تواجه الطالبة شيماء نصر (18 عاما) أحد طلاب أرياف محافظة إب، صعوبة كبيرة في مذاكرة دروسها اليومية، وذلك بسبب غياب المناهج الدراسية، وعدم قدرتها على شراء هاتف محمول من أجل متابعة المنهج عبر الإنترنت، والأمر يعود إلى تدهور وضعها المادي، فتضطر إلى الذهاب إلى منزل زميلتها الذي يبعد مسافات للحصول على الكتاب.
تشكو شيماء التي تنحدر من قرية محطب، وتدرس في الصف الثالث الثانوي بمدرسة قريتها الواقعة بريف السياني، من انعدام الكتب وعدم توفرها في المدرسة الحكومية التي تدرس فيها، وعجز والدها عن شراء المنهج، كغيره من الآباء العاجزين عن توفير المناهج الدراسية لأبنائهم.
منذ بداية العام الدراسي، يشكو الطلاب والطالبات في المدارس الحكومية في المناطق الريفية بمحافظة إب من انعدام المناهج الدراسية وعدم توفرها، خصوصا المواد العلمية، الأمر الذي انعكس سلبا على تحقيق الاستفادة في الفصول الدراسية ومذاكرة الدروس في المنازل.
يواصل المئات من طلاب وطالبات المدارس الحكومية، في المناطق الريفية بمحافظة إب، تعليمهم الدراسي رغم الظروف القاسية؛ إذ عادوا إلى مدارسهم في بداية السنة الدراسية، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على جميع الكتب حتى اللحظة.
تقول شيماء لمنصة ريف اليمن: “أضطر إلى المذاكرة من الدفاتر عن طريق الكتابة في الفصل، وغالبا أضطر إلى الذهاب للمذاكرة بمنزل زميلتي. منذ بداية العام الدراسي، لم نحصل على كتب مادة اللغة الإنجليزية، أكثر كتب المواد ممزقة وغير صالحة للتعليم”.
يبلغ سعر الكتاب المدرسي الواحد 500 ريال لدى الباعة الذين يفترشون الأرصفة في الأسواق المحلية
وتضيف: “تعيش أسرتي أوضاعا معيشية صعبة، فهي تكاد لا تتمكن من توفير الرسوم الدراسية الشهرية؛ إذ ندفع لإدارة المدرسة نحو ألفين ريال شهريا رسوما مجتمعية، بالإضافة إلى تكاليف توفير المستلزمات الدراسية”.
شهاب رضوان (17عاماً) يشكو أيضا من انعدام المناهج الدراسية وعدم توفرها في مدرسته الحكومية بمنطقة السبرة شرقي محافظة إب.
ويقول شهاب لمنصة ريف اليمن: “انتظرت وزملائي فترة طويلة ونحن يحدونا الأمل للحصول على المناهج المتأخرة، وخاصة الكتب العلمية الفيزياء والكيمياء، ولكن لا جدوى. يمتلك بعض الطلاب كتبا ممزقة حصلوا عليها من طلاب العام الماضي. أما أنا فقد اشتريتها من السوق”.
سوق سوداء للكتب المدرسية
يبلغ سعر الكتاب المدرسي الواحد 500 ريال لدى الباعة الذين يفترشون الأرصفة في الأسواق المحلية، ويحصل ذلك من دون أي اعتراض من قبل السلطات، في حين قال طلاب إن جهات رسمية تزود أولئك الباعة بالكتب وتتقاسم معهم الأرباح.
بالإضافة إلى تكاليف الشراء، هناك أيضا تكاليف أخرى تتمثل في تنقل طلاب الريف إلى المدينة، خاصةً سكان القرى الريفية البعيدة. يقول شهاب: “اشتريت كتابين بـألف ريال، بينما دفعت 3 آلاف تكاليف التنقل إلى المدينة، على متن الدراجة النارية”، ويشير إلى أن ذلك يمثل عبئا كبيراً على والده الذي يعمل بالأجر اليومي.
ونظرا لذلك، لجأ الطلاب والطالبات في المناطق الريفية إلى استخدام بدائل للتعويض عن نقص الكتب، منها الاستعاضة بالإنترنت، لكنها، حسبما أكد شهاب، غير مجدية ولا تفي بالغرض، بالإضافة إلى أن معظم الطلاب غير قادرين على استخدامها، في حين يلجأ بعض الطلبة إلى طباعة المنهج، لكن تلك الطريق يراها كثير من الطلاب مكلفة بسبب الأوضاع المعيشية.
بلال خالد أحد الطلبة الذين يستخدمون هذه الطريقة، قال إنه اضطر إلى طباعة بعض الكتب بغير ألوان؛ لأن عملية الطباعة الملونة مكلفة، وظروفه المادية لا تسمح له بذلك.
يدرس خالد في مدرسة زيد الموشكي بقرية العدراي، وينحدر من القرية نفسها، ويقول لمنصة ريف اليمن: “أنا وغيري من الطلاب نضطر إلى طباعة الكتب حتى نتمكن من مذاكرة الدروس بشكل جيد؛ لأن القراءة من شاشة الهاتف مرهقة لنا، بالإضافة إلى ضعف شبكة الإنترنت”.
“كثير من زملائي يستخدمون الهاتف المحمول من أجل مذاكرة الدروس اليومية، لكنهم يواجهون صعوبة في ضعف خدمات الإنترنت، فضلا عن المشاكل البصرية التي قد تسببها القراءة من شاشة الهاتف”، يضيف خالد.
ويرى التربوي بمكتب التربية بمحافظة إب، عبد الجبار عثمان، أن تأثير غياب المناهج الدراسية في المدارس الحكومية يختلف بحسب الكتاب وأهميته.
ويؤكد أن انعدام الكتاب الدراسي ينعكس سلباً على التحصيل العلمي للطلاب والطالبات في المراحل التعليمية الأساسية أكثر من الثانوية. ويضيف عثمان لمنصة ريف اليمن: “مشكلة عدم توفر بعض المقررات الدراسية مشكلة سنوية ناتجة عن تأثيرات الحرب بالدرجة الأساسية، وتبذل الجهات المعنية جهوداً كبيرةً من أجل توفيرها رغم شح الورق والحبر”.
وخلال السنوات الماضية تراجعت العملية التعليمية، ووصلت إلى أدنى مستوى لها. ووفقاً لمؤشر دافوس الخاص بترتيب الدول العربية في جودة التعليم، كانت اليمن خارج التصنيف نتيجة تدهور التعليم.
وتشير تقارير الصليب الأحمر إلى أن نحو 3 ملايين طفل غير قادرين على الذهاب إلى المدرسة، بينهم 1.8 مليون بحاجة إلى مساعدة تعليمية عاجلة، في حين تقول الأمم المتحدة إن نحو 8.1 مليون شاب وشابة في سن الدراسة يحتاجون إلى الدعم العاجل لمواصلة تعليمهم في اليمن.
تُعد اليمن سلة غذاء متنوعة، وذلك أنها تحتضن أصنافا متعددة من الفواكه والثمار الفريدة ذات المذاق المميز والقيمة الغذائية الكبيرة، نظرا لتفاوت الخصائص المناخية، واختلاف الظروف الطبوغرافية، مما أدى إلى اختلاف الأقاليم النباتية، وساعد على تنوع الإنتاج، بحسب المركز الوطني للمعلومات.
خيرات اليمن
واختُتم في الـ29 من أغسطس الماضي مهرجان خيرات اليمن الأول للرمان والتفاح والعنب والتمور، الذي أٌقيم في صنعاء لمدة 6 أيام، بمشاركة أكثر من 180 من المزارعين وكبار المنتجين للفواكه والمسوقين والمصدرين والجمعيات والمؤسسات التعاونية الزراعية.
واستهدف المهرجان، بحسب المنظمين، تعزيز مكانة وجودة وقيمة المنتجات الزراعية من الرمان والتفاح والعنب والتمور محليا وعالميا، والإسهام في تسويقها ودعم وتشجيع المزارعين والباعة والمسوقين.
وتُنتج اليمن أكثر من 145 ألف طن من العنب سنويا، ونحو 50 ألف طن من الرمان، كما تنتج أكثر من 32 ألف طن من التفاح، وأكثر من 66 ألف طن من التمور، وذلك وفق كتاب الإحصاء الصادر عن وزارة الزراعة والري 2021م.
أصناف من العنب اليمني معروضة للبيع في مهرجان خيرات اليمن بالعاصمة صنعاء أغسطس 2024(ريف اليمن/عبدالرحمن المحجري)
يقول المزارع علي السماعي (29 عاماً) وهو أحد المشاركين في المهرجان: “إن إنتاج العنب هذا الموسم كان وفيرا، على الرغم من غزارة الأمطار التي شهدتها البلاد”، وأضاف السماعي لمنصة ريف اليمن أن العنب يُسقى على ثلاث مراحل طوال موسمه، لافتا إلى أن كثرة المياه لها تأثير سلبي على المحصول، ويؤدي إلى تشققه، ورغم كثرة الأمطار هذا الموسم، كان الإنتاج أعلى من الموسم السابق.
تحتل زراعة العنب المركز الأول بين مختلف أصناف الفواكه اليمنية، ويبلغ المتوسط الإجمالي للمساحة المزروعة ما يوازي 35% من إجمالي المساحة المزروعة للفاكهة، وتنتج ما يزيد عن 163 ألف طن سنويا، وفق تقارير صادرة عن وزارة الزراعة.
وتتركز زراعة العنب في المناطق المحيطة بصنعاء، أشهرها بني حشيش التي تُعد من أخصب المناطق، وبني الحارث، ووادي ظهر شمال صنعاء، ومحافظة صعدة شمال البلاد، بالإضافة إلى بعض مناطق محافظات عمران والجوف والبيضاء والضالع.
جانب من الزوار في مهرجان خيرات اليمن الذي أٌقيم في العاصمة صنعاء، اغسطس 2024 (ريف اليمن/عبدالرحمن المحجري)
وتتميز اليمن بإنتاج نحو 60 صنفا من العنب، وأشهرها: الرازقي، العاصمي، الأسود العادي، الحاتمي، الزيتوني، الجبري، ويبدأ الجبري والعرقي بالانتشار أولا من بداية يونيو، ثم تأتي بقية الأصناف تباعا، ويستمر الموسم حتى نهاية أكتوبر.
وعن تصدير العنب للخارج، قال عبد الرؤوف الصبري الذي يعمل في إدارة التسويق بوزارة الزراعة في صنعاء لمنصة ريف اليمن: “يُصدّر العنب الطازج بكميات قليلة، ولكنه يُصدر بكميات أكبر عندما يُجفّف زبيبا”.
وأرجع الصبري أسباب ذلك إلى سرعة تلفه؛ إذ يحتاج سرعة في نقله وبيعه، لافتا إلى أنه حتى مع محاولة حفظه بالبرادات لا يستمر لفترة طويلة، لذا يُلجأ إلى تجفيفه، أو استخدامه صناعياً في العصائر وغيرها.
مذاق فريد ومحصول وفير
شوهدت في المهرجان أنواع غريبة من الرمان، ومنها رمان بقشرة عنابية داكنة اللون، ويُمنع تصديره للخارج بهدف منعه من الانقراض.
ويقول المهندس الزراعي فؤاد الوليدي: “يوجد هذا الصنف من الرمان بمحافظة صعدة منذ سنوات، لكن المزارعين تخلوا عنه لصالح الرمان المتعارف عليه؛ لأنه تجاري بشكل أكبر، ونعمل حالياً على تكثيره لنشره في السوق مستقبلاً”.
رمان بقشرة عنابية داكنة اللون، تزع في صعدة غرب صنعاء ويُمنع تصديره للخارج(ريف اليمن/عبدالرحمن المحجري)
ويضيف: “تزرع اليمن أكثر من 8 أصناف من الرمان منها: البلدي، الليسي، الخازمي، الفحصم، الطايفي، الحبشي، ويُعد الرمان من أفضل الفواكه اليمنية، ويُصدّر إلى الخارج بكميات كبيرة”، وتغادر البلاد قرابة 30 شاحنة رمان يوميا، وغالباً ما تتجه للسعودية وعمان، ثم إلى بقية الدول الخليجية والعراق وغيرها من الدول.”
ويُعدّ هذا الموسم للرمان والتفاح والعنب متميزا للغاية، سواء في المذاق، أم في الشكل الخارجي للفاكهة، أم في كمية الإنتاج، بحسب عبد الرؤوف الصبري الذي يعمل في إدارة التسويق، ويلفت النظر إلى أن التفاح من أكثر الفواكه التي تتحمل فترات قد تصل إلى 5 أشهر عند التخزين والتبريد الجيدين، ويُنتج بكثرة، ما يساعد على تصديره بكميات كبيرة.
وتنتشر زراعة التفاح بعدد من المحافظات اليمنية، أبرزها محافظة صعدة التي تحتل المركز الأول في المساحة المزروعة؛ لامتلاكها بيئة خصبة ومناسبة.
ولدى فاكهة التفاح في اليمن موسمان، أحدهما صيفي، ويبدأ من مطلع شهر مايو، ويستمر حتى منتصف شهر يوليو، والآخر شتوي، ويبدأ في شهر نوفمبر، ويستمر حتى نهاية شهر يناير، كما توجد أربعة أنواع أساسية للتفاح، أشهرها الأحمر ثم الأخضر والبري والأبيض، ويُعمل حالياً على تكاثر التفاح السكري.
تحديات
وتُعتبر التمور اليمنية من أهم محاصيل الفاكهة في اليمن بعد المانجو، فقد احتلت زراعة أشجار النخيل أكثر من 14 ألف هكتار من إجمالي الأراضي المزروعة بأشجار الفاكهة، فيما تتركز زراعة النخيل في محافظات حضرموت، حيث يوجد فيها أكثر من 67% من نخيل التمور في البلاد، ثم الحديدة تليها الجوف، بحسب كتاب الإحصاء الصادر عن وزارة الزراعة والري عام 2021م.
تُعتبر التمور اليمنية من أهم محاصيل الفاكهة وتحتل زراعة أشجار النخيل أكثر من 14 ألف هكتار (ريف اليمن/ عبدالرحمن المحجري)
وتصل عدد أصناف محاصيل النخيل التي عرفت في اليمن إلى أكثر من 100 صنف، وعلى الرغم من أن الأرقام التي تبدو كبيرة، لا يُعد اليمن مكتفيا ذاتيا ويعتمد على الاستيراد.
ويقول تاجر التمور سعيد علي (35 عاما) لريف اليمن: “الكميات التي تُنتج تباع في الموسم داخليا، ونعود بعدها للاستيراد مجدداً طوال بقية السنة”. وأضاف سعيد متفائلاً: “الباعث على الأمل أن كمية الإنتاج تزداد عاما بعد آخر، مع زيادة الاهتمام وتوسع زراعة النخيل، ومع تراجع فاتورة استيراد اليمن للتمور، ونأمل أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي في المستقبل.”
بالإضافة إلى الأضرار التي تصيب أشجار الفواكه بسبب التغيرات المناخية، يُعد الزحف العمراني وزراعة القات من أهم المخاطر التي تهدّد الزراعة في اليمن، فقد بدأت تحل محل مناطق زراعية كثيرة.
