الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 84

بينما الرجال يُحاربون.. نساء الريف صمام أمان لتأمين الغذاء

0
نساء الريف صمام أمان لتأمين الغذاء

تقول “فاطمة قاسم” (52 عاما) إن العمل في الأراضي الزراعية، وتربية الأغنام، والا هو مصدر دخلها الوحيد الذي تعتمد عليه في تأمين الغذاء لأفراد عائلتها على غرار مئات النساء اللواتي يعملن في الزراعة في معظم ريف اليمن.

وتعتمد غالبية المجتمعات في المناطق الريفية بمحافظة إب على الزراعة بدرجة أساسية في توفير الغذاء والاكتفاء الذاتي من الحبوب المتنوعة، لعام كامل على الأكثر، حتى يعود موسم الزراعة السنوي مع هطول الامطار في فصل الصيف.

وخلال سنوات الحرب في اليمن تحملت المرأة اليمنية أعباء مضاعفة وعلى وجه الخصوص في الريف، حيث تحملت غالبية النساء تحمل تكاليف أعباء الحياة اليومية في تأمين الغذاء، خصوصا أولئك اللاتي فقدن أزواجهن أو أبنائهن في جبهات القتال المختلفة، أو من هم مازالوا في الجبهات يقاتلون تاركين النساء تتحمل أعباء المعيشية.

نساء اليمن والزرعة

تقول “فاطمة قاسم” بأن زوجها كان يعمل في البناء، بمدينة “تعز” اليمنية لكنة توقف عن العمل منذ اندلاع الحرب في اليمن، بسبب انعدام فرص العمل، بالإضافة إلى عجزه أيضا عن ممارسة مهنة البناء بسبب تقدمه في العمر، وتعرضه للعديد من الأمراض خلال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من أن ممارسة الأعمال الزراعية تعد من الأعمال الشاقة بالنسبة للنساء إلا أن السيدة “فاطمة” تمكنت خلال الأعوام السابقة من العمل في الأراضي الزراعية وتحملت العبء الأكبر في الاهتمام بالأرض ابتدأ من بداية زراعة الثمار وحتى موسم الحصاد.

ومع بداية الموسم الزراعي الجديد لم تستطع السيدة “فاطمة” توفير تكاليف زراعة الثمار والتي تصل إلى نحو 20 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 30 دولار أمريكي، لكنها تعمل على توفير الحلول في توفير المبلغ، كي لا تتأخر عن بدء موعد حرث الأرض ووضع البذور.

تروي “فاطمة” قصتها في الوقوف أمام تحديات المعيشية التي فرضتها الحرب خلال السنوات الماضية، من خلال العمل في الزراعة، حيث تعتني بالزرع في أرضها الصغيرة، وأيضاَ الأغنام التي توفر لها دخل مادي من خلال بيع بعض منها، بالإضافة إلى البقرة التي توفر الحليب ومشتقاته، كغذاء للأسرة.

نساء الريف صمام أمان لتأمين الغذاءكيف تمارس الزراعة؟

تقول “فاطمة” بأنها تبدأ بإعداد الأرض للزراعة قبل بدء موسم الأمطار من خلال اعداد الأرض وتهيئتها للزراعة حتى تضع البذور، وتقضي معظم وقتها خلال فصل الصيف وهو موسم الزرعة في ريف محافظة إب في الحقل للاعتناء بالمزروعات من الحبوب، والقيام بكافة الأعمال الزراعية والتي تمر بمراحل متعددة جميعها يتطلب من المزارعين بذل جهود كبيرة خلال تلك الفترة.

وتضيف “فاطمة” بأنها تسابق شروق الشمس عند كل صباح للوصول إلى الأرض الزراعية للعمل في المزرعة قبل أن تعود إلى منزلها لتناول وجبة الإفطار والذهاب إلى راعي الأغنام وبقرتها الوحيدة، تحت أشعة الشمس الحارقة إلى ساعة متأخرة من الظهيرة.

لا ينتهي الأمر عند ذلك فحسب فهي بعد عودتها إلى المنزل تستعد بعد صلاة العصر للذهاب الى العمل في الأرض بمزرعة أخرى، بسبب أن أراضيها متباعدة عن بعضها، وتساعدها بناتها في إعداد الطعام في المنزل وجلب حصتهم من الماء يومياً.

تقول “فاطمة” بأنها في صيف 2019 حققت الاكتفاء الذاتي من الحبوب المتنوعة بين الذرة البيضاء، والذرة الشامية والبقوليات مثل، الفاصوليا، والفول، والعدس، ومع انقطاع زوجها عن العمل فهي تعتمد بشكل كلي في توفير الغذاء لأفراد عائلتها على تلك الحبوب المختلفة التي حصلت عليها من أرضها الزراعية.

العمل بدلا من المحاربين

ومع انخراط المئات من الشباب والرجال في المناطق الريفية في الحرب والذهاب إلى جبهات القتال خلال السنوات الماضية تكافح العديد من النساء في الريف في العمل على إصلاح الأراضي الزراعية، والاهتمام بها، وأصبحت معظم المناطق الريفية، تعتمد بشكل كبير على النساء في العمل الزراعي.

تماماً مثل “فاطمة” تعمل السيدة “سعيدة مصلح” في الزراعة، وتربية الأغنام، في قريتها الواقعة هي أيضا بريف السياني بمحافظة، وقالت: “تحملت خلال السنوات الماضية عبء توفير متطلبات الحياة لأفراد عائلتها بعد وفاة زوجها في عام 2017″، وتفاقمت معاناتها بشكل أكبر مع التحاق الابن الأكبر لها في صفوف جيش الحكومة المعترف بها.

وأضافت “كان الأب يتحمل كل مصاريف المنزل من خلال عمله الحر، ونتعاون في الزراعة أيضا حيث كان يتحمل كل العمل الشاق بالأرض، وأن أعتني بالأغنام والبقرة، لكن الان أتحمل كل شيء، إبني الأكبر جندي في الجيش لكنه لا يستلم راتبه الا كل أربعة أشهر”.

وتكافح “سعيدة” في تربية الأغنام، والزراعة لتأمين الغذاء لأسرتها، مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية والتي بدورها انعكست سلبا على حياة المواطنين، وفاقمت من معاناتهم، بالإضافة إلى الأزمات المستمرة في المشتقات النفطية، والغاز المنزلي، خلال السنوات الماضية.

وبالإضافة إلى العمل في الزراعة وتربية الأغنام والمواشي تعمل العديد من النساء في المناطق الريفية بمحافظة إب في الاحتطاب، وجلب المياه من أماكن ومسافات بعيدة وذلك في إطار مساهمة المرأة الريفية في تأمين الغذاء والوقوف إلى جانب أزواجهن خلال سنوات الحرب في اليمن.

