الأربعاء, مارس 4, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 69

قرية المنصوري لحج.. حياة قاسية في قلب الصحراء

قرية المنصوري بلحج.. حياة قاسية في قلب الصحراء

يعيش السكان في قرية المنصوري بمحافظة لحج جنوب اليمن، حياة قاسية في قلب الصحراء محرومون من أبسط مقومات الحياة، ويصارعون من أجل لقمة العيش، منازلهم يتم بناؤها من الطين والقش وهناك منازل محدودة مبنية من طوب الخرسان (البلوك)، يعانون بشكل دائم مع تقلبات المناخ سواء كان برد قارس في الشتاء، أو ارتفاع الحرارة خلال فصل الصيف.

قرية المنصوري.. حياة بدائية

أطفال القرية التي تقع في مديرية تُبَن، وتبعد خمسة عشر كيلومترا عن مركز المحافظة، وتتكون من 66 منزلا متفرقا، لا يعرفون شكل المدارس، ونساؤها يعشن مشقة يومية، وأما رجالها فينتظرون الإغاثة، قوتهم كِسَر من الخبز، وأفرشتهم تملؤها الرمال، ويجمعهم رعي الأغنام.

يقول صدام ملهم (30 عاما) وهو أحد سكان القرية: “قريتنا تفتقر إلى أبسط الخدمات، ونحن مواطنون نتبع محافظة لحج، ولكنا محرومون من كل الحقوق، لا نمتلك طريقا إسفلتية تسهل عملية تنقلنا، لا كهرباء، ولا شبكة مياه، كل شيء منعدم هنا”.

ويضيف ملهم لمنصة ريف اليمن: “أطفالنا لا يعرفون شيئا من التعليم، بسبب عدم وجود مدرسة، لا نطمح بالكثير، لا نريد إلا أن نرى أطفالنا يستطيعون كتابة أسمائهم، وتمييز أعمارهم. سئمنا من وضعنا، ولدنا في هذه الأرض دون خدمات”.

قرية المنصوري بلحج.. حياة قاسية في قلب الصحراء
بعض من منازل سكان قرية المنصوري بمحافظة لحج جنوبي اليمن (ريف اليمن/  وفاء سيود)

وتساءل ملهم بالقول: “نحن لسنا متعلمين، ونعاني من الجهل، نأمل أن لا يصبح أطفالنا مثلنا، نحلم حتى بفصلين دراسيين. هنا لا توجد مدرسة، ولا طريق تسهّل على الأطفال التنقل إلى المدارس المحيطة بنا للحصول على التعليم، وما زلنا ننتظر الجهات الحكومية لعلها تتذكر أسر تنتظرها منذ سنوات”.

المواطنة خضراء بركة ذات الخمسين عاما تقول بحسرة: “ذهب العمر دون جدوى، وما زلنا ندور في الدائرة نفسها، أطفالنا يلحقون بنا دون تعليم، فتياتنا الصغار يشاركننا الوجع يوميا، نعاني من أمراض بسبب نقل الماء يوميا للمنازل”.

الحلم بالتعليم

وتضيف: “نحن هنا نفتقر لحياة آدمية، لا نعرف تذوق الخضار إلا مرة كل أسبوع، نحصل عليها بمشقة بسبب بعد المسافة، وهي أكثر من نصف ساعة مشيا على الأقدام، لا نعرف الكهرباء، ولا تجد في القرية قطرة ماء نظيف”.

وتردف: “أطفالنا يحلمون بالتعليم، لكن أحلامهم تذوب في رمال الصحراء. نحن هنا كأننا نعيش في زمن ماض، وتضيف وهي تمسح عينيها بكلتا يديها: “نحن محرومون من كل شيء، حتى من الأمل، نعاني مشقّة يومية في جلب الماء من بئر بعيدة، مخاوفنا كبيرة على صحة أطفالنا الذين يعانون من سوء التغذية والأمراض”.

هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه سكان قرية المنصوري التي تُعدّ قصة مأساوية بكل المقاييس، تعكس حجم المعاناة التي يعيشها كثير من اليمنيين في المناطق النائية، ويعود سبب معاناة سكان هذه القرية إلى الموقع الجغرافي الذي عزلها عن محيطها، بالإضافة إلى الحروب والصراعات التي تشهدها اليمن منذ سنوات. كما أن نقص الاستثمارات الحكومية والإهمال وعدم وجود خطط تنموية طويلة الأمد أسهم في تفاقم معاناة السكان.

قرية المنصوري بلحج.. حياة قاسية في قلب الصحراء
منزل مبني من القش تقطنه أسرة من أبناء قرية المنصوري بلحج جنوبي اليمن (ريف اليمن/ وفاء سيود)

لا تقتصر معاناة السكان على الافتقار إلى الخدمات، بل يعاني سكان قرية المنصوري من آثار نفسية واجتماعية عميقة نتيجة للعيش في مثل هذه الظروف القاسية. فقدان الأمل، والشعور بالعزلة، واليأس من المستقبل، كلها عوامل تسهم في تفكك الأسرة وتدهور الصحة النفسية.

دعوة للتدخل

تقول الصحفية وفاء فضل: “إن معاناة سكان القرية كبيرة، ويجب على الحكومة والمنظمات الدولية والمحلية أن تتكاتف لتخفيفها وتوفير الخدمات الأساسية للسكان، كالمياه النظيفة من خلال مدّ شبكة مياه للمنازل، وإدخال خدمة الكهرباء أو حتى مدّهم بمنظومات شمسية”.

وحول مشكلة التعليم، دعت فضل إلى وضع خطة لحل هذه المشكلة ببناء مدرسة أو حتى ربط الأطفال بمدارس القرى المجاورة وإيجاد طريق آمنة للطلاب، لكي تسهم في عملية التنقل، وكذلك بناء وحدة صحية لحل الأزمات الصحية الطارئة من إسعافات أولية وغير ذلك وتوفير شبكة صرف صحي تام لوقايتهم من الأمراض.

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، فإن أكثر من 6 ملايين طالب يمني يعانون من انهيار النظام التعليمي، وينال طلاب الأرياف الجزء الأكبر من هذه المعاناة، إذ تتراوح نسبتهم من 65 إلى 70 %، من إجمالي عدد الطلاب في البلاد.

ووفقا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الانسانية في اليمن، فإن نحو 4 / 7 ملايين طفل يحتاجون إلى مساعدة في مجال التعليم، 3.7 مليون في حاجة ماسة، ويشمل ذلك حوالي 2 مليون طفل غير ملتحقين بالمدرسة، مايعني أن التسرب وصل إلى أرقام قياسية.

الكُرْكُم.. مسحوق نساء الريف يقاوم مستحضرات التجميل

الكُرْكُم.. مسحوق نساء الريف يقاوم مستحضرات التجميل
فتاة ترعى الأغنام في منطقة مسور بمحافظة عمران شمال اليمن (ICRC Yemen)

تفرّدت المرأة في الريف اليمني بجمالها الطبيعي، وهندامها التقليدي الأنيق، ويُعتبر الكُرْكُم (يُسمّى محليا الهُرُد) من أهم مساحيق التجميل الطبيعية التي تستخدمها النساء الريفيات منذ زمن، ويتناقلنه جيلا بعد جيل، بعيدا عن المستحضرات الصناعية، ما جعل كثيرا من الكُتّاب والشعراء والفنانين يتغنّون بجمالهن وأناقتهن قديما وحديثا.

