الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 83

قاع القيضي.. ضواحي صنعاء المهددة بالزحف العمراني

0
قاع القيضي.. ضواحي صنعاء المهددة بالزحف العمراني

منطقة قاع القيضي تقع في ضواحي العاصمة صنعاء، مازالت تحافظ على حيويتها الطبيعية الخلابة، إلا أن الزحف العُمراني العشوائي يتجه نحوها بشكل متسارع، حيث زادت عمليات البيع للأراضي فيها كعقارات للبناء، والتي انتشرت في إعلانات الانترنت بشكل لافت.

تصوير: أكرم تاج الدين، يونيو/ حزيران 2023 في قرية الدار البيضاء ضمن منطقة “قاع القيضي”.

قاع القيضي.. ضواحي صنعاء المهددة بالزحف العمراني

المحابشة في حجة والطبيعة الساحرة

0
محافظة حجة.. تنوع طبيعي فريد
جانب من مدينة المحابشة في حجة

تقرير مصور للطبيعة الخلابة في مديرية المحابشة في محافظة حجة شمال غربي اليمن، حيث حلتها الصيفية الخضراء، في جمال رباني مذهل، في هذه المنطقة الجبلية يبني السكان منازلهم في المرتفعات الجبلية التي تعانق السحاب بعلوها الشاهق منذ القِدم، والتي تكشف غريزة البقاء المتجذر في تلك المناطق ذات التضاريس الوعرة والطبيعة الساحرة.

تصوير: عبد السلام الأشول مايو/ آيار 2023.

مواقيت الزراعة في اليمن قديماً

0
مواقيت الزراعة في اليمن قديماً

في اليمن ترتبط مواقيت الزراعة والحصاد (السقي والحرث والبذر والصراب) ارتباطاً وثيقاً بنجوم المنازل الشمسية (الشهور الشمسية وفصول السنة)، لأن كل فصل مطير له أوقات معلومة ينزل فيها المطر؛ ولكل نوع من المحاصيل فصل إنبات وحصاد.

وكان المزارعون قبل الإسلام على معرفة بهذه المواقيت الزراعية كما تدل على ذلك النقوش اليمنية القديمة، وكان التقويم الذي أستخدم قبل الإسلام تقويم نجمي كانت النجوم تشكل نقطة الاهتداء له. وبموجبه كان عام المزارع في اليمن القديم يتكون من أربعة مواسم هي الصيف والربيع والخريف والشتاء.

التقويم النجمي

ويعرض العلامة المؤرخ الهمداني في كتابه الصفة (1974 : 358 – 59 ) يعرض ، بالاستدلال ، الارتباط الوثيق لمواقيت الزراعية في زمانه (القرن العاشر الميلادي) بالتقويم النجمي، وفي عرضه يقدم معلومات وافية ودقيقة لمواقيت السقي والحرث والبذر والحصاد.

في قوله “ومن عجائب اليمن أن أكثر زروعها أعقار، فلذلك متن عجينها، ولان خبزها وهو أن تشرب الجربة في آخر تموز وأول آب، ثم تحرث بأيلول إذا حمَّت إي شربت ماءها وجف وجهها، ثم تحرث في تشرين كرة أخرى، ثم في تشرين الآخر كرة ثالثة”.

ويتابع “ثم بذرت في كانون الأول فأقام فيها الزرع إلى أيار وصرب ولم يصبه ماء، فأما القرارة بالهجيرة فإنه يصرم بها متعجلا بنيسان وآخر آذار، فتكون الجربة بها كثيرة من حمّها فتحرث وتبذر فيها ثانية، فتأتي بطعام معجل لحرارة الزمان يصرم بحزيران”.

ويضيف الهمداني في كتابه “أما مأرب والجوف وبيحان، فإن الودن وهو الجربة والذَّهب بلغة أهل تهامة يمتلئ من السيل، فإذا امتلأ نف فيه الطَّهف والدخن فنضب الماء ثار نبته، فلا يحم الجربة في شهر وأيام حتى تصرم وتحرث للزرع الذي ذكرنا، فربما طرح في الودن مع بذر الذرة السمسم واللوبياء والعتر والقثَّاء والبطيخ والقرع، فبلغ كل ذلك أوّل، وهذا يكون في أقاصي الجرز”.

وهذه المواقيت الزراعية التي يصفها الهمداني تواصل استخدامها في فترة الدولة الرسولية، وخلال مراحل تأريخية متعددة في اليمن.

خصائص الأقاليم الزراعية في اليمن

  • إقليم السهول الساحلية:

ويمتد على طول السواحل اليمنية بطول يزيد عن 2000 كم وبعرض يتراوح بين 30 – 60 كم ويـــتراوح ارتفاعــــه من 500 متر فوق سطح البحر ويتميز بمناخ حار وتتراوح درجة الحرارة بين 16 – 40 مم، ومعدل سقوط الأمطار يـــــتراوح بين 50 – 350 ملـم وتبلغ الرطوبة النسبية من 25 – 90 % وسرعة الرياح من 30 – 60كم / ساعة.

  • إقليم المرتفعات:

ويمتد من شمال اليمن إلى جنوبه وجنوبه الشرقي ويتراوح ارتفاعه من 600 – 3400 متـر فـوق سطح البحر ويتميز بمناخ دافئ إلى معتدل إلى بارد وتتراوح درجة الحرارة فيـه مـن -10 26م، ويبلغ معدل سقوط الأمطار على الإقليم 300 – 1000ملم / سنة.

  • إقليم الهضبة الشرقية:

ويشمل السهول الشرقية وحتى منطقة الصحراء، ويتميز بمناخ قاري يتراوح ارتفاعه من 800 إلى 1200 متر فوق سطح البحر وتتراوح درجات الحرارة بين 25 – 42م. ويبلغ معدل سقوط الأمطار ما بين 50 – 400 ملم/ سنة وتتراوح سرعة الرياح من 40 – 50 كم / ساعة، ودرجـة الرطوبـة النسبية من 29 – 33 %.

للإطلاع على التقويم الزراعي الحميري في اليمن اضغط هنا للحصول عليه.


المصادر: موسوعة المحيط + البحوث الزراعة

امرأة يمنية سافرت 7 ساعات على الجمل لتضع طفلها

0

عندما جاء منى (19 عاماً) المخاض، كان الجمل حبل نجاتها، حيث توقعت أن تستغرق رحلتها ذات الـ 40 كيلومترًا إلى المستشفى من منزلها على قمة الجبال الصخرية 4 ساعات، لكن مع انعدام الطرق ومعاناة آلام المخاض وسوء الطقس، استغرقت الرحلة 7 ساعات.

تقول منى: “مع كل خطوة يخطوها الجمل، كنت أشعر بتمزق أوصالي”، وعندما توقف الجمل عن مسيره، ترجّلت منى ومشت خطواتها الأخيرة من الرحلة على قدمَيها برفقة زوجها.

في محافظة المحويت شمال غرب اليمن، كانت مستشفى بني سعد المنشأة الصحية الوحيدة الباقية لآلاف النساء، ومن منزل منى بقرية المقعرة يمكن الوصول إلى المستشفى فقط خلال تلك الجبال الوعرة عن طريق الجمال أو سيرًا على الأقدام.

كانت منى متشبّثة بالجمل وتخشى على سلامتها وسلامة جنينها الذي لم يُولد بعد، وتقول عن تلك الرحلة المرهقة جسديًّا ونفسيًّا: “كان الطريق صخريًّا، حتى أنني كنت أدعو الله أحيانًا أن يأخذ روحي، لكن يحفظ طفلي، حتى أهرب من ذلك الألم”.

لا تتذكر منى وصولها إلى المستشفى، لكنها تتذكر شعورها بالأمل بعد سماع بكاء طفلها على أيدي القابلات والجرّاحين، وقد اتفقت وزوجها على تسمية ابنهم جرّاح، نسبة إلى الجرّاح الذي أنقذ حياتها وحياة طفلها.

كان الطريق إلى المستشفى من القرى القريبة ضيقًا، وبعضها محطم أو محظور نتيجة 8 سنوات من الحرب بين القوات الحكومية المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية والحوثيين المدعومين من إيران.

عادةً ما تساعد السيدات من أفراد العائلة والأزواج في رحلة السيدات الحوامل عبر التلال حتى المستشفى، تقول سلمى عبدو (33 عامًا)، والتي كانت ترافق إحدى السيدات، إنها رأت في منتصف الرحلة إحدى السيدات التي توفت ليلًا وهي في طريقها إلى المستشفى.

تدعو سلمى إلى الرحمة بالنساء والأطفال، حيث تقول: “نحتاج إلى طرق ومستشفيات وصيدليات، إننا محاصرات في هذا الوادي، والمحظوظات فقط يلدن بأمان، وهناك أخريات يمُتن بعد أن يتحملن بؤس هذه الرحلة”.