ومع دخول الحرب في اليمن عامها السابع تتضاعف معاناة المواطنين وعلى وجه الخصوص في المناطق الريفية، ووفقاً للأمم المتحدة فإن نحو 50 ألف شخص يعيشون حالياً في ظروف تشبه المجاعة، فيما يبعد 5 ملايين شخص خطوة واحدة عن هذا الوضع.

وبحسب الأمم المتحدة، سيواجه أكثر من 16 مليون شخص من بين 29 مليونا الجوع في اليمن هذا العام، كما تحذّر وكالات تابعة للأمم المتحدة من أن 400 ألف طفل تحت سن الخامسة يواجهون خطر الموت جرّاء سوء التغذية الحاد في 2021، في زيادة بنسبة 22 بالمئة عن العام 2020.

الحطب وإنتاج الفحم: مصدر للعيش في مواجه قسوة الحرب

0
الحطب وإنتاج الفحم: مصدر للعيش في مواجه قسوة الحرب
امرأة تستخدم الحطب لطهي الطعام وإعداد الخبز البلدي في ريف تهامة بمحافظة الحديدة غربي اليمن (عبدالعزيز محمد/ منصة ريف اليمن)

في بلاد تعيش أسوا أزمة إنسانية في العالم، يتدهور الوضع المعيشي لدى كثير من اليمنيين، في الوقت الذي يحاول البعض البحث عن بدائل توفر له دخل مادي يستطيع من خلاله تأمين معيشته دون الحاجة الى انتظار المساعدات الإنسانية.

“حليمة” (45عام)، أم لخمسة أطفال واحدة من النساء اللواتي لم يستسلمن لقسوة الحرب الدائرة في اليمن، وعملت بكل اصرار وعزيمه على توفير احتياجات عائلتها بعد فقدان زوجها، إثر مرض مزمن في القلب بمحافظة الحديدة (غرب اليمن).

تقول حليمة “إن وفاة زوجها اجبرها على تحمل مسؤولية توفير المعيشية لأسرتها، وأولادها مازالوا أطفال صغار وتوفير متطلباتهم من أجل مواصلة تعليمهم”، حيث تعمل في بيع الحطب المنزلي من أجل تأمين غذاء أطفالها واحتياجاتهم المعيشية.

وأضافت “كنت أحصل يوميا على 3000 ريال (ما يعادل 5 دولار) من بيع الحطب لكنه عمل مضني وشاقّ، استمرت فيه لعامين، وبعد ذلك بدأت في اعداد ما يسمى “المسواد” (حفرة لتحويل الحطب الى فحم) وما زاد من دخل الاسرة اضعاف ما كانت من الحطب”.

ورغم الجهد الذي تبذله “حليمة” في تقطيع اشجار السدر وغيرها الى جانب اهتمامها اليومي برعاية أطفالها، الا إنها تعتبره مصدر دخل وفير يعينها على توفير احتياجاتها دون الحاجة لمساعدة الاخرين او التسول.

وتستخرج من الحفرة ما يزيد عن سبعة اكياس من الفحم التهامي خلال اسبوع ويزن الكيس الواحد من 18- 20 كيلوا جرام.

 ازدهار بيع الفحم

ينطبق القول “مصائب قوم عند قوم فوائد”، حيث تعتبر الأم حليمة كغيرها من العاملين في الفحم غياب الغاز المنزلي وارتفاع اسعاره في المحافظات الشمالية من اليمن فرصة ذهبية لزيادة الانتاج نتيجة للطلب المتزايد من قبل التجار المحليين.

وينعكس ارتفاع سعر الغاز المنزلي وانعدامه من السوق، على سعر الفحم وزيادة الطلب عليه أكثر حيث يتراوح سعر الكيس من 6-7 الاف ريال يمني (الدولار 602 ريال يمني) في الوضع الطبيعي فيما يصل سعره الى 10 ألف ريال خلال انعدام الغاز وعدم توفره.

وتزدهر تجارة الفحم خلال ازمة الغاز المنزلي ما يوفر للأم “حليمة” عناء نقله وتوفير 10 الاف ريال يمني كانت تدفعها كمواصلات لنقل نتاجها الى تجار بمدينة الحديدة، والتي تبعد عن قريتها بمديرية الزيدية حوالي 66 كيلومتر.

ويصل السعر الرسمي لأسطوانة الغاز6500 ريال يمني، لكنه لا يتوفر دائما ويعد مشكلة لذوي الدخل المحدود، فيما يضطر غالبية الناس لشرائه من السوق السوداء بأسعار تصل الى 13 ألف، في الحديدة والمحافظات التي يسيطر عليها الحوثيين.

كفاح في مواجهة ظروف الحرب

رغم ان الحرب ما زالت مستمرة وتشكل كابوس مرهق على المواطنين الذي يعتمدون على العمل الحر والمهن الصغيرة حيث جعلت معيشتهم في خطر دائم، غير ان “حليمة” تقول إن ظروف الحرب والمعيشية القاسية جعلتها أكثر قوة في مواجهة أي تقلبات في المعيشية.

وقالت: “نتمنى ان تنتهي الحرب لكن لا يجب أن نبقى ننتظر المساعدات الإنسانية من المنظمات التي ليست منتظمة أصلا، وتأتي كل أربعة أشهر مرة واحدة، ويجب ان نربي أبنائنا على العمل ونكون قدوة لهم”.

وكامرأة ترى “حليمة” نفسها تواجه كثير من المصاعب والمعوقات في عمل “إنتاج الفحم” والذي يجعلها تعمل لساعات طويلة خارج منزلها، في الوقت الذي يجب عليها أن تعد الطعام لأبنائها الصغار وتهتم بهم.

واجبرت الأوضاع المعيشية الكثير من النساء على العمل في سواء بالريف او المُدن الرئيسة، لكن عمل المرأة الريفية صعب للغاية، سواء في أفكار لمهن جديدة يعمل فيها وهي حكراً على الرجال، او العمل في مزارعهن وتربية الأبقار والاغنام.

 فرص عمل

ويوفر “الحطب” فرص عمل ومصدر للمعيشية للكثير من المواطنين، ويعمل “محمد بادي” (50عام) على بيع الحطب التهامي في العاصمة صنعاء، على متن شاحنته محملة بنحو 3 أطنان على شكل رُزم متنوعة الأحجام على حسب طلبات الزبائن.

ويقول بادي: “بدأت في العمل منذ ان فقدت عملي كموزع لدى مصنع بطاطس مع بداية الحرب عندما سرحت الشركة الكثير من العاملين معها، بعد ان توقف الإنتاج في مصانعها”.

وأضاف “أبيع حمولة الحطب الذي تقدر بنحو ثلاثة اطنان خلال يومين الى اربعة أيام بمبلغ يزيد عن 600 ألف ريال يمني (ما يعادل ألف دولار) ثم أذهب الى جلب حمولة أخرى من محافظة الحديدة او تعز”.

ويبلغ عدد افران العاصمة صنعاء ما يزيد عن 700 فرنا فيما يصل ما تحتاجه من الفحم والحطب 17 ألف وخمسمئة طن سنويا وفقا لإحصائيات رسمية.

