توقف عملية الاهتمام بالآثار والمتاحف ناتج عن ضعف الميزانية المخصصة شهريا لمكتب الآثار، فقد كانت قبل الحرب مئة ألف ريال يمني شهريا، وخُفّضت إلى ثمانين ألف، ثم تم تثبيتها بمبلغ خمسين ألف ريال يمني شهريا، وهو مبلغ لا يفي بأقل الاحتياجات”.

وطالب مدير مكتب الآثار بلحج كلا من محافظ المحافظة ووزير الثقافة ورئيس هيئة الآثار والمتاحف، بإنشاء مكتب خاص للآثار لمزاولة مهامه الرسمية، وتوفير ميزانية تمكنه من الحفاظ على آثار المحافظة والقيام باستعادة القطع المسروقة التي لم نتمكن من استعادتها”.

الحقوقي أيمن السقاف أكد أن إهمال المعالم الأثرية والتاريخية بلحج ليس وليد اللحظة أو بفعل سنوات الحرب، بل هو أعمق وأكبر، فهي مشكلة تعود لعشرات السنين تعاقب عليها عشرات القيادات وصناع القرار في المحافظة.

ويقول لـ”منصة “ريف اليمن“: “إن القيادات المتلاحقة لم تفكر إعطاء تلك المعالم الأثرية والتاريخية حقها من الرعاية والاهتمام، بل تعمدت عن قصدٍ الإهمال وعدم الاكتراث بماضي المحافظة العريق”.

وأضاف السقاف أن الحديث عن إهمال المعالم الأثرية هو حديث عن المآسي وتنكر لحقبة تاريخية مهمة من حياة هذا الشعب، وبالفعل تصيب الإنسان اللحجي حالة من الدهشة والأسى حينما يشاهد الآثار والمعالم والشواهد التاريخية وهي بحالة يرثى لها، أصابها الإهمال وأخذ بها النسيان مأخذه، ومن منا لم تخنقه عبرته وهو يشاهد قصر السلطان في حوطة لحج، وهو يتحول الى مرتع للماشية والأغنام؟!”.

ويتابع متسائلا: “من منا لم يتأثر وهو يشاهد ما أصاب قصر الروضة والمزارع التابعة له وهي تتآكل وتتناقص مساحتها كل يوم؟!، ومن منا لا يصيبه الحنق وهو يقف موقف العاجز أمام أطلال مدرسة المحسنية أول مدرسة في شبه جزيرة العرب؟!، ومن منا لم يتحسر وهو يعيد تصور كيف كان شاعر لحج وأميرها أحمد فضل القُمندان ينظم أعذب قصائده في دار العرائس الذي أصبح اليوم اثرا بعد عين؟!”.

ويؤكد السقاف أن كل ذلك ليس وليد الصدفة بل هو ناتج عن إهمال وسوء إدارة امتد أثره منذ عشرات السنين حتى أتت الحرب وأكملت ما تبقى.

مأوى النازحين

منصة ريف اليمن التقت أحد النازحين الذين حولوا تلك القصور الأثرية لمأوى لأخذ رأيهم. يقول المواطن خلدون صالح (33 عاما): “خلال الحرب تعرضت منازل المواطنين للقصف، ومنزلي من ضمنها، ولم أجد مكانا لأوي إليه، ووضعي المعيشي صعب لا يمكنني استئجار منزل، ولذلك اضطررت إلى اللجوء إلى أحد قصور السلاطين”.

ويضيف لـ”ريف اليمن“: “كنا نأمل أن يتم معالجة أوضاعنا وتعويضنا أو بناء بيوتنا المتضررة، لكن للأسف الشديد حتى اليوم لم يتم ذلك، لا من قبل سلطة المحافظة ولا الحكومة ولا المنظمات المانحة والداعمة”.

ويقول: “بكل صدق نحن نشعر بالأسف على اقتحام الأماكن التراثية التي تعبر عن تاريخ لحج وحضارته، ولكننا لا نمتلك مأوى نحن وعائلاتنا، كان الخيار الوحيد أمامنا وفي حال وجدت البدائل نحن مستعدون للخروج”.

وتسبب الإهمال وسرقة الآثار إلى تدهور السياحة بشكل غير مسبوق بمحافظة لحج؛ إذ يقول مدير عام السياحة بالمحافظة محمود محمد عوض: “إن المواقع الأثرية والأماكن التاريخية لها تأثير بالمجال السياحي، وإهمال هذه المواقع انعكس سلباً على القطاع السياحي”.