تستطيع بعض العائلات دفع تكاليف المستشفى، لكنها لا تملك الموارد المالية اللازمة للوصول إليها، يقول هشام نهرو نائب ممثل صندوق الأمم المتحدة لسكان اليمن “UNFPA“: “تموت امرأة كل ساعتَين أثناء الوضع في اليمن لأسباب يمكن الوقاية منها”.

ويضيف أن النساء في المناطق النائية لا يخضعن لفحوص دورية أو مساعدة إلا إذا تعرضن لنزف أو آلام مميتة، ووفقًا لصندوق الأمم المتحدة، فإن أقل من نصف الولادات تتمّ بمساعدة أطباء مهرة، وولادة واحدة من كل 3 تتمّ في منشأة صحية.

يعيش خُمس سكان اليمن على بُعد أكثر من ساعة عن أقرب مستشفى عامة تعمل بالكامل، وكان نظام الرعاية الصحية في اليمن يعاني حتى من قبل الحرب، لكن الصراع سبّب أضرارًا واسعة النطاق للمستشفيات والطرق، وجعل من المستحيل أن يسافر أحدهم دون صعوبات.

تفتقر المستشفيات أيضًا للعاملين المؤهّلين والمعدّات والأدوية، كما توقف الاستثمار في الطرق والبنية التحتية، يقول الصندوق أيضًا إن مؤسسة صحية واحدة من كل 5 مؤسسات تستطيع تقديم خدمات صحية فعّالة للأم والطفل.

امرأة يمنية سافرت 7 ساعات على الجمل لتضع طفلها

اعتقدتُ أنها النهاية

قصة منى هي حالة واحدة من العديد من الحالات التي تواجه صعوبات في اليمن عند الولادة، فامتلاك سيارة أمر بعيد المنال في اليمن التي يعيش 80% من سكانها على المساعدات.

أنفق زوج هيلة المال القليل الذي ادّخره أثناء عمله في السعودية ليضمن سفر زوجته إلى المستشفى عن طريق درّاجة نارية مُستعارة، عندما سال الماء من رحمها ربطها شقيق زوجها على الدراجة النارية وانطلق، لكنها سقطت في وسط الطريق.

عندما وصلوا إلى مركز الحدقة الصحي في ذمار، نُقلت هيلة سريعًا إلى قسم الجراحة، تقول هيلة (30 عامًا): “اعتقدتُ أنها النهاية، لم يكن هناك أي سبيل لنجاتي ونجاة جنيني”.

كانت هيلة قد حُذرّت في مراحل حملها الأولى من عدم إمكانية الوضع في المنزل، لأنها عرضة لخطر النزف الشديد ومضاعفات حمل أخرى، وقال الطبيب في المركز الصحي إنهم أنقذوا هيلة وجنينها بعد 11 ساعة.

سمّت هيلة طفلتها “أمل”، وتقول: “كدت أفقد طفلتي وفقدت الحياة معناها لدي بسبب تلك الحرب الشنيعة، لكن هذه الطفلة منحتني الأمل”.

مع نضوب المساعدات الدولية، فإن مراكز مثل مستشفى بني سعد أصبحت تعاني ضغوطًا مالية شديدة، ويخشى العاملون في المركز على مستقبل الأمهات والأطفال، حيث سيضطرون إلى الاختيار وإعطاء الأولوية لمن يمكنهم إنقاذه.

*المادة مترجمة من موقع بي بي سي نيوز

أغاني المطر في اليمن.. امتداد لثقافة تقديس الأرض

0
أغاني المطر في اليمن.. امتداد لثقافة تقديس الأرض

ظل الغناء محرّماً رسمياً في اليمن على مدى قرون. وفي عقد الستينيات من القرن العشرين، العقد الأول لـ “ثورة 26 سبتمبر”، كان بإمكان أي فنان أن يشتري عوده الخاص من قلب صنعاء… وقد شكّلت الفنون ملاذاً جاذباً للفارين من ويلات الحرب، وفعل مقاومة للدمار الذي تحدثه في الإنسان وسياق حياته الفردية والجمعية.

“سيلاه”، “رُحماك يا سايق المطر”، “لحن الحقول”…، هناك عشرات الأغاني في التراث الفني لليمن مكرّسة للمطر، ناهيك عن حضوره في المئات منها، ممتزجاً بالحُبّ والغزَل وعرق الفلاحين.

مثل غيره من تراث البلدان الأخرى، تشكّل العلاقة بين الرجل والمرأة ثيمة أساسية في ألوان الغناء اليمني المتصدّرة للمشهد الفني في عموم البلاد. لكن عاطفة الشعراء والمطربين ليست مبتورة عن بيئتها. ففي ذروة الحزن الذي تبدأ به أغنية “الوداع” لعلي بن علي الآنِسي (1933-1982)، تكون دموع الحبيبة شبيهةً بـ”مطر في الخدّ هَتّانة”، وفي نهاية الأغنية يكون وجهها “شَمسْ بعد المطر تِفرحْ بَها الأكوان”.

المطر ومعالم الزراعة، والأرض بتضاريسها الجبلية والسهلية والساحلية، ثيمات حاضرة بقوة في قصائد الشاعر والمؤرخ الراحل مطهر الإرياني (1933- 2016). هذا الثنائي هو فقط نموذج لجيل من الأدباء والفنانين الذين استوعب مواهبهم الزمن الجمهوري بعد ثورة 26 أيلول/ سبتمبر 1962 في شمال اليمن. وفي جنوبه كان هناك جيل من أدباء وفناني الزمن الجمهوري الذي بدأ عقب ثورة 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1963.

ملمح من فنون الغناء اليمني

عند الحديث عن موضوع عام يخص اليمن كله، غالباً ما يجد المرء نفسه أمام فخاخ اللاوعي الجمعي، وهي فخاخ نصبها تاريخ الجغرافيا السياسية للبلاد بشقيه الشطري والوحدوي. علاوة على ذلك، تنطوي الجغرافيا الطبيعية لليمن على تنوع تضاريسي ومناخي شديد التباين، من مرتفعات وهضاب جبلية إلى وديان وسهول وصحاري وسواحل. هذا التنوع عكس نفسه على تركيبة المجتمع وفنونه وعاداته وتقاليده. في ما يتعلق بالغناء، عبّر التنوع الطبيعي عن نفسه في إفراز أربعة ألوان غنائية رئيسية، إضافة إلى ألوان أخرى إما في طور التشكّل أو في طور العودة إلى السطح بعد طول انطمار.

قمْع الفنون من قبل السلطات الحاكمة التي غالباً ما كان دينية، وتحريضها للمجتمع المتديّن ضد الفنون، كانا ضمن الأسباب الرئيسية المعيقة لمسيرة فن الغناء اليمني. مع ذلك صمدت محتفظة بثلاثة ألوان: الصنعاني، الحضرمي، واللَّحْجي. اللون الرابع – العدني، تشكّل من هذه الألوان، مضافاً إليها سمات من الغناء العربي، خاصة المصري، بحكم الدور الذي لعبته عدن في احتضان الفنانين الفارين من الاستبداد والفقر.

في ظل الجمهورية، نشأ اللون التعزّي والتهامي، واستعاد اللون اليافعي حيويته، بينما شحذت الحرب الدائرة في البلاد منذ العام 2014 همم فنانين وفنانات من الشباب لتجديد أغاني جيل الثورتين. ظهر أيضاً باحثون في التراث الغنائي، وإن بعدد ضئيل وغير منظم، والتحق فنانون وفنانات من الشباب بمعاهد وكليات موسيقية خارج اليمن، وأدى كل هذا بدوره إلى تسليط الضوء أكثر على ألوان الغناء اليمنية. يبدو الأمر كما لو أن الفنون شكلت ملاذاً جاذباً للفارين من ويلات الحرب، وفعل مقاومة للدمار الذي تحدثه في الإنسان وسياق حياته الفردية والجمعية.

برزت أسئلة الهوية الجمعية التي اتّضح كم قُسرت على التجانس لمئات السنين، وما زال هناك من تعمى بصيرته عن رؤية التنوّع الهائل الذي تنطوي عليه الهوية اليمنية، لو تتبّعنا فقط خارطتها الغنائية والموسيقى التي احتفظت بها حناجر النساء والرجال في الأهازيج والمَغارِد ذات الأغراض المتعددة، ابتداءً بالحُب والغزل وليس انتهاءً بأعمال البناء والزراعة والحصاد. وأنّى لسلطات سياسية لا تقيم للفنون وزناً أن تتلمّس ملامح الهوية المتنوّعة للمجتمع من تنوّع فلكلوره الغنائي والموسيقي!