ورغم الخبرة الذي يمتلكها “بادي” في نوعية واسعار واماكن الحطب الا ان ارتفاع اسعار المشتقات النفطية ومنها الديزل خصوصا يقلل من ارباحه ويضعه في أزمة امام متطلبات أسرته المكونة من ثمانية أفراد، حسب قوله.

يعمل المقاول التهامي “إبرهيم شوقي” مع عدد من العمال على قطع أشجار السول المنتشرة في الاراضي الزراعية بمديرية الزيدية التابعة لمحافظة الحديدة، حيث يستخدم الجرافة على اقتلاع اشجار السول وغيرها وتقطيعها واعدادها الى فحم.

تحذيرات

وبالرغم ان الاحتطاب وإنتاج الفحم أصبح مصدر دخل أساسي للكثير من العاملين، لكن مازال بحاجة إلى تنظيم وإرشادات، حيث يحذر خبراء من الاحتطاب العشوائي واجتثاث الاشجار في المحميات الطبيعية والذي يعد “كارثة” تهدد الحياة وتمثل خلل في التوازن البيئي.

وتقدر مساحة الغابات في اليمن بنحو 1.5 مليون هكتار فيما تبلغ مساحة المراهي والتكامل الزراعي الحرجي 22.6 مليون هكتار تعاني من سوء ادارة واستخدامات غير منظمة تتسبب في تناقصها كما ونوعا بشكل مخيف، وفقا لدراسة ميدانية نشرتها الهيئة العامة لحماية البيئة.

وسبق ان حذرت الهيئة من مخاطر موجة الاحتطاب الكبير التي يقوم بها المواطنين في عدد من المناطق المهمة كسقطرى وجزيرة كمران ومحميتي برع – عتمة وغابات المانجروف بسواحل الحديدة.

ومنذ بداية الحرب تسببت الأزمة المستمرة بالمشتقات النفطية والغاز المنزلي إلى زيادة حاجة السكان إلى استخدام الحطب كبديل وتوسع إلى المدن الرئيسية والتي كانت لا تستخدم الحطب قبل الحرب حتى بعض الأسر أيضاً.

وولَّدت زيادةً هائلةً في الطلب على حطب الوقود والفحم النباتي، كما تحولت المخابز إلى استخدامه عوضًا عن الغاز أو الكيروسين، الأمر الذي تسبَّب في رواج تجارة الحطب وزيادة الطلب عليه، وهم ما يجعل الاحتطاب العشوائي رائج ويهدد البيئة.

مزارعو مأرب يخوضون حرب أخرى من أجل العيش

0
مزارعو مأرب يخوضون حرب أخرى من أجل العيش
مزارع يهتم بأرض تزرع الخضروات في وادي بريف مأرب شمال شرق اليمن إبريل 2021 (صدام المدني/ منصة ريف اليمن)

ألقت الحرب الدائرة منذ ستة أعوام في اليمن بكاهلها على جميع القطاعات الرئيسية التي تعتمد عليها الدولة والمواطنين كمصادر دخل، ومنها القطاع الزراعي الذي شهد تدهور غير مسبوق، حيث يعمل كثير من اليمنيين في الزراعة، والذين يقدرون 53% من الأيادي العاملة، بحسب التقارير الرسمية.

ولأن نصف سكان اليمن يعتمدون على عوائد الإنتاج الزراعي ويعد مصدر رئيسي لدخلهم، إلا أن هذا القطاع بدأ بالتراجع تدريجياً خلال السنوات الماضية، حيث اضطر البعض للهجرة إلى دول الجوار للبحث عن مصدر رزق كفيل بتلبية احتياجاته المعيشية.

في محافظة مأرب (شرق اليمن) والتي تتمتع بمناخ وتضاريس جعل من أرضها خصبة وصالحة لزراعة الكثير من أصناف الفواكه والخضروات والحبوب، وأبرزها البرتقال والليمون والبطاطس والطماطم والقمح والسمسم والشعير، وأنواع أخرى من الخضروات، إلا أن كل هذه المميزات لم تشفع لمزارعي المحافظة وتخفف من معاناتهم التي يواجهونها وتشكل عبئا وعائقا أمام الكثير منهم، خصوصاً محدودي الدخل أومن يعتمدون على ما تجنيه محاصيلهم الزراعية من فوائد.

الحرب وزيادة المعاناة

مع اشتداد الحرب حاليا في مأرب، لا يخلو التحرك في المحافظة من المخاطرة، لكن ومع الاقتراب أكثر من المزارعين في المساحات الواسعة الخضراء بوادي عبيدة والتي يغديها سد مأرب بالماء طوال السنة، ترى المزارعون يمارسون حياة طبيعة رغم الصعوبات والمشاق التي يواجهونها.

وتشهد مأرب تصعيداً غير مسبوقاً في المعارك الدائرة على أطرافها الشمالية والغربية والجنوبية، ورغم ذلك يواصل المزارعون العمل في أراضيهم، غير عابئين بالمخاطر التي ستواجههم ومنها مشكلة انقطاع “الطريق العام” التي تسبب المعارك بقطعها بين الفينة والأخرى.

بالإضافة إلى استغلال عصابات التهريب وسائل نقل المحاصيل لتهريب العملة الوطنية والحشيش والسلاح، والآثار، مما يسبب بالتشديد من قبل نقاط الأمنية على عملية نقل محاصيل المزارعين حيث يتم التفتيش وقت طويل.

وقال مدير إدارة الخدمات الزراعية بمكتب الزراعة بمأرب محمد كابع “إن المشاكل التي يعاني منها القطاع الزراعي بالمحافظة بشكل عام، تتمثل بارتفاع أسعار المدخلات الزراعية مثل الأسمدة والمبيدات وارتفاع أجور الحصاد والحراثة للآلات الزراعية وكذلك أسعار(البذور) ومنها بشكل خاص بذور البطاطس والطماطم والبصل وغيرها”.

صعوبات تواجه المزراعين في مأرب (منصة ريف اليمن)

وأضاف “إن الحرب فاقمت المعاناة بشكل كبير خصوصا وأن الأسواق خارج المحافظة مما عرض المزارع لأعباء كثيرة، منها ارتفاع أجور النقل، وتوقف سيارات النقل التي تحمل المحاصيل في النقاط الأمنية والعسكرية وعرقلتها على امتداد الطرقات من المزارع إلى الأسواق مما يسبب بتلف للمحاصيل”.

ارتفاع أسعار البذور وانهيار العُملة

تختلف أنواع البذور والشتلات الزراعية، – بحسب حديث المزارعين – حيث يوجد في السوق أنواع مختلفة، ويتعرض المزارعين لعملية الغش من قبل تجار البذور وهو ما ينعكس على قلة الإنتاج في المحصول، ويسبب بمضاعفة المعاناة لدى المزارع الذي يصاب بخيبة أمل نهاية الموسم.