المزارع حمود الزيادي (32 عاماً) أحدُ المشاركين في المهرجان، وقد دعا إلى وضع خطوط حمراء يُمنع تجاوزها فيما يخص تقليص الأراضي الزراعية لصالح نبتة القات أو لصالح البناء عليها.
وقال الزيادي لمنصة ريف اليمن: “بعض المزارعين يلجؤون إلى استبدال مزارعهم بنبتة القات طمعا في الأرباح السريعة، والبعض الآخر يخصّص جزءا من أرضه للقات، من أجل تحقيق ربح إضافي يساعده حتى دخول موسم الفاكهة التي يزرعها”.
فقدَ الشاب صلاح إسماعيل حياته بعد تعرّضه للإصابة بوباء الكوليرا إذ ظلّ يعاني داخل منزله حتى أصيب جسمه بالجفاف، ولم تتمكن عائلته من إنقاذ حياته ونقله إلى أقرب مركز صحي بمدينة إب التي تبعُد عشرات الكيلومترات عن قريته الريفية النائية.
يسكن صلاح، البالغ من العمر (36 عاما)، مع أسرته المكونة من 6 أفراد في قرية مرعة، بريف السياني جنوب محافظة إب وسط اليمن، وبفعل الوباء عاشت عائلته نحو أسبوعين متواصلين من الجحيم والمعاناة، وذلك بعدما تعرض أفراد الأسرة جمعيهم للإصابة بوباء الكوليرا على غرار مئات الآلاف من المواطنين.
تفشي واسع
خلال الأشهر القليلة الماضية تعرض كثير من سكان المناطق الريفية في محافظتي إب وذمار، للإصابة بوباء الكوليرا وسط تفشي الوباء بشكل غير مسبوق، وغياب المرافق الصحية في الأرياف وعجز المستشفيات الحكومية عن استقبال المصابين، وذلك جراء تدهور القطاع الطبي بفعل الحرب.
وأكّد سكان محليون من محافظتي إب وذمار لمنصة ريف اليمن تزايد أعداد الحالات المرضية التي تعاني من إسهالات مائية شديدة في مديرية السبرة والسياني والعدين ومديرية عتمة، ووصاب بذمار، وهي مناطق جبلية وذات تضاريس وعرة، وهذا يخلق بدوره تحديات إضافة للسكان بتلك المناطق.
بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، تصل عدد الحالات المشتبه بإصابتها بالكوليرا في اليمن إلى نحو ألف حالة يوميا، ومن المتوقع أن يرتفع العدد الإجمالي للإصابات في اليمن إلى 255 ألفا بحلول سبتمبر/أيلول الجاري.
يروي أنس شقيق صلاح تفاصيل حزينة عاشتها أسرته أثناء تعرضهم للإصابة بوباء الكوليرا قائلاً لمنصة ريف اليمن: “عشنا أصعب أيام حياتنا. أصيبت والدتي، ونُقلت إلى المستشفى، وبعد عودتها أصيب شقيقي الأكبر بالمرض، وهو يعاني من حالة نفسية منذ 24 عاما، فكان يرفض تناول الدواء حتى تعرض للجفاف”.
بحسرة يتذكر أنس وفاة شقيقه في ساعات متأخرة من الليل، وكان منشغلا بشقيقته التي كانت تعاني من ويلات المرض، وقال: “لم أتمكن من المشاركة في مراسيم دفنه، رجعتُ للبيت من أجل نقلها إلى المستشفى لإنقاذ حياتها، وكادت تفارق الحياة في طريق إسعافها إلى مركز الاسهالات المائية التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في مدينة القاعدة”.
وتابع: “تماثلت شقيقتي للشفاء عقب نقلها للمركز، لكنها حتى اللحظة تعاني من تداعيات المرض؛ لأنها عانت كثيراً، وكادت تفقد تفارق الحياة قبل وصولها إلى المركز”.
أم محمد المنحدرة من عزلة الشرم السافل في وصاب بذمار أيضا فقدت طفلها البالغ من العمر 8 أعوام قبل وصوله إلى المركز الصحي، وذلك عقب تعرضه للإصابة بوباء الكوليرا. تقول أم محمد لمنصة ريف اليمن: “لم نتمكن من إسعافه بسرعة بسبب عدم توفر تكاليف المواصلات وتكاليف العلاج، بالإضافة إلى مشكلة عدم توفر مركز صحي في قريتنا”.
غياب الخدمات الصحية
مع انتشار وباء الكوليرا وغياب الخدمات الصحية في القرى الريفية قال جملان زيد (29 سنة) الذي يسكن مع عائلته في قرية الأسلم بمنطقة عتمة بمحافظة ذمار: “كنتُ على وشك فقدان والدتي بسبب الكوليرا.
تأخرت في نقلها للمستشفى الذي يبعد مسافات طويلة، بسبب عدم توفر مركز صحي في المنطقة التي نعيش فيها”. وقال جملان: “بعدما تعرضت والدتي للمرض، بدأت بالبحث عن الأموال، وحين حصلت عليها كان عليّ الانتظار لحضور عدد كبير من الناس للمساعدة في نقل والدتي على النعش إلى الطريق الرئيسي”.
مرضى في مركز الاسهالات المائية التابع لمنظمة أطباء بلا حدود بمدينة القاعدة بإب (ريف اليمن)
“الطرق وعرة، وهذا يضاعف من صعوبة نقل المرضى على النعش، وتحتاج العملية لمساندة من عدة أشخاص”، يضيف جملان. وتابع: “خلال تلك الفترة تدهورت حالة والدتي بشكل كبير، وعند وصولنا إلى المرفق الصحي في مركز المديرية رفض الأطباء استقبالنا، وطلبوا منا سرعة الانتقال إلى صنعاء؛ لأن حالتها خطيرة جدا والكلى شبه متوقفة، وتحتاج إلى عناية مركزة على وجه السرعة”.
أعباء مضاعفة
تُعد الطرق الوعرة عائقا إضافيا؛ إذ يضطر المرضى للسير لعدة أميال من أجل الوصول إلى المركز الصحي، الأمر الذي يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للمريض، فيصبح المركز الصحي غير قادر على التعامل مع حالته لعدم توفر غرف عناية وكادر متكامل. يأتي ذلك في الوقت الذي يتعرض فيه المواطن الريفي لأزمة اقتصادية خانقة؛ إذ يصبح انتقاله إلى مدينة ذمار أو صنعاء لإدخال المريض العناية المركزة بمثابة القشة التي تقصم ظهر البعير.
يقول نايف سنان (30 سنة): “عندما تعرض طفلي للإصابة بوباء الكوليرا، تأخرت في نقله إلى المركز الصحي بسبب صعوبة توفير تكاليف النقل، وبعد أن وصلت إلى المركز، تفاجأت بتحويلي إلى مدينة ذمار بسبب عدم قدرتهم على التعامل مع حالته التي تدهورت بشكل كبير”.
وأضاف سنان لمنصة ريف اليمن: “بصعوبة بالغة استطعت اقتراض مبلغ مالي ساعدني على الذهاب إلى مدينة ذمار، واستمر طفلي في المستشفى لعدة أيام بعد أن كاد يفارق الحياة”.
في ظل المخاوف من تفشي الوباء، أكّد مسؤول صحي بمحافظة ذمار لمنصة ريف اليمن بأنه لا يوجد حتى اللحظة أي خطط لمواجهة الوباء. وأضاف: “لا يوجد أي نشاطات توعية أو دعم مادي لمواجهة هذه الجائحة حتى الآن من قبل أي منظمة داعمة”، وشدّد على أهمية الاهتمام بالوقاية من الوباء، وحث السكان على ضرورة الالتزام بالنظافة.
في 13 مايو /أيار الماضي، أعرب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مارتن غريفيث عن قلقه العميق إزاء تفشي وباء الكوليرا الذي يتفاقم بسرعة في اليمن، مضيفا أنه يُبلّغ عن مئات الحالات الجديدة يوميا ليصل العدد الإجمالي إلى حوالي 40 ألفا، بما في ذلك 160 حالة وفاة منذ مطلع العام الجاري 2024. مذكَّرا بالتفشي الواسع للكوليرا الذي حدث بين 2016 و2021، وأودى بحياة نحو أربعة آلاف شخص معظمهم من الأطفال في اليمن.
لم تمر ليلة الجمعة الماضية، 30 أغسطس 2024، مثل غيرها من الليالي على سكان مديرية وصاب السافل بمحافظة ذمار وسط اليمن، فقد شهدت المنطقة كارثة إنسانية، بسبب غزارة الأمطار وتدفّق السيول التي جرفت المنازل والمحلات التجارية، وأحدثت مأساة غير مسبوقة بالمنطقة.
تحوّلت الأمطار التي استمرت أربع ساعات متواصلة، إلى سيول جارفة، اجتاحت قرية الجُرف بعزلة بني موسى، وقرية الحَصب بعزلة وادي الخشب التابعة للمديرية، وخلفت وراءها ضحايا كٌثر، وأحدثت دمارًا واسعًا بالمنازل والأراضي وكل شيء كان في طريقها.
بصوت يملؤه الحُزن، تحدّث المواطن وليد طالب(45 عاما)، أحد الناجين من الكارثة لريف اليمن، قائلًا: “كنتُ في منزلي الساعة الثامنة مساءً، والمطر متواصل منذ الساعة الرابعة عصرا، وبعد تناول وجبة العشاء، حدث ما لا تُحمد عقباه، سيل قوي جَرف المنزل بكل مَن فيه”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “شطرَ السيلُ منزلي شطرين، وبفضل الله ثم تدخّل الجيران نجونا، إذ قام الجيران بإنقاذنا بالحِبال للأعلى، نجوتُ انا وزوجتي وخالتي، بعد أن استمرينا عالقين لأكثر من ربع ساعة، داخل الجزء الذي ظلّ قائما من المنزل”.
أضرار كبيرة أحدثتها السيول في المباني والطرقات بمديرية وصاب بمحافظة ذمار (ريف اليمن/ محمد الطياري)
لحظات قاسية
يقول وليد بحسرة: “لم يعد هناك شيء نعيش لأجله، فقدتُ سبعة من أفراد أسرتي: عبد الجبار 22 عاما، بندر 20 عاما، أمل 21 عاما، أريام 15 عاما، رِهام 5 أعوام، أشواق 20 عاما، يزن عامان، وخسرت منزلي ومحلّي التجاري وسيارتي ودراجتي النارية، وضاعت كثير من مدرجاتي الزراعية”.
يوضّح عبد الكريم عبد العلي(45 عاما)، وهو أحد الشخصيات الاجتماعية في العزلة، أن قرية الجُرف منخفضة بالنسبة لما حولها من الجبال العالية والشِّعاب، وتحيط بها الجبال مِن ثلاث جهات، ومع غزارة الأمطار نزلت سيول لا عهد لهم بمثلها”.
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “مع كل موسم، تنزل الأمطار فتسقي المدرجات الزراعية، لكن هطول المطر بدأ هذه المرة مِن الساعة الرابعة عصرا، واستمرّ إلى وقت وقوع الحادث الساعة الثامنة مساء، فلم تتحمل بعض المدرجات الزراعية مقاومة كمية المياه، وانهار كم كبير من الصخور والسيول دفعة واحدة على منازل المواطنين، وحدثت الكارثة”.
ويشير إلى أن السيل نزل مباشرة على منزل المواطن وليد طالب، فجرفه مع محله التجاري، وهنجره الواقع تحت المنزل الذي يستخدمه معملا لحياكة المعاوز، وجرف مجلسا للمقيل يجتمع فيه الأهالي بشكل مستمر، ويلفت إلى أنه وقت السيل كان داخل الهنجر 18 شخصا، بينهم أناس من قرى مجاورة، كانوا منتظرين توقّف المطر ليعودوا إلى منازلهم، لكنهم لقوا مصرعهم جميعا.
أدت السيول إلى تدمير 28 منزلا بشكل كلي وجزئي ومحلات تجارية وخراب واسع للمدرجات الزراعية (ريف اليمن/محمد الطياري)
وكانت الأمم المتحدة قد قدرت ضحايا السيول والفيضانات والصواعق الرعدية التي شهدتها البلد منذ بداية الموسم وحتى الـ19 من شهر أغسطس الجاري فقط، بـ98 حالة وفاة وأكثر من 600 إصابات، فيما طالت الأضرار منازل أكثر من 38 ألف و285 أسرة يمنية، وأثرت الكارثة على نحو ربع مليون يمني.صدمة مروعة
المواطن منصور أحمد، أيضا، ما زال يعيش حالة من الصدمة المروعة، بعد أن جرفت السيول أحلامه، وسلبته أعزّ ما يملك: ولديه عمادا ومالكا، تتلاطم مشاعره كالأمواج العاتية، بين ألم الفراق وذكرياتهم التي لا تفارق ذهنه، تفيض عيناه بالدموع، يتذكر ضحكات أبنائه ولعبهم في أروقة المنزل ونواحي القرية، كل زاوية من زوايا البيت تحكي قصة حب وعطف ورعاية، لكن تلك القصص أصبحت اليوم جراحًا مؤلمة.
بصوت متهدّج، يحكي أحمد ما حدث قائلًا: “كنتُ في قرية الجُرف السُفلى أثناء نزول الأمطار من بعد العصر، ولم أستطع العودة إلى قريتي الحَصب، بسبب غزارة الأمطار واستمرارها إلى الساعة الثامنة مساءً، ثم جاءنا نبأ بالفزعة لوليد طالب؛ لأن بيته جرفه السيل، ولم أعلم أن أبنائي سيكونون ضحايا آخرين لهذه الكارثة”.
جانب مما أحدتثه السيول في بعض طرقات قرى مديرية وصاب السافل وسط اليمن (ريف اليمن/محمد الطياري)
ويضيف لمنصة ريف اليمن: “جرف السيل أيضا 18 شخصا كانوا داخل أحد الهناجر، لم نتمكن من إنقاذ الضحايا بسبب انقطاع الطريق. وصلت فرق من الهلال الأحمر فجرا مشيا على الأقدام، وساعدتنا في انتشال الضحايا من أماكن متفرّقة ومسافات بعيدة. منزلي تعرّض للخراب وممتلكاتي الزراعية تدمرت بشكل كبير”.
ويعبر بصوت يعتصره الألم: “لم نجد الضحايا بسهولة. جرفهم السيل مسافات بعيدة تقدر بالكيلوهات. ابني عماد وجدناه في منطقة باب الجُؤرية، وابني مالك وجدناه في منطقة الشّايلة، وبقية مَن جرفهم السيول عُثِر عليهم في مناطق متفرقة، وبعضهم جُرفوا حتى قرب مدينة الجراحي التابعة لمحافظة الحديدة”.
فرق إنقاذ مجتمعية
بسبب غياب فرق الإنقاذ الرسمية وطواقم الدفاع المدني لنحو 24 ساعة، شكّل الأهالي فرق إنقاذ مجتمعية في قرية الجُرف وقرية الحَصب، وذلك بغرض الوصول إلى جثث الضحايا والمفقودين، الجثث التي طمرتها السيول وجرفتها إلى مسافات بعيدة.
يقول منير علي (30 عاما) وهو مساعد طبيب: “إن الطريق إلى قرية الجُرف ظلّت مقطوعة، ولم تتمكن طواقم الدفاع المدني من الوصول إلى القرية، ولم يكن هناك إلا الجهود المجتمعية لانتشال الضحايا”.