العود سلطان الطرب

تُظهر لوحة أثرية مكتشفة في إحدى خرائب اليمن القديم رسماً لآلة عود، وفي لوحة أخرى تظهر آلة هارْب. هل كان اليمنيون في ذلك الزمن “البدائي” يُنشدون أهازيجهم الدنيوية وابتهالاتهم للإله، ملحّنة على أنغام هاتين الآلتين؟ لا أحد يستطيع الجزم بدون بحث موسّع ودراسة معمّقة، وخبراء الآثار الذين نقّبوا لعشرات السنين في المدن والقرى الأثرية، لم يهتموا بتخصيص بحث أو أكثر لدراسة اللوحتين فنّياً قدر اهتمامهم بما تقوله اللُّقى عن التاريخ السياسي والديني قبل الإسلام!

خلال قرون العصر الإسلامي ابتكر فنان يمني مجهول آلة وترية أخرى هي “القَنْبوس”، وهي الآلة التي افتُتن بها وتعلم العزف عليها الباحث الفرنسي “جان لامبير”. كان النجّارون في صنعاء يصنعون منها تصاميم قابلة للطّي لكي يسهل إخفاؤها أثناء التنقّل من وإلى مكان الحفلات أو عند حدوث مداهمة من قبل السلطات للحفل. على مدى قرون، ظل الغناء محرّماً رسمياً، وفي عقد الستينيات من القرن العشرين، العقد الأول لثورة 26 سبتمبر، كان بإمكان أي فنان أن يشتري عوده الخاص من قلب صنعاء. الغالبية العظمى من الأغاني اليمنية أُنتجت بالعود والإيقاع/ الطبلة والصحن، باستثناء تلك التي أُنتجت في استديوهات عدن وبيروت. ومع تصاعد نزعة تحريم الغناء لدى فئة عريضة من علماء الدين الجمهوريين، بَهُت ذلك الزخم الفني، واقتصر توفّر الآلات الموسيقية للفنان على الأغاني التي تتبناها وزارة الثقافة.

غير أن عدداً كبيراً من أغاني جيل الثورة وما قبلها لقي من يهتم به ويجمعه عوضاً عن المؤسسة الرسمية. وفي أواخر العام 2021، بلغ عدد التسجيلات المؤرشفة في مكتبة “البيت اليمني للموسيقى” ما يقارب 60 ألف تسجيل. أكّد ذلك مدير البيت الفنان “فؤاد الشرجبي” في حديث سابق مع الكاتب، ويمكن للمرء أن يتصور كم بين هذا العدد من التسجيلات أغانٍ وأهازيج تتضمن ثيمة المطر في مجتمع يعتمد ثلثاه على الزراعة. أغانٍ مستلهمة من الموروث الموغل في القدم للفلاحين والفلاحات، ومن أقوال الحكماء الزراعيين وخبراء التقويم الزراعي الذين يتناقلون هذه المعرفة التقليدية بذاكرة شفهية مرنة. والمرونة هنا تراكمية بفعل سيرورة الزمن والتطوّر الاجتماعي، ولغوية بحكم اختلاف اللهجات في اليمن بين منطقة وأخرى واندثار الأبجدية القديمة التي كانت متداولة قبل اللغة العربية الفصحى.

أيّوب والمطر

“على المحبّين شِنّ يا مطر نيسان” “شِنْشِني شِنْشِني يا مطر رُشِّني”، هذان مطلعان لأغنيتين غزليتين للفنان “فيصل علوي” الذي رفد لونَي الغناء اللَّحْجي واليافعي بتفاصيل لحنية كبيرة ثبّتت ملامحه المميّزة خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين. محافظة لحج من المحافظات الزراعية التي تعتمد على المطر في الزراعة وتغذية آبار المياه. تضاريسها تجمع بين المرتفعات الجبلية والسهول الساحلية، وبذلك جمعت بين مناخين ومزاجين مهنييّن: الزراعة وصيد الأسماك، إضافة إلى أمزجة صنائع أخرى بالطبع. مناخها يقترب من مناخ تعز والحديدة وأبْيَن، وهي ملتقى عدة سيول تأتي من المحافظات الشمالية، سيّما محافظات إب، تعز والبيضاء، كما تصب في وديانها سيول محافظة الضالع المجاورة لها من جهة الشمال كذلك.

لطالما كان وادي تُبَن” وبساتين “الحُسيني” مصدر إلهام لشعراء الأغنية اللَحْجية وأبرزهم الشاعر “أحمد فضل العُبدُلي” (القُمِندان) و”محمد صالح حمدون”. لكن التراث الزراعي لم يحظ بشعراء غنائيين مكرّسين لحفظه في الذاكرة الفنية. ويمكن القول أن التراث الزراعي لليمن لم يحظ عموماً بشعراء وفنانين يثبّتونه في ذاكرة الفن الغنائي المحفوظ في تسجيلات مؤرشفة عدا ما قام بتوثيقه بعض المهتمّين. بالتأكيد هناك استثناءات تمثّلت بأغاني شارات بدء ونهاية لبرامج تلفزيونية وإذاعية، وهناك بالطبع، “أيوب طارش عبسي”، المعروف محلياً بألقاب متعددة من بينها فنان الأرض والحقول.

تغلب على معظم أغاني الفنان “أيوب طارش” ثيمات من قبيل “المطر”، “الهثِيم”، “الساقية”، “الأرض”، “الزّرْع”، “الحقول”…إلخ. تشكيلة طويلة من مفردات وجُمل شعرية أبدعها الشعراء الذين تعامل معهم، وفي طليعتهم “عبد الله عبد الوهاب نعمان” (الفُضول). عُنيت هذه المفردات والجُمل بالأرض بما هي وطن وإنسان، حقلٌ ومَسقى، وبالسماء بما هي مصدر العطاء والعون والحفظ الإلهي للأرض والإنسان وممتلكاته

شِنّي المطر يا سحابة فوق خُضر الحقول، قولي لمارب متى سدُّهْ يضمّ السيول”، “سِحْرِكْ يا أرضي فريد”، “لمْع البُروق على جبال الأحْيوق”، “شَنّ المطر على اليمن سَكّاب، يا بلدي الخضراء أنا المُغَرَّب”… يمكن لليمني، خاصة إذا كان مولوداً أو نشأ في محافظة زراعية، أن يتذكر مطالع أغانٍ أخرى ل”أيوب طارش” أو جُمَل منها تخص المطر والأرض والسيل. وعلى الرغم من أنه لم يتلقّ تعليماً موسيقياً متخصصاً – وهذا حال الغالبية العظمى من روّاد الأغنية اليمنية – فغالباً ما لحّن “أيوب” أغانيه بنفسه، وهو ملحّن النشيد الوطني الرسمي لليمن الموحّد: “ردّدي أيتها الدنيا نشيدي”. أما أغانيه الوطنية فلطالما صدحت من مكبرات الصوت الخاصة بحملات المتنافسين في الانتخابات قبل الحرب، ومن إذاعات أطراف النزاع بعد اشتعال فتيلها، دون أن يتمكّن طرف من احتكار هذه الأغاني لنفسه. ذلك أن معايير الفنان اتّسمت بحساسية شديدة تجاه ورود أسماء القادة أو أحزابهم في أغانيه، ولا بدّ أنه يشعر بالرضى الآن بينما يتقدّم به العمر، لكونه لم يضعف أمام إغراء أو حرَج.

الآنسي والسيل

كان الفنان “علي بن علي الآنسي” مهجوساً بالخروج من قالب النمط اللحني للون الصنعاني، خاصة ذلك النمط المتعلق باعتياد قدامى المطربين والمنشدين على أداء أكثر من قصيدة بلحن واحد. حاول ابتكار ألحان من كلّ ما تستطيع أذنه التقاطه من أصوات في محيطه، أخفق في كثير منها، لكنه نجح في تخليد روائع غنائية من قبيل “الحُبّ والبُنّ”، “يا شاري البرق من تهامة”، “سيلاه”… وغيرها. يقول كثيرون من المهتمين بفنّ الغناء الصنعاني إن هذه الأخيرة استلهم لحنها من طريقة المقرئ الراحل “محمد القَرِيطي” في تلاوة القرآن. هي طريقة ليست شجيّة بأي حال، لكن أذن الفنان الذي حاول ذات مرة استلهام لحن من صوت مضخة لنزع المياه في ريف صنعاء، التقطت نغمة طربية من صوت المقرئ غير الشجي.