عزام بن فهيد (35 عام) – مزارع في مأرب – يقول “إن أبرز المشاكل التي نواجهها منذ بداية الموسم الحالي هي غلاء البذور التي عانى منها الكثير، حيث يتم شراء البذور من صنعاء لأنه لا يوجد وكالات رسمية أو خاصة توفر لنا البذور بأنواعها بمدينة مأرب”.

وأضاف “نضطر للسفر إلى صنعاء، فتواجهنا مشقات كثيرة بسبب مسافة الطريق الطويلة، لأن الطريق الرسمية مقطوعة والتي (مأرب – نهم – صنعاء) ناهيك عن العرقلة التي تواجهنا أثناء المرور من النقاط الأمنية”.

وقال فهيد: “أنا أحد المزارعين الذين تعرضوا لعملية غش عند شراء البذور وغيري الكثير، فقد تفاجئنا عند حصاد البطاطس بكمية المحصول القليلة التي وصلت لنصف الكمية عن العام الماضي، بالإضافة إلى الامراض التي تعرضت له الثمرة بعدد من الحشرات مثل (الذبابة البيضاء ودود التربة وسوس درنات البطاطس) وتكبدنا خسائر كبيرة وكان موسمنا بغير فائدة”.

ويمتلك المزارع “فهيد” مزرعتين كبيرتين في مديرية الوادي، يزرع فيها البطاط والطماطم، ويبذل جهدا كبيرا حتى نهاية الموسم، يتحدث عن الصعوبات التي تواجه بشكل مستمر بسبب الحرب.

وقال “ان الوكالات والمؤسسات الخاصة بتوريد البذور المختلفة في صنعاء، لا تبيع إلا بالعملة الأجنبية أو بالطبعة القديمة من العملة الوطنية، حيث يمنع الحوثيون التعامل بالطبعة الجديدة”، ويمنع الحوثيون التعامل بالطبعة الجديدة للعملة الوطنية التي أصدرتها الحكومة المعترف بها دوليا.

وتابع فهيد “لذا نلجأ لشراء العملات الأجنبة من مدينة مأرب بأسعار مرتفعة نتيجة لتدهور الريال اليمني (الدولار 920 بمأرب)، بالرغم أن في صنعاء أقل بكثير، وهذا شكل علينا عبئاً كبيرا بالإضافة إلى المشاكل التي تواجهنا”.

الأسمدة والسوق السوداء

شكل القرار الوزاري التي أصدرته الجهات الحكومية وقضى منع استيراد الأسمدة (مادة اليوريا) عقبة أخرى أمام المزارعين، ومعاناة جديدة تسببت لهم بمزيد من الخسائر والمعوقات، وجاء قرار منع استيراد الأسمدة نتيجة استخدام مادة اليوريا من قبل الحوثيين في الأغراض العسكرية.

عبد الرحيم فرج (42 عام) “مزارع في مأرب”، يرى “ان قرار منع استيراد الأسمدة من قبل الحكومة، لم يراعي معاناتنا، وفتح شهية لتجار السوق السوداء بالمتاجرة به والمضاربة بأسعاره، حيث ارتفعت أسعاره بشكل جنوني والتي تعدت إمكانياتنا المادية”.

وأضاف “الحكومة لم تقدم لنا حلول او تسهيلات لكيفية الحصول على الأسمدة، لذا نضطر للشراء من السوق السوداء وبالأسعار التي يفرضوها وبالعملة الأجنبية، من أجل الاستفادة من محاصيلنا الزراعية”.

ويضرب “فرج” مثالا بعملية حسابية إذا كنت تملك مزرعة مساحتها 12 فندان وتريد زراعتها بالبطاطس، فأنت بحاجة لـ 700 كيس من البذور أي بما يعادل 35 طن، وكذلك بحاجة لـ 70 كيس من مادة اليوريا لتغطية هذه المساحة (الكيس يزن 50 كجم)، وبسعر 60,000 ريال يمني لكل كيس (ما يعادل 66 دولار أمريكي).

غلاء البذور والأسمدة في مأرب (هلال المرقب/ منصة ريف اليمن)

ويشكو المزارعين من غياب دور المنظمات المهتمة بالمجال الزراعي، حيث أنها لم تقوم بأي زيارة لمزارعهم أو تقديم أي دعم سواء مادي أو معنوي كالاستشارات الزراعية والنصائح وغيرها.

ويريد المزارعون الجهات الرسمية دعم القطاع الزراعي وتفعيل دور الرقابة وفحص جودة البذور المستوردة بما يتناسب مع مقاييس ومعايير الجودة المعمول بها، ويطالبون المنظمات بالقيام بواجبها تجاه مزارعي المحافظة أسوة بمزارعي بقية المحافظات.

عملية تسويق غير مخططة

ويعاني المزارعين أيضاً من مشكلة تسويق المحاصيل الزراعية خاصة الطماطم والبطاطس والبرتقال، لعدم توفر أسواق خارجية لتسويقها، وانكفائها على الاسواق المحلية التي شهدت انحسار وتراجع كبير.

ولا يوجد أي تسويق منظم، بحيث يقوم بدراسة الأسواق واحتياجات المواطنين، لتقديم ارشادات للمزارعين للاستفادة منها، في إنتاج وزراعة المحاصيل المختلفة، بالإضافة إلى أن استيراد منتجات خارجية بنفس الاصناف التي ينتجها المزارع اليمني، انعكست ذلك سلبا على المزارع، وكبدته خسائر.

وأدى انخفاض الدعم الحكومي وغياب الخدمة الإرشادية الزراعية الحكومية، إلى كثرة العرض وقلة الطلب خاصة محاصيل الطماطم التي ارتفع أسعارها خلال أشهر من العام 2020 بشكل جنوني.

حيث بلغ سعر الكيلو جرام 2,500ريال يمني، فشكل هذا الارتفاع إقبال المزارعين لزراعته، ليتفاجؤوا بكثرة العرض وقلة الطلب عليه خلال الأشهر الماضية، حيث يباع الكيلو الجرام الواحد في مدينة مأرب بـ 100ريال يمني، وهو ما كبد المزارعين خسارات هي الأسوأ.

ولا توجد أي مؤسسات رسمية أو خاصة تقوم بحفظ المحاصيل لأوقات أخرى في السنة، حيث تعمل على موازنة البيع في السوق المحلية، بحيث يستفيد المواطن من شراء المحاصيل بأسعار مناسبة خلال السنة، وأيضا لا يتعرض المزارعين لخسارات.

تعز.. طُرق الحرب الطويلة والوعرة تقتل مرضى الريف

0
تعز.. طُرق الحرب الطويلة والوعرة تقتل مرضى الريف

“نورة محمد”، في الثلاثينيات من عمرها، تنتظر بفارغ الصبر أسبوعياً، حتى تتمكن من علاج ابنتها التي تعاني من التهابات حادة، حيث يعتبر الخميس موعد أسبوعي لوصول طبيب القرية لمعالجة المرضى.