منذ صغرها تحافظ أمّ محمد (35 عاما) على مسحوق التجميل الطبيعي الذي ورثته عن والدتها؛ إذ تخرج في السابعة صباحا من كل يوم للعمل في المدرجات الزراعية القريبة مِن منزلها في الريف الشمالي لمحافظة تعز، بعد أن تُزيّن وجنتيها بمسحوق الكُرْكُم الممزوج بقطرات من الماء، لكي يقي بشرتها من أشعة الشمس الحارقة ويحافظ على نضارتها.

تذكر أم محمد لمنصة ريف اليمن أنها استطاعت باستخدامها للهرد أن تحافظ على جمالها، بل زادها جمالا، بعيدا عن مستحضرات التجميل الصناعية التي تؤثر سلبا على البشرة، فضلا عن أسعارها الباهظة التي تعجز عن توفيرها كثير من نساء الريف.

ورثت أم محمد هذه العادة عن والدتها منذ الصغر، وتقول حاكية: “كانت أمي تمنعنا من الخروج معها للزراعة أو الرعي خوفًا من أشعة الشمس على بشرتنا، وكنا لا نستطيع الخروج إلا بعد أن ندهن أيدينا ووجوهنا بمسحوق الكُرْكُم “، بهذه الكلمات لخّصت أم محمد علاقتها مع الهُرُد، ودوره في الحفاظ على بشرتها منذ نعومة أظافرها دون تكلّف أو متابعة مستحضرات التجميل الأخرى.


      مواضيع مقترحة

الكُرْكُم ونساء الريف

جميلة سعيد (28 عاما) تعمل في رعي الأغنام، وهي أيضا تخرج مِن بيتها صباحا وفي جعبتها قنينة مياه ملفوفة بقطعة قماشية مبللة، ومعها بعض من مسحوق الهُرُد معقودا في أحد أطراف حجابها، ليستقرّ بها الحال ورفيقاتها تحت ظلّ شجرة في أحد الجبال المجاورة لقريتهن، ليقمن بطقوسهن الخاصة في التجميل والعناية ببشرتهن كغيرهن من النساء.

تقول جميلة لـمنصة ريف اليمن: “لا أفضّل الإنفاق على مستحضرات التجميل مثل واقيات الشمس وكريمات الترطيب الأخرى، فالهُرد له مفعول كبير في الحفاظ على البشرة، وهو صحّي، غير أنه مرتبط بعاداتنا منذ الصغر، وحاضر بكل بيت بالريف اليمني”.

تختلف طرق وأساليب استخدام الهرد في الريف، فهناك نساء يضفن عليه زيوتا طبيعية، وهناك نساء يستخدمنه دون إضافات. وعن طريقة تحضيره تقول جميلة سعيد: “لتحضير المسحوق، لا تحتاج سوى أن تأتي بحَجَرٍ مسطّحة، وتغسلها بالماء، ثم نطحن عليها قرون الهُرُد مع إضافة قطرات من الماء ليصبح لزِجا وسهل الاستخدام، ثم ندهن به وجوهنا، ونمسح ما تبقى على أيدينا”.

يُعدّ الهرد من التوابل العلاجية، وينتمي إلى عائلة “الزنجبيليات”، وتعتبر الهند أكبر منتج له في العالم، ويُزرع في دول أخرى كالصين وباكستان، وفي السنوات القليلة الماضية بدأت اليمن زراعته، لا سيما في محافظتي ريمة والمحويت، في محاولة لتقليل نسبة الاستيراد التي كانت بنسبة 100% سابقا.

أهمية علاجية

ويقول المختص بطبّ الأعشاب مصطفى الصوفي (54 عاما): “إن الهُرد علاج طبيعي لكثير من مشاكل البشرة؛ إذ يعالج حبّ الشباب، ويمنع خلايا البشرة مِن التكتّل وانسداد المسام، بالإضافة إلى أنه مطهّر ومضاد للبكتيريا”.

ويضيف: “ويعمل الهرد بشكل فعّال على وقف نمو البكتيريا المسبّبة لحب الشباب، وتعمل خصائصه المضادة للالتهابات على تعزيز الشفاء بشكل أسرع عن طريق تهدئة المناطق الملتهبة، كما أنه يقلّل من فرط التصبّغ، ويعالج البشرة الباهتة”.

“يفتّح الهُرد البشرة، ويُعدّ وصفة مثالية لمحاربة الهالات السوداء تحت العين، ويحمي أيضا من الأضرار البيئية لاحتوائه على عناصر مضادة للأكسدة، ويمنع التقدّم المبكر للبشرة بسبب قدرته على زيادة إنتاج الكولاجين وتسريع قدرة الجسم على تكوين أنسجة جديدة وصحية”، يردف الصوفي.

ويشير أيضا إلى أن الكُرْكُم يعتبر علاجا فعّالا لعدد من الأمراض كالالتهاب، وأمراض العين التنكسية، متلازمة التمثيل الغذائي، التهاب المفاصل والروماتيزم، فرط شحميات الدم، الكوليسترول في الدم بالإضافة إلى القلق ووجع العضلات، ويستخدم في الطعام، وكثيرا ما يستخدم في النكهة أو التلوين، وغيرها من الفوائد.

جمالة حسن (35 عاما) قالت: “منذ عقود من الزمن، يستخدم نساء الريف الهُرد جزءا من أعمالهن اليومية، وكثيرا ما تحرص الفتيات على ذلك للحفاظ على جمالهن، إلا أن ثقافة اللثام التي انتشرت أسهمت في عزوف بعض النساء عن استخدام هذه العادة”.

أضرار المستحضرات

وعن أضرار مستحضرات التجميل الصناعية، قال الدكتور مصطفى قاسم: “تُحضّر جميع مستحضرات التجميل من مجموعة مركبات كيماوية، وقد نرى تأثيرها أحيانا على البشرة بصورة مباشرة، أو على الجهاز العصبي بصورة خفية”.

ومن أضرارها، بحسب قاسم، تحسّس البشرة واحمرارها وتهيجها حتى ظهور معالم الطفح الجلدي، ظهور الأكزيما بسبب تفاعل البشرة مع بعض مكونات هذه المستحضرات، تغيّر لون البشرة الأساسي أو تغميقها بسبب مواد تفتيح البشرة، بالإضافة إلى انسداد مسامات الجلد، ما يؤدي إلى تراجع تنفس البشرة، ويسبب ظهور بعض الحبوب على الوجه، وتراجع معدلات تجديد خلايا البشرة بسبب ارتفاع معدلات تراكم مواد التجميل على المسامات.

على الرغم من كل هذه الأضرار، هناك إقبال وهوس كبير تجاه المستحضرات الصناعية وفقًا لدراسة أجراها معهد أبحاث السوق Strategy MRC عام 2019، فقد بلغت قيمة سوق منتجات تبييض البشرة على مستوى العالم 4.4 مليار دولار عام 2018.

وتتوقع الدراسة أن تنمو هذه التجارة لتصل إلى 8.7 مليار دولار بحلول عام 2027. وتؤكّد الدراسة أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ ستعرف نموًا مربحًا في هذا القطاع، فيما تُقدّر سوق مستحضرات التجميل العالمية بمختلف أنواعها بحوالي 250 مليار دولار سنويا.