أدّى الآنسي هذه الأغنية دويتو مع الفنانة “نجاح أحمد” التي كانت تستخدم اسماً فنياً مستعاراً تحت ضغط المنع العائلي للمرأة من الغناء. استهلت الفنانة “ثابتة” أغنية السيل بصوتها الحاد، وتعكس مفردات القصيدة التي كتبها الشاعر “عباس المطاع” ما يعنيه المطر لسكان جغرافيا جبلية يستصلحون كل مساحة ممكنة للزراعة، بما في ذلك منحدرات الجبال الشاهقة:
“بارق الصيف قد لاح.. وجاوبته السحايِبْ،
فسيري يا بِطاح وبشّري كل فلّاح…
يا يمن يا بلادي.. يُمَّ [يا أُمّ] السحاب المطيرِة
رعْدِش [رعدِك] اليوم حنّ.. والبارق ابْرَق بالافراح”.

قداسة الأرض ولعنة التفريط بها

لا يزال سكان المحافظات الشمالية الغربية من اليمن يسمّون الأرض “مال”، بينما تُشدِّد الحِكم المتوارثة على عدم التفريط بها أو هجرها أو حتى التقاعس عن العناية بها. في هذه الجغرافيا التي أطلق عليها العثمانيون اسم “اليمن الأعلى”، تتواتر أقوال حكيم شعبي لا يُعرف له أثر في تاريخ البلاد عدا أن اسمه “علي ابن/ وِلْد زايد”. وفي المناطق التي أطلق عليها العثمانيون أيضاً اسم “اليمن الأسفل”، تتواتر أقوال حكيم شعبي مماثل اسمه “الحُميد ابن منصور”، ويمتدّ نطاق تداول أقواله إلى عُمان، ويحدث أن تتداخل أقوال الحكيمين في التداول بما يعزز من فكرة كونهما شخصيتين وهميتين نظم المجتمع اليمني خلاصة خبرته شعراً على لسانيهما.

من أقوال “علي ابن زايد” في المطر: “إنْ الشفَق يِصبح احْمرْ.. فالسيل يِنزل غزارة، وإنْ الشفق يصبح أبيض.. فالشدّ ينزل سُمارة”، وسمارة جبل كبير شمال محافظة إبّ، وهو الفاصل بين “اليمن الأعلى” و”اليمن الأسفل”. أما أقواله في الأرض فتختزلها هذه المقولة: “لُعنت يا بايع المال.. كان ارْهنِهْ لا تِبيعِه، البيع مثل الذي مات.. والرهن مثل الوديعِة”. ومن أقوال توأمه “الحُميد”: “كريم يا بارق الصيف.. اخْتَفْتْ [خِفتُ] من حيث أماني.. وأمنت من حيث أنا خَيْف”، “رُحِمت يا كاسب الطين.. ولا رُحِم من يبيعِه”. تعكس هذه الأقوال ثقافة تقديس الأرض والاحتفاء اللائق بالمطر، ومن هذه الثقافة نهل الشعراء ومؤلفي الأغاني المعاصرة، ومع ذلك لا يزال الجزء الأكبر من هذه الثقافة غير مستثمَر فنّياً وأدبياً، وغير مدروس كما يليق بنباهة الإنسان الذي يعرف وجهة المطر من اتجاه البروق وحركة الطيور والأشجار البرية.

الكاتب: لطف الصَّرَاري
نقلاً عن “السفير ” اللبنانية

قرية حيد الجزيل في حضرموت

0

“قرية حيد الجزيل”، قرية أثرية تاريخية تطفو على صخرة عملاقة، وسط وادي دوعن، والذي يعتبر من أشهر الأودية الزراعية في اليمن، ويقع غرب محافظة حضرموت (شرق اليمن). وتبعد مسافة 175 كيلومتر تقريباً عن مدينة المكلا مركز المحافظة التي تعد الأكبر مساحة في اليمن.

وتتميز هذه القرية بموقع دراماتيكي فريد وغريب، حيث بُنيت مبانيها الشاهقة فوق صخرة ضخمة لها جوانب منحدرة عمودياً، ويبلغ ارتفاع الصخرة أكثر من 350 قدم، ويعود بناء بعض المباني والحصون الى أكثر من 500 سنة، وتم بناءها من ‫المواد الاولية البسيطة والمتوفرة من مادة الطين والقِرِف وجذوع الأشجار، ما زالت عامرة بالسكان الى يومنا هذا.

ونشرت جريدة ديلي ميل البريطانية مقال يتحدث عن جمال هذه القرية الخلابة التي تطفو على صخرة ضخمة يبلغ ارتفاعها 350 قدم مع جانبين عموديين في وادي دوعن، وتبدو مثل وكأنها من كوكب أخر.

اليمن ليس لديها أي أنهار دائمة لذلك فإن المصدر الوحيد للمياه الذي يعتمد عليه سكان هذه القرية هو الأودية التي تمتلئ بالمياه الموسمية، وعندما تمطر فإن الرعاة وقطعانهم من الماعز ينطلقون بسعادة في قاع الوادي.

وتمكن سكان القرية من بناء هياكل مبتكرة ومتطورة على صخرة ترتفع عن الوادي بنحو 150 مترا، لتشبه إلى حد كبير مملكة الخواتم التي ظهرت في سلسلة الأفلام الشهيرة التي تحمل نفس الاسم لتمنح السياح مشهد جميل على هذا الوادي من أعلى.

يتطلب الوصول إلى هذه القرية أن يكون الزائر من متسلقي الصخور المحترفين وهذا جزء من الدهشة في القرية الخلابة التي تقع وسط مناظر طبيعية مدهشة في وادي دوعن وهو أحد أودية غرب حضرموت والذي يعتبر من أشهر الأماكن السياحية في اليمن حيث يقع بين الجبال والهضاب العالية والجافة.

ما هو العَطِيْف في اليمن

0

العَطِيْف وفق التداولُ الشفاهي، في الثقافةِ الشعبيةِ اليمنية، هو اسم يطلق على الفأسِ الذي تُقطعُ به أغصانُ الشجر؛ فهو: «أصغرُ الفؤوسِ وأحدُّها، يُتخذ لِقَطْعِ الأشجار الصغيرة، وفروعِ الأشجارِ الكبيرة في التشذيب والاحتطاب ونحوهما. ويُتخذ العَطِيْف سلاحًا أيضًا. وجمعُه: عِطْوَف على وزن فعْوَل صيغة الجمع اليمنية للأسماء التي على وزن فعيل».

لا تظهرُ علاقةٌ دلاليةٌ محكيةٌ مباشرةٌ، بين تسميةِ (العَطِيْف)، وبين وظيفته؛ كَوْنَ وظيفته هي قَطْعُ الشيء، بينما دلالةُ اسمه أكثرُ ارتباطًا بسياقاتِ المحكيةِ الدالةِ على عَطْفِ الشيء، وثنيه. أمّا العلاقةُ غيرُ المباشرةِ، فتظهر – بما لها من واقعيةٍ عمليةٍ – متشكِّلةً من الخيوطِ الدلاليةِ، التي تربط اسم (العَطِيْف) بوظيفته، والتي تتضمّنها حالُ (العَطِيْف) الحركيةُ لحظةَ العملِ به؛ حيثُ تُوَّجهُ ضرباتُه المتواليةُ إلى فرعِ الشجرةِ المراد قطعُه، فيبدأ بفقدانِ استقامتهِ مع الضرباتِ الأولى، ثم يميلُ بمستوىً متناسبٍ مع مقدارِ الأثرِ الذي تتْرُكُهُ عليهِ كل ضربة، ويتزايدُ ميْلُهُ، حتى ينحني، إلى أن يصير انحناؤه انعطافًا، حتى ينقطع عن أصلهِ في الشجرة، بآخرِ ضربةٍ من الضربات التالية.

لقد كان لوظيفةِ (العطيف) ـ الرئيسةِ والثانويةِ ـ دورٌ فاعلٌ، في تسْمِيَّتِهِ بهذه التسمية. وهو ما يقتضي التَّطَرُّقَ إلى ماهيةِ هاتينِ الوظيفتين، فالأولى منهما مُطردةٌ في العمل بـ (العطيف) على قطْعِ الأغصانِ، من شجرةِ السدر الخضراء غذاءً للأغنام؛ فُيلازم – بذلك- الرعاةَ ذكورًا وإناثًا، ويغلب أن يكون الرجلُ هو مَنْ يتولّى العملَ به؛ كونهُ قادرًا على إنجازِ هذا العملِ بما فيهِ من مشقةٍ، إذ لا مناصَ من الصعودِ إلى منتصفِ شجرةِ السدرِ وأجزائها العليا، للظفرِ بكومةٍ خضراءَ، مِن الأغصان الشائكة.