وتعاني عزلة القحاف، في مديرية جبل حبشي، (غرب مدينة تعز)، من عدم توفر أي مستشفيات أو مراكز صحية، فضلا عن معاناة سكانها في التنقل للوصول إلى مركز المدينة بسبب الطرق الوعرة التي فرضتها خطوط الاشتباك والحرب.

وخلال الأسابيع الماضية بدأت موجة كورونا الثانية، بالتفشي في معظم مناطق المحافظة، في ظل تحذيرات من كارثة صحية تنتظر السكان، في الوقت الذي تعجز السلطات المحلية عن القيام بواجبها، إزاء تدهور القطاع الصحي جراء الحرب.

مسافة ساعة ونصف، قطعناها من مركز مدينة تعز الواقعة (جنوب غرب اليمن) حتى الوصول إلى القرية، حيث عليك الاستعداد جيدا، وتوفير سيارة ذات دفع رباعي، للوصول إلى تلك المنطقة، وأمامك طرق جبيلة وعرة وشاهقة، ومن أجل تسهيل التنقل يعمل المواطنون لإصلاح الطرق بمبادرات مجتمعية وجهود ذاتية.

مأساة “نورة” قصة مصغرة تعيشها غالبية الحالات المرضية، في المنطقة التي تتوزع على ثلاث عزل، ويصل سكنها قرابة 25 ألف نسمة، ورغم كثافة سكانها، وبعدهم عن مركز المدينة، إلا أن ذلك لم يشفع لهم بإنشاء مركز صحي يقدم خدماته الطبية.

وضع صحي مأساوي

وتعيش المنطقة وضع صحي مأساوي مستمر منذ سنوات، فاقمه انتشار أمراضا وأوبئة جديدة، أبرزها الكوليرا، وكورونا (كوفيد19)، والحمة الفيروسية، وحُمى الضنك، في ظل وضع اقتصادي صعب، واستمرار الحرب التي تدخل عامها السابع على التوالي.

يقول السكان، إن الخميس ليس موعدا مؤكدا لجميع المرضى المنتظرين، فقد تنتظر ولا تتمكن من الدخول، ومن يحالفه الحظ يتمكن من الوصول إلى غرفة الطبيب، بسبب الازدحام الكبير، حيث يضطر أحيانا إلى معالجة الحالات الأشد ضررا ويعتذر من الأخرين.

تقول “نورة “وهي تصف حجم معاناة السكان “نحن هنا لا نمتلك مستشفيات ولا مراكز تقدم الخدمات الصحية للسكان، ومن أجل إنقاذ الحالات المرضية نضطر إلى قطع مسافة تتجاوز 20 كيلو، تمر عبر طرق جبلية وعرة، حتى نصل إلى المستشفيات في مركز المدينة”.

ليست المعاناة الصحية وحدها التي ترهق المواطنين في الريف اليمني، بل إن غالبية السكان في هذه المناطق، يعانون من حالة اقتصادية صعبة ضاعفها الحرب بشكل كبير، حيث يعتمد معظم السكان على عائدات الزراعة الموسمية وجزء منهم يعتمدون على الرعي وتربية الحيوان، وأغلب الأسر فيها تعيش تحت خط الفقر، كحال ملايين اليمنيين.

وبحسب دراسة سابقة صادرة عن الأمم المتحدة، فإنه في حال استمر القتال حتى عام 2022، فإن اليمن ستُصنف كأفقر بلد في العالم، حيث يعيش 79 في المائة من السكان تحت خط الفقر ويُصنف 65 في المائة منهم على أنهم فقراء جداً.

“عبد العليم سعيد” (37عام) – مواطن من نفس المنطقة – يقول “حدث أن توفى مرضى كبار في السن، ونساء أثناء الولادة، قبل الوصول إلى المستشفيات، جراء تأخر نقلهم لتلقي العلاج في الوقت المناسب، بسبب الطرق الوعرة، والمسافة الكبيرة التي فرضتها الحرب عن مستشفيات المدينة”.

“أحيانا يموت المريض داخل منزله لأن أسرته لا تملك نفقات السيارة التي ستنقله إلى المدينة، والتي تصل إلى 40 ألف، (الدولار 870 ريال)، فضلا عن تكاليف فاتورة العلاج الباهظة، في ظل ظروف اقتصادية قاهرة”، وفق حديث عبد العليم.

وقال “إن انعدام المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها ضاعف المعاناة بشكل كبير، وأصبح الذهاب للمستشفيات مقتصرا على الحالات الحرجة فقط”.

وتابع “إذا اردت إسعاف المريض فأنت تحتاج إلى سيارة خاصة، حيث لا يوجد مواصلات متوفرة بشكل دائم، ومما يجعل الفقراء بلا حلية أمام مرضاهم فيتركوهم يصارعون المرض دون علاج وبعضهم يتوفى بسبب عدم إسعافه”.

تعز.. طُرق الحرب الطويلة والوعرة تقتل مرضى الريف
معاناة المرضى في ريف تعز (منصة ريف اليمن)

لا إمكانيات حكومية

مكتب الصحة في مديرية “جبل حبشي”، قال إن سكان هذه العزلة، والمناطق المجاورة لها، يفتقرون إلى أبسط الخدمات الصحية، جراء غياب المراكز، والوحدات الصحية، مؤكداً “هنا في الريف المعاناة مضاعفة”.

وقال أحمد سعيد، مدير مكتب الصحة “إن وجدت المراكز الصحية في بقية المناطق المديرية، فهي مجرد أسماء لا أكثر، حيث تفتقر للمعدات الطبية والعلاجات، وللكوادر، حتى سيارة إسعاف واحدة لا تتوفر فيها”.

وذكر “أن المديرية تحتاج 4 سيارات إسعاف على الأقل، حتى نتمكن من نقل المرضى إلى مستشفيات المدينة، لكن يبدو ذلك بعيد المنال، بسبب انعدام الإمكانيات لدينا، وما تقدمه السلطات المحلية دعم معنوي لا أكثر”.

وبحسب سعيد تسبب وباء الكوليرا خلال انتشاره في المديرية بوفاة 70 مواطنا، وإصابة 3 آلاف آخرين، منهم 1500 إصابة مؤكدة، كما تسبب وباء كورونا بوفاة 8 مواطنين، وإصابة 12 آخرين.

وقال: إن مكتبه عمل على إنشاء وحدة طوارئ توليدية، وتدريب قابلات، لمساعدة النساء، لكن الحالات الحرجة لا تستطيع هذه الوحدة التعامل معها، ولإنقاذها يجب نقلها إلى مركز المدينة.

وعن الاستعدادات لمواجهة الموجة الثانية من كورونا، قال مدير مكتب الصحة “لا يوجد لدينا أي استعدادات، نحن نحتاج مراكز عزل، وأكسجين، وعلاجات، كل هذا لا يوجد، نعمل على توفير علاجات مجانية لكن ذلك شحيحا للغاية، بسبب انعدام الدعم، حالنا كحال المحافظة التي تعاني أزمات وحرب وحصار”.