وأضاف عوض لمنصة ريف اليمن: “تعرضت كثير من المواقع الأثرية للعبث من قبل المواطنين نظرا لعدم اهتمام الجهات المعنية بهذه المواقع، ولدينا القصور العبدلية خير شاهد على الإهمال والعبث الحاصل، لا سيما أن هذه القصور تعبر عن حضارة أمة وشعب”.

وتابع مدير عام السياحة بالمحافظة قائلا: “يمكن القول إن ما تعرضت له الأماكن التاريخية أثر بشكل سلبي على الجانب السياحي، وعلى الجهات الرسمية الحفاظ والاهتمام بالمواقع الأثرية لانتعاش القطاع السياحي بالمحافظة، وكذا تكثيف التوعية للحفاظ على المعالم الأثرية والتاريخية”.

التعليم في الريف.. طلاب لا يجيدون القراءة والكتابة

التعليم في الريف.. طلاب لا يجيدون القراءة والكتابة

يقطع الطالب مهند رداد (14 عاما) مسافات طويلة مشياً على الأقدام، للوصول إلى مدرسته الحكومية بمديرية عُتمة التابعة لمحافظة ذمار، لكنه يعود من دون الحصول على معلومة واحدة، بسبب غياب المعلمين وانهيار التعليم.

ويعيش قطاع التعليم باليمن أسوأ مراحله، ولا سيما بالأرياف، نتيجة الأوضاع التي تمر بها البلاد، وعلى رأسها انقطاع مرتبات المعلمين الذين أُجبروا على ممارسة أعمال أخرى لتغطية تكاليف الحياة.

يدرس مهند حاليا بالصف السادس الابتدائي بمدرسة الشرم العالي، لكنه منذ التحاقه بالمدرسة غير قادر على القراءة والكتابة بشكلٍ جيد، على غرار مئات الآلاف من الطلاب اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم ضحية حرب مستمرة منذ تسع سنوات.

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من 6 ملايين طالب يمني يعانون من انهيار النظام التعليمي، وينال طلاب الأرياف الجزء الأكبر من هذه المعاناة؛ إذ تتراوح نسبتهم بين 65-70% من إجمالي عدد الطلاب في البلاد.

يقول مهند لمنصة “ريف اليمن”: “لا أعرف شيئاً عن الأحرف الشمسية والقمرية وكتابة الهمزات، ندرس الى الساعة التاسعة، وأحيانا للعاشرة صباحا، وننقل فقط من السبورة بعد المعلم، ولا نعرف ما الذي نكتبه؛ لأننا لا نستطيع القراءة”.

ويشكو من إهمال المعلمين قائلاً: “لم يعلمونا كيف نجمع الأحرف وتكوين كلمة واحدة، منذ الصف الأول لم أجد أي أستاذ يخبرني كيف انطق كلمة معينة أو حرف معين أو يقدم لي سؤالا ليتأكد هل فهمت الدرس أم لا”.

التعليم في الريف

وسبق أن حذرت منظمتي «يونسكو» و«يونيسيف» التابعتين للأمم المتحدة من تفاقم نسب الأمية في اليمن، وأعداد الأطفال المحرومين من حقوق التعليم؛ مؤكدة أن البلاد أمام مهدد شديد الخطورة للمستقبل، يضرب عقول الأجيال القادمة، ويعيق التنمية لعقود أكثر.

وتشير التقارير الأممية إلى أن وضع التعليم في اليمن أخذ اتجاهه التنازلي منذ العام 2014 كنتيجة حتمية للحرب المستمرة ووصل إلى مستوى مقلق، وخلف نسبًا عالية من الأمية، بلغت في الأرياف نحو 70 %، مقابل40 % في المدن الحضرية.

تماماً مثل مهند يواجه تركي العتب (15 عاما)، وهو طالب في الصف الثامن، صعوبات كبيرة في القراءة والكتابة، والتي بدورها تشكل عائقا أمام حفظ القواعد والنصوص والمصطلحات في المواد الأخرى، وهو يذكر أنه لا يعرف عن اللغة الانجليزية سوى أسمها فقط.

التعليم في الريف.. طلاب لا يجيدون القراءة والكتابة
طفل داخل أحد صفوف مدرسة الحمزي المتضررة في حجة جراء الحرب، 2021 (يونيسف)

ويضيف مهند لمنصة “ريف اليمن” أنه يشعر بالندم على نفسه، ويفكر دوما كيف سيكون مستقبله وهو بهذه الحال، في ظل عدم توفر الحلول البديلة كالذهاب إلى المدينة بسبب بعدها، وارتفاع التكاليف وغيرها من الصعوبات.

وتعليقا على ذلك، قال مدير المدرسة عبد الفتاح الهاملي: “إن تدني التعليم قد عم الريف والحضر”، ويشير إلى أن مناقشة وضع مدرسة بعينها يجعلها عرضة للابتزاز والضغوط دون تقديم أي حلول مناسبة.