وبعد يومين مِن الكارثة، تكلّلت الجهود المجتمعية ومعها فرق الإنقاذ بالعثور على ثلاثة مواطنين على قيد الحياة، بعد أن جرفتهم السيول لمسافة بعيدة، إلا أن عناية الله ولطفه كانت بهم أكبر، وكتب الله لهم عمرا جديدا. فبحسب شهود عيان، ظلّت مرام (11 عاما) محتضنة لأخيها الأصغر الذي انكسرت رجله في الظلام بسبب السيل، وظلّوا في هول الموقف لفترة طويلة يصرخون ويصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى أن وصل إليهم المنقذون من شباب المنطقة.
وحول عدد الضحايا، قال مدير مكتب حقوق الإنسان في المديرية محمد البريد: “إن الكارثة الإنسانية التي حلّت بقريتَي الجُرف والحَصب أدّت إلى وفاة 30 شخصا، وإصابة 8 آخرين، أُسعفوا إلى مستشفى الثورة في محافظة الحديدة”.
منزل المواطن وليد طالب الذي جرفته السيول وأودت بحياة 7 أفراد كانوا بداخله (ريف اليمن/محمد الطياري)
وأوضح البريد في تصريح لمنصة ريف اليمن، أن هناك خسائر كبيرة في الممتلكات والمنازل تمثلت بعدد 4 سيارات و28 منزلا تدمرت كليًا وجزئيًا و2 محلات تجارية و2 درجات نارية، وخراب واسع للمدرجات الزراعية.
وتنصّ المادة (33) من الدستور اليمني، تكفل الدولة بالتضامن مع المجتمع تحمُّل الأعباء الناجمة عن الكوارث الطبيعية والمحن العامة، كما تؤكد المادة (35) من الدستور اليمني أنّ حمايةَ البيئة مسؤولية الدول والمجتمع، وهي واجب ديني ووطني على كل مواطن.
تذكّر هذه الكارثة القاسية بأن الإهمال المتواصل وعدم الالتزام بالبناء بعيدا عن المناطق الخطرة ومجاري السيول لها تكلفة باهظة في الأرواح والممتلكات، وبسببه تتصاعد صرخات الأمهات الثكلى، وتُكتب قصص المعاناة على جدران المنازل المهدمة.
رغم مرور أيام على الكارثة، لا يزال منصور وطالب وغيرهم كثير ممن فقدوا أهاليهم يُصارعون مشاعر الهلع والضعف، لكنّهم في الوقت نفسه يتشبثون بخيط الأمل، ويتمنون أن تتحوّل هذه الأحزان إلى قوة جديدة تعيد بناء ما تهدّم، وفي خضم العواصف يبقون رمزًا للصمود، يحملون شجاعة الآباء الذين يخوضون معاركهم متمنين أن تسطع شمس الأمل من جديد.
تعتبر زراعة الخس منتشرة في اليمن في كثير من المناطق المعتدلة، ويعد من المحاصيل المهمة، وهنا نستعرض كيف زراعته، وكل ما تود أن تعرفه عن ذلك.
يعتبر الخس من اهم الخضروات الشتوية، والجزء الذي يؤكل من النبات هو المجموع الخضري، والذي يحتوي 100جم منه على 95% ماء و1جرام بروتين و3 جرام كربوهيدرات و22ملجرام كالسيوم و25 ملجرام فوسفور540 وحدة دولية من فيتامين أ.
– قوام التربة: يمكن ان ينمو الخس في أنواع مختلفة من الترب الطينية المزيجية الى الترب الرملية الخصبة والغنية بالمواد العضوية وذات تهوية جيدة.
– درجة الحموضة: يفضل الخس التربة المتعادلة (Ph6.5-7).
– نسبة الملوحة التربة: يجود زراعة الخس في الترب قليلة الملوحة.
– الظروف الملائمة للزراعة الخس:-
يمكن زراعة الخس اما في الزراعة المكشوفة او في البيوت المحمية
متطلبات المناخ للزرعة المكشوفة
– يلائم زراعة الخس الجو المعتدل المائل للبرودة حيث تتراوح درجات المثلى بين 22-15مْ لإنبات البذور، وبين 20-15مْ لنمو الشتلات.
– متطلبات المناخ لزراعة الخس في البيوت المحمية:
أولا:درجة الحرارة، كما تظهر بالجدول التالي
مراحل النمو
الحرارة الدنيا
الحرارة القصوى
التهوية عند ارتفاع الحرارة
مرحلة الانبات
12-10مْ
15-12 مْ
20-18 مْ
مرحلة تغطية الأرض
8-4 مْ
15-12 مْ
20-18 مْ
مرحلة الالتفاف
6-2 مْ
15-12 مْ
15-12 مْ
ثانيا، الصقيع: يؤثر الصقيع سلبا على نوعية الخس حيث تصبح الأوراق سميكة ومثقوبة لذألك ينصح بتدفئة البيوت المحمية ورفع درجات الحرارة ببطيء.
ثالثاً، الرطوبة: يؤدي المناخ الجاف والحار الى توقف النمو وانتقال النبات بسرعة الى مرحلة الازهار بينما تؤدي الرطوبة الزائدة الى انتشار الامراض.
شروط اختيار أصناف الخس
يفضل ان يكون الخس ذات أوراق سميكة ناعمة الملمس لونها اخضر لماع كثيفة وغضة ذو حجم متوسط وطعم لذيذ مقاومة للآفات خاصة لمرض البياض الزغبي وللفيروسات وفقا لمناخ والموسم المعتمد.
الدورة الزراعية
يفضل زراعة الخس بعد المحاصيل الخضرية كالملفوف والخيار والطماطم او بعد زراعة البقوليات وتجنب زراعته بعد محاصيل البقدونس والجزر.
شروط اختيار البذور:
هجينة عالية الجودة.
سليمة وخالية من الامراض والفيروسات.
معقمة.
قد خرجت من فترة السبات.
طريقة زراعة الخس
يتم حراثة تربة المشتل بصورة جيدة وتنعيمها ويخلط السماد الحيواني المتحلل مع التربة وتقسم الى احواض مساحتها 1*2متر، وتنثر البذور نثرا خفيفا داخل الاحواض ويمكن زراعة البذور في خطوط داخل الالواح على بعد 25 سنتيمتر، بين الخط والأخر.
وبعد أربعة الى ستة أسابيع تصل الشتلات الى الحجم المناسب للشتل في الأرض المستديمة، ويجب القيام بالعمليات الزراعية مثل الري والتعشيب ومكافحة الامراض والحشرات في المشتل وتزرع الشتلات في المكان الدائم في احواض ذات مساحة 3*3متر او 3*4 متر حسب استواء الأرض على خطوط المسافة 30-40 سم بين الخط والأخر و25-20سم بين نبات واخر.
انتاج الشتلات
زراعة البذور في اواني التشتيل: تعبأ الصواني بالوسط الزراعي المعقم (البيت موس) وتوضع بذرة في كل فتحة وتغطى بطبقة خفيفة من الوسط الزراعي ثم تروى.
شروط اختيار الشتلات:
يجب ان تتمتع الشتلات عند زرعها بالمواصفات التالية:
ان تكون كاملة وسليمة وخالية من الامراض والحشرات.
ذات نمو جذري سليم.
ارتفاعها من (10-12) سم وحاملة من (5-3) أوراق.
التشتيل
تغرس الشتول على ظهر الخط من الجانبين حيث تبعد الشتلة عن حافة الخط 15سم وتعقم الشتول قبل الغرس او تروي الأرض بعد الزرع بمبيدات فطرية لتجنب امراض الجذور.
في الزراعة الخارجية تتراوح كثافة الزرع ما بين 9 شتول/ م 2(33*33) سم، 12شتلة/ م 2(25*33) سم، 16شتلة/ م2 (25*25) سم.
في الزراعة المحمية في الخريف والربيع يمكن زراعة شتول فتية تحتوى على 3-2 اوراق، بينما في الشتاء يفضل زرع شتول قوية تحتوي على 5-4 اوراق تتراوح كثافة الزرع بين 14-12 شتلة/ م2 في الزراعة الخريفية وبين 18-16شتلة/ م2 في الزراعة الشتوية والربيعية.
مزرعة الخس في منطقة السبيعن بالعاصمة اليمنية صنعاء نوفمبر 2020
تحضير الأرض
تحضر الأرض قبل شهر من موعد الزراعة بالخطوات التالية:-
إزالة المخلفات الزراعية واتلافها.
حراثة على عمق 30-25سم.
إضافة الأسمدة العضوية المتخمرة جيدا.
إضافة سماد سوبر فوسفات ثلاثي تركيز (46%) و (20-15) كيلو سماد سلفات البوتاسيوم تركيز (50%) عند تجهيز الأرض.
حراثة سطحية على عمق (15-10) سم لتسوية الأرض وخلط الأسمدة ثم تسوية التربة جيدا.
تتليم الأرض بحيث يبعد التلم عن الاخر (70-50) سم وبارتفاع (15) سم.
وضع الملش الأسود فوق الاتلام في البيوت المحمية للفوائد الكثيرة ومنها:-
– المحافظة على نسبة رطوبة عالية ويجنب ارتفاع مستوى الملوحة في التربة.
– يخفف الضرر الناتج عن فطريات التربة كالعفن الرمادي والعفن الأبيض.
– يمنع نمو الأعشاب الضارة.
الري
محصول الخس يحتاج الى كميات كبيرة من الماء، وخاصة عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة وأيضا تؤثر نوعية التربة على كميات الماء وفي الأراضي الطينية يتم الري على فترات متباعدة وفي الأراضي الخفيفة، ويتم الري على فترات متقاربة.
ويجب تجنب زيادة الري في المراحل الأولى بعد الشتل لضمان عدم تكوين جذور عرضية سطحية وأيضا يجب تجنب الري خلال فترة النضج وخاصة عندما يكون الجو حارا لتقديم سرعة النمو وتكوين الحوامل الزهرية.
التسميد
الخس محصول ورقي ونظام التجذير ليس بالكثيف ولذا يجب ان تتوفر في التربة العناصر الغذائية والمواد العضوية وينصح بإضافة السماد الحيواني المتحلل الى التربة قبل الزرعة ويعطى الأسمدة الكيماوية (400 كجم سلفات الامونيوم و200 كجم سوبر فوسفات الثلاثي للهكتار).
وتعطى على دفعتين: الأولى، بعد الشتل من ثلاثة الى أربعة أسابيع وتشمل نصف السماد النتروجيني مع السماد الفوسفاتي. والثانية، بعد حوالي شهر من الدفعة الأولى وتشمل النصف المتبقي من السماد النتروجيني ويتم إضافة الأسمدة الكيمائية بعمل اخدود أسفل النباتات وعلى طول التلم وتضاف الأسمدة ويتم تغطيتها بالتربة والري المباشر.
النضج والحصاد
تصبح الرؤوس صالحة للتسويق بعد 100 -75يوم من الشتل عند ظهور علامات النضج، وهي كبر حجم النبات وتكوين الرؤوس وقبل بدء استطالة الساق وتكوين الشماريخ الزهرية بعد قلع النباتات تزال الأوراق الخارجية ويقطع الجذر من النبات وتزال الاتربة قبل تسويق الرؤوس للأسواق.
اهم الآفات التي تصيب الخس
حشرة المن
وهي حشرات صغيرة الحجم متفاوتة اللون وتنشط بشكل كبير في فصل الربيع حيث تمتص الحشرة عصارة النباتات وتفرز الندوة العسلية التي ينمو عليها قطر العفن الأسود وتكافح هذه الحسرة اما بالمبيدات الكيماوية او عن طريق المكافحة الحيوية بواسطة المفترسات مثل ذبابة أبو العيد او اسد المن. وتستعرض دراسة تفاصيل موسعة حول هذه الحشرة.
حشرة المن
البياض الدقيقي
تظهر اعراض الإصابة من خلال موت الباردات الصغيرة بمجرد ظهورها فوق سطح التربة اما على النباتات الكبيرة فتظهر بقع خضراء باهتة او مصفرة على السطح العلوي للأوراق الخارجية خصوصا القريبة من سطح التربة وتكافح عن طريق زراعة تقاوي سليمة وعدم الزراعة الكثيفة وكذلك جمع وإزالة الأوراق والمخلفات النباتية المصابة وحرقها مع استخدام المبيدات الفطرية المناسبة.
مرض عفن البادرات
تظهر اعراض الإصابة بتعفن الجذور قبل انباتها وظهور الباردات اعلى سطح التربة وتتعفن وتحلل الجذور وتقرح الساق وتلونها بالون البني الداكن مع ضعف في نمو النبات وذبول وتقزم النباتات المصابة ولمكافحة هذا المرض يجب عدم الافراط بالتسميد الازوتي والاهتمام بالتسميد البوتاسي مع إزالة الحشائش وتنظيم الري وزراعة أصناف مقاومة ومكن استخدام المبيدات الفطرية.
البياض الدقيقي
تظهر الاعراض على شكل بقع مسحوقية بيضاء على الأوراق والبراعم والزهور ومن ثم تصفر الأوراق وتلتوى ثم تسقط الى الأرض ولمكافحة هذا المرض يجب اختيار بذور خالية من الامراض او شراء شتلات صحيحة مع الاهتمام بعدم تكديس النباتات والمحافظة على المسافة المثالية بين النباتات مع إزالة النباتات المصابة وحرقها وبالإمكان استخدام المبيدات الفطرية.
كانت فاطمة علي (44 عاما) بالنسبة لأسرتها، المكونة من ثمانية أشخاص، عمود الخيمة، بحسب تعبير ابنها الأكبر مازن، الذي يروي لريف اليمن بأسف كبير كيف تساقطت جدران وأسطح المنزل على رأس والدته في السادس من أغسطس الماضي، بسبب موسم الأمطار والسيول التي شهدتها منطقة القرشية الواقعة في مديرية زبيد بمحافظة الحديدة.
وأضحت الكوارث الطبيعية المصاحبة لموسم الأمطار من سيول وفيضانات وصواعق رعدية وغيرها، تفرض نفسها تهديدا وجوديا لحياة اليمنيين واستقرارهم في السنوات الأخيرة، وتمثل تحدّيا بيئيا صعبا أمام بلد تفتقر بنيته التحتية لأبسط المقومات اللازمة للقدرة إلى المواجهة والصمود في وجه التطرف المناخي، ويعيش في أتون حالة الحرب منذ قرابة العقد من الزمن.
مأساة إنسانية بسبب الفيضانات
يقول مازن: “بعد ساعات من الأمطار الغزيرة، بدأنا نسمع علامات لتحطم سقف المنزل، هرعنا جميعا إلى الخارج، لكن والدتي كانت ما تزال في الداخل لحظة الانهيار”، ويلفت إلى أن تقطّع الطرقات بسبب السيول التي كانت تجتاح كل مكان تقريبا عرقل الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب، وحال بينهم وإنقاذ حياة والدته.
منذ أواخر شهر يوليو الماضي، اجتاحت السيول والفيضانات عددا من المحافظات اليمنية، وبالرغم من عدم توافر إحصائية محدَّثة شاملة لجميع الخسائر البشرية والمادية، تقدّم التقارير الأولية الصادرة عن جهات حكومية وأممية مؤشرا مفزعا على تضاعف الكارثة يوما بعد آخر.