أمّا المرأةُ فقلّما تضطلعُ بهذا العمل، لكنها – في كل الأحوال – لا تتخلّى عن (العَطيْف)؛ فهي تستخدمهُ في تَجْزِئةِ الكُتَلِ الشوكيّة للأغصانِ المتساقطةِ من أعلى شجرةِ السدرِ، حيث يكونُ هناك الرجل ـ غالبًا ما يكون واحدًا من أقاربها ـ منهمكًا في العملِ بـ(بِعَطِيفه) على قطع الفروع، وإسقاطِها إلى ساحةِ الرعي، في محيط الشجرة.

أمّا وظيفةُ (العَطِيْف) الثانوية، فكامنةٌ في توظيفهِ سلاحًا لصاحبه، ويتضحُ أنّ وظيفته – هذه – مرتبطةٌ بِمَنْ يَسْتَخْدِمُهُ في وظيفتهِ الرئيسة – قطْع أغصان السدر – فالرعاةُ هم مَنْ يَتَّسِقُ معهم التّسَلُّحِ به، وبوضعيتهِ تلك التي يكون فيها على أكتافهم، بما تمنحُهُ لديهم مِن المكانةِ ذاتها، التي يحظى بها أيُّ نوعٍ آخر من السلاحِ لدى صاحبه.

حدادةُ العَطِيْف وصناعته

يُصْنعُ (العَطيْف) من قطعةٍ حديديةٍ، على يدِ حدَّادٍ ماهرٍ، يضعُها على النارِ المُعَدّةِ لهذا الأمر، حتى تبدأ في فقدانِ صلابتِها وتلينُ نسبيًّا، حيث تكون قد احْمرّتْ من شدّة الحرارة، حينها يقومُ شخصان بالضربِ عليها بِزُبْرَتِيْ حديدٍ، وبتناوبٍ متسارعٍ فيما بينهما، حتى يَتَشَكَّل منها ما يُشْبِهُ مثلثًا صغيرًا غيرَ متساوي الأضلاع، ينتهي ضلعُهُ الأسفلُ بحَدٍّ رفيعٍ، وتستوي على رأسهِ حَلَقةٌ حديديةٌ سميكة، تَصْطَلِح عليها المحكيةُ اليمنيةُ بـ (الصُّمَة)، فـ «الصُّمة ـ بضم ففتح خفيف آخره علامةُ تأنيث . هي: الحلقة الحديدية التي تُثَبَّتُ فيها الذراعُ الخشبيةُ للمعول، [والفأس].  والصُّمَة كلمةٌ ثنائيةٌ لأن الضمة والفتحة على حرفيها الأصليين خفيفتان، أما التاء المربوطة فعلامة تأنيث، فهي مثل: حُمَة وضُبَة.. إلخ ولا بدّ من تقديرِ حرفٍ ثالثٍ لها محذوفٍ من آخرها، وقد قدّرتُهُ5 واوًا لمكانِ الضمة في أوله».

وتُمَثِّلُ حدادةُ «العِطْوَف»، واحدةً من أهمّ الحرفِ التقليديةِ في اليمن، التي لم ينلْ منها الزمنُ، ولا طفراتُ التقدم والحداثة؛ لارتباطها بخصائصِ البيئةِ اليمنيةِ الريفيّةِ القائمةِ – بشكلٍ رئيسٍ – على الزراعةِ والرعي.

“عصا العطيف” التي يتم تثبيتُها في حلقةِ (العَطِيْف) الحديدية، بـ (العَلْجْ)، وعلى مصطلحِ عمليةِ تثبيتها بـ (التَعْلِيْج)؛ فالعَلْجُ “هو: اليد أو الذراعُ الخشبيةُ لأية أداةٍ من الأدواتِ الحديديةِ كالمِعولِ والفأسِ والمجرفةِ والزبرة” وعصا (العَطِيْف) ـ هذه ـ إلى استحسانِ أن تكون طويلةً نسبيًا، يُفضّلُ أن تكون من شجرةٍ خاصةٍ بهذا النوع من العصي؛ لما لها من مِيزاتٍ متناسبةٍ مع خصائص العملِ بـ (العطيف)، حيث يمرّ تجهيزُ العصا وتثبيتُها، بخطواتٍ عدة.

تبدأ بقطع الغصنِ وتشذيبهِ على هيئة عصا، ثم تمريرُ هذه العصا في نارٍ مشتعلةٍ، تمريرًا محسوبًا، وبما لا يؤدي إلى اشتعالها. ثم تُتركُ أيّامًا، بعدها يأتي نَزْعُ لحاها، ومِنْ ثمّ تثبيتُها في تلك الحلقةِ الحديدية، مِنْ طرفِها الذي كان يربطُها بأصلِها في الشجرة؛ فهو الأكثرُ سماكةً من طرفِها الآخرِ المتناسبِ مع أن يكون مقبضًا ليدِ صاحبه. وفي عمليةِ التثبيتِ – هذه – لابدّ مِنْ دَقِّ بضعةِ مسامير صغيرة مِن الأعلى، ما بين رأس العصا والحلقة الحديدية؛ ليكتملَ إعدادُ (العَطِيْف) وإدخالُهُ طَوْرَ الجاهزيةِ للعمل.

فَتْق العَطِيْف

إنّ محافظةَ (العَطيْف) على صلاحيتهِ وجاهزيتهِ مرتبطةٌ بالحفاظِ على سلامةِ حدِّهِ من الأثلام، الناتجةِ عن أحوالِ استخدامه، سيما تلك الأحوال التي تترتبُ عليها أضرارٌ وأثلامٌ مباشرةٌ، والتي عادةً ما تكونُ نتيجةً للضربِ بحدّهِ فروعًا قاسيةً أو جذوعًا يابسةً متقادمةً، أو أن يقع الضربُ به على حجرٍ بشكلٍ مفاجئٍ أو عبثي.

وتُحَدِّدُ الأثلامُ ومستوياتُها الطريقةَ المناسبةَ لإصلاحها؛ ففي حالِ كانت الأثلامُ صغيرةً، فإنّ الطريقةَ المناسبةَ لإصلاحِها هي الطريقةُ العادية، والتي يقوم فيها الشخصُ نفسه بتجديدِ حدِّ (عَطِيْفه)، إمّا باستخدامِ أداة (المَبْرِد) الخاصةِ بذلك، وإمّا باستخدامِ حجرٍ أملس يؤدي الغايةَ ذاتها، وإنْ في مستوىً أدنى من استخدامِ (المبرد).

أمّا في حالِ كانت الأثلامُ كبيرةً، ومستواها بالغًا في التأثيرِ على صلاحيةِ (العَطِيْف)، فإنّ الطريقةَ الثانيةَ هي الأنسب، والتي يتولّى فيها الحَدَّادُ تجديدَ الحدِّ المُثَلَّم. وقد اصْطَلَحَتْ المحكيةُ اليمنيةُ على هذه الطريقةِ، بعمليةِ (الفَتْق)، وهي عمليةٌ مرتبطةٌ بالأسلحةِ الحادّةِ والأدواتِ الحديدية؛ سواءٌ بِطَرْقِها أو تجديدِ حدَّها بالطَّرْقِ عند الحَدّاد، «يُقال: فَتَقَ فلان السيف أو الخنجر أو الفأس عند الحداد يفتقه فَتْقًا فهو مَفْتُوق، أي: حدَّهُ وأرهفه بالطَّرق».

العطيف في المقولات الشفهية

يتردّد (العَطِيْف) في عددٍ من المقولاتِ الشفاهيةِ الشعبيةِ المتداولةِ في اليمن وتنطوي هذه المقولاتُ على دلالاتٍ متعددةٍ، منها: التحذيرية، والتهديدية، مثلا «هِدْ بْسَيْفَكْ، وْلَا بْعَطِيْفَكْ» وتعني هذه المقولةُ التحذيرية: إنّ تهديدَكَ بـ (سَيْفَك) أهونُ مِنْ تهديدِكَ بـ (عَطِيْفَك)، وأيضاً «شِقَعْ لكْ بعلج العطيف» و«شِقَعْ لَكْ بالصمة»  التحذيرُ من التهديد بـ (العطيف)، في المقولةِ السابقةِ خاصًا بوضعيةٍ معينةٍ من وضعياته لحظةَ التهديد به، وهي الوضعيةُ التي يكون فيها حدّه باتجاه الشخص المُهَدَّد. أما في غير هذه الوضعية، فهناك مساحةٌ ممكنةٌ للتهديد به، ضمن مقاماتِ الكلامِ وسياقاتهِ الاجتماعية، وهو ما استقامت عليه إحالاتُ هاتين الجملتين، اللتين تظهر فيهما خصائصُ المحكيةِ اليمنية، كاستخدامِ (الشين المكسورة) للدلالةِ على المستقبل، في (شِقَعْ)، بمعنى: (سوف يقع).