بسبب التغيرات المناخية.. هل تتغير مواسم الزراعة؟

بسبب التغيرات المناخية.. ما مدى إمكانية تغير مواسم الزراعة؟

في ظلّ التغيرات المناخية المتسارعة، يواجه المزارعون في اليمن كثيرا مِن التحدّيات التي أثّرت بشكل كبير على محاصيلهم وسُبل عيشهم، وكبّدتهم خسائر متفاوتة في السنوات الماضية، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية تحديث الأنظمة الزراعية وتغيير أو تعديل مواسم الزراعة، لتتناسب مع هذه التغيرات.

يتميز التقويم الزراعي في اليمن بالثبات التاريخي، وتُعدّ المعالم الزراعية دستورا زراعيا يسير عليه جميع المزارعين في سلوكياتهم وأعمالهم المرتبطة بالزراعة مِن البذر أو الحصاد أو المواشي أو المراعي أو المحاصيل، إلا أن التغيرات المناخية بدأت تؤثر بشكل ملحوظ في هذا النظام، ما يستوجب إجراء دراسات للبحث عن حلول، لتفادي أضرار هذه التغيرات المناخية.


     مواضيع مقترحة

مواسم ثابتة

يقول الصحفي المتخصّص في العلوم والبيئة عمر الحياني: “إن المواعيد الزراعية ثابتة في تاريخ اليمن الزراعي منذ قرون، وتستمد تلك المواعيد ثباتها من ارتباط التقويم اليمني الزراعي بدوران الشمس، وهذا التقويم يُتوارث من الأسلاف حتى يومنا هذا، ولكن يُلحظ أن تأثير التغيرات المناخية على هذه المواعيد أصبح واقعا يشاهده المزارع الذي بات بحاجة لإرشاد وتوجيه”.

ويضيف الحياني لمنصة ريف اليمن: “بروز التغيرات المناخية سبّب تغيرا في مواسم الأمطار ودرجة الحرارة والصقيع والرطوبة، وهذا أثر على الزراعة ومحاصيلها بشكل كبير، وأصبح إجراء تغيير أو تعديل في المواعيد الزراعية أمرا مهما لتفادي ذلك، ويجب أن ترتبط بإرشادات من وزارة الزراعة والأرصاد مستندة لدراسات وأبحاث علمية ومراكز أرصاد زراعية”.

ويشير الحياني إلى أن التغيرات المناخية دفعت مصر إلى إنشاء مراكز أرصاد زراعية، وعلى ضوئها، أُخّرت مواعيد زراعة القمح من أكتوبر إلى ديسمبر، موضحا أن ارتفاع الحرارة بدرجة واحدة يؤثر على أشجار اللوزيات في جبال صنعاء، ومن الملاحظ أن التزهير بات مبكّرا على عكس ما كان يحدث في الماضي بسبب الشتاء القارس الذي أصبح الآن يميل إلى البرودة النسبية والدفء.

أشجار العنب أيضا أصبحت بحاجة إلى تقليم مبكّر بحسب الحياني، وهذا على عكس ما كان يحدث سابقا نظرا لقصر موسم البرودة، وكذلك الذرة الرفيعة في وديان إب والمحويت وذمار وتعز وغيرها تأثرت سلبا، وقلّ إنتاجها بسبب التغير في المناخ ومواسم سقوط الأمطار.

ويواجه اليمن تحديات وصعوبات هائلة، منها التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، والظواهر الجوية المتقلبة التي تسبّب دمارا في البيئة وتؤثر على سبل العيش وصحة الأفراد، ولا توجد أجهزة حديثة تقوم برصدها، ويكتفي المزارعون بالنشرات التحذيرية التي يصدرها مركز الأرصاد الجوية.

الدكتور محمد مساعد، الخبير بالمناخ في مركز الارصاد الجوية اليمنية، قال لمنصة ريف اليمن: “إن التغيرات المناخية صارت حقيقة واضحة وملموسة، وأثبتت الدراسات التي نفّذتها الأرصاد الجوية أن هناك مناطق غادرتها أشهر الاعتدال وصارت مناطق حارّة، مثل تعز التي ارتفعت فيها درجة الحرارة الصغرى”.

التكيّف مع تغير المناخ

ويضيف مساعد: “نتائج التغيرات المناخية المباشرة وغير المباشرة لن تظهر بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى سنين، وسيترتب على هذه النتائج تغيرات في حياة المجتمعات المحلية الزراعية والصناعية والاجتماعية، ونحن وجّهنا دعوة قبل خمس سنوات مِن الآن إلى ضرورة إعداد خارطة طوارئ مناخية تشترك في تنفيذها مؤسسات الدولة المختلفة ومنظمات المجتمع المدني، ونتمنى أن تجد تفاعلا وبدءا في التنفيذ”.

التغيرات المناخية أثرت على الزراعة ومحاصيلها بشكل كبير بمختلف المحافظات اليمنية (ريف اليمن)

وعن إمكانية تغيرات الخارطة الزراعية في اليمن، قال مساعد: “دورنا حاليا محدّد بإعطاء نشرات يومية بحالة الطقس والتحذيرات من الأمطار الغزيرة والصقيع، وليس لدينا دراسات أو بحوث تؤكّد إمكانية عمل التغيرات للخارطة الزراعية بشكل واضح، ومثل هذه الأبحاث تختص بها هيئة البحوث الزراعية”.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ستشهد اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والتنموية بسبب تغير المناخ، مما سيؤدي إلى تصاعد درجات الحرارة وزيادة في تكرار موجات الجفاف والأمطار الغزيرة، وكلها عوامل ستؤثر سلبًا على الإنتاج الزراعي والتنمية الاقتصادية وتزيد من معدلات الفقر.

وعلى المدى الطويل، سيؤثر تغير المناخ سلبًا على صحة وتغذية السكان، وسيكون تغير المناخ مسؤولاً عن أكثر من 121 ألف حالة وفاة بحلول عام 2060، فيما تُقدّر التوقعات أن إجمالي الناتج المحلي المفقود هو 93 مليار دولار حتى عام 2060 إذا لم يُتخذ أي إجراء ضد تغير المناخ في اليمن.

مها البعداني، متخصصة في تطوير برامج سبل المعيشة وبرامج التكيّف مع تغير المناخ، تشير إلى أن منظمات المجتمع المدني لها دور حيوي في دعم المزارعين في اليمن للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

وتشمل جهود هذه المنظمات، كما تقول البعداني، التوعية والتدريب على تقنيات الزراعة المستدامة، ونشر تقنيات مثل الزراعة المطرية والبذور المحسنة، وتقديم تمويلات صغيرة لتبني أنظمة ري حديثة وطاقة شمسية. كما تعزّز هذه المنظمات التعاون المجتمعي لمواجهة التحديات المناخية بشكل جماعي.

ويقول المهندس الزراعي عبد الحميد العزي: “إن التغيرات أثرت على الزراعة بشكل كبير، وموضوع استقرار المناخ يحتاج إلى وقت طويل نسبيا، ومن المهم التكيف معها والعمل على مواجهتها بتقنيات متاحة”.

وبحسب الزراعي، التقنيات كثيرة، منها العلمية ومنها الشعبية أو ما تُسمى “الرعوية”، فمن العلمية استخدام البيوت المحمية لزراعة الخضار أو بعض الفواكه مثل الفراولة، أو استخدام بعض الهرمونات الزراعية للمساعدة على نمو النبات مثل هرمونات “الجبرلين”.