وأودت السيول بحياة 95 شخصا وإصابة 35 في محافظة الحديدة التي تأتي في صدارة المحافظات اليمنية المتضررة، حسب تحديثات لجنة الطوارئ المشكلة من قبل السلطة المحلية التابعة لسلطة صنعاء، في الثاني من شهر سبتمبر/ أيلول الجاري.
وكانت الأمم المتحدة قد قدرت ضحايا السيول والفيضانات والصواعق الرعدية التي شهدتها البلد منذ بداية الموسم وحتى الـ19 من شهر أغسطس الجاري فقط، بـ98 حالة وفاة وأكثر من 600 إصابات، فيما طالت الأضرار منازل أكثر من 38 ألف و285 أسرة يمنية، وأثرت الكارثة على نحو ربع مليون يمني.
إحصائية لمنصة ريف اليمن عن ارقام الضحايا بسبب الفيضانات
وقبل أيام من إصدار السلطات في الحديدة تقريرها، كانت السيول وانهيارات السدود قد تسببت بكارثة طبيعية ومأساة إنسانية في مديرية ملحان بمحافظة المحويت، نتج عنها وفاة وفقدان 42 شخصا بحسب صندوق السكان التابع للأمم المتحدة، وخلال كتابة هذا التقرير، كانت كارثة مشابهة قد حلت على منطقة وصاب السافل في محافظة ذمار، وأودت بحياة 30 شخصا وإصابة وتسعة جرحى، بحسب بيان للدفاع المدني.
وكانت تقارير محلية وأممية قد تحدثت قبل ذلك، بتسبب السيول بوفاة 15 مواطنا في محافظة تعز، وثمانية في مأرب-من النازحين، وتسعة في إب، وثلاثة في صعدة، ليكون ناتج الإجمالي التجميعي لهذه التقارير هو 202 حالة وفاة وفقدان في سبع محافظات يمنية كحصيلة أولية جمعتها “منصة ريف اليمن” من تقارير رسمية صادرة عن السلطات المحلية.
مقارنةُ تصاعدِ أرقام الضحايا في موسم الأمطار لهذا العام مع المواسم السابقة، تقدّم نمطا تصاعديا لتنامي تأثير الكوارث الطبيعية عاما بعد آخر، ابتداء من عام 2020 الذي حصدت فيه السيول حياة 172 شخصا، بحسب إحصاءات حكومية.
وعلى الرغم مِن اتسام الموسم الذي يليه بشحّة الأمطار نسبيا وقلة الفيضانات، لم يكن هناك دليل على انعدام الخسائر، في حين وثّق تقرير صادر عن الأمم المتحدة وفاة 143 شخصا خلال موسم 2022، وتلاه عام 2023، بتسجيل 218 شخصا، علما أن السيول والفيضانات ليست الكارثة الوحيدة التي بات يواجهها اليمنيون في مواسم الأمطار، فالصواعق الرعدية أيضا حصدت حياة 407 من المواطنين في ثلاث سنوات 2021-2023، بحسب تحقيق سابق نشرته ريف اليمن.
ما شهدته مديرية وصاب السافل من كارثة طبيعية مركبة نتيجة للسيول وانفجارات خزانات المياه، تتشابه بشكل كبير مع تلك التي عاشتها مديرية ملحان في المحويت من حيث المسببات والمأساة الإنسانية، بفارق أن حادثة ملحان تكشف جانبا آخر من الهشاشة البنيوية للبلد في مواجهة الكوارث.
وعجزت فرق الإنقاذ عن الوصول إلى عزلة همدان التي تُعدّ المنطقة الأكثر تضرّرا في ملحان، حتى اليوم الخامس بعد وقوع الحادثة، بحسب تأكيد المواطن “عبد الفتاح شايع” الذي جرفت السيول 17 من أفراد عائلته، في حديثه لريف اليمن.
ويشير شايع، إلى أن غالبية الضحايا من عائلته ما زالوا في خانة المفقودين، ولم يُنتشلوا ولم يُعرف مصيرهم، في الوقت الذي أصبح شايع ومَن تبقى من أفراد عائلته، ومعهم أكثر من 80 أسرة من أهالي العزلة، نازحين بلا مأوى.
ويُرجع أمين عام جمعية الهلال الأحمر في محافظة المحويت، سعد الحُفاشي، الأسباب والعوامل التي حالت دون تمكّنهم من الوصول إلى عزلة القبلة إلى تقطع الطرق بسبب الانهيارات الصخرية، واستمرار المنخفض الجوي، ووعورة التضاريس وقساوتها في المنطقة الريفية المعلّقة في أعلى قمم جبل شاهق.
وذكر الحُفاشي لـمنصة ريف اليمن أن فرقهم تمكّنت من الوصول إلى عزلة القبلة المجاورة لهمدان وثاني المناطق من حيث الضرر، وسجلت نزوح نحو 150 أسرة من أهالي العزلة إلى مديرية الخبت المجاورة، وهم الآن بحاجة إلى مأوى ومساعدات إنسانية عاجلة.
نزوح الآلاف من اليمنيين
وتخشى الأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها في ملحان جراء الكارثة، المصير نفسه الذي تعيشه الآلاف من أسر النازحين في مخيمات النازحين الداخلية بسبب الحرب، وهي مخيمات تضم قرابة 4.5 مليون نسمة. وتشير التقارير الصادرة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن السيول، التي شهدتها البلاد حتى الـ 14 من أغسطس الماضي، ألحقت الضرّر بأكثر من 12 ألف مسكن ومأوى في اليمن.
ويوضح النازح عبد الله محمد، أحد القاطنين في مخيم النازحين بمنطقة “شَفَر” في مديرية عبس بمحافظة حجة، لريف اليمن الأضرار التي سببتها الأمطار الغزيرة والفيضانات على مسكن أسرته، بالقول: “السيول جرفت غرفة صغيرة من الطين كنت قد بنيتُها بجوار خيمتي، وكانت تجتاح الخيمة بشكل متواصل، لدرجة أنه تمضي أيامٌ لا نجد فيها مكانا جافا لننام فيه، أو لحافا أضعه غطاءً على صدور أطفالي”.
ويشير إلى أن الفيضانات جاءت في الوقت الذي كان قد وصل وضعهم المعيشي في المخيم إلى “تحت الصفر” بسبب تقلص المساعدات الإنسانية وانقطاعها بين الفترة والأخرى.
تأتي الفيضانات في الوقت الذي تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى حاجة 18.2 مليون يمني إلى المساعدات الإنسانية، لتعمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تعيشها البلاد نتيجة لتداعيات الحرب والحصار المستمر منذ نحو عشر سنوات.
ويؤكّد الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي، رشيد الحداد، لريف اليمن أن مخاطر الكوارث الطبيعية أصبحت شبحا يداهم اليمنيين، في ظل غياب أي جهة داخلية وخارجية تقوم بواجبها بتقديم المساعدات اللازمة لتعويضهم.
ويشير إلى أن ما تلحقه السيول والفيضانات من أضرار جسيمة في منازل السكان وممتلكاتهم ومصادر دخلهم الأساسية من مساحات زراعية شاسعة ومحلات تجارية ووسائل نقل بالإضافة إلى ما تحدثه من دمار في الطرقات والبنية التحتية، سيُسهم حتما في تردّي الوضع المعيشي والإنساني للمواطنين، وسيكون له تداعيات سلبية وخسائر مضاعفة على اقتصاد البلاد المنهارة بفعل الحرب، علاوة على رفع فاتورة تكلفة إعادة الإعمار مستقبلا.
ليست الطرقات والجسور وحدها ما تعرّض للتخريب جراء الكارثة الطبيعية المخيمة على البلد، بل المواقع الأثرية والتاريخية من مدن وحصون وقلاع تعرضت للانهيارات والتهدم والتخريب، مثل مدينة صنعاء القديمة التي انهارت بعض منازلها، ومدينة زبيد التي طال الدمار أجزاء من أسوارها وبيوتها، وقلعة شمر يهرعش في رداع التي انهار جانب من سورها، وكذلك قلعتا ثلا في عمران والضحي في الحديدة وغيرها، الأمر الذي دفع بالهيئة العامة للآثار والمتاحف إلى مناشدة الجهات المعنية والمهتمة بسرعة اتخاذ إجراءات تجنّب المواقع الأثرية تداعيات كارثة السيول.
وللوقوف أكثر على أسباب وعوامل وطبيعية الكوارث الطبيعية التي حولت موسم الأمطار لدى كثير من اليمنيين إلى موسم للخوف والفزع بدلا من صفته المتوارثة عبر الأجيال موسما للاطمئنان والاستقرار والزراعة والرحمة، بحثت ريف اليمن الظاهرة مع مجموعة من المسؤولين والخبراء والباحثين المهتمين في مجال البيئة والمناخ، وهم يُرجعون الأمر، بإجماع، إلى تأثيرات التغيرات التي يشهدها العالم، وتُعدّ اليمن مِن أبرز المتأثرين بتداعياتها حسب تقارير جهات دولية، مثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة الفاو والبنك الدولي.
ويوضح الباحث في التغيرات المناخية، حاجب الحاجبي، أن السبب الرئيس في تصاعد وقوع الكوارث الطبيعية، كالفيضانات والأعاصير والحرائق والجفاف وغيرها، يعود إلى الاحتباس الحراري الحاصل في الغلاف الجوي والذي يزيد من وتيرة ارتفاع درجة الحرارة السطحية في الأرض، وينوّه الحاجبي إلى حقيقة علمية لا بد مِن أخذها بعين الاعتبار عند تفسير تأثير التغيرات المناخية على اليمن، وهي أن البلد يقع بين كتلتين مائيتين (البحر الأحمر والبحر العربي)، فالاحترار الحاصل في هذه الكتلتين ينعكس بسبب إشكاليات مناخية على البلد في الوقت الحاضر والمستقبل.
التغيرات المناخية في اليمن
بالإضافة إلى الخصوصية الجغرافية لموقع اليمن بين كتلتين بحريتين، هنالك جملة من العوامل تقف خلف زيادة تأثر البلد بآثار وكوارث التغيرات المناخية، أبرزها: التدهور البيئي، مثل إزالة الغابات والغطاء النباتي، وقد كان من الممكن أن تعمل حائطَ صدّ، البنية التحتية الضعيفة لأنظمة الصرف الصحي والسدود والحواجز المائية وأنظمة تصريف مياه الأمطار، مما يزيد من تأثير الفيضانات والسيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة، بالإضافة إلى نقص الوعي للتعامل مع الكوارث عند المواطنين وعدم وجود أنظمة إنذار مبكر شاملة وغيرها، بحسب خبير البيئة والتغيرات المناخية والاستدامة، جواد الوبر، في حديثه لريف اليمن.
ويشدّد خبير الاستدامة الوبر على ضرورة أن تتبنّى البلد استراتيجية شاملة لمعالجة آثار التغيرات المناخية والتكيّف معها، تبدأ من تحسين قدرة الاستجابة والإنذار المبكر ونشر الوعي البيئي على المدى القريب، مرورا بتعزيز البنية التحتية لأنظمة تصريف مياه الأمطار والسيول، وتطبيق قواعد التخطيط العمراني والحفاظ على المحميّات والغابات، وصولا إلى تحفيز البحث العلمي والتوجّه نحو مصادر الطاقة المتجدّدة وانتهاج سياسة بيئة مستدامة في كافة المجالات.
من جهته يرى مدير عام وحدة التغيرات المناخية بالهيئة العامة لحماية البيئة، المهندس معين السواري، في حديثه لريف اليمن أن “الحرب تمثل عائقا كبيرا أمام جهود الاستجابة للتغيرات المناخية، ويأتي في مقدمتها تعزيز البنية التحتية لمواجهة الكوارث، يليها انقطاع الدعم الفني والمالي الدولي في مجال البيئة عن البلد، عدم استفادة البلد من صندوق المناخ الأخضر أو صندوق البيئة العالمي GEF أو أية صناديق بيئية أخرى، بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي المنهار الذي تمر به البلد”.
ويدعو مدير عام وحدة التغيرات المناخية، السواري، إلى تحييد كل ما يخصّ الحفاظ على البيئة عن الصراع، ووقف العدوان على البلد والوصول إلى حالة سلام، وتكاتف جميع الجهود الوطنية سواءً الرسمية أم المجتمعية للعمل على إيجاد استراتيجية وطنية للتغيرات المناخية تضمّ في مكوناتها جميع أطياف وفئات المجتمع، وتُسهم بشكل فعال في الحد والتكيف مع آثار التغيرات المناخية مستقبلا.
تضع الكوارث الطبيعية المصاحبة لمواسم الأمطار، الناتجة عن التغيرات المناخية الحاصلة في العالم، المجتمع اليمني أمام مسؤولية كبيرة في تفهّم تلك الظواهر والتعامل معها بالشكل الذي يقلّل مِن تعرضه للخسائر والأضرار، كما تستدعي من السلطات القائمة تجنيد الإمكانيات اللازمة لمواجهتها ومساندة المتضررين وتقديم المساعدات الإنسانية لهم، وذلك يتطلّب بشكل أو آخر دفع الجميع نحو جهود إنهاء الحرب وإعادة السلام.
فيما يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة في دعم اليمن للوقوف أمام تحديات التغيرات المناخية الناتجة عن أنشطة الدول الصناعية الكبرى، والأهم إلزام تلك الدول بخفض أنشطتها المتسببة بالكوارث والمهدّدة لمستقبل شعوب المعمورة.
تشهد مناطق واسعة في اليمن أمطارا غزيرة وسيولاً جارفة متواصلة منذ أسابيع، سبّبت سقوط مئات من السُكان، وأضرارا جسيمة للمنازل القديمة والمواقع التاريخية والمدرجات الزراعية وشبكات الطرق في مختلف مناطق البلاد، لا سيما تلك الواقعة في الأرياف.
ويشكو سكان القرى والمناطق الريفية اليمنية من تزايد المخاطر التي تهدّد منازلهم المبنية بالطين والحجارة؛ إذ تتعرّض هذه الأبنية للتآكل والانهيار بسبب تأثيرات الأمطار والسيول المستمرة منذ مطلع أغسطس الماضي، وتشير توقعات الأرصاد الجوية استمرارها حتى منتصف سبتمبر المقبل.
ويتحدّث السكان عن المعاناة بسبب الأمطار هذا العام، وقد تفاقمت بشكل لافت مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعزوه بعض الخبراء إلى تأثيرات التغيرات المناخية التي أصبحت أكثر وضوحًا في البلاد، ولا سيما في هطول الأمطار، فقد شهدت اليمن خلال يوليو ويونيو الماضيين انقطاعا للأمطار الموسمية تسببت بتلف المحاصيل.
مع فجر يوم الجمعة 23 أغسطس 2024م، بينما كان الظلام لا يزال يغمر سماء قرية شمسان في عزلة جبع بمحافظة المحويت، انهار سقف منزل المواطن حسن الدروبي على أسرته في لحظة مفجعة، ليخطف ستة أرواح من دون سابق إنذار، وهم حسن، وزوجته، وأربعة من أطفاله.