ويضيف الهاملي لمنصة “ريف اليمن”، أن السبب الذي أدى إلى انهيار التعليم هو انقطاع المرتبات، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل عدم وعي الآباء بأهمية التعليم، وعدم توفر المنهج الدراسي، والوسيلة التعليمية، والمبنى المناسب، وكذلك انتشار ظاهرة الغش.

وبحسب أحد المعلمين فإن من الأسباب أيضا، كثافة التلاميذ داخل الفصل الواحد وعدم وجود العدد الكافي من المعلمين، ويبلغ عدد طلاب المدرسة ٤٥٠ طالبا، وهي خاصة بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية ولا توجد مدرسة ثانوية في تلك المنطقة.

ويقول التربوي الذي رفض ذكر اسمه: “إن المعلم لا يتحمل المسؤولية عن انهيار المنظومة التعليمية كونه أحد الضحايا خلال هذا المرحلة، كما أن قضية معاناة المعلمين لا تقل أهمية عن القضايا الأخرى التي يجب أن تتناولها الوسائل الإعلامية بكل اهتمام، وتناقش الحلول لها”.

وكانت تقارير أممية أكدت أن عدم دفع الرواتب لأكثر من 16 ألف معلم منذ العام 2016، وتعرض المدارس للهجوم؛ اضطر كثير من المعلمين إلى ترك التعليم وإيجاد مصادر بديلة للدخل لإعالة أسرهم، محذرة من أن انهيار التعليم سيؤدي إلى تسرب ملايين الأطفال ويعرضهم لمخاطر الاستغلال والإساءة.

اطفال بدون تعليم

هذه الظروف دفعت كثيرا من الطلاب بالمنطقة إلى ترك التعليم والذهاب للعمل، أحد هؤلاء الطلاب، مشتاق الزعلة (16 عاما)، الذي ترك الدراسة بالصف السادس الابتدائي، وذهب للعمل بالزراعة، مع والده”.

ويقول الزعلة إنه قرر ترك الدراسة بعد أن وجد أنه لا جدوى من مواصلة التعليم، وبحسب قناعته فإن زراعة القات توفر المستقبل الآمن بديلا عن الدراسة والعمل الحكومي.

ووفقا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة للتعاون في الشؤون الإنسانية في اليمن فإن نحو4،7 مليون طفل يحتاجون إلى مساعدة في مجال التعليم، منهم 3،7 مليون في حاجة ماسة. ويشمل ذلك حوالي 2 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة ما يعني أن التسرب وصل لأرقام قياسية.

وينتظر سكان الأرياف انتهاء الحرب، وصرف مرتبات التربويين، وإلزامهم بالدوام، حتى تعود الحياة للعملية التعليمية وانتظام الدراسة، لإنقاذ مستقبل ملايين الطلاب الذين أصبحوا ضحايا، وينتظرهم مستقبل مجهول.

شحّة المياه تُنهك سكان ومزارعي حجّة

شحّة المياه تُنهك سكان ومزارعي حجّة

ضاعفت مشكلة شحّة المياه معاناة سكّان منطقة “الشَّرَفَين” بمحافظة حجّة شمال غرب اليمن، وتسبّبت بشلل في القطاع الزراعي الذي تعتمد عليه أغلب الأسر مصدرَ دخلٍ وحيد لتوفير أسياسيات الحياة.

وتُعاني المنطقة بشدة نتيجة شحة المياه، بالإضافة إلى ضعف الخدمات في جميع القطاعات، لا سيما في المناطق الجبلية التي تعتمد بشكل شبه كامل على مياه الأمطار، وقد أدّى تراجعها إلى مفاقمة المعاناة بشكل كبير.

شحّة المياه في حجة

ويقول المواطن عبد الكريم المكرمي: “إن المنطقة أصبحت تعاني كثيرا من الأزمات والظروف في مختلف مناحي الحياة، لكن أبرزها مشكلة الماء التي أضرّت بالمواطنين وبمزارعهم حتى إنها اضمحلّت وأوشك بعضها على الاندثار بسبب الجفاف”.

وأضاف المكرمي في حديثه مع منصة “ريف اليمن” قائلا: “حياتنا أصبحت في غاية الصعوبة، البحث عن المياه مأساة، نحن هنا نكابد قساوة الأيام، لم نعد ندري هل نبحث عن الماء لحياتنا اليومية، أو لري مزارعنا التي نحصل منها على ما نؤمّن به حياتنا اليومية”.