حلول مقترحة

ومن الطرق العلمية أيضا استخدام أصناف زراعية مقاومة لظاهرة الرقاد التي تسببها الرياح للمحاصيل النجيلية مثل الذرة الشامية والرفيعة والقمح، والرقاد ظاهرة تسبب سقوط النبات، وتؤثر على المحصول وتزيد من معدل الهدر والفاقد في حجم الإنتاجية المتوقعة بنهاية الموسم، وتسبب خسائر اقتصادية كبيرة. ومن الطرق الشعبية رش النباتات بالماء الدافئ أيام الشتاء، حتى لا تصاب بالصقيع كما يعمل مزارعو القات.

ويواجه الأمن الغذائي في اليمن تحديات متعددة، وكلها تتفاقم بسبب تغير المناخ. ويعتبر القطاع الزراعي المصدر الرئيسي للإنتاج الغذائي المحلي وجزءًا بالغ الأهمية في تعزيز الأمن الغذائي في بلد يعاني من الجوع على نطاق واسع، ويستورد حوالي 85٪ من غذائه.

بسبب التغيرات المناخية.. هل تتغير مواسم الزراعة؟المهندس عبد الإله خليل، أحد ملاك مزارع اللوز في مديرية بني مطر بمحافظة صنعاء، يذكر أن التغير المناخي كان ملموسا في آخر ثلاث سنوات ماضية، وتمثل في أن هطول الأمطار في الصيف لم يعد كما كان، وخلال صيف 2024 لم تكن هناك أمطار إلا نادرا، مما أدى إلى تأثر المحصول بشكل كبير، سواء بانخفاض حجم الحبة أم قلة عقد الثمار بشكل صحيح.

ويضيف خليل لمنصة ريف اليمن: “لوحظ ارتفاع معدل الأمطار في فصل الخريف (يوليو وأغسطس)، لكن الاستفادة من هذه الأمطار قليلة، وقبلها يُجنى محصول اللوز مثلا، وعلاوة على ذلك تسبب انتشار الأمراض الفطرية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج كالمبيدات والأيدي العمالية وعمرها”.

ويلفت إلى أن التغير الحاصل في درجة الحرارة يجعل أشجار اللوز تتفاوت في موعد الخروج من طور السكون، مما يؤدي أيضا إلى تفاوت في موعد الإزهار، مما يقلل من فرص التلقيح وعقد الثمار.

وعن الحلول الممكنة لتفادي ذلك، قال المهندس الزراعي عبد الإله خليل: “حاليا هناك سقي تكميلي في فصل الصيف لسد فجوة قلة الأمطار في الصيف، لكن الحلول الجذرية غائبة، والأشجار لم تتمكن من التأقلم التام مع التغيرات، ونلحظ غياب الاهتمام بمحصول اللوز مع أنه محصول نقدي، وجودته يمكن أن تنافس عالميا”.

ويشدد اختصاصي تقييم الأثر البيئي، المهندس الزراعي محمد الوصابي، على أهمية تكيّف المزارعين مع التغيرات المناخية بطرق متعددة كالزراعة المحمية لحماية المحاصيل من الظروف الجوية والتغيرات المناخية، والتوجه نحو الزراعة المستدامة، واستخدام الزراعة المائية، وهي مفيدة جداً في ظلّ هذه التغيرات المناخية، ومنتجاتها ذات جودة”.

ويلفت إلى أن البيوت المحمية تفيد الزراعة في أنها تحمي المحاصيل والنباتات من تقلبات الطقس مثل الحرارة الشديدة والبرد القارس والأمطار الغزيرة والرياح، وكذلك تحمي المحاصيل من التلوث، وتمنع الحشرات والآفات الزراعية من الدخول، كما أنها تعمل على مدار العام، وتوفّر المحاصيل بشكل شبه دائم، ولا تُستخدم فيها المبيدات، وتنتج محاصيل في غير موسمها بشكل طبيعي.

ومن الحلول التي يقترحها الوصابي لمواجهة التغيرات المناخية: الزراعة الهوائية، الري بالتنقيط، اختيار المحاصيل المقاومة للجفاف في المناطق الجافة، تحسين جودة التربة باستخدام الأسمدة العضوية لتحسين خصوبتها وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالماء، وغيرها من الطرق التي قال إنها تتطلب تعاونا وتكاتفا بين المزارعين والمجتمع العلمي ومؤسسات الدولة لتطبيقها وضمان استمرارية الزراعة حتى في ظل الظروف المناخية القاسية.

المبيدات والاحتطاب يهددان إنتاج العسل العصيمي

العسل اليمني يحصد جائزتين رفيعتين في باريس
بائع يصب العسل في متجره في صنعاء(رويترز)

يُعدّ عسل السدر العُصيمي اليمني مِن أفضل وأشهر أنواع العسل في العالم، ويتمتّع بجودة عالية ونكهة مميزة، لكنّه يواجه تهديدات حقيقة تتمثل في المبيدات واستهداف الغطاء النباتي، والمراعي النحلية الريفية.

يبدأ موسم عسل السدرالعُصيمي في شهر أكتوبر، ويستمرّ حتى نهاية ديسمبر، وخلال هذه الفترة، تتفتّح أزهار شجرة السدر، ويبدأ النحل في جمع رحيقها لإنتاج العسل. وبحسب الدراسات يعود تاريخ “ذهب اليمن السائل” إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد، ولا يزال العسل اليمني محافظا على قيمته الرفيعة عالميًا، بسبب طبيعة الأرض وتنوّع المراعي.

الإحتطاب وتهديد الغطاء النباتي

يشكو المواطن اليمني حسين أبو علبة، وهو نحّال يربّي النحل وينتج العسل العُصيمي بمحافظة عمران، من استهداف الغطاء النباتي والمراعي النحلية الريفية بقطع أشجار السلام والسدر والسمر والطلح، ورشّ المبيدات على أشجار القات وبعض المحاصيل، وذلك يؤدّي إلى موت النحل، وينذر بتراجع إنتاج “الذهب العصيمي السائل” ذائع الصيت.

ودعا أبو علبة في حديثه لريف اليمن، الجهات المختصة إلى فرض رقابة صارمة على ممارسات المواطنين لقطع الأشجار الخضراء، وتنفيذ المراقيم الموقعة (التعهّدات العُرفية) من المواطنين والنحّالين، بخصوص عدم قطع أو تحطيب الأشجار التي يتغذّى عليها النحل، واعتبارها مناطق محميات طبيعية، ومساندتهم من قبل الجهات الأمنية والجمعيات والاتحادات التعاونية المعنية.


       مواد مقترحة

ويوجد نحو 22.117 خلية نحل في محافظة عمران، وفقا لكتاب الإحصاء الزراعي لعام 2021. ومؤخرا تزايدت شكاوى نحّالين من تسمُّم مناحلهم بمنطقة العُصيمات بعمران الغنية بأشجار السدر الكثيفة والقات الذي يُرش بالمبيدات، وقد ازدادت حالات تسمُّم النحل بسبب رش محاصيل الخضار المزهرة بمبيدات ذات سُمية عالية.