وبين أصوات الرياح العاصفة وهطول الأمطار الغزيرة، هرع السكان إلى منطقة الحادثة، لكنهم لم يتمكّنوا من فعل شيء سوى الوقوف بذهول وحزن أمام هذا المشهد الأليم.
لم تكن عائلة حسن هي الضحية الوحيدة، بل أسفرت السيول التي ضربت منطقة ملحان وامتدت لتضرب القرى المجاورة، عن وفاة أكثر من 50 مواطنا، بينهم نساء وأطفال، حيث جرفت السيول منازلهم وكأنها لم تكن، وفقاً لمصادر محلية.
تتكرر مثل هذه المأساة كل عام في القرى القديمة التي تتعرض لخطر انهيار منازلها(ريف اليمن/صندوق الأمم المتحدة للسكان)
وشهدت المديرية ذاتها تدمير 28 منزلاً بشكل كلي، وتصدع نحو 200 من المنازل التي يتم بناؤها في الغالب من الحجر والطين والأخشاب، كما تعرضت المنطقة لخسائر كبيرة في الممتلكات.
وفي الحديدة، بلغ عدد من قضوا إزاء السيول الجارفة في غالبية مديريات المحافظة وفقاً لتقارير وثقّت الضحايا، 67 حالة وفاة، وإصابة 12 آخرين، وتضرر 12 ألفاً و798 أسرة في القرى والمناطق التهامية، خاصة التي تقع بالقرب من الأودية التي فاضت بسيول الأمطار بشكل غير مسبوق منذ عدة عقود، فيما نزح نحو ألفين و222 حالة من قراها جراء تهدم منازلها بشكل كلي.
تتكرر مثل هذه المأساة كل عام في القرى القديمة التي تتعرض لخطر انهيار منازلها جراء استمرار هطول الأمطار، مما يدعو للقلق حول مصير آلاف الأسر التي تعيش في ظروف ريفية مشابهة. ويتحدث السكان عن تزايد كمية الأمطار هذا العام بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعزوه بعض الخبراء إلى تأثيرات التغيرات المناخية التي أصبحت أكثر وضوحاً في البلاد.
ويقول المواطن محمد حسن إن عددا من المنازل القديمة تأثر بشكل كبير بقرية الخشابي في مديرية بعدان بمحافظة إب، مؤكداً انهيار أجزاء منها، بسبب الحالة الماطرة، ويضيف لريف اليمن وهو أحد السكان: “نقف عاجزين أمام هذه الكوارث الطبيعية، منازلنا أصبحت في خطر”.
وتابع: “نخشى على ما تبقى من تراث أجدادنا وممتلكاتنا التي تأوينا، لا سيما في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة”، مشيراً إلى أن المنازل القديمة في القرية لم تُبنَ لتتحمل هذا القدر من الأمطار الشديدة.
منزلين قديمين تعرضا للانهيار وكانت بداخلهم أسرتين بقرية الجلة مديرية الجبين في ريمة، أغسطس 2024 (وسائل التواصل)
الدميني محمد أشار بدوره إلى أن منازل قديمة في قرية الجمري بالمديرية نفسها تهدمت للسبب نفسه، وذلك في ظل انهيارات مماثلة في قرى مجاورة متعددة.
وتقول مصادر محلية إن أكثر من 10 آلاف منزل انهارت بشكل كلي وجزئي في قرى وبلدات مديريات محافظتي الحديدة الساحلية وريمة المجاورة ومديرية القفر بمحافظة إب، في حين يتجاوز عدد الذين لقوا حتفهم في مختلف مناطق البلاد الى أكثر من 120 شخصاً، وعدد المصابين الـ 600.
المواقع الأثرية في خطر
لم تكن المواقع والمنازل الأثرية في اليمن بعيدة عن هذه الكارثة، فقد تسبّبت الأمطار التي هطلت الأسبوع الماضي في انهيار أجزاء من قلعة زبيد التاريخية في محافظة الحديدة غرب اليمن.
وبحسب مصادر رسمية، انهار الجزء العلوي من واجهتها الشمالية وسقطت أجزاء من أسقف الثكنات الغربية التي تضم متحف الموروث الشعبي، وإلى جانب ذلك تضرّرت إحدى أبراج الجهة الشمالية من سور مدينة ثلا الأثرية التي تقع في محافظة عمران شمال صنعاء.
وبعد يومين انهارت نوبة اخرى في سور المدينة وهي نوبة “باب الهادي” في الجهة الجنوبية من السور، كما انهارت منازل أخرى في مدينة “حبابة” التاريخية في ذات المحافظة.
وفي محافظة البيضاء وسط البلاد، تعرّضت قلعة رداع التاريخية قلعة شمر يهرعش لانهيارات جزئية في أجزائها الغربية وبوابتها الرئيسية، مما أثار مخاوف من حدوث كارثة للمنازل المحيطة بها، وسط أحاديث عن القلعة مهددة بالانزلاق من جميع جوانبها.
إنهيار جزء من سور قلعة رداع التاريخية بمحافظة البيضاء وسط اليمن 24 أغسطس 2024 (مواقع التواصل)
هذه الانهيارات في المدن والأماكن التاريخية تأتي على الرغم من المناشدات الواسعة من السكان للجهات المعنية لترميمها من دون استجابة، ويتهم بعض ملاك هذه المباني الهيئة العامة بـالإهمال والتقصير.
ولأن منازل هذه المدن مدرجة ضمن التراث اليمني، لم يتمكن الأهالي من ترميمها، فقد أشار مَن يمتلكون بنايات فيها إلى أن السلطات منعتهم بحجة أنها تتطلب تدخلاً رسمياً، وهو ما أكّده المواطن صلاح الجلال في منشور على صفحته بفيسبوك.
وقال الجلال: “بعد أشهر من المتابعة لدى الجهات المعنية بان بيتنا الكائن في بستان السلطان (صنعاء القديمة) قد يسقط كونه من البيوت المهددة بالسقوط وقد تتأثر البيوت المجاورة أيضا”، ومع العلم أن البيوت في بستان السلطان تعتبر بيوت تاريخية لا يسمح بهدمها او تصليحها. للأسف ما حذرنا منه حصل سقط البيت وتضرر كل البيوت المجاورة له والحمدالله لم يصاب أحد”.
وتقول الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية في صنعاء إنها سجلت مئة بلاغ لمبانٍ تاريخية معرضة للسقوط في مدينة صنعاء القديمة، وناشدت الهيئة الجهات المحلية والدولية لتقديم المساعدات العاجلة لترميم وتأمين المباني التاريخية المتضرّرة في هذه الأماكن والمدن التراثية.
صنعاء القديم كانت حاضرة أيضا، حيث انهار اثنان من المباني الأثرية وتضرّرت منازل مجاورة، أحد هذه المنازل في حارة بستان السلطان، في حين انهارت أكثر من ثمانية منازل تاريخية في مدينتي جبلة وإب القديمة.
تأثر الزراعة والطرق
تزداد صعوبة الحياة في الريف مع كل موسم أمطار، حيث تفتقر عدد من المديريات للبنية التحتية التي تضمن سلامة السكان واستمرارية الحركة. هذه المشكلة ليست جديدة، ولكنها تتفاقم مع مرور الوقت، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً من قبل الجهات المعنية.
ومن أبرز أشكال التأثيرات التي يحدثها هطول الأمطار وتدفق السيول على السكان: جرف المزارع والطرقات الرئيسية والفرعية، والانزلاقات الصخرية، وانهيار المدرجات الزراعية، وفقدان الممتلكات مثل المواشي والمركبات والثمار، مع مصادر الكسب.
وفي بعض الأرياف يلجأ السكان للتنقّل سيرا على الأقدام واستخدام الحمير والجمال، بسبب الانزلاقات الصخرية والترابية التي تؤدي إلى قطع الطرق الرئيسية لمناطقهم مثلما حدث في بلد شار بمديرية العُدين غرب إب، ويتطلب العمل لإزالة ذلك أيام وقد يمتد لأسابيع.
وفي وجه آخر من المأساة، يجد سكان قرية قَذَام في مديرية النادرة جنوب شرق المحافظة نفسها أنفسهم محاصرين بسبب قطع الطريق الوحيد الذي يربطهم بمدينة النادرة مع كل موسم أمطار. ويعيش نحو 2000 شخص في هذه القرية الريفية وضعاً أشبه بالحصار، وتكون الحركة مستحيلة لساعات وأحياناً لأيام، وتتطلب إنهاء معاناتهم بناء جسر يربطهم بمركز المدينة.
وبحسب ما ذكرته السلطات المحلية، هناك أكثر من 1400 طريق رئيسي وفرعي، جرفتها سيول الأمطار في محافظتي الحديدة وريمة في أسبوعين، أغلب هذه الممرات في الأرياف. وتصدرت محافظات الحديدة، مأرب، حجة، ريمة، المحويت، تعز، أكثر مناطق البلاد تأثراً من هذه الفيضانات التي لا تزال مستمرة وتهدّد حياتهم، وفق جهات محلية ومنظمات إغاثية.
انجرافات أراضي الزراعية جراء سيول وادي مذاب، في مديرية الزاهر بمحافظة الجوف 23 أغسطس 2024
يشير المزارع نبيل حسان في حديث لريف اليمن إلى أن سيول الأمطار المتدفّقة من جبال ريمة جرفت مزرعتهم في مديرية السخنة شمال شرق الحديدة، وحرمتهم مِن جني محصولها الذي كان مقرّرا نهاية الشهر الجاري، منوّها إلى أن الفيضانات أيضاً طمرت وجرفت مزارع أخرى بالمنطقة.
وقال حسان إن أرضه كانت مزروعة بالفلفل، وقد قدّر قيمة ما خسره بـمليون ريال، وأنه كان يبذل جهودا منذ أكثر من شهرين للحصول على تلك المبالغ لتسديد ما عليه من تكاليف وتغطية ما تبقى لنفقات أسرته.
فارس علي، وهو سائق شاحنة يعمل في نقل الخضروات مِن الحديدة إلى صنعاء، أكّد عدم قدرتهم في الأيام الماضية من الوصول إلى بعض المزارع، خصوصا البعيدة منها، وذلك بسبب استمرار هطول الأمطار وتدفق السيول وجرف الطرقات، مشيرا إلى أن ذلك زاد من قيمتها في السوق المحلي.
وعلى الرغم من تأثر المجتمع الريفي بالمنخفض الجوي بشكل كبير، وفقدانهم ممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم، لا تصل المساعدات التي يُعلن عنها بين الحين والآخر من منظمات إغاثية وجمعيات إلى أغلب مناطقهم المتضررة وذات الخسائر الكبيرة.
وفي ظلّ هذه المعاناة المتفاقمة، يشدّد السكان على ضرورة وضع خطط طارئة من الجهات المختصة لعمليات إغاثية تشمل جميع المتضرّرين في الأرياف، مع تشكيل فرق عمل محلية لتقديم الإرشادات للسكان.
وتقول الأمم المتحدة إن الفيضانات الكارثية التي ضربت اليمن تسببت بمصرع 98 شخصا وإصابة 600 آخرين، وأثرت على أكثر من 294 ألف شخص في البلاد منذ مطلع العام 2024، وإن أكثر من 38 ألف أسرة أصبحت بلا مأوى، فيما أشارت مسؤولة أممية إلى تأثر نحو 695 ألف أسرة بشكل مباشر.
يشكو سكّان المناطق الريفية بمديرية المسيلة بمحافظة المهرة منذ سنوات مِن أزمة مياه حادّة، أثقلت كاهل السكان، دون وجود أي حلّ من قبل الجهات الرسمية، وقد أصبحت أغلب الأسر الريفية تعتمد في سدّ احتياجها مِن مياه الشرب على الشراء من أماكن بعيدة.
أزمة مياه حادّة
وتُعدّ منطقة عِيص الهَابِطيّة واحدة مِن تلك المناطق المتضرّرة، ويتجرّع سكانها معاناة كبيرة، تضاعفت مع تنامي عدد السكان، وأصبحت الحاجة ملحّة إلى مشروع حيوي ينهي تلك المعاناة التي تتفاقم يوما بعد آخر.
يقول سعيد علي محامد، عاقل حارة (55 عاما) ، لمنصة ريف اليمن: “إن الأزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي ممتدّة لسنوات، ويعتمد السكان على شراء الوايتات لتغطية احتياجاتهم من المياه من أجل الاستمرار على البقاء، ويلفت إلى أن هناك أُسَرا كثيرة تعجز عن دفع تكاليف المياه التي تُجلب من مناطق بعيدة بمسافة تتجاوز 15 كيلومترا.
ويشير إلى أن قيمة الوايت تصل إلى 18 ألف ريال يمني، فيما تتفاوت الأسعار من منطقة لأخرى، وهو ما ضاعف من حجم الكارثة التي يواجهها المواطنون.
وناشد محامد قيادة السلطة المحلية والمؤسسة العامة للمياه بالمحافظة بالاهتمام بالمناطق الريفية والحارات التي تعاني من شحّة المياه، وطالب بالاستجابة للنداءات المتكرّرة التي يرفعها الأهالي من وقت لآخر، وبسرعة التدخّل بمشروع مياه يكون كفيلا لإنهاء معاناتهم.
يُعد اليمن واحداً من أكثر البلدان معاناة من شح المياه في العالم بحسب البنك الدولي
سكان يشكون من أعطال متكررة
وإلى جانب هذه المنطقة، ثمة مناطق أخرى يشكو سكانها من انقطاع المياه، منها وادي المسيلة، ورغم تدخل السلطة المحلية هناك مؤخرا بافتتاح ستة آبار ارتوازية مع ملحقاتها بمنطقة البطاحية تخدم مديريتي المسيلة وسيحوت، واستبشر المواطنين بها، ما تزال الأزمة قائمة، بحسب السكان.
وعلى الرغم من مرور عدة أشهر على ذلك المشروع، عادت شكاوى المواطنين من جديد، نظرا للأعطال المتكررة، إلى جانب عدم ربط جميع مناطق المديرية بهذا المشروع، وهو ما يعجز المواطنون عن تنفيذه، ويحاولون تغطية احتياجاتهم بطرق تقليدية مثل شراء الوايتات وغيرها، مع استمرار مطالباتهم لقيادة السلطة المحلية بالقيام بدورها وسرعة التدخل في المناطق الأكثر احتياجا.
ويُعد اليمن واحداً من أكثر البلدان معاناة من شح المياه في العالم، حيث يعاني 18 مليوناً من السكان من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي، ومن المرجح أن يكون توفير المياه الصالحة للشرب من أكبر المشاكل التي سيواجهها أبناء اليمن في السنوات القادمة، بحسب البنك الدولي.
المواطن محمد عوض (25) قال إن” وادي المسيلة ظلّ يعاني مِن أزمة المياه طوال السنوات الماضية، وقد استبشر المواطنون بتنفيذ مشروع المياه الجديد لطيّ معاناتهم، إلا أنهم تفاجؤوا مؤخّرا بالانقطاعات المتكرّرة لعمل المشروع، وهو ما أعاد الأزمة إلى سابق عهدها”.