وذكر أن وجود المضخات في بعض المناطق لم يحل المشكلة، ولم يعد كافيًا لسَدّ الحاجة لري مزروعات المواطنين الذين تُعتَبرُ الزراعة مِهنتهم الأساسية، وذلك بسبب تراجع منتوجها من المياه الجوفية، حتى إن كثيرا منها توقف عن العمل.

ونتيجة لتلك الحال، يضطر المواطنون لقطع عشرات الأميال يوميًا بحثًا عن الماء من المناطق المجاورة، عبر مقطورات وصهاريج الماء، رغم التكاليف الباهظة التي يتجرعونها، خاصة مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وأصبحوا لا يحصلون على أي مردود مالي من مزارعهم، واضطر كثير إلى ترك الزراعة.

صراع من أجل البقاء

ويقول المكرمي: “إن المواطنين حاولوا إيجاد حلول لهذه المعضلة، ولكن المتاحة منها لها تكاليفها الباهظة، ونحن هنا نعيش على أمل أن يفرّج الله عنّا، وأن تنزاح هذه الغمامة السوداء عن بلادنا، لكي تتحسن أوضاعنا، وتنتهي معاناتنا”.

من جهته يقول المزارع محمد عليّ: “كانت بلادنا تنعم بوجود المياه بوفرة الأمطار، وحين تنقطع الأمطار كنا نستخدم المياه الجوفية، التي كانت في أوَج قوتها، وكانت توفر لنا ما نحتاجه للاستخدام المنزلي، وريّ المزارع”.

ويضيف عليّ لمنصة “ريف اليمن” قائلا: “في السنوات الأخيرة بدأت كمية المياه التي تنتجها المضخات بالتراجع تدريجيًا، حتى أصبحت لا تفي بالحاجة لما حولها من منازل ومزارع، وقَلَّ منسوب مياهها، حتى إن كثيرا منها توقف، وأصبح ميؤوسا منها”.

ويتابع: “نفتقر لوجود شبكات مياه، ونعيش معزولين عن المشاريع الخدمية، نحن نصارع ونكافح من أجل البقاء، أزمة المياه أثقلت كاهلنا، أصبحنا نقاسي مرارة تكاليف توفير المياه من مناطق بعيدة عن منازلنا ومزارعنا وكل يوم تشتد الأمور وتتوالى الأزمات”.

امرأتان شمال اليمن، يحملن فوق رؤوسهن الماء

مطالبات بحلول

ويطالب المواطنون الجهات المعنية بإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، وذلك ببناء حواجز مائية، للاستفادة من مياه الامطار، لتغذية المياه الجوفية، كأقل واجب تقوم به تجاه السكان.

وقال عز الدين صلاح وهو أحد أبناء مديرية المحابشة (إحدى مديريات المنطقة): “إن هذه المناطق كانت تعجّ بالنشاط، وكان لها ثقل اقتصادي كبير، حيث إن حركة الزراعة كانت دؤوبة مرنة ومتواصلة، وكانت توفر فرص العمل للآلاف من أبناء المنطقة، الذين يعملون بالزراعة”.

ويضيف لمنصة “ريف اليمن“: “حاليا الوضع تغير كثيرًا، فبعد انحسار مصادر الماء تراجعت حركة الزراعة، خصوصًا مع الحرب، مما فاقم المشكلة، حتى إن المزارعين في هذه المناطق أصبحوا يبحثون عن مصادر أخرى للدخل بدلا عن الزراعة لتأمين الحياة”.

وبحسب المواطنين لا تزال منطقة الشرفين مؤهلة للنهوض الزراعي من جديد، إذا ما التفتت إليها الجهات المعنية، وعملت على تغذية مخزونها من المياه الجوفية، وذلك ببناء الحواجز المائية، وتشجيع المواطنين على بناء خزانات أرضية للاستفادة منها في تلبية المتطلبات الزراعية، وكذلك الاستخدامات المنزلية لمياه الشرب.

وتعاني كثير من القرى ريفية في كافة المحافظات اليمنية من نقص المياه الصالحة للشرب، وهذا من أكبر التحديات التي يواجهها السكان في المناطق الأكثر احتياجا.

واليمن واحداً من أكثر البلدان معاناة من شح المياه في العالم، حيث يعاني 18 مليوناً من السكان من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي.

ووفق البنك الدولي “من المرجح أن يكون توفير المياه الصالحة للشرب من أكبر المشاكل التي سيواجهها أبناء اليمن في السنوات القادمة، حيث ترك الصراع آثاراً شديدة على البنية التحتية للمياه”.

ويعد، التفاوت في متوسط تساقط الأمطار السنوية، وتعرض بعض مناطق اليمن لنوبات الجفاف، مشكلتين أدى تغير المناخ إلى تفاقمهما، خلال السنوات الماضية.