وأدى الاستخدام المفرط للمبيدات المحظورة إلى خسائر جمة للنحّالين وتجار العسل العُصيمي، ويقول يحيى محمد لريف اليمن: “تتأثر المناحل على بُعد ثلاثة كيلومترات، وتتسبّب بموت كثير من الخلايا، خاصةً إذا كانت المناحل متقاربة”.

المبيدات والاحتطاب يهددان إنتاج العسل العُصيمي
أنواع من العسل اليمني معروضة للبيع (موسوعة النحل والعسل)

وخلال الفترة من عام 2015 حتى 2021، تسبّبت ظاهرة رش المبيدات الزراعية بنفوق 105 آلاف خلية نحل في 6 محافظات، هي صنعاء وذمار والحديدة وحجّة وعمران وصعدة، وفق تأكيد هلال محمد الجشاري مدير إدارة وقاية النبات بوزارة الزراعة.

تُعد شجرة السدر من أكثر وأقدم الأشجار في المنطقة العربية، ويصل عمرها إلى أكثر من 400 عام، ويبلغ سعر الكيلو الواحد من عسل السدر العُصيمي اليمني نحو 200 دولار، وفق تأكيد محمد علي الذي يعمل في بيع وتسويق عسل السدر العصيمي منذ عشر سنوات لـريف اليمن.

العسل العُصيمي

ويتميز عسل السدر العُصيمي بلونه الذهبي الداكن وطعمه الغني، إلى جانب رائحته ونكهته المميزة، وله فوائد صحية وعلاجية عدّة تجعل كثيرين من عشاقه في عدد من الدول ينتظرون حلول موسمه بشغف كبير.

وإزاء ذلك، يسعى الاتحاد التعاوني الزراعي إلى إنشاء 10 محميات طبيعية عبر الجمعيات التعاونية للحفاظ على الغطاء النباتي، وعمل اتفاقيات بمنع الاحتطاب الجائر، وتجريم رشّ المبيدات في مراعي النحل. وتهدف هذه الخطوة إلى تشجيع النحّالين على التوسع في تربية النحل وتعزيز الوعي المحلي بأهمية إنتاج العسل مصدرا للتنمية الاقتصادية، وإعادة مكانة العسل اليمني وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الإنتاج، حسبما ذكره أمين عام الاتحاد المهندس محمد القحوم، لريف اليمن.

ووفق مدير إدارة النحل وإنتاج العسل المهندس بوزارة الزراعة نبيل العبسي، يُقدّر عدد المشتغلين بتربية النحل وإنتاج العسل بنحو 86 ألف نسمة تقريبًا، وذلك بنسبة تصل إلى 6.6% من إجمالي السكان المشتغلين بأنشطة الإنتاج الحيواني.

ويحظى العسل اليمني بشهرة واسعة النطاق، ليس في المنطقة العربية فحسب بل في أوروبا أيضا، ويحتل عسل السدر المرتبة الأولى بين أجود أنواع العسل اليمني. ويوصي الخبراء بضرورة توفير المراعي النحلية لإنتاج عسل بمواصفات وجودة عالية، وبالتوسّع في زراعة أشجار السدر لحلّ مشكلة التغذية السكرية في مواسم إنتاج العسل من أجل الحفاظ على سمعة العسل اليمني.

تربية النحل 

يعمل آلاف اليمنيين في تربية النحل وإنتاج وتجارة العسل، وعليه يعتاشون ويتنقلون من منطقة إلى أخرى بحثًا عن المراعي المناسبة لإنتاج “الذهب السائل”، ومن أجل ذلك يأمل الدكتور محمد الشرحي، أستاذ علوم النحل المشارك بجامعة ذمار، من الجهات المختصة إصدار قرار رسمي بتجريم قطع وتحطيب أشجار السدر في عموم اليمن.

وأكّد الشرحي لريف اليمن، على ضرورة تشجيع النحّالين على إنشاء نوعين من المحميات الطبيعية، أولها محميات خاصة لتربية وإكثار النحل، ومنع استخدام المبيدات فيها، وأخرى متخصّصة في إنتاج العسل بحسب المنطقة، ويُمنع فيها استخدام المبيدات والتغذية السكرية.

ونوّه الشرحي إلى أن اختلاف البيئات الزراعية ساعد على تميّز العسل اليمني الذي يُنتج في مناطق طبيعية خالية من المواد الكيماوية، ودعا إلى فتح أسواق جديدة لتشجيع تسويق العسل اليمني، وتوعية ودعم المنتجين بالتقنيات الحديثة التي تحسّن الإنتاج والجودة، وإلى منع استيراد العسل الخارجي باعتبار اليمن واحدة من البلدان المكتفية بإنتاج العسل.

وسبق أن حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من خطورة التهديدات التي يتعرّض لها النحّالون في اليمن. وقالت إن النزاع المسلح وتغير المناخ يهدّدان إنتاج العسل في اليمن، المعروف بإنتاج أفضل أنواع العسل في العالم، مشيرة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سبَّبت اضطرابًا في النظام الإيكولوجي للنحل، الأمر الذي يؤثر سلبًا في عملية التلقيح.

مبادرات “شق الطُرق” تخفف معاناة سكان جبل حَبَشي

مبادرات مجتمعية تُنهي معاناة السكان في جبل حبشي

أنهت مبادرة مجتمعية قادها الأهالي في عُزلة البَرَّيهة بمديرية جبل حَبَشي غرب محافظة تعز، معاناة السكان التي استمرّت لسنوات بسبب وعورة الطريق، وتمكّنت من إصلاح ورصف ثلاث طرق بمسافة إجمالية نحو 4 كيلومترات، ويستفيد منها قرابة 10 آلاف أسرة، في مناطق غائبة عنها الجهات المعنية.

وإصلاح الطرق تعد من أبرز التحديات التي يواجهها سكان المناطق الجبلية في اليمن، حيث الطرق الوعرة في القرى الواقعة بالسلاسل الجبلية الممتدة في وسط اليمن وهي أبرز عوائق التنمية للمجتمعات المحلية الصغيرة.

مبادرات مجتمعية

المبادرة أُطلقت في 2017 بدعم من سكان المنطقة والمغتربين، وتمكّنت من رصف وتأهيل نَقِيل بني جعفر – البَريهة – المنعم، على فترات متقطعة، وخفّفت كثيرا من المعاناة، وسهّلت تنقل المواطنين والمسافرين، ولا سيما المرضى.


       قصص مقترحة

يقول عبد السلام الهاشمي أحد مشرفي المبادرة: “فكرة المشروع انطلقت في 2017، وبدأ المواطنون بالتحرك الفعلي نحو التخطيط والتصميم والعمل للحصول على التمويل عن طريق المبادرات المجتمعية ودعم التجار، ثم نزلت الفرق الهندسية للمكان”.

مبادرات مجتمعية تُنهي معاناة السكان في جبل حَبَشي
تمكّنت المبادرة من رصف وتأهيل نَقِيل بني جعفر – البَريهة – المنعم، على فترات متقطعة وخفّفت كثيرا من المعاناة (ريف اليمن)

ويضيف: “استمر العمل مدة عامين، بتكلفة تجاوزت 450 مليون ريال (235 ألف دولار)، واستُكمل نهاية عام 2019، وأصبحت الطريق معبّدة يستفيد منها أهالي المنطقة”، ويلفت إلى أن الطريق تربط شرق المديرية بغربها وأصبحت الممر الوحيد والأقرب والأسهل لمدينة تعز.