إلى جانب عوض، يؤكّد المواطن زهير غانم أن انقطاع خطوط المياه شكّل عبئا إضافيا على كاهل السكان الذين كانوا يأملون أن يكون مشروع افتتاح الستة الآبار حلّا جذرياً لمشكلة المياه المتفاقمة بمديريتي المسيلة وسيحوت، ويطالب السلطة المحلية بالمديرية والمحافظة بوضع الحلول العاجلة لهذه الإشكاليات، وبضمان استمرارية عمل المشروع بكفاءة بعيدا عن الأعطال المتكررة.
المهرة.. نمو سكاني بلا خدمات
وبالتوازي مع ذلك التدخل، لا تزال مناطق متفرّقة بالمديرية لم يشملها هذا المشروع، وهناك مطالبات واسعة بربط مناطقهم في الفترة القادمة لمواجهة أزمة المياه، لا سيما في ظل النمو السكاني والازدهار العمراني الذي تشهده المنطقة، وحاجة السكان إلى المشاريع الأساسية وأبرزها المياه.
وتعاني قرى ريفية لا حصر لها من قلة الخدمات الأساسية في شتَّى أنحاء اليمن، لكن نقص المياه الصالحة للشرب هو أكبر التحديات التي يواجهها الكثيرون في هذه المجتمعات المحلية الأكثر احتياجاً. ويُعد الحصول على المياه الصالحة للشرب عملاً روتينياً يومياً، ودائماً ما تقع المسؤولية عن جلبه تقريباً على كاهل النساء والأطفال. وهذه المشكلة تزداد سوءاً مع تغير المناخ الذي يؤدي إلى اشتداد شح سقوط الأمطار وعدم انتظامها.
مدير عام مديرية المسيلة فضل صلاح الدحيمي قال: “إن المديرية تعاني مِن انقطاع المياه منذ فترة طويلة، وهناك الآلاف مِن السكان يعانون مِن تداعيات هذه الأزمة، إلا أن السلطة المحلية كان لها دور في افتتاح عدد من مشاريع المياه ضمن جهودها للتخفيف من معاناة المواطنين، وآخرها افتتاح ست آبار”.
وأضاف الدحيمي لمنصة ريف اليمن أنه ومع ذلك لاتزال هناك مناطق كثيرة بالمديرية تعاني مِن انقطاع المياه، وتحاول السلطة المحلية بذل قصارى جهدها للقضاء على هذه الأزمة، وضخ المياه إلى جميع المناطق.
وتعتبر مديرية المسيلة، التي تقدّر مساحتها بنحو 6806 كيلومترات، غنية بالمياه، إلا أنها بحاجة إلى مشاريع إرتوازية، لا سيما أنّ سكانها يلجؤون لإنشاء تجمّعاتهم في أماكن متباعدة، وهو ما يشكّل صعوبة في وصول المشاريع الحيوية، ويأمل المواطنون أن تضع جهات الاختصاص دراسة لجميع المناطق والتدخل بمشاريع مياه لإنهاء الأزمة.
تعيش عشرات القرى، في سفح جبل سُمارة بمحافظة إب وسط اليمن، معاناة غير مرئية بعيدة عن عدسات الكاميرا؛ إذ تعاني حالة من الحصار والانقطاع عن الخارج نتيجة توقف الحركة في طريق الشعوب التي تعد شريان حياة لـ17 قرية، بسبب السيول والانهيارات الصخرية القادمة من أعلى الجبل.
ما الذي حدث في نقيل سُمارة؟
شهدت المنطقة في الـ 25 من أغسطس الجاري أمطارا غزيرة أدّت إلى تدفّق سيول جارفة، وقد صاحبها انزلاقات صخرية تحدث لأول مرة في سلسلة جبل سمارة، وقد أوقفت حركة السير في طريق صنعاء – تعز لنحو ٤٨ ساعة، وعقب تدخل السلطة المحلية، فُتحت الطريق.
الصخور والأحجار المنحدرة من أعلى الجبل بفعل السيول وعملية فتح الخط الدولي قطعت طريق أهالي قرية الشعوب في سفح الجبل، وما يزال الأهالي عالقين إلى لحظة كتابة التقرير، ولا يستطيعون الوصول إلى الأسواق في المحافظة، ولم تتدخل السلطة لفتح الطريق.
يقول فضيل عبد الله (35عاما) وهو سائق سيارة نقل بضائع: “إن السيول القادمة من جبل سمارة عطّلت الطريق الريفي تماما، وبات الأهالي في حالة من الحصار لا يستطيعون الخروج والدخول من القرى وإليها”.
وأضاف في حديثه لمنصة ريف اليمن أن هناك سبعة أماكن في الطريق الريفي تضررت، خمسة منها أضرار جزئية، وهذه يستطيع الأهالي إصلاحها، لكن الأماكن الأخرى تضرّرت بشكل كلي، وتحتاج إلى تدخل من السلطة المحلية أو المنظمات الفاعلة.
وقد أظهرت صور وفيديوهات، حصلت عليها منصة ريف اليمن، طريق الشعوب وهي معطلة، تتوسطها صخور كبيرة تقطع عبور سيارات النقل.
يضيف فضيل وهو من أبناء قرية بيت عباس (مجاورة لقرية الشعوب) أن الأهالي لن يستطيعوا فتح الطريق بجهودهم الذاتية مهما حاولوا، خصوصا في منطقتي نحيمة والنباهي، وفيهما تضرّرت الطريق بشكل كلي، وتحتاج إلى صيانة بعد إزالة الصخور والأحجار والأتربة المتراكمة.
شريان حياة
تمتد طريق قرية الشُعوب بطول يبلغ نحو 6 كيلومترات، وتشكل شريان حياة لسكان 17 قرية، وتعد قرية الشُعوب هي الأعلى في عدد السكان؛ إذ يبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة تقريبا، وتتوزّع تلك القرى إداريا على مديريات يريم والمخادر وأجزاء من مديرية القفر، وهي قرى متداخلة ومتقاربة، وهو ما يعزز أهمية الطريق.
تبدأ الطريق من وسط نقيل سمارة الشهير، وتحديدا من منطقة تُسمى جربة النجد، وهي منطقة تتبع إداريا مديرية المخادر، وتمرّ بجبال عدة، وبمنحدرات شديدة الخطورة، وتقطع عددا من القرى والأراضي، وتنتهي وسط الشعوب، وهي قرية تتميز بالخضرة ووفرة الماء والزراعة.
ويعتمد سكان القرى في حياتهم اليومية عليها في جلب حاجياتهم بشكل يومي من الأسواق في المحافظة مثل سوق السبت، ومنطقتي الدليل والمفرق، ويعتمد عليها الطلاب في الوصول إلى جامعة إب للدراسة، الأمر الذي يجعل منها شريان حياة، وتعطلها يمثل توقف للحياة.
ويؤكد محمد العزي (25عاما) أن الجميع عالق في هذه القرى، ولا طريق أخرى بديلة لعبور السيارات ودخول البضائع إلى القرى، مضيفا أن المعاناة تتضاعف في حالة إسعاف المرضى، الأمر الذي يهدّد حياة السكان، خصوصا كبار السن.
ويشير ضياء محمد أن الطلاب من أبناء تلك القرى توقّفوا عن الدراسة، والبعض يضطر للخروج بواسطة الدراجات النارية، أو المشي على الأقدام إلى أعلى جبل سمارة (نحو 2 كيلومتر)، حيث يستقل باصات نقل إلى مدينة إب.
تسببت انزلاقات صخرية وطينية بإغلاق الطريق في نقيل سمارة الرابط بين صنعاء، ومحافظات إب وتعز وعدن. بشكل كلي، وتشهد البلاد أمطار غزيرة تسببت بانهيارات في عدد من المناطق.#منصة_ريف_اليمنpic.twitter.com/YXrXtptTOj
وأطلق السكان مناشدة عاجلة للسلطة المحلية في المحافظة ولكل الجهات المعنية، طالبوا فيها بالتدخل العاجل لفتح الطريق، مؤكّدين أن الطريق بحاجة إلى حلّ جذري لتصريف السيول، وتأمينها من الصخور المنحدرة من أعلى الجبل.
ويقول خليل محمد (25عاما) وهو أحد شباب قرية الشعوب: “الطريق تحتاج إلى تدخل عاجل من السلطة المحلية لإزالة الصخور وفتح الطريق”، موضحا أن الأهالي ليس بوسعهم ذلك، فالأمر يحتاج إلى آليات ثقيلة.
وأضاف خلال حديثه لمنصة ريف اليمن أن المشكلة تتكرّر مع حلول موسم الأمطار في كل عام نتيجة غياب العبّارات الخاصة بتصريف مياه السيول، موضحا أن نزول الصخور الكبيرة هي الشيء الجديد الذي أثار مخاوف السكان.
ويذكر عمر أنور (40 عاما) وهو سائق دراجة نارية أن مشكلة الطريق مع السيول تحتاج إلى حل جذري، وهو عمل جسور، وعبّارات لتصريف السيول القادمة من جبل سمارة نحو القرى في أسفل الجبل، موضّحا أن المشكلة نفسها تعاني منها قرى أخرى مجاورة مثل قرية المراحب وغيرها.
وفي حديثه لمنصة ريف اليمن، دعا عمر السلطة المحلية والمنظمات المحلية والدولية العاملة في اليمن إلى تبني مشروع لإصلاح الطريق الهامة التي تُعد شريان حياة لآلاف السكان في القرى.
وأوضح عدد من السكان أن السلطات المحلية في المحافظة أبدت تجاوبها لكنها لم تتدخل فعليا حتى الآن، وما يزالون في الانتظار، مجدّدين مناشداتهم عبر المنصة للسلطة المحلية والمنظمات للتدخل وعمل حلول جذرية للطريق.
وكانت منصة ريف اليمن قد نشرت في وقت سابق تقريرا مفصلا عن طريق الشعوب وأهميتها الاستراتيجية لحياة السكان، وعرض التقريرُ المخاطر التي تهدّد الطريق نتيجة تدفق السيول من سلسلة جبال سمارة.
ومنذ أواخر يوليو الماضي، ازداد معدل هطل الأمطار بمدن يمنية ما أدى إلى وفاة العشرات، وتضرر نحو ربع مليون شخص، خصوصا من يعيشون في مخيمات النزوح، وفق الأمم المتحدة التي حذرت من أن الطقس السيئ في اليمن سيستمر حتى سبتمبر/ أيلول المقبل.
مأرب هي حاضنة أهم حضارات الشرق القديم، لذا تعد السياحة الريفية فيها من أهم العوامل الاقتصادية التي ممكن أن تخلق طفرة على مستوى اليمن، حيث تتنوع فيها مناطق الجذب السياحي، لكنها بحاجة إلى تنمية شاملة.
تقع محافظة مأرب شرقي العاصمة صنعا (172 كم)، وتتنوع تضاريسها بين الجبال، الوديان، السهول، والصحاري، وتمتد حدودها الشمالية حتى صحراء الربع الخالي، وإلى جانب المعالم التأريخية العريقة التي تحتضنها مأرب كمهد للحضارة السبئية، تبرز أيضا السياحة الصحراوية كجزء مهم يمكن أن يكون عامل حافز.
رغم أن السياحة في اليمن شبة متوقفة حالياً ومنها مأرب التي تشهد ظروف استثنائية منذ عقد من الزمن بسبب الحرب، لكننا نورد في هذا المقال أهم الأفكار السياحية والمناطق التأريخية التي يمكن أن تكون عامل مهم يحتاج إلى اهتمام في أي مسار تنمية قادم في البلاد.
نورد هنا لمحة عن السياحة الصحراوية، وتعريف في المواقع الأثرية والمعالم التأريخية العريقة في مأرب، والتي ممكن أن تكون إحدى وجهات السياحة.
تعد السياحة الصحراوية من التجارب الفريدة التي تجذب السياح من مختلف أنحاء العالم، وبدأت في اليمن بعد تحقيق الوحدة اليمنية في عام 1990، التي أدت إلى توسيع حركة البرامج السياحية في البلاد. من بين أبرز التحولات التي ظهرت في هذا السياق كان بروز “السياحة الصحراوية” كنمط جديد من السياحة في اليمن.
هذا النمط أخذ شكل برامج سياحية مثل “برنامج أسعد الكامل” و”برنامج رملة السبعتين”، اللذين يختصران المسافة بين مأرب، شبوة القديمة، وحضرموت. وقد اكتسبت هذه البرامج شهرة عالمية كبيرة، وأصبحت جزءًا هامًا من البرامج السياحية الدولية المنظمة.
رمال مأرب الذهبية تعزز فرص السياحة الصحراوية، ديسمبر 2022 (فيسبوك/ معاذ كدم)
هذا النوع من السياحة كان يشترط وجود دليل سياحي محلي، غالبًا من أبناء مأرب، الذين كانوا يعملون من خلال وكالات السياحة عبر الصحراء، هؤلاء كانوا معروفين باسم “مجاهيل الصحراء”، بفضل معرفتهم الفطرية والمهارة التي اكتسبوها عبر الأجيال في تجاوز الكثبان الرملية العالية وخوض مغامرات مثيرة للسياح في قلب الصحراء.
تتضمن برامج السياحة الصحراوية التوقف عند مضارب البدو الرحل، الذين يعيشون في الصحراء حياة الرعي والترحال. ويتمكن السياح من خلال هذه الزيارات من التعرف على ثقافة الصحراء ونمط الحياة البدوية، حيث يتعلمون كيفية تعامل البدو مع ظروف الصحراء القاسية.
أكثر ما يلفت انتباه السياح ويثير إعجابهم هو الحفاوة والترحاب والشهامة التي يستقبلون بها، إلى جانب كرم الضيافة الذي يميز أهل الصحراء. من بين المضارب البدوية الشهيرة التي تستقبل السياح، هناك رباط آل نوران غرب صافر ورباط الصيعر قرب شبوة القديمة.
المواقع التاريخية والأثرية في مأرب
تعتبر محافظة مأرب موطنًا للعديد من المواقع التاريخية والأثرية التي تعكس عظمة الحضارة السبئية، وهنا نورد أهم تلك المعالم السياحة والتي معظمها، نستطيع تصنيفه ضمن السياحة الريفية.
براقش
تبرز مدينة براقش (يثل)، الواقعة في مديرية مجزر بالمنطقة شبه الصحراوية على طريق مفرق حزم الجوف، المتفرع من الخط الرئيسي بين صنعاء ومأرب، وتبعد حوالي 47 كم عن مركز محافظة مأرب و125 كم عن صنعاء.
المدينة تقوم فوق تل مرتفع كقلعة مهيبة، محاطة بسور حجري يصل ارتفاعه إلى 8 أمتار، ولا يزال معظمها في حالة جيدة، مما يجعلها من أفضل أسوار المدن اليمنية القديمة. يضم السور 57 برجًا، وللمدينة بوابتان، واحدة في الجهة الشرقية والأخرى في الجهة الغربية.
تعتبر براقش العاصمة الدينية للدولة المعينية، لكنها ضمن التقسيم الإداري لمحافظة مأرب. فعندما تنطلق البرامج السياحية من صنعاء لزيارة مأرب، تبدأ غالبًا بزيارة مدينة براقش الأثرية. جدد السبئيون بناء سور مدينة براقش بعد استيلائهم عليها عام 450 ق.م، وخلال الحملة الرومانية، حاول قائدها أليوس جالوس في عام 24 ق.م احتلال براقش، لكنه فشل خارج سورها المنيع.