قلعة الدملؤة في تعز اليمنية

0
قلعة الدملؤة
قلعة الدملؤة

“قلعة الدملؤة” هي إحدى القلاع اليمنية الأسطورية المنيعة ومن أقدم قلعة على مر العصور يعود تاريخ بنائها إلى ما قبل الإسلام، وكانت سابقا مقراً سياسيا وعسكريا واقتصاديا لعدد من الدويلات المتعاقبة على اليمن عبر التاريخ الإسلامي والتي اتخذتها مقراً رئيسيا منيعا وعصي على الغزو والسقوط.

أطلق عليها خزانة ملوك اليمن لأنها كانت تخزن فيه غذاء وأموال وذخائر وكنوز الدويلات التي مرت عليها، ويتداول جيران القلعة من سكان المنطقة حكايات وقصصا مثيرة للدهشة والغرابة استمدت غرابتها من وحي العلاقة بين الحكام والرعايا وامتزجت فيها الحيلة والمقاومة واختلطت بالوحشية والجبروت.

الدملؤة، قلعة منيعة من أهم قلاع وحصون جبال الحجرية بدأت شهرتها من أيام حكم بني أيوب، في القرن السادس الهجري ، وتقع في أعلى مرتفع فوق قرية المنصورة من “جبل الصلو” على بعد (60كم) جنوب شرقي مدينة تعز، و لعبت أدواراً في أحداث الحروب التي شهدتها المنطقة من أيام الأيوبيين مروراً بالرسوليين والصليحيين والطاهريين وبني زريع والأتراك ، وترتفع عن منسوب سطح البحر بـ2000متراً ، و(الدملؤة) هو الاسم القديم قبل التسمية بالمنصورة .

قلعة الدملؤة أو المنصوري في مديرية الصلو اسمها تاريخيا هو الدملؤة ولكن جاء اسم المنصوري لأن كل من تحصن فيها قد أنتصر. وذكرها الهمداني في كتابه وقال عنها بأنها بيت ذخائر الملوك وأموالهم ولذلك سميت بخزانة ملوك اليمن وأنها تطلع بسلم فإذا قلع لم تطلع. ودارت في هذه القلعة العديد من القصص ولعل أكثرها تداولا قصة اهل الجنات مع الدندكي بن أيوب.

ويشير “الهمداني” إلى أن الدملؤة من عجائب اليمن التي ليس في بلد مثلها، بما يقول: “قلعة الدملؤة لأبي المغلس في أرض المعافر، وهي تطلع بسلم، فإذا قلع لم تطلع”. وفي موضع آخر: “بسلمين؛ في السلم الأسفل منها أربع عشرة ضلعًا، والثاني فوق ذلك أربع عشرة ضلعًا، بينهما المطبق وبيت الجرس على المطبق بينهما، ورأس القلعة يكون أربع مئة ذراع في مثلها فيها المنازل والدوار، وفيها مسجد جامع فيه منبر.

شبام حضرموت.. أقدم ناطحات سحاب

0
شبام حضرموت.. أقدم ناطحات سحاب

شبام هي بلدة أثرية ومركز مديرية شبام تقع في الجهة الشرقية من اليمن، وتتمركز في منتصف حضرموت بين مدينتي سيؤن والقطن، يفصلها عن حضرموت مسافة تقدر بـ 350 كم، كما يفصلها عن صنعاء مسافة تقدر بـ 990 كم؛ أما بالنسبة لشكل المدينة فهو شبه منحرف وأقرب إلى المستطيل، تم بناء مدينة شبام بهذا الشكل حفاظاً على الأراضي المزروعة حولها.

وتشكل المدينة المسوّرة التي تعود إلى القرن السادس عشر أحد أقدم النماذج وأفضلها للتنظيم المدني الدقيق المرتكز على مبدأ البناء العمودي. وتعود تسميتها “بمانهاتن الصحراء” إلى مبانيها البرجية الشاهقة المنبثقة من الصخور ، يبلغ تعداد سكانها 16094 نسمة حسب الإحصاء الذي جرى عام 2004.

بنيت منازل هذه المدينة مثل باقي منازل حضرموت بالعناصر الأولية، أي التراب والتبن، حيث يخلطان معا بالماء ثم يتركان ليجفا، ويصنع ما يسمى في اللهجة المحلية في اليمن “المدر”. ومن خلال كم هائل من “المدر”، يتم بناء تلك المنازل التي تكون قوية لسنوات طويلة لو تم الحفاظ عليها.

وتعتبر مدينة شبام “مدينة المدن اليمنية”، فهي أكثرها شموخا، عانقت السحاب منذ العصور الغابرة، ومبانيها ناطحات السحاب الأولى والأقدم من نوعها على مستوى العالم، تقرأ من خلالها عناوين القدرات والإبداعات للإنسان اليمني، تحكي للعالم أعرق طراز معماري شهدته حضارات الشرق القديم.

ويظل ارتفاع مبانيها الطينية محل إكبار وإعجاب، أطلق عليها الغربيون اسم “مانهاتن الصحراء” وسماها أهل اليمن “أم القصور العوالي”، وتعتبر أعجوبة من أعاجيب الفن المعماري في العالم، نظرا لفرادة طابعها الذي كان ولا يزال محط إعجاب من زارها، وشاهد بأم عينيه أول ناطحات سحاب في العالم مبنية من الطين، وفقاً لنظام هندسي دقيق توقف عنده الكثير من معماريي العالم.

اشتهرت مدينة شبام بنشاطها التجاري المتميز، فتعد أشهر مدن حضرموت تجارة وأكثرها حركة ونشاط، حيث أنها تمثل سوق تجاري كبير لمنتجات المنطقة، لذلك يقصدها اليمنيون من جميع أنحاء اليمن، حيث كانت القوافل تقوم بنقل العديد من المنتجات المختلفة والمتباينة، مثل: الذرة الشامية، والقمح، والشعير، والسمن، والسليط، والقطن، والبطانيات، والقماش، وغيرها من المنتجات، يتم نقلها من مدينة صنعاء وغيرها من المدن اليمينة لبيعها في هذا السوق التجاري الذي يقصده اليمنيون من جميع أنحاء اليمن.

وتعتبر شبام أقدم نموذج للبناء المدني المنظم، المرتكز على البناء العمودي، مما جعلها تحظى بالاهتمام المحلي والعالمي مما أهَّلها للدخول ضمن التراث الإنساني العالمي “اليونسكو” إلى جانب مدينة صنعاء القديمة.

أبرز المعالم السياحية في شبام

مسجد “يوم الجمعة”

هذا المسجد الذي يشهد اهتمامًا وإقبالاً واسعًا من قبل السياح المسلمين وغير المسلمين سواء، لما يضمه من جدران مزخرفة صنعت منه لوحة فنية رائعة التصميم، وكان هذا المسجد قديمًا مقرًا لكثير من العلماء الذين يتحلق حولهم طلاب العلم في حلقات علمية للنيل من منابع علمهم التي لا تنضب، لذلك يعتبر هذا المسجد واحدًا من أقدم المعالم السياحية في شبام، حيث يعود تاريخ بناؤه لعام 904م.

 قلعة شبام

تعتبر القلاع والحصون من أهم المعالم السياحية في مدينة شبام، وكانت تستخدم قديمًا لأغراض الحماية، وأهم هذه القلاع قلعة “شبام”، وهذا لا يعني أن السياحة في شبام كانت تقتصر على هذه القلاع والحصون فحسب، حيث كان هناك مجموعة من القصور الملكية التي لا تقل أهمية سياحية عن هذه القلاع والحصون التي حظيت بها مدينة شبام.

شبام حضرموت.. أقدم ناطحات سحاب
ناطحات السحاب في شبام حضرموت شرقي اليمن (نبيل الأزوري)

ناطحات السحاب

كانت ولا زالت هذه المباني المرتفعة التي تميزت بها شبام، حتى أطلق عليها ناطحات السحاب من أهم المعالم السياحية بها، والجدير بالذكر أن ناطحات السحاب هذه بنيت في زمن فصل بينه وبين الثورة الصناعية مئات السنين، بمعنى أنها بنيت بالمواد البسيطة المتوافرة آنذاك مثل: الطين والتبن وجذوع النخل، لذلك ليس من المبالغة القول أن هذه المباني كانت من أهم الأسباب التي ساهمت في زيادة معدلات الإقبال السياحي في شبام .

والجدير بالذكر أنه يظل الخطر الأكبر الذي يهدد أصالة وتراث هذه المدينة العريقة هو الفيضان الذي يمكن أن يحدث في أي وقت، وما فيضان 2008 منّا ببعيد، هذا الفيضان الذي تسبب في أضرار جسيمة لأساس بعض المباني مما أدى فيما بعد لانهيارها.