الهاشمي أوضح أنه في الأشهر الماضية، وبسبب الأمطار الموسمية وتدفق السيول، واستمرار عبور المركبات ذات الأحمال الثقيلة، حدثت أضرار في بعض المقاطع، فأجريت لها صيانة بعمل دراسة هندسية لجميع الأماكن التي تحتاج للصيانة، وقُدّرت بتكلفة 166 مليون ريال يمني.

ويضيف: “دشنا المرحلة الأخيرة من رصف ما تبقى من طريق ذا الميل بني جعفر – وطريق البريهة – المنعم في يونيو الماضي بالمبادرة المجتمعية، وكان هناك تجاوب من المغتربين ورجال الخير بالداخل والخارج، وشكلنا فريقا ميدانيا للإشراف على أعمال الصيانة المطلوبة”.

وذكر أن الطريق اكتسبت أهمية كبيرة في الفترة الأخيرة؛ إذ أصبحت شريانا حيويا بعد إغلاق المنافذ الرئيسية للمحافظة، ويستفيد منها الآلاف من مختلف الفئات من مواطنين وتجار ومسافرين، وخففت كثيرا من المعاناة، وتُعدّ من أبرز المشاريع المجتمعية في ظل غياب الدولة، مشيرا إلى أن كثيرا من المواطنين، راحوا ضحية هذه الطريق قبل إصلاحها.وعن الصعوبات والتحديات التي واجهت المبادرة، قال الهاشمي إنها تمثلت في جمع المبلغ المالي، وفي الأمطار الموسمية التي كان لها دور في عرقلة الأعمال.

ويشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك وتحسين ظروف الحياة. وحتى الوقت الحالي، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور إقتصاد اليمن.

مبادرة طريق موليا

مبادرة مجتمعية أخرى أطلقها الأهالي في عزلة بلاد الوافي، قبل شهرين لرصف طريق ذا الميل بني جعفر التي تربط بين مديريات جبل حبشي ومَقْبَنة وشَرْعب، منطقة هجدة – الربيعي، وطريق عزلة البريهة بالإضافة إلى ثلاث قرى أخرى أُغلقت طرقها الرئيسية بسبب الحرب.

يقول عبد الباسط حسن المسؤول التنفيذي والمالي للمشروع: “مبادرة رصف هذه الطريق جاءت بعد معاناة طويلة للمواطنين، بسبب الحوادث المتكررة، وصعوبة التنقل”. وأضاف: “انتظر الأهالي كثيرًا لرصف الطريق من السلطة المحلية بالمديرية دون جدوى، وهو ما دفع السكان إلى إطلاق مبادرة لرصف الطريق”.

صورة للطريق قبل إعادة تأهيلها من قبل المواطنين في جبل حبشي غربي تعز (أحمد الباشا)

وأوضح حسن في حديثه لمنصة ريف اليمن أن المبادرة “جمعت التبرعات النقدية والعينية من الأهالي، لكنها لم تغطِّ ولو 10% من تكلفة المشروع الذي يُقدر بـ 21.490 ألف دولار أمريكي، لكن عزيمة الأهالي لم تستسلم، وبدأنا المرحلة الأولى بجهود ذاتية بتكسير الأحجار وجمعها إلى مكان العمل”.

وتابع: “المرحلة الأولى فيها ستُرصف بالأحجار تبلغ 762 مترا مربعا، بالإضافة إلى عبّارة سطحية، وعبّارة أرضية لتصريف مياه السيول، إلى جانب جدار ساند بطول 15 مترا مكعبا، وجدار داخلي لحماية الطريق من التساقط بطول 15 مترا وارتفاع 70 سنتمترا، ونحن الآن بصدد التنفيذ”.

وأضاف أنه من المقرر أن تُرصف المرحلة الثانية بمسافة إجمالية 672 مترا مربعا، بالإضافة إلى تقطيع أحجار صخرية لتوسيع الطريق بمقدار 35 مترا مكعبا، مؤكدًا أن إجمالي ما أُنجز من بناء الأحزمة الطولية دون الرصف وصل نسبة 80%، لافتا إلى أن الطريق تخدم ما يقارب أكثر من 11 ألف نسمة من السكان.

شريان حياة

يذكر السائق أمين الوافي أن الطريق فيها مخاطرة كبيرة، ويضيف: “نمرّ في أصعب اللحظات ونحن نتنقل عبر طريق جبل حبشي المنعم – البريهة، أنا سائق في هذا الخط لـ23 عامًا، وقد اجهت كثيرا من المخاطر، وتسببت الطريق بخسائر كبيرة بشرية ومادية”.

وأضاف الوافي لمنصة ريف اليمن: “عند هطول الأمطار وتدفق السيول، تصبح الطريق غير صالحة للعبور ونغامر فيها من أجل الوصول، وإذا تعطلت إحدى المركبات في مكان ضيق يُغلق الخط تمامًا، ونضطر للانتظار لوقت طويلًا حتى يُصلح”.

مبادرات مجتمعية تُنهي معاناة السكان في جبل حبشي
صورة الطريق بعد إعادة تأهيلها من قبل المواطنين في عزلة البَرَّيهة بمديرية جبل حبشي غربي تعز (ريف اليمن)

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقيد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.

وفي السنوات القليلة الماضيةـ عملت المبادرات المجتمعية في عددٍ من القرى الريفية بمختلف المحافظات على تخفيف المعاناة عن مئات الآلاف من اليمنيين وتلبية احتياجاتهم بإصلاح الطرقات وفتح أخرى، لتحسين شبكات الطرقات، وتمكين السكان من التنقل بسهولة في العديد من القرى الجبلية.

رحلة في تاريخ مأرب: الحضارة السبئية المطمورة تحت الرمال

رحلة في تاريخ مأرب: الحضارة السبئية المطمورة تحت الرمال

كانت مأرب الحالية مركزًا حضاريًا قديمًا ومهداً لأولى إشعاعات الحضارة الإنسانية في اليمن، الضاربة في عمق التأريخ منذ ما قبل الميلاد، المتمثلة في “مملكة سبأ” وكانت مركزاً سياسياً واقتصاديا مهماً ومتفوقاً في شبة الجزيرة العربية، وسيطرت على طريق التجارة بين الهند وحضارات بلاد الشام والمتوسط.

محافظة مأرب اليمنية، التي تقع شرقي العاصمة صنعاء (172كم) وهي واحدة من أعرق المناطق التأريخية في البلاد، لكنها لم تحظ بالتنقيب الكافي لآثارها، بالإضافة إلى الاهتمام بالمعالم المكتشفة والتي تشهد حالة من العبث والإهمال وتكاد الرمال تدفنها.

رغم أهميتها التأريخية والحضارية لم يجرى لها التنقيب الكافي الذي يمكن أن يكشف حقائق جديدة ومعلومات عن تلك الدول والحضارات وآثارها التي طمرت تحت الرمال، حيث جرى فيها وجرت فيها سلسلة من الصراعات والحروب، فمن الضروري تبني استراتيجية

نستعرض في هذا المقال، الإرث الحضاري وفق ما أظهرته عمليات التنقيب على الآثار خلال القرن الماضي، ما مثلته الحضارة السبئية من مركزا اقتصادياً في التأريخ القديم، والرمزية السياسية التأريخية في الحكم والسياق الحضاري، بالإضافة خط المسند اليمني، الذي ما يزال محفوراً في كافة المعالم التأريخية.