مدينة براقش التأريخية
تشمل مكونات المدينة بقايا آثار معبد في الجزء الجنوبي، يمثل النمط المعماري السائد عند المعينيين، وله أعمدة رأسية وأفقية تبقى منها 16 عمودًا، ويعتقد المختصون أنه كان معبدًا للإلهة عثتر. كما يوجد بقايا آثار معبد آخر وسط المدينة، لا تزال فيه بقايا 4 أعمدة، وهناك عدد من النقوش المسندية الحجرية في بعض أجزاء السور. وبالقرب من مدينة براقش، توجد بقايا مواقع أثرية مثل الأحقاف ودرب الصبي المؤدي إلى معبد نكرح في الجهة الغربية للمدينة، والمواقع الأثرية في خربة اللسان في الجهة الشرقية للمدينة.
هذه المواقع وغيرها من الآثار في محافظة مأرب تعكس العمق التاريخي والحضاري لهذه المنطقة، وتبرز أهمية مأرب كمركز رئيسي للحضارة السبئية القديمة، وتجعلها وجهة سياحية هامة للراغبين في استكشاف تاريخ اليمن الغني.
مدينة مأرب القديمة
تُعد مدينة مأرب القديمة من أبرز المدن اليمنية التاريخية وأشهرها، إذ كانت عاصمة حضارة سبأ لعدة قرون. تقع مأرب في السهل السبئي على مشارف صحراء مفازة صيهد وكانت تتحكم في طريق التجارة الهام المعروف تاريخيًا بطريق اللبان، حيث كانت تشكل نقطة التقاء للقوافل القادمة من ميناء قنا وعبر وادي حضرموت.
عاصرت مأرب نشوء وازدهار حضارة سبأ، وظلت مدينة مهمة حتى بعد انتقال العاصمة إلى ظفار وذي ريدان. تشير النقوش المسندية المعروفة إلى أن سور المدينة وقصورها، بما في ذلك قصر “سلحين”، شُيدت بداية الألف الأول قبل الميلاد، وربما قبل ذلك بكثير.
وكان الملك الذي لا يسيطر على مأرب وقصرها يُعتبر ملكًا هامشيًا حتى وإن لقب نفسه بملك سبأ. تعد مأرب القديمة أضخم مدينة أثرية في جنوب الجزيرة العربية، وتعتبر مخزنًا أثريًا يضم تاريخ اليمن وتراثه، ولا تزال خرائب المدينة واضحة على التل المرتفع 25 مترًا عن مستوى سطح الأرض، والذي يحمل مباني ترابية مهجورة تم استحداثها لاحقًا.
معبد أوام (محرم بلقيس)
يُعرف معبد أوام، أو كما يُسمى “محرم بلقيس”، بأنه أكبر وأهم المعابد السبئية، ويقع على بعد 4 كيلومترات جنوب شرق عرش بلقيس. وأُجريت عملية تنقيب أثرية جزئية عند مدخل المعبد بواسطة بعثة المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان في عام 1952م، ولكن الموقع لا يزال بحاجة إلى تنقيبات أثرية متكاملة ودراسات علمية معمقة لكشف أسرار هذا المعبد ومكانته الطقوسية الدينية في الحضارة السبئية.
معبد أوام، المعروف أيضا باسم محرم بلقيس في مأرب، فبراير 2018 (AP)
تُشير النقوش المسندية إلى أن معبد أوام كان محج سنويًا لكل القبائل الخاضعة لسيطرة سبأ وغيرها، حيث كان يُجسد الخضوع، ووحدة الآلهة، ورمزها الديني، والروحي، ويتميز المعبد بشكله شبه البيضاوي، حيث يبلغ طوله 94 مترًا وعرضه 82 مترًا، مع سور حجري يبلغ سمكه 4 أمتار وارتفاعه 9 أمتار. يتميز الجزء العلوي من السور بزخارف فنية تُعد نموذجًا للفن السبئي.
أمام المدخل الرئيسي للمعبد، يوجد بهو بأعمدة، كما تنتصب ثمانية أعمدة كبيرة في صف واحد على مسافة 10 أمتار من المدخل في الجهة الشرقية. يعود تاريخ معبد أوام إلى بداية الألف الأول قبل الميلاد، وهو يُمثل مكانًا مركزيًا للطقوس الدينية الكبرى في سبأ.
عرش بلقيس (معبد بران)
يُعرف معبد بران، المشهور شعبياً باسم “عرش بلقيس”، بكونه بيت الإلهة المقة (إله القمر) وفقًا للنقوش المسندية، حيث ورد اسمه في تلك النقوش إلى جانب آلهة أخرى مثل ذات حميم (إلهة الشمس) وعثتر (إلهة الزهرة). كشفت أعمال التنقيب التي أجرتها البعثة الأثرية الألمانية عن أن المعبد مر بمرحلتين واضحتين. امتدت المرحلة الأولى من بداية الألف الثانية قبل الميلاد حتى بداية الألف الأول قبل الميلاد، بينما بدأت المرحلة الثانية حوالي 850 قبل الميلاد واستمرت حتى نهاية الدولة السبئية.
يتميز بناء المعبد بتصميمه المربع، مع بوابة رئيسية في الجهة الشمالية تفتح على ساحة مكشوفة أمام قدس الأقداس. في وسط الساحة، يوجد بئر مقدس ملحق بحوض حجري مستطيل الشكل، حيث يتدفق الماء إلى الحوض عبر رأس الثور المقدس المنحوت من الحجر. تربط 12 درجة بين الساحة المكشوفة وقدس الأقداس، وتحاط الساحة بجدران من الجهات الجنوبية والغربية والشمالية، مع وجود صف من الكراسي المنحوتة من المرمر ثابتة في الجهة الغربية. يحيط بالساحة المقدسة سور من اللبن تعلوه خمسة أبراج: ثلاثة في الجهة الغربية، وبرج في الجهة الجنوبية، وبرج في الجهة الشمالية.
عرش بلقيس في مأرب
هذه المواقع الأثرية الهامة تعكس الغنى الحضاري والتاريخي لمأرب القديمة، وتبرز مكانتها كواحدة من أبرز مراكز الحضارة السبئية. من خلال التنقيب المستمر والدراسات العلمية، يمكن الوصول إلى فهم أعمق لتاريخ مأرب ودورها المحوري في تاريخ اليمن القديم.
سد مأرب العظيم
يقع سد مأرب العظيم في وادي ذنة (وادي سبأ) بين جبلي البلق الشمالي والجنوبي، بالقرب من سد مأرب الجديد. يعد هذا السد من أبرز الرموز التاريخية للحضارة السبئية، إذ عاصر نشوء وتطور تلك الحضارة وشهد ذروة ازدهارها. كان انهيار السد الأخير إشارة إلى أفول هذه الحضارة. يمثل سد مأرب القديم أعلى تقنيات حجز المياه وتصريفها في نظام ري متطور لم يعرفه العالم القديم من قبل.
اشتهر السد كأهم منشأة ارتبطت بحضارة سبأ، وكان بمثابة معجزة هندسية أبدعها الإنسان اليمني القديم، إلا أنه لا يزال بعيدًا عن التنقيب الأثري العلمي المتكامل للكشف عن صورته العلمية الكاملة، المرتبطة بتطور وتوسيع الأراضي الزراعية وإدارتها.
تشير النقوش المسندية المتوفرة إلى أن بناء السد يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، لكن هذه النقوش غير كافية لتحديد بداية بناء السد بدقة. المؤشرات العلمية السطحية تدل على أن السد استمر في أداء وظائفه على مدى عصور تاريخية طويلة، وشهد تعاقب العديد من الملوك على إدارته، مما يتطلب ترميمًا متكررًا له، حيث كان كل ملك يضع نقشًا باسمه على جدار السد يوثق إنجازاته.
سد مأرب العظيم ظل في شبه الجزيرة العربية القديمة لأكثر من ألف عام (Photo: George Steinmetz)
تشير بقايا سد مأرب العظيم إلى أن السيول المتدفقة من المرتفعات الجبلية الكبيرة المتجهة إلى مداخل وادي سبأ كانت تتجمع وتحجز بالسد. تشير الترسبات الباقية بالقرب من المصرف الجنوبي إلى أن ارتفاع السد القديم كان يبلغ 35 مترًا، وطوله 720 مترًا، بينما كان سمكه عند القاعدة 60 مترًا. كانت أساسات السد مبنية من الأحجار الضخمة، وفوقها جدار ترابي مملط بالحجارة والحصى من الجانبين، وكان سطح الجدار الخارجي مغطى بأحجار بركانية. لا يزال جزء صغير من جسم السد القديم قائمًا بالقرب من المصرف الشمالي، حيث كان يقع الصدفان (المصرفان) اللذان يخرج منهما الماء إلى شبكات القنوات.
وما زالت بعض أجزاء جدران الصدفين قائمة، كما وصفها الهمداني قبل أكثر من ألف عام. تمثل عبقرية نظام الري القديم في سد مأرب قدرته على تجميع المياه من مساقط مرتفعات عديدة وحجزها لرفع منسوب المياه بهدف ري مساحات كبيرة من أرض الجنتين المذكورة في القرآن الكريم، وذلك وفق نظام هندسي دقيق متصل بالصدفين الشمالي والجنوبي.
وأشارت الدراسات العلمية وأعمال التنقيب الأثري الجزئية التي قامت بها البعثة الأثرية الألمانية في عامي 1988 و1989م إلى أن ما توصل إليه اليمنيون القدماء من إبداع هندسي في بناء سد مأرب العظيم كان نتيجة سلسلة من التجارب السابقة التي تعود إلى بداية الألف الثانية قبل الميلاد، في محاولة لاكتشاف أقدم السدود في مناطق مثل أعروش خولان الطيال والسدود القديمة شرق سد مأرب.
السد التحويلي “المنشأة أ”
قامت البعثة الأثرية الالمانية بأعمال التنقيب الأثري في موقع السد التحويلي، وأشارت نتائجها إلى أن بناء هذا السد يرجع إلى بداية الألف الثانية قبل الميلاد. يقع السد شرق سد مأرب في وسط وادي ذنة، وكان أحد المحاولات التي سبقت بناء السد العظيم.
بُني السد بالحجارة الضخمة، حيث يصل طول الحجر الواحد إلى مترين، وتم ربط الأحجار بمادة الرصاص لمقاومة صدمات السيول. ومع ذلك، لم تنجح هذه المحاولة بسبب تراكم الطمي والرسوبيات. كان طول السد يبلغ 55 مترًا وعرضه 30 مترًا.
سد الجفينة
سد الجفينة هو سد قديم مرتبط بمنظومة سد مأرب العظيم، ويعود تاريخه إلى منتصف الألف الثانية قبل الميلاد. يُعتبر سدًا تحويليًا لما يفيض من مياه السد العظيم، وشُيد بهدف ري مساحة الأراضي الزائدة للجنة اليسرى.
يتصل بالسد أربع قنوات لتوزيع المياه مبنية بأحجار مهندمة، ويرتبط بها عدد من الجدران السائدة التي يصل ارتفاع بعضها إلى 10 أمتار، وطول بعضها إلى 300 متر. تعرض السد لتصدعات وأعيد بناؤه وترميمه في فترات زمنية لاحقة.
إحدى قنوات تصريف سد مأرب الجديد، أغسطس 2022 (فيسبوك/ علي عويضة)
البئر السبئية
تقع البئر السبئية في الجهة اليمنى من الطريق المؤدي إلى السد، على مسافة 6 كيلومترات غرب مدينة مأرب القديمة. تقع البئر فوق تل ترابي يرتفع عن الحقول المجاورة، وأعلى التل يوجد باب البئر السبئية الذي يبلغ عمقها 35 مترًا.
تتميز البئر بشكلها المربع، حيث أن كل ضلع من أضلاع البئر مكون من حجر واحد فقط، وهو أسلوب غير مألوف بين أنماط الآبار القديمة المعروفة. لم تُعرف قيمة البئر الأثرية إلا بعد نهاية التنقيب في معبد بران “عرش بلقيس” والكشف عن البئر المقدسة في المعبد، حيث يتطابق نمط بنائها الفريد مع نمط بناء البئر السبئية.
هذه المعالم الأثرية المتنوعة تعكس مدى تطور الحضارة السبئية وعبقرية الإنسان اليمني القديم في هندسة المياه والري، وهي بحاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية للكشف عن مزيد من الأسرار والتفاصيل التاريخية التي تثري الفهم الحالي لتلك الحضارة العريقة.
الأعمدة الحجرية الضخمة وألواح الرخام
عندما يقف كل زائر لمحافظة مأرب أمام أعمدة معبد برّان أو معبد أوام، يتبادر إلى ذهنه عدد من التساؤلات البديهية حول كيفية استخراج تلك الكتل الحجرية الضخمة، ومن أين تم قلعها، وكيف تم نقلها ورفعها في مواضعها. كما يطرح الزوار تساؤلات حول كيفية بناء ألواح الرخام بدقة هندسية متناهية تعكس تطور الفنون المعمارية للحضارة السبئية.
هذه التساؤلات المشروعة تتطلب إجابات علمية مقنعة تقدم للزوار بوسائل متعددة، بما يساهم في تنمية الوعي الاجتماعي التاريخي والأثري، وحفاظًا على منجزات الحضارة السبئية التي تعد عنوان الهوية الوطنية.
وفي هذا الصدد، توجد مقالع للأحجار الضخمة على سفح أحد الجبال المتفرعة من سلسلة جبل هيلان المحاذي للطريق الرئيسي صنعاء – مأرب، على بعد 50 كيلومترًا من مركز محافظة مأرب. تمت مطابقة مقاسات كتل الأعمدة الصخرية الضخمة المنتصبة في المعبدين مع أماكن استخراجها في تلك المقالع، وكانت النتائج متقاربة.
الأعمدة الحجرية المكتوب عليها بالخط المسند في معبد أوام، بمأرب فبراير 2018 (AP)
أما مقالع ألواح الرخام، فتوجد في موقع الكنائس والجدران بالقرب من الطريق الرئيسي مأرب – العبر بعد منطقة الرويك، كان موقع الكنائس والجدران أحد محطات القوافل التجارية القديمة على طريق اللبان التاريخية. وتوجد مقالع الرخام أيضًا في صحراء رملة السبعتين بالقرب من منطقة الرويك، ولا تزال تعمل وتصدر منتجاتها الخام إلى الخارج.
بانوراما وادي سبأ
بعد تجاوز بقايا آثار المصرف الشمالي للسد القديم، توجد طريق على الجانب الأيمن للمصرف تبدأ منها الصعود إلى جبل البلق الشمالي حتى الوصول إلى حافة مرتفعة تشاهد منها لوحة بانورامية شاملة لمنجزات العصور السبئية القديمة.
يمكن رؤية بقايا آثار مصرفي سد مأرب القديم ومجرى وادي ذنة وبقايا أطلال القنوات القديمة، بالإضافة إلى منجزات العصر الحديث مثل حاجز السد الجديد ومصرفه، وامتداد بحيرة السد ومسطحها المائي الواسع والقنوات الجديدة المحاطة بمزارع خضراء.