المصدر: مواقع الكترونية

في قُرى اليمن: البقرة أُمٌّ ثانية في الأسرة

0
بينما الرجال يُحاربون.. نساء الريف صمام أمان لتأمين الغذاء

عبدة منصور المحمودي

الحاجة إلى البقرة في القرية اليمنية وَصَلَتْ بها إلى ما يشبه أن تكون أُمّاً ثانيةً في الأسرة. وفي صيغة مخاطبتها ما يتضمّنُ الإحالةَ على هذه المشابهة، إذ يقترنُ إدرارُها للحليب بهدوئها وشعورها بالألفة مع مَنْ يتولّى حلْبَها، وهي المرأةُ عادةً بعد أن تَمْسَح على ظهرها، وتخاطبها بـ “أُمِّي هاهْ”، أو “وامَّهْ”، أو “يَمَّهْ”، وفقًا لنسق المحكية في كل منطقة.

كلما كانت القريةُ اليمنيةُ جبليةً ونائيةً عن المدينة وعن المراكز الحضرية، كلما ارتفع عددُ الأبقار فيها. والعكس صحيح، ويقفُ وراءَه عددٌ من العوامل والمتغيرات، أبرزها التوجه إلى التعليم الجامعي، والالتحاق بالوظيفة العامة، والجفاف، والهجرة الداخلية المتزايدة إلى المدينة.

أما في القرية فاحتفظت البقرة بمكانتها، على امتداد التاريخ اليمني قديمة وحديثه، واستمر وجودها كواحدٍ من المقومات الرئيسة في حياة الأسرة. وتمظهرت هذه المكانة في تفاصيل الحياة الريفية: في طرازِ بناءِ المنازل القديمة، التي يكون فيها الطابق الأول خاصاً بالمواشي، والبقرة بوجه خاص. وفي اهتمام الأسرة بها والعناية بأحوالها، والحرص على أن تتجاوز أمراضها العارضة، والحزن على رحيلها الأبدي. فقد أجهشت أم خالد بالبكاء، إشفاقًا على أختها المنتحبة بصوت مسموع على الرغم من الضوضاء الصاخبة أمام منزلها، لحظةَ نفوق بقرتها، بعد مرور أيامٍ على حالها المرَضِيّة المستعصية.

إنَّ من أولويات الأسرة، في مستهل حياتها، التفكير في امتلاك بقرةٍ وتربيتها. كانت أمي تتحدث عن بدايات حياتهما الاسرية مع أبي، فتذكّرتْ تلك العِجْلة الصغيرة، التي ولَدْتها بقرةُ أمها، واحتفظتْ بها أسرتُها، ولم تبعها في السوق الريفي، ومنحتْها جدتي لابنتها بعد مرور شهرٍ على زفافها. أبي، وهو يسمع حديثها هذا في سياق مواقف مساندتها له، حاول التقليل من دورها، ليحافظ على صورته المتفردة بتحمل مسؤولية حياتهما. كانت المصداقيةُ واضحةً في استمرار حديثها، فتوقف عن محاولته، معترفًا ضمنًا بدورها.

قد تكون عائلةُ الزوج هي من تمنح ابنها حديث الزواج عِجْلَةً، فإن تعذَّرَ ذلك فإن من أولوياته توفير مبلغٍ لشراء بقرة، أو عِجْلة ستصبح فيما بعد بقرة الأسرة. لا يكون الشراء في مستطاع المنتمي إلى الطبقات الأشد فقراً، لكن أمامه فرصة أن يُرَبِّي عِجْلةً لأسرةٍ راغبةٍ في تكاثر أبقارها والاستفادة منها، فتمنَحُهُ إيّاها وفقًا لتفاهمٍ عرفيٍّ يقضي له بملكية النصف من كل رأسٍ من مواليدها، والنصف الآخر يكون لمالكها.

بمثل هذه الإجراءات العائلية والتفاهمات الاجتماعية، تتكاثر الثروة الحيوانية من الأبقار في القرى اليمنية، ويغلب عليها تجانسُ النسل، فمعظمُها يتحدَّرُ عن سلالة أبقار “الزيبو” الهندية، التي يُطلق عليها اسم “البرهمان بول”.

من الحليب إلى السمن البلدي

الحاجة إلى البقرة في القرية اليمنية، وَصَلَتْ بها إلى ما يشبه أن تكون أُمّاً ثانيةً في الأسرة. فمنها الحليب، واللبن الرائب، والسمن البلدي. وفي صيغة مخاطبتها ما يتضمّنُ الإحالةَ على هذه المشابهة، إذ يقترنُ إدرارُها للحليب بهدوئها وشعورها بالألفة مع مَنْ يتولّى حلْبَها، وهي المرأةُ عادةً بعد أن تَمْسَح على ظهرها، وتخاطبها بـ “أُمِّي هاهْ”، أو “وامَّهْ”، أو “يَمَّهْ”، وفقًا لنسق المحكية في كل منطقة.

يتم حلبُ البقرة عادةً بشكل يومي، فيدخل الحليب في وجبتي الإفطار والعشاء بشكلٍ رئيس، ويضاف إلى قهوة البن، وإلى الشاي عند بعضهم. كما يغطي حاجة الأطفال إلى الغذاء، إما بمعية الرضاعة الطبيعية، أو بدونها، لطفل الأسرة، أو لمن لا بقرةَ في أُسْرَته.

يدخلُ الحليبُ المرحلة الثانية، مرحلة رجِّهِ في إناءٍ خاصٍ، ينتج عنها اللبنُ الرائب منفصلًا عن الزبدة. قليلًا ما يدخل اللبن الرائب في وجبة الإفطار، كون الغداء هي وجبته الرئيسة، وبه يستقيم غداء العصيدة بمختلف أنواعها.

أما الزبدة فيتم تجميعُها يومياً. غالباً ما تكفي حصيلةُ الأسبوع منها، للانتقال بها إلى المرحلة التالية، أي تحويل الزبدة الى سمن بلدي، يدخل على الوجبات الثلاث، منفرداً أو ممزوجاً باللبن. كما تستفيد الأسرُ الفقيرةُ من ثمن بيعه في الأسواق الريفية.

لا تخلو قريةٌ من أن تكون فيها أسرةٌ أو أكثر ممن لا يُرَبُّون الأبقار، ومع ذلك فليس بإمكان هذه الأسرة الاستغناء عن البقرة، فتُوْكِل إلى واحدٍ من أطفالها مُهِمّة التوجُّه إلى أسرةٍ مجاورة، لجلب حاجتها من الحليب واللبن الرائب. فمن المعتاد عدم بيعهما، ويتم تبادلهما في سياقٍ من أخلاقيات الجوار في القرية اليمنية. وتُعد هذه الثلاثية (الحليب ــ اللبن الرائب ــ السمن البلدي) هدية الريفي إلى قريبه أو صديقه المقيم في المدينة، وهي غالباً ما تكون سمناً بلدياً، وقليلًا ما تكون حليباً، وأقل من ذلك أن تكون لبناً رائباً.

يسُدُّ استيرادُ الألبان ما يترتب على الانحسار المديني من حاجةٍ إلى الألبان. فاليمن يستورد أكثر من 90 في المئة من حاجته إلى الألبان، حسب ما وصلتْ إليه دراسةٌ في اليمن عام 2015، أجرتْها منظمةُ الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، والتي أشارت إلى أن ما يتم إنتاجه في اليمن، لا يتجاوز الـ 10 في المئة من حاجة السكان، وإلى أن معدل إنتاج البقرة الواحدة لا يتجاوز الخمسة لترات، مقارنةً بعشرةِ لترات في ظروفِ تغذيةٍ جيدة. وأرجعتْ الدراسةُ سبب هذا التدني، إلى مشاكل ترتبط بسوء البرامج الغذائية للأبقار، وضعف كفاءتها التناسلية.

تلبية حاجةِ الأسواق والمناسبات

عادةً ما تكون الأسواق الريفية أسواقاً أسبوعية، يومٌ واحدٌ من أيام الأسبوع هو يوم السوق الريفي. تتنوع فيه البضائع المعروضة، وفيه مساحةٌ خاصةٌ لبيع وشراء المواشي. ومساحةٌ مشابهةٌ في المدن الصغيرة والمراكز الحضرية، يُخصص فيها واحدٌ من أيام الأسبوع سوقاً للمواشي.