وبلغ عدد سكان المديرية 14570.4 نسمة في إحصاء 2004، ويتواجد فيها 13 عزلة، والعزلة هي وحدة إدارية ضمن المديرية، تتكون من مجموعة من القرى والمحلات التابعة للقرى، وقد تضم العزلة مدينة متوسطة الحجم، ورغم كثافة سكان المديرية، إلا أنه يتواجد فيها 19 مركزا صحيا فقط، أغلبهم غير مجهزين بشكل كامل وبعض العزل محرمة بشكل كامل.

تعز.. طُرق الحرب الطويلة والوعرة تقتل مرضى الريف
قطع الطرق في تعز تتسبب بعدم قدرة السكان الحصول على الخدمات الصحية (هلال المرقب/ منصة ريف اليمن)

انتشار الأوبئة

نبيل قاسم 36 عاما، (أحد أعيان المنطقة)، قال إن انتشار وباء الكوليرا خلال العام الماضي، أدخل قرى المنطقة في حالة طوارئ مفتوحة، وتسبب بمفاقمة المعاناة بشكل غير مسبوق، خاصة مع عدم تواجد أي وحدة صحية بالتزامن مع ازدياد أعداد المرضى والمصابين.

وقال: إن المواطنين افترشوا الأرض، وتحول ظلال الأشجار بمثابة غرف للرقود”، وأشار ” كنا نضع المغذية على غصن الأشجار حتى نستطيع تركيبها للمريض، حيث لا توجد لدينا أسرة، ولا مقاعد جلوس، أضطر الناس إلى اللجوء إلى ظلال الأشجار، نحن هنا نعاني بشكل يفوق الخيال”.

وتابع: “بعد انتهاء الكوليرا، توقعنا أن يتم إنشاء مركز، لكن ذلك لم يتم، المعاناة ما تزال مستمرة، لدينا تخوف وصول موجة جديدة لفيروس كورونا، لا ندري كيف سنتصرف حينها، الناس هنا جميعا متخوفون، خاصة مع الأنباء التي تتحدث ان الوباء بدأ يعود بشكل تصاعدي في مختلف المحافظات”.

إزاء هذا الوضع الذي يواجه أبناء المنطقة، قرر السكان بمختلف القرى والعزل وضع حد لهذه المعاناة، خاصة مع غياب الدور الرسمي، وبدأوا فكرة إنشاء مركز صحي يقدم الخدمات، وينقذ حياة المرضى، بتكاليف أقل، وجهد أيسر.

ولقت الفكرة قبولا كبيرا لدى أبناء المنطقة، وتم تشكيل مجلس إشرافي لجمع التبرعات، والتي شارك فيها الجميع بلا استثناء، وتم إنشاء مركز صحي بمساحة 400 متر مربع.

لم تكتمل فرحة أبناء المنطقة بعد، ووقف الوضع المادي الصعب للسكان، عائقا أمام استكمال المركز وإدخاله للخدمة، حيث كلف إنشاءه حتى مرحلة ما قبل التشطيب النهائي، قرابة الـ70 ألف دولار، كلها جمعها أبناء المنطقة بمبادرة ذاتية، وحتى يصبح المركز جاهزا للعمل فإنه يحتاج من يقف مع أبناء هذه المنطقة لاستكماله وتجهيزه إنقاذا لحياة المواطنين، ورفع المعاناة المستمرة التي أثقلت كاهلهم.

الزراعة في تهامة.. سلة اليمن الغذائية لا تُشبع أبنائها من جوع

0
الزراعة في اليمن

ما إن ينبثق ضوء الصباح حتى تبدأ “أم احمد” بحزم امتعتها متجهة للعمل في احدى مزارع البن والتي تبعد ما يقارب إثنين كيلوا متر عن منزلها الريفي في مديرية “بُرع” بمحافظة الحديدة (غرب اليمن).

وتعد زراعة البن اليمني أولى الاهتمامات اليومية لـ”أم أحمد” التي تعيش في منتصف الاربعينات من عُمرها، فحصولها على كميات أكثر في الموسم الحالي في ظل استقرار سعر البن يسعدها كثيرا ويجعلها تؤمن مال يمنحها جزء من الأمان المعيشي بشكل نسبي لمدة قصيرة.

وللحصول على أفضل محصول للبن من حيث الكم والجودة يتطلب جهد عدد من افراد الأسرة لمدة تزيد عن ستة أشهر كما تقول “ام احمد”، لكنها في ذات الوقت تشكو من سلسلة من المشاكل تواجهها منذ بدء الحرب في البلاد قبل ست سنوات.

محمية “بُرع”

لا يعرف كثير من اليمنيين عن الزراعة في “محمية بُرع” حيث ظلت بمثابة غابة كبيرة تملؤها الأشجار، وتسكنها الحيوانات الأليفة والمفترسة، حتى جرى الإعلان عنها رسمياً كمحمية برية طبيعية في يناير 2006، وتقع في السفوح الغربية التهامية، شمال شرق محافظة الحديدة المطلة على ساحل البحر الأحمر، على بعد حوالي 50 كيلومتر، وترتفع محمية برع حوالي 300 – 800 متر عن مستوى سطح البحر.

يصل عدد الأنواع النباتية التي تنمو في أراضي محمية بُرع حوالي 315 نوعاً تتبع 83 فصيلة و209 أجناس، منها 8 أنواع متوطنة بالمحمية، ولا توجد في أي مكان آخر وتمثل 10% من النباتات في اليمن، وتبلغ مساحة محمية غابة بُرع حوالي 4,287 ألاف هكتار.

ومحافظة الحديدة أو ما يُعرف بـ “وادي تهامة” تعتبر “سلة غذاء اليمن” حيث تنتج غالبية المحاصيل من الخضار والفواكه والحبوب والبقوليات، لكنها تعيش وضع إنساني سيئ جراء الحرب، وتتوسع فيها المجاعة والفقر، رغم الجُهد الكبير الذي يبذله المواطنون في الزراعة.

قالت أم أحمد “ترتفع أسعار المواد الغذائية والاسمدة وغيرها من حاجاتنا الأساسية وعائدات حصادنا من البن لا توفر لنا كل هذا، حيث مازال السعر الذي نبيع به مستقر وينخفض في كثير من الأحيان سعر البن رغم جودته والطلب عليه عالمياً”.

ويواصل البن هبوطه المعتاد ليصل سعر ك/جم من 3000 الى 2100 ريال يمني (ما يعادل اقل من 5 دولار أمريكي)، ما يجعل من اقتلاع شجرة البن امر وارد في بعض المناطق بسبب عدم مقدرتهم على تحمل تكاليف الزراعة والعائد المادي المتراجع، وخاصة خلال السنوات الماضية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، تقلصت مساحة زراعة البن اليمني من 33,959 ألف هكتار الى 33,544 ألف هكتار خلال عامين بفارق مقداره 415 هكتار من الأراضي الزراعية.