    مواضيع مقترحة


رحلة في تاريخ مأرب: الحضارة السبئية المطمورة تحت الرمال
منازل قديمة في مأرب شرقي اليمن (flickr)

تأريخ الحضارة السبئية

رغم شحة التنقيب في مأرب، شهدت بعض المحاولات النادرة للبحث العلمي نتائج تكشف العمق الحضاري، مثل تلك التي قامت بها بعثة المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان في عام 1952م، والتي ركزت على التنقيب في جزء محدد عند مدخل معبد أوام، المعروف أيضًا بمعبد الشمس أو محرم بلقيس.

كذلك، أظهرت أعمال التنقيب العلمي التي قامت بها البعثة الأثرية الألمانية في معبد بران، المعروف بعرش بلقيس، أن المعبد مر بمرحلتين تاريخيتين واضحتين، تمتدان من الألف الثاني قبل الميلاد حتى بداية الألف الأول قبل الميلاد، والمرحلة الثانية تمتد من 850 ق.م حتى نهاية الدولة السبئية.

أما الشواهد التاريخية المكتوبة التي تناولها الإخباريون والمؤرخون اليمنيون والعرب والأجانب، فإنها تسرد أخباراً عديدة عن حضارة سبأ بأسلوب ملحمي يعكس شفق الماضي البعيد وصدى التاريخ السحيق، ويمكن الاستفادة منها لتقديم تصور حول هذه الحضارة، رغم أنها تتفق على قدمها لكن تختلف في تحديد مدى عمق هذه الحضارة وتاريخ نشأتها بدقة.

ومن بين الشواهد التي تؤكد عظمة هذه الحضارة ما ورد في الكتب السماوية المقدسة؛ التوراة، والإنجيل، والقرآن، حيث ذُكرت عظمة حضارة سبأ وملكتها بلقيس وزيارتها للنبي سليمان عليه السلام في القرن العاشر قبل الميلاد. النتائج التي توصلت إليها البعثة الأثرية الألمانية حول معبد بران، والتي تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، تدعم هذه الروايات الدينية وتعزز من قيمة الحضارة السبئية.

وذُكر سد مأرب العظيم في القرآن، والذي يُعتبر رمزًا تاريخيًا فريدًا، يعزز مكانة حضارة سبأ بين حضارات الشرق القديم. وهذا أضاف بُعدًا خاصًا لشهرة حضارة سبأ وقومها، وجعل من مدينة مأرب القديمة عاصمةً بارزة في العصور التاريخية.

وتُبرز الحاجة الملحة لإجراء حفريات أثرية علمية متكاملة في جميع مناطق أرض سبأ، بهدف الكشف عن الصورة التاريخية الحقيقية لهذه الحضارة وإعادة الاعتبار لمكانتها ودورها في تاريخ الشرق القديم. وإزالة الغبن التاريخي الذي طال حضارة سبأ يتطلب جهوداً بحثية متكاملة تعيد رسم معالم هذه الحضارة وإبراز دورها الريادي في التاريخ الإنساني.

أعمدة مطمورة في رمال مأرب، تكشف عن الحاجة الى التنقيب العلمي لمعرفة تأريخ المدينة (flickr)

مأرب.. الحاجة إلى تنقيب الآثار

لم تحظَ محافظة مأرب بالدراسات المتعمقة والبحث الأثري الشامل الذي يليق بمكانتها كمهدٍ لحضارة سبأ العريقة، فحتى اليوم، لا تزال الصورة التاريخية لهذه الحضارة ناقصة وغير مكتملة، بسبب نقص الحفريات الأثرية المتكاملة التي تعيد رسم معالمها التاريخية بكل تفاصيلها الدقيقة.

ورغم أن “سبأ” من أعظم الحضارات القديمة، إلا أن النقوش المسندية المتعلقة بها قليلة ومحدودة، ما يعكس قلة الأبحاث والدراسات التي تناولتها مقارنةً بحضارات بلاد الرافدين ومصر. وتعد الجهود الاستكشافية القليلة التي قامت بها بعض الرحلات الاستشراقية ومغامرات الباحثين، ولم تثمر سوى عن دلائل أثرية غير كافية تفتقر إلى العمق والدقة العلمية.

وكانت معظم المعلومات الأثرية التي تم جمعها نتيجة لمشاهدات سطحية ومسوح غير كاملة، بينما وجدت بعض الآثار بالصدفة في مناطق عديدة من أرض سبأ، لكنها لم تكن كافية لتشكيل صورة كاملة وواضحة لتاريخ هذه الحضارة العريقة.

رغم ذلك، فإن هذا النقص في الدراسات لا يعني استحالة رسم بعض ملامح الحضارة السبئية، فبقايا آثارها لا تزال قائمة في معبد الشمس، عرش بلقيس، مدينة مأرب القديمة، مصارف سد مأرب القديم، وصرواح. جميعها تدل على عظمة وعراقة هذه الحضارة، ولا يوجد في تاريخ اليمن القديم ما يضاهي حضارة سبأ، ولا في رموزها التاريخية وآثارها ما يضاهي سد مأرب العظيم.

فكل الشواهد الأثرية والتاريخية تدل على أن مملكة سبأ كانت عمود الحضارة اليمنية القديمة وتكوينها السياسي الكبير. دول مثل معين، قتبان، أوسان، حضرموت، وحمير، وكانت تكوينات سياسية معاصرة لفترات سبأ، انفصلت عنها أحيانًا واندمجت معها أحيانًا أخرى أو اتحدت معها لتشكل دولة واحدة مثل دولة حمير.

طريق اللبان

سيطر السبئيون على طريق اللبان الذي يعد أحد أقدم وأطول الطرق التجارية البرية في العصور القديمة، حيث امتد لخمسة عشر قرنًا قبل الميلاد. وبنوا على امتداده المستوطنات والمحطات التجارية لحمايته وضمان استمرار مصالح مملكة سبأ الاقتصادية وازدهارها. كما واجهوا عبر التاريخ العديد من المحاولات الخارجية للسيطرة على هذا الطريق، كان آخرها الحملة الرومانية بقيادة “أليوس جالوس” في عام 24 ق.م، التي فشلت في اجتياز أسوار مدينة مأرب واضطرت للانسحاب.

اللبان هو مادة صمغية تستخرج من جذوع أشجار اللبان، كان يُعتبر من السلع المقدسة وأحب أنواع الطيوب في حضارات الشرق القديم وحوض البحر المتوسط. توسعت استعمالاته في تلك الفترة، حيث كان يُحرق كبخور أثناء تقديم القرابين للآلهة في المعابد، وفي مراسيم دفن الموتى، والاحتفالات الدينية لتكريم الأحياء. وكان يُستخدم في تركيب الأدوية ومواد التحنيط، وكان يُقدّم كهدايا ثمينة. كان حصاد اللبان يتم بواسطة أفراد ذوي قداسة، يتجنبون النجاسة وملامسة النساء خلال فترة الحصاد، ما يعكس مكانة اللبان الروحية العالية.