في هذه الأسواق تجرى عمليات بيع وشراء الأبقار والعجول والثيران، وتجد فيها الأسرة اليمنية مجالًا للاستفادة المالية من تربية الأبقار. عادةً ما يمتهن أشخاصٌ معينون مهنة بيع وشراء المواشي، وفي سياقها يأتي شراؤهم للعجول والثيران لتلبية حاجة مطاعم المدينة إليها، ومثلها حاجة الأعراس والمآتم والمناسبات، وحاجة الراغبين في أن تكون أضاحيهم ثيرانًا. فالعجول غير ملائمة لاشتراطات الأضحية. هؤلاء يضطلعون بالمهمة ذاتها حينما ينعقد إبرامُ تصالحٍ بين قبيلةٍ وأخرى، على خلفية ثَأْرٍ أو اقتتالٍ أو خلافٍ جسيم، حيث يتم ذبحُ ثورٍ أو أكثر، وفقًا لنسقٍ عرفيّ، يترتب عليه الوصول إلى تسويةٍ معينة بين قبيلتين، أو بين طرفين من قبيلةٍ واحدة. وقلةٌ هم من يُرَبُّون الثيران للحراثة، بعد دخول آلات الحراثة الحديثة.

إن هذه الحاجة المتعددة في أشكالها، تُمَثِّل رافداً مالياً مهماً للأسرة الريفية، التي فيها تكون المرأة هي صاحبة الدور الرئيس في تربية الأبقار والعجول والثيران، إلى درجةٍ تكاد أن تكون مقصورةً عليها، بشكلٍ يثير الغبطة والغيرة فيمن لا توافقه امرأته على أن تكون البقرة من مقومات حياتهما، وهو ما تضَمَّنَه موقفٌ حدَثَ في سوقٍ ريفي، وكان عيد الأضحى على الأبواب، فوصل أحدهم إلى السوق يقود ثوراً ضخماً، تسابق عليه الراغبون فيه. استلم الرجل ثمنه مبلغاً كبيراً (مليون و300 ألف ريال)، أي ما يعادل ألفي دولار. انتحى بالرجلُ شخصٌ ليست البقرة من مقومات حياته، وسأله: أفي أسرتك كانت تربية هذا الثور؟ أم اشتريته من سوقٍ آخر؟ اندهش وهو يسمع الإجابة: أن امرأة الرجل هي من رَبَّتْ هذا الثور الضخم، فعقب عليه: “استحلفك بالله خذ مليون ريال لك، واعطها 300 ألف ريال، فمثلها تستحق هذا العطاء”.

الأعلاف والحشائش وبقايا الطعام

تتغذى أبقار اليمن، بدرجة رئيسةٍ، على الأعلاف والحشائش. فمساحة المراعي الطبيعية في اليمن تبلغُ نحو 10 ملايين هكتار. انعكس التوسع في زراعة شجرة القات سلباً على زراعة الأعلاف، وهيّأ ـــ في الوقت ذاته ـــ مستوىً من النمو للحشائش بين صفوف هذه الشجرة، كما ترك هامشاً في جوانب مزارعها لزراعة نوعٍ خاصٍ من الأعلاف، يُصطلح عليه بـ “الدُخْن اللحجي”، نسبةً إلى موطنه الأصلي الذي انتشر منه، محافظة “لحج”، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة صنعاء، وتبعد عنها بحدود 337 كيلومتر.

ساعدتْ في انتشاره خصائصُه التي لا تتوافر في “الدخن” المنتج في المحافظات الأخرى، كما لا تتوافر في الأصناف الأخرى من الأعلاف. تلك الخصائص متعلقةٌ بسهولة زراعته، والتي لا تزيد عن قص أجزاءٍ من سيقانه الخضراء وغرسها في التراب، ولمرةٍ واحدةٍ فقط، فينمو ويورق، ويضرب جذوره في الأرض مع كل حصادٍ، إذ يتجدد نموه من أصول سيقانه بفروعٍ متكاثفة، مهما تكررت مرات حصاده.

تتولى المرأة في القرية اليمنية إطعام الابقار يومياً، إما بجز الحشائش أو حصد الأعلاف من محيط مزارع القات. وتُشارك الزوج في حصاد مزارع الأعلاف، إلا إذا امتلك عدداً من المزارع، فإن الاستعانة بعُمّال اليومية يوَفِّر عليها عبء المشاركة في حصادها. ومن تدابيرها المنزلية، أنها تخصُّ البقرة ببقايا الطعام، فتتغذى عليه كِسَراً وبقايا أقراصٍ، وتشربه مع مائها المُتَّخِذ هيئةَ حِساءٍ من بقايا الطعام. أما مولود البقرة، فمع غذائه الطبيعي، يحظى بطعامٍ إضافي، إذ تُقدم له المرأة حِساءً من الماء والطحين في أيامه الأولى، وقطَعاً من العجين في الأسابيع التالية لولادته.

غذاء الأبقار من الحشائش والأعلاف متوافرٌ للمرأة من الأرض الزراعية التي تملكها أسرتها. أما مَنْ لا تملك أسرتها أرضاً زراعية، فستجد غايتها في أراضي الميسورين، ومُلّاك مزارع القات التي تزيد حشائشها على حاجة مواشيهم، أو الذين يكونون ممن لا يربون المواشي. سيما حينما تكون الحاجةُ ماسةً إلى التخلص من الحشائش في مواسم نموها المتسارع. أما في المواسم الأخرى، فعلى هذه المرأة أن تُجَسِّر مع أسرهم المودة بتزويدهم باللبن الرائب، وإهدائهم قنينةَ سمنٍ بلدي من حين إلى آخر.

مثل هذه التدابير المتنوعة، تفي بقدرٍ محدودٍ من حاجة الأبقار اليمنية إلى الغذاء.

 والنسبة العالية من هذه الحاجة يغطيها شراءُ الأعلاف. فقد كشفت دراسة منظمة الفاو ـــ السالف ذكرها ـــ أن 63 في المئة ممن يربون الأبقار يمتلكون أرضاً زراعية، وأن 25 في المئة من الأراضي الزراعية مخصصة لزراعة الأعلاف، والنسبة الباقية لزراعة الذرة الرفيعة أساساً وبعض المحاصيل، مثل السمسم، والتبغ، والخضروات. الدراسة أشارت إلى أن مَنْ يُرَبُّون الأبقار في اليمن يقدمون الذرة الرفيعة (عجور مجفف)، والذرة الغليظة الخضراء (عجور أخضر) كتغذية أساسية للأبقار. وأن 70 في المئة منهم يستخدمون الأعلاف التكميلية من المخلفات الزراعية: قشرة، عصارة السمسم، خبز. وأن الأعلاف المركزة غير مستعملة بتاتاً، وهو ما يفسر تدني إنتاج الحليب والإنتاج الحيواني، حسب ما جاء في الدراسة ذاتها.

متغيرات فاعلة

يبلغ حجمُ الثروة الحيوانيةِ من الأبقار في اليمن مليونا و503 آلاف رأس، مع تراجعٍ ملحوظٍ لحجم الثروة الحيوانية في اليمن بين عامي 2014 و2018، حسب ما ورد في تقرير إدارة الإحصاء والإرصاد الزراعي للعام 2018.

 تتداخل العوامل والمتغيرات الفاعلة في هذا التراجع، أبرزها تداعيات الحرب بمظاهرها المختلفة، والتي شملت شتى مجالات الحياة اليمنية، ومثلها اضطرابات المناخ، واعتباطية أو بدائية تربية الثروة الحيوانية، القائمة أساساً على خبرة الريفيين وطرائقهم التقليدية.

من الإجراءات التي اتخذتْها سلطةُ أنصار الله (الحوثيين)، في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لمواجهة هذا التراجع، مَنْعُ بَيْعِ إناث الحيوانات، سيما الصغار منها، وانعكس ذلك على عملية بيع وشراء إناث الأبقار. فقد نفذ المشتغلون في هذه المهنة تلك الإجراءات، وهو ما أفضى إلى وفرةٍ ملحوظة في إناث الأبقار، خاصة صغارها، وإلى انزواء عملية بيعها وشرائها في مساحةٍ ضيقةٍ مقصورةٍ على المزارعين فيما بينهم، فتزايَد في هذه المساحة عددُ الراغبين في تربية الأبقار، حيث أغراهم تدني سعرها الذي ترتب على تنفيذ إجراءات المنع. رغبتُهم هذه عزّزها نوعٌ من الاستقرار النسبي الذي اتسم به المناخ في اليمن. فكثافة أمطار الصيف الفائت سدت الحاجة إلى المياه، حيث استمر جريان الينابيع، وتراجع التصحر في المراعي، وتوافر العشب والأعلاف. ومن خلال هذه الرغبة وحيثياتها وعوامل تعزيزها، يمكن استشراف مستقبلٍ إيجابيّ لتربية الأبقار في القرية اليمنية.

*نقلا عن موقع السفير العربي