وسبق أن أعلنت وزارة الزراعة استراتيجية تتضمن رفع إنتاجية وتحسين جودة البن وصولا بصادراته الى 50 ألف طن بحلول 2025، وتبنت انتاج مليون شتلة بن خلال الموسم الزراعي 2019- 2020م، كما أصدرت قرار بمنع استيراد البن لتشجيع مزارعيه وزيادة انتاجه وبما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني.

ويعتمد غالبية مزارعي البن اليمني على الامطار الموسمية الامر الذي يقلل من انتاج وجودة البن إضافة الى عدم قدرة المزارع على توفير الآلات الحديثة التي تساعد على انتاجه بما يتناسب مع متطلبات الأسواق العالمية، بالإضافة إلى أن الحرب التي تعيشها البلاد ضاعفت معاناتهم.

أوبئة وآفات بلا مكافحة

وهناك تحديات عديدة تواجه المزارع اليمني منها طبيعية كحشرات “المّن” و”حفار اغصان الأشجار” (حشرات تأكل المحصول) وغيرها من الآفات الا ان اكثرها خطورة “المن الأسود” والذي تتجمع بكميات كبيرة على أوراق وثمار وسيقان النبات، بالإضافة إلى مشاكل أخرى تواجه المزارعين.

وقال مصدر في وزارة الزراعة – طلب عدم الكشف عن اسمه – “إن البن اليمني يمر بأسوأ مرحلة منذ اكتشافه في عملية غش تتم عن طريق خلطه مع بن مستورد اقل جوده مما يؤثر على سمعة وسعر البن اليمني، إضافة الى تهريب بذوره الاصلية لبلدان أخرى وسيطرة نافذين على سعره محليا رغم أسعاره الباهظة عالميا”.

وأضاف المصدر “ثمة تحديات كثيرة تواجه القطاع الزراعي في اليمن بشكل عام والحديدة بشكل خاص ومن أهمها غياب الجانب الحكومي بشقيه والمتمثل بتقديم الدعم اللازم للمزارعين من حيث المعدات وأدوات الري الحديثة للوصول الى اعلى مستوى في الإنتاج ومكافحة استيراد المبيدات الغير قانونية والتي تتسبب بكوارث بيئية وإنسانية من جهة اخري”.

وأنعشت سنوات الحرب التهريب بشكل عام، وفي مجال الزراعة يمتلئ السوق بكثير من الأسمدة والمبيدات الضارة، والتي يستخدمها المزارعون وتعمل على اتلاف محاصيلهم أو تقليل جودتها وإصابة الأشجار بأمراض عضوية، ويتكبدون خسائر بشرائها وإتلاف محصولهم.

ووفقا لإحصائيات رسمية تم استيراد ما يزيد عن 4.036.011 طن سماد صلب، فيما بلغ كمية السماد السائل 147,332 لتر خلال شهر ديسمبر من العام المنصرم 2020، بخلاف الأطنان الأخرى التي تدخل عن طريق التهريب.

الزراعة في تهامة
زراعة البن في برع (منصة ريف اليمن)

أزمات الزراعة في تهامة

يعاني المزارع اليمني من مصاعب وتحديات كثيرة تثقل كاهله بشكل مستمر في ظل أزمات متتالية وكوارث طبيعية وأوضاع اقتصادية صعبة تعيشها البلاد منذ بداية الحرب في العام 2015، وتتركز الازمات المتتالية في قطاع الزراعة بسهل تهامة في ارتفاع أسعار المشتقات النفطية والبذور والاسمدة وقلة الامطار في مواسم الزراعة، واسراب الجراد.

ويقول “مصلح ثابت” (55 عام) – مزارع بمديرية بُرع – “أحيانا تتلف المحاصيل علينا بسبب عدم توفر الديزل، حيث يصعب على المزارع شراءه من السوق بسبب أسعاره الباهظة وأحيانا يكون غير متوفر بأي سعر، وهذا ما يجعل المزارع يعيش مغامرة سنوية لا يعرف نتائجها”.

ووفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، يستورد اليمن أكثر من 90 بالمائة من الحاجات الأساسية للإنتاج، ويعاني أكثر من 17 مليون يمني يمثلون ما يقرب من ثلثي السكان، انعداماً حاداً للأمن الغذائي، مع تجريف الحرب لسبل العيش والتغذية.

ويقدر انتاج محافظة الحديدة 40% من احتياجات اليمن في مختلف المحاصيل الزراعية والحيوانية، ويبلغ اجمالي المساحة المزروعة بالمحافظة 251.098 هكتار تتوزع في زراعة الحبوب والخضروات والفواكه والبقوليات والاعلاف، وفق تقارير رسمية.

وخسرت الزراعة في محافظة الحديدة خلال السنوات الماضية، ما يزيد عن مليون نخلة من اجمالي 2 مليون و200 ألف نخلة في حين يبلغ عدد أشجار النخيل في اليمن حوالي 4.680 مليون نخلة منها 67% أشجار مثمرة، بحسب احصائيات صادرة عن وزارة الزراعة.

وتنشط الأسواق السوداء منذ اندلاع الحرب عام 2015، فيما تواصل أسعار المشتقات النفطية بالصعود لأعلى مستوى ليصل سعر 20 لتر من الديزل 12000 ألف ريال يمني فيما سعر الكمية نفسها من البترول 18 ألف ريال يمني (الدولار 602) ما يجعل من خسارة الأراضي الزراعية امر محتوم.

وتكبد المزارع التهامي خسائر فادحة إثر اسراب الجراد الموسمية والتي ساعد المناخ على زيادة اعدادها، ويصل عدد اسراب الجراد في كيلو متر مربع ما بين 40- 80 مليون جرادة ماي جعل من سرب صغير كهذا التهام خلال يوم واحد ما يكفي لإطعام 35 ألف شخص.

الزراعة في تهامة
الزراعة في تهامة غربي اليمن (هلال المرقب/ منصة ريف اليمن)

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين

0
الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
مواطنون في ريف إب ينقلون الماء على الحمير مسافات طويلة (منصة ريف اليمن)

على بعد مسافات طويلة من قرية (سَنب) الواقعة في مديرية السياني بمحافظة إب (وسط اليمن) يتجمع العشرات من المواطنين بينهم أطفال ونساء أمام منبع للمياه (عين طبيعية) أملا في الحصول على الماء في مشهد يومي يعكس حجم الكارثة التي يعاني منها المواطنين نتيجة انقطاع مشروع المياه الحكومي.

“أحمد ناجي” -وهو أحد سكان القرية- يقول “للحصول على مياه صالحة للشرب علينا أن نسابق شروق الشمس، وأن نقطع مسافات طويلة للوصول إلى ذلك المكان الذي يبعد مسافات طويلة عن قريتنا للحصول على المياه، قبل انقضاء الفترة المحددة التي يتوفر فيها الماء في المنبع”.