سد مأرب الجديد
يعد سد مأرب الجديد أكبر منشأة مائية في الجمهورية اليمنية، ويكتسب أهمية اقتصادية ومعنوية وسياحية لدى الزائر لمحافظة مأرب، إذ يحاكي الماضي والحاضر. يحرص الزوار على مشاهدة بحيرة السد الواقع في وادي ذنة بين جبلي البلق الشمالي والجنوبي، على بعد 2 كيلومتر من بقايا آثار مصرفي سد مأرب القديم. نفذت بناء السد الجديد شركة الشروق التركية بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة، مستفيدة من التقنيات الهندسية للسد القديم. تم افتتاح السد الجديد نهاية عام 1986.
بني السد على شكل هرمي عريض عند القاعدة وضيق في القمة. يبلغ عمق قاعدة السد الخرسانية 60 مترًا، وطول جسم حاجز السد الذي يربط بين جبلي البلق 763 مترًا، وعرضه عند مستوى سطح الوادي 337 مترًا، وعند مخرج بوابة تصريف المياه 195 مترًا. يضيق العرض تدريجيًا كلما ارتفع جسم حاجز السد حتى يصل عند القمة إلى 8 أمتار فقط. يمكن الوصول إلى القمة بالسيارة عبر طريق أسفلتي تم شقه في جسم السد.
تبلغ مساحة بحيرة السد 30 كيلومترًا مربعًا، حيث تتجمع فيها مياه الأمطار من مرتفعات شرق صنعاء وجبال مناطق خولان الطيال وبني جبر وحريب القراميش وصرواح. أنشئت حواجز لمنع الرسوبيات التي تجرفها السيول قبل وصولها إلى بحيرة السد، التي تبلغ سعتها الإجمالية 400 مليون متر مكعب من المياه. في عام 2020، تجاوزت مياه السيول السعة الإجمالية لبحيرة السد لأول مرة منذ إنشائه، وتم تصريف المياه الزائدة بواسطة بوابة مفيض السد المحاذية لمديرية الجوبة ومنها إلى صحراء النقعة.
يتبع السد قنوات ري رئيسية وفرعية تجري فيها المياه المنطلقة من بوابة التصريف للسد، التي يتم التحكم بأندفاع مياهها آليًا بطاقة تصل إلى 35 متر مكعب في الدقيقة. تندفع المياه إلى مجرى وادي سبأ، ثم السد التحويلي، ومنه إلى القنوات لتروي 35 ألف هكتار من الأراضي الزراعية كمرحلة أولى. ساعدت مياه بحيرة السد على تغذية المياه الجوفية ورفع منسوبها في المنطقة. ورغم أن السد الجديد يعتبر مقصدًا رئيسيًا ومتنفسًا لسكان محافظة مأرب وزوارها، إلا أنه لا تتوفر فيه أبسط الخدمات الضرورية.
مديرية الوادي
يرجع اسم مديرية الوادي إلى وادي عبيدة، المتفرع من وادي سبأ التاريخي. على جانبي هذا الوادي، تسكن عشائر قبيلة عبيدة، إحدى المكونات القبلية لمحافظة مأرب. قبل نشوء وتطور مدينة مأرب الجديدة، كانت مديرية الوادي تمثل النطاق الجغرافي الأساسي والمركز الاقتصادي المتمثل بسوقها الأسبوعي الكبير الذي يُقام كل يوم خميس في وادي عبيدة بمنطقة حصون آل جلال.
بعد بناء القصر الجمهوري والمراكز الإدارية للدولة، وتوسع مدينة مأرب الجديدة ونمو الكثافة السكانية وتداخل السكان من محافظات الجمهورية، صارت مديرية المدينة تتداخل جغرافيًا مع مديرية الوادي، وانتقل المركز الاقتصادي إلى المؤسسات التجارية الحديثة في مدينة مأرب، مما أدى إلى تراجع أهمية سوق الحصون.
بينما يشاهد السائح والزائر لمدينة مأرب الآثار المادية المتمثلة بالمواقع التاريخية والأثرية الحضارية السبئية، إلا أنه قد لا يشاهد الآثار اللامادية المتمثلة في العادات والتقاليد والأعراف والأزياء التقليدية القديمة وإيقاع الحياة اليومية للسكان الأصليين في أرض سبأ.
منظر جوي لمزارع البرتقال في مديرية “الوادي” نوفمبر 2021 (فيسبوك/ على عويضة)
وتتجسد هذه العادات على ضفتي وادي عبيدة وحصون آل جلال وآل شبوان ومنطقة الأشراف وبيت الأمير، وآل منيف، وآل حتيك، وغيرها. لا يزال سكان هذه المناطق متمسكون بعناصر ثقافتهم الأصلية المتمثلة في الشهامة، والنخوة، وإكرام الضيف، واحترامه. ورغم توسع المدينة تجاه مناطقهم، إلا أنهم يعتزون بقيمهم الأصيلة. يمكن لكل زائر التعرف على مناطقهم وتراثهم والاستمتاع بمشاهدة مزارعهم وحيواناتهم ونمط حياتهم.
كما يمكن التعرف على تفاصيل الحياة الصحراوية ونشاط الرعي والترحال من خلال زيارة رباط آل نوران المنحدرين من آل جلال قبيلة عبيدة، والذين يسكنون صحراء رملة السبعتين. توجد طريق مختصرة للزوار المحليين تصل إلى الرباط عبر الطريق المسفلت مأرب – صافر، ثم الرويك، ومن ثم الانعطاف يمينًا عبر طريق صحراوي تتخلله معالم طبيعية لا تزحف إليها كثبان الرمال.
تؤدي الطريق إلى رباط آل نوران، الذي سمي تيمناً باسم أكبر امرأة مسنة لديهم، والتي أسست مكان الرباط وعملت بشجاعة وصبر على تربية أولادها وحيواناتها. لا يزال سكان الرباط يواصلون نمط حياتهم الصحراوية، وأهم سماتها الشجاعة، والصبر والزهد والورع.
كان أفراد الرباط يعتزون باستقبال مجاميع السياح الأجانب، وهم الآن بنفس القدر يعتزون باستقبال الزوار المحليين من كل المحافظات. لديهم مقومات بسيطة لاستقبال ضيوفهم، مثل برميل ماء، ودورة مياه، وخيام صغيرة للمبيت.
يمكن للزوار قضاء ليلة سمر على ضوء القمر في الصحراء، حيث يتسامر أفراد الرباط مع ضيوفهم، ويرتلون الشعر بفصاحة حسب الحروف الأبجدية ويروون الحكايات والحكم والأمثال التي تعد ناموس حياتهم. يمكن للزوار تناول رشفة ماء بارد من كوز مصنوع من جلد الماعز، أو تناول كوب من لبن النياق مع وجبة الصبوح “المعصوبة” التي تتوسطها زيت السمسم.
صرواح
تقع إلى الغرب من مركز مدينة مارب الجديدة، على بعد 35 كم، وإلى الشرق من صنعاء بمسافة 120 كم. يمكن الوصول إليها عبر طريق أسفلتي. يشير بعض المؤرخين، مثل الهمداني، إلى أنها كانت العاصمة الأولى للدولة السبئية ومقرًا شتويًا لملوك سبأ.
على الرغم من ذلك، لم ترد إشارات مؤكدة في النقوش المسندية المعروفة حتى الآن، باستثناء نقش الملك ذمار علي الذي يشير إلى “ملكه في صرواح”. وتضم صرواح مواقع أثرية مهمة تنتظر التنقيب الشامل، وقد أجرت بعثة أثرية ألمانية مسحًا سطحيًا في صرواح خلال عامي 1993-1994م، لكنه غير كافٍ.
معبد الإلهة القمر (سيد الوعول) يعد أحد أهم المواقع الأثرية في صرواح، ويقع فوق تل طبيعي بارتفاع 10 أمتار عن قاع الوادي. لا يزال الجزء الشرقي من المعبد قائمًا بشكل نصف دائري بارتفاع 7 أمتار، مبنيًا بالحجر المصقول.
يحتوي المعبد على مائدة حجرية مستطيلة الشكل ومقاعد حجرية، وبجواره نقش النصر المشهور للملك السبئي “كرب إيل وتار” الذي يحكي انتصاراته في القرن السابع قبل الميلاد. جدران المعبد مزخرفة بنحت صخري يمثل رؤوس وعول، ولا تزال بعضها قائمة حتى اليوم.
البئر السبئية المقدسة: تقع على بعد 30 مترًا من معبد الإلهة القمر باتجاه الشمال، ولا تزال تعمل حتى اليوم. بجوارها برج بارتفاع 10 أمتار، يمثلان نموذجًا جيدًا للفن المعماري السبئي في صرواح.
رغوان
تقع إلى الشمال الغربي من مركز مدينة مارب، على بعد 60 كم. من أهم المواقع الأثرية فيها “خربة سعود” (كتال القديمة)، والتي كانت محطة تجارية هامة على الطريق التجاري القديم المعروف بطريق اللبان.
الموقع مشيد على تل مرتفع من سطح وادي رغوان، على شكل مربع بطول جوانبه 270 مترًا، ويحيط به سور دفاعي مع أبراج ارتفاعها 4 أمتار، وله بوابتان شمالية وجنوبية. كما تضم المنطقة بقايا أعمدة معبد وغيرها من المواقع الأثرية التي تحتاج إلى تنقيب لتكشف عن تاريخها.
الجُوبة
من أهم المواقع الأثرية فيها “يلا” الذي يقع شمال جبل مراد، ويبدو من بقايا الخرائب أنه كان موقعًا كبيرًا محاطًا بسور حجري طوله 230 مترًا وعرضه 170 مترًا.
حريب بيحان
تقع إلى الجنوب من مركز مدينة مارب. في الطريق إليها، بعد مسافة 30 كم، توجد بقايا آثار موقع “حفري”، الذي كان محطة تجارية قديمة. إلى الجنوب من “حفري”، يقع موقع “حنو الزرير” على الضفة الجنوبية لوادي شقير، الذي كان محطة تجارية على طريق القوافل القادمة من المدن القتبانية. يعد وادي شقير بمساحاته الشجرية المظللة المتنفس الرئيسي لسكان مدينة حريب.
نصائح وتوصيات للسياحة في مأرب:
تجنب المشي في الظلام: قد تشكل الحيوانات البرية في بعض المناطق خطراً، لذا يُنصح بعدم التجول ليلاً لتجنب أي حوادث.
تجنب السباحة في السدود والحواجز المائية: السباحة في هذه المواقع قد تكون خطرة. يجب منع الأطفال من الاقتراب من حواف السدود والمجاري المائية، والحذر من ممرات السيول.
التخطيط المسبق للرحلة: تأكد من توفر جميع المتطلبات اللازمة للرحلة، خاصة في المناطق النائية التي قد تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
التمتع بالطبيعة دون الإضرار بها: احرص على حماية البيئة، ولا تترك مخلفاتك خلفك.
اختيار الوقت المناسب للزيارة: يُفضل زيارة مأرب خلال فصلي الربيع أو الخريف، حيث يكون الطقس معتدلًا ومناسبًا لاستكشاف المنطقة.
ارتداء ملابس مريحة: ننصح بارتداء ملابس وأحذية مريحة، خاصة إذا كنت تخطط للمشي لمسافات طويلة أو استكشاف المناطق الجبلية.
شرب الكثير من الماء: من الضروري شرب الكثير من الماء، خاصة خلال أشهر الصيف الحارة.
احترام العادات والتقاليد المحلية: تعامل مع السكان المحليين بلطف واحترام، واحرص على مراعاة تقاليدهم وعاداتهم.
التوصيات لتشجيع السياحة الريفية في مأرب:
تحسين البنية التحتية: يجب على الحكومة اليمنية الاستثمار في تحسين البنية التحتية للمواقع السياحية في مأرب، بما في ذلك الطرق، وتوفير شبكات المياه والكهرباء، ووسائل النقل العام.
تعزيز التسويق: ينبغي للحكومة الترويج لمواقع مأرب السياحية بفعالية، من خلال الحملات الإعلانية والمشاركة في المعارض السياحية الدولية، وإنشاء موقع إلكتروني يبرز مميزات السياحة الريفية في مأرب.
نشر الوعي: يجب على الحكومة تعزيز الوعي بأهمية السياحة الريفية وفوائدها الاقتصادية والاجتماعية، عبر البرامج التعليمية وحملات التوعية.
تحسين الأمن: ضمان سلامة الزوار من خلال تعزيز الأمن في المناطق الريفية والسياحية في مأرب.
حماية البيئة: يجب اتخاذ خطوات لحماية البيئة في المواقع السياحية، من خلال سن قوانين بيئية وتنفيذ برامج توعية للحفاظ على الطبيعة.
دعم المبادرات المحلية: دعم المشاريع المحلية التي تسهم في تطوير السياحة الريفية، مثل إنشاء فنادق صغيرة ومطاعم محلية، وتوفير فرص عمل للسكان المحليين.
تطوير المنتجات السياحية: العمل على تطوير منتجات سياحية جديدة تلبي احتياجات مختلف الزوار، مثل برامج المشي لمسافات طويلة، ورحلات ركوب الخيل، وزيارات للحرف اليدوية.
الحفاظ على التراث الثقافي: يجب الحفاظ على التراث الثقافي لمأرب من خلال ترميم المواقع التاريخية ودعم المهرجانات والفعاليات الثقافية.
أخيرًا،
تعد محافظة مأرب كنزًا سياحيًا ينتظر الاستكشاف. تتمتع بجمال طبيعي خلاب وتاريخ غني، ما يجعلها وجهة مثالية للسياحة البيئية والثقافية. تنوع البيئة والأنشطة الاقتصادية يضفي على مأرب طابعًا فريدًا، لتصبح وجهة لا تُنسى للسياح من جميع أنحاء العالم. من آثار الحضارات القديمة إلى المعالم الطبيعية الساحرة، تقدم مأرب تجربة سياحية تجمع بين جمال الطبيعة وعظمة التاريخ.
* هذا المقال ضمن سلسلة تسلط الضوء على “السياحة الريفية” في كافة المحافظات اليمنية، نستعرض فيها أبرز المواقع السياحية في ريف اليمن، ولا نقدم حصراً شاملاً لها.
قائمة المراجع:
– لسان اليمن، الحسن بن أحمد الهمداني، مجلدات الإكليل، الجزء الثامن.
– الدكتور جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص205.
– الدكتور يوسف محمد عبد الله، طريق اللبان التجاري – أوراق من تاريخ اليمن وآثاره، صنعاء، 1985م، ص39-45.
– الدكتور يوسف محمد عبد الله، المعجم السبئي – مدونة النقوش السبئية.
– موسكاتي، الحضارات السامية القديمة، ترجمة السيد يعقوب بكر، بيروت، 1957م.
– عبد الله محمد حزام وفاروق ثابت علي، دليل المرشد السياحي للجمهورية اليمنية.
– دراسات يمنية، العدد 42، 1990م.
– مجلة الإكليل – تاريخ اليمن الفكري والحضاري، العدد 23، 1995م، ص174.
– مجلة اليمن الجديد، السنة الحادية عشرة، يوليو 1982م، ص9-20.
– مأرب – نتائج حفريات البعثة الأثرية الألمانية في معبد بران (عرش بلقيس).