وأضاف لـ“ريف اليمن”، “بأن فترة خروج الماء من المنبع لا تتجاوز أكثر من ساعة واحدة في اليوم ومن ثم يعود إلى الانقطاع إلى يوم آخر فيحرم غالبية المواطنين من الحصول على مياه صالحة للشرب”.

وإلى جانب صعوبة تأمين متطلبات الحياة اليومية يعاني المواطنون في ريف محافظة إب، من صعوبة الحصول على المياه بشكل عام والمياه الصالحة للشرب على وجه الخصوص، بالإضافة إلى توقف مشروع المياه الحكومي عن غالبية المناطق الريفية منذ اندلاع الحرب في اليمن.

 المياه وأزمة الوقود

وتعاني كثير من المحافظات من أزمة وقود خانقة، وخلال الفترة الماضية تضاعفت الأزمة بشكل غير مسبوق في محافظة إب، وكانت لها انعكاسات سلبية على مختلف مجالات الحياة، وتضاعفت أسعار صهاريج المياه إلى أضعاف ما كانت عليه سابقا.

ومع استمرار أزمة الوقود فإن شريحة كبيرة من سكان المناطق الريفية غير قادرون على شراء المياه نظرا لارتفاع أسعارها مقارنة بدخل المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر خصوصا في ظل انعدام فرص العمل، وانقطاع الرواتب الحكومية منذ نحو أكثر من أربع سنوات.

يقول سكان بريف إب بأن تكلفة صهاريج المياه وصل ببعض المناطق الريفية التي تبعد مسافات قصيرة عن المدنية إلى نحو30 ألف ريال يمني (أي ما يعادل نحو 50 دولار أمريكي بسعر صنعاء) بينما وصلت ببعض المناطق البعيدة إلى الضعف، في ظل عدم مقدرة غالبية السكان على تحمل هذه التكلفة.

وبالنسبة لهذه الأسعار فهي للمياه العادية التي تستخدم للغسيل والاغراض الأخرى اليومية للسكان، فيما يختلف الوضع فيما يخص المياه الصالحة للشرب، فهي معاناة أخرى حيث يعتمد السكان في الريف عن العيون الطبيعة النقية، لكنها ليست متوفرة في غالبية المناطق والتجمعات السكنية.

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
الحصول على المياه مهمة شاقة في الريف (هلال المرقب/ ريف اليمن)

انقطاع شبكة المياه الحكومية

وتسببت الحرب بانقطاع شبكات المياه الحكومية، في العديد من المحافظات والمدن وعلى وجه الخصوص في المناطق الريفية، حيث أدى الإهمال وارتفاع أسعار مادة الديزل إلى انقطاع شبكات المياه المتواجدة في غالبية المديريات بريف إب خلال السنوات الماضية، ومازالت مستمرة حيث عادت بشكل جزئي في المدن الرئيسية.

لا تكترث السلطات في محافظة إب لصيانة شبكة المياه وإعادة تشغليها، في الوقت التي تبرز عوائق أمامها أيضا، وأرجع مسؤول حكومي سابق في مؤسسة المياه في المحافظة السبب في توقف شبكات المياه عن معظم المديريات والمناطق الريفية إلى “الإهمال المتعاقب من قبل الجهات الحكومية بالإضافة إلى المشاكل الإدارية في إدارة المشاريع، والفساد المالي”.

وأضاف المسؤول – الذي طلب عدم الكشف عن هويته – “بأن غالبية المسؤولين في مشاريع المياه بالمحافظة يحاولون الثراء على حساب المواطنين في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الريفي أوضاع إنسانية قاسية بفعل الحرب المدمرة”.

وفيما يتعلق بمشاريع المياه التابعة لمستثمرين في المحافظة توقفت بعضها نتيجة لتراكم الديون لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن سداد فاتورة المياه بعد أن أثقلت كاهلهم تبعات الحرب وأصبحوا غير قادرين على توفير لقمة العيش لأفراد أسرهم في بلد تعصف به الحرب منذ سنوات.

ويعتمد غالبية سكان المناطق الريفية على مياه الأمطار الموسمية ومع تراجع كمية هطول الأمطار خلال السنوات الماضية تضاعفت معاناة المواطنين خصوصا في المناطق الجبلية التي تبعد مسافات طويلة عن آبار المياه.

وبصرف النظر عن نسبة الاعتماد على مياه الأمطار فإن المخاوف ماتزال حاضرة بين أوساط المواطنين من انتشار بعض الأمراض مثل “البلهارسيا” وحمى الضنك، والكوليرا وغيرها من الأمراض الناجمة عن تلوث المياه خصوصا وأن غالبية سكان المناطق الريفية يفتقرون إلى أبسط الأشياء التي من شأنها تعقيم وحفظ المياه من التلوث.

في العام 2019 كانت المناطق الريفية بمحافظة إب من أكثر الأماكن تضررا من تفشي وباء الكوليرا التي حصدت أرواح العشرات من المواطنين في مديريات مختلفة من ريف المدنية كان من أبرزها العدين، والسبرة، والسياني، في ظل تردى الأوضاع الصحية في المستشفيات والمراكز الصحية في المحافظة.

الحصول على المياه.. مهمة يومية شاقة للمواطنين
المياه بريف إب

صعوبة الوقاية من الأوبئة

منذ بدء تفشي فيروس كورونا منتصف العام الماضي يخشى المواطنون في ريف إب من انتشار فيروس كورونا في ظل بيئة صحية تفتقر إلى أبسط المقومات للحياة ومن ضمنها “الماء”، ناهيك عن توفر المراكز صحية.

وفي ظل أزمة المياه يتساءل المواطنون في ريف إب عن الطريقة التي يستطيعون من خلالها حماية أنفسهم من الإصابة بالفيروس في ظل شح المياه التي لا تكاد تكفي لغسل الأيدي وللقيام بأبسط أساسيات النظافة.

ومع استمرار إعلان السلطات الصحية في الحكومة المتعرف بها دوليا عن تسجيل إصابات جديدة بفيروس كورونا في المحافظات الواقعة تحت سيطرتها، فإن المخاوف لدى سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تتضاعف خصوصا في المناطق الريفية التي تعاني من شح المياه وصعوبة الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي منذ سنوات.

ولعل أساس المشكلة التي فاقت معاناة المواطنين وتسببت بحرمان مئات المواطنين من الحصول على المياه الصالحة للشرب هو استمرار الحرب في اليمن التي كانت لها انعكاسات سلبية على مختلف جوانب حياة المواطنين.

وفقاً لتقدير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) فإن نحو 16 مليون يمني، لا يحصلون على المياه النظيفة، وتعاني البلاد من محدودية الوصول إلى المياه حتى قبل الأزمة التي تعيشها البلاد، إذ أن وصول السكان إلى المياه النظيفة بلغ 51 بالمائة، وهي النسبة التي انخفضت في ظل الحرب.