تبدأ رحلة طريق اللبان من مناطق شرق محافظة المهرة، مرورًا بوادي حضرموت، ثم قتبان، وصولًا إلى عاصمة سبأ مأرب. بعد فرض الرسوم على تجارة اللبان، كانت القوافل تتجه من مأرب إلى نجران عبر جوف المعينيين، ثم إلى يثرب وشمال الجزيرة العربية وصولًا إلى غزة. على طول الطريق، كانت القوافل تمر بخمسة وستين محطة تجارية. كما كان هناك طريق بحري ينقل السلع والتوابل الهندية واللبان من شرق المهرة وسقطرى إلى ميناء قنا بحضرموت القديمة، ومنه إلى مأرب، ثم تتجه القوافل عبر طريق اللبان إلى أسواق مراكز حضارات الشرق القديم.

في القرن الأول الميلادي، منعت الكنيسة استخدام اللبان في الصلوات والطقوس الدينية، ما أدى إلى تراجع تدريجي في تجارة اللبان. إلى جانب ذلك، أدى اكتشاف حركة الملاحة البحرية عبر الرياح الموسمية إلى اتصال مباشر بين بلدان البحر الأبيض المتوسط والهند عبر البحر الأحمر، مما قلل من أهمية الطرق التجارية البرية القديمة، وأدى إلى نهايتها. ورغم ذلك، استمرت حركة القوافل التجارية عبر طرق بديلة، من بينها طريق ينقل البضائع من ميناء عدن إلى المرتفعات الوسطى والهضبة اليمنية، وطريق آخر يمتد على طول الساحل المحاذي للبحر الأحمر.

خط المسند في إحدى الأعمد الأثرية في مأرب شرق اليمن (flickr)

المُسند السبئ

كان تاريخ الكتابة في أرض سبأ البداية الفعلية للعصور التاريخية لحضارة الإنسان، حيث اخترع السبئيون الكتابة التي تُعد الحد الفاصل بين عصور ما قبل التاريخ، أبجدية المسند السبئي، التي تتكون من تسعة وعشرين حرفًا، هي من أكمل الأبجديات السامية المعروفة.

ومعظم النقوش السبئية التي عُثر عليها حتى اليوم في اليمن تحتوي على مضامين دينية وعقائدية، تعكس الروحانية العميقة والتقاليد الراسخة التي تميز هذه الحضارة. وتمثل أبجدية المُسند السبئي قيمة إبداعية هائلة للتراث الحضاري الإنساني.

ومن المهم دراسة هذه النقوش لفهم التطور اللغوي والفني للغة اليمنية القديمة، وإبراز مساهماتها الأولى في الحضارة الإنسانية. فالكتابة كانت وماتزال من أهم وسائل التفاعل والتفاهم بين البشر، وهي التي مكنت الإنسان من التعبير عن أفكاره وتأكيد شخصيته الوطنية، مما يجعل دراسة حضارة سبأ وأبجديتها السامية أحد المفاتيح لفهم تطور الإنسان عبر التاريخ.

بلقيس: رمز الحضارة السبئية

من بين ملوك سبأ، تظل الملكة بلقيس الأكثر شهرة وتأثيرًا، حيث أصبحت رمزًا تاريخيًا للحضارة السبئية اليمنية القديمة حيث ذُكرت في الكتب السماوية الثلاثة: التوراة، الإنجيل، والقرآن، ما جعل حضورها راسخ عبر الحضارات الإنسانية القديمة. وكانت زيارتها للنبي سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد حدثًا يشير إلى مكانة مملكة سبأ وقوتها.

هذه الزيارة التي ذكرت في الكتب السماوية، تسلط الضوء على العلاقات الاقتصادية المتطورة للمملكة، ومدى اتساع شبكات مصالحها التجارية، كما تعكس الرخاء الاقتصادي وغنى الثروات السبئية، كما أكدتها التوراة بذكرها الهدايا الثمينة التي قدمتها ملكة سبأ للنبي سليمان. في القرآن الكريم، جاء في سورة النمل، “وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ”، مما يعزز مكانة بلقيس ويؤكد على عظمتها.

عرش بلقس رمز الحضارة السبئية في مأرب شرقي اليمن (flickr)

أما في النصوص المسيحية، فقد استلهم فنانو عصر النهضة الأوروبية قصتها في العديد من الأعمال الفنية. ومن أبرزها اللوحة الشهيرة التي رسمها الفنان الإيطالي جبرتي في القرن الخامس عشر الميلادي، على بوابة معمدانية مدينة فلورنسا، والتي تصور استقبال النبي سليمان لملكة سبأ في مشهد مهيب. هذا الحدث تجسد ايضاً في العديد من ثقافات الشعوب، حيث تعددت الروايات حوله واختلفت تفاصيلها بين الشعوب، كلا وفقًا لتراثه الشعبي المرتبط بالأسطورة.

ورغم محاولات التشكيك في واقعية الحدث، والتقليل من شأن عظمة ملكة سبأ ومجدها، إلا أن بلقيس تظل رمزًا تاريخيًا للحضارة السبئية الراقية. في أرض سبأ، وتحديدًا في مأرب، يجد الزائر آثارًا ونقوشًا تذكر بتاريخ سبأ وملوكها، مما يعزز من قيمة هذا الرمز التاريخي ويجعله جزءًا لا يتجزأ من التراث اليمني القديم.

اللقب الملكي السبئي

كان لقب “ملك مملكة سبأ” يمثل أعلى مكانة في نظام حكم سبأ، ويرمز إلى الوحدة الوطنية والتطور الحضاري لليمن القديم. منذ بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، وحتى ظهور الدعوة الإسلامية، كان لقب “ملك سبأ” هو الرمز الحضاري الوطني الذي يعكس تطور الحضارة اليمنية القديمة عبر العصور.

يؤكد هذا اللقب على حقيقة تاريخية وأثرية بأن سبأ كانت عمودًا من أعمدة التاريخ والحضارة اليمنية، وهي الكيان السياسي الكبير الذي بنيت عليه المراحل التاريخية اللاحقة، وتم تطويره ليشمل تحولات الاتحادات القبلية التي شاركت في توسيع وتطوير نظام الحكم السبئي.

بدأت مملكة سبأ باتحاد القبائل في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، ومعها اختراع الأبجدية السبئية، التي كانت أول وسيلة للتفاهم بين الاتحادات القبلية، وتعبيرًا عن مصالحهم وثقافتهم المشتركة. مع مرور الزمن، اندمج اتحاد قبائل فيشان مع اتحاد قبائل سبأ تحت راية ملك سبأ، الذي أصبح رمزًا وطنيًا.

وفي نفس الوقت، بدأت عبادة الإلهة المقه تأخذ مكانة أسمى، وصار إله القمر الإله الوطني الرسمي لسبأ، حيث كان الملك السبئي يتوجه إليه بالطقوس الدينية، ومع تطور الحضارة السبئية بدأت صورة الإطار التاريخي تتضح، حيث تحولت المجتمعات من الحياة العشائرية القائمة على روابط الدم إلى روابط أخرى دينية، اجتماعية، واقتصادية، تعكس مصالحهم المشتركة.

ومع الانتقال إلى حياة الاستقرار وممارسة النشاط الزراعي، توسعت مملكة سبأ لتشمل إنشاء المدن الكبرى والمحطات التجارية، التي شُيدت فيها قصور والمعابد، وتطور النظام السياسي للحكم السبئي، وتحول إلى دولة مملكة سبأ في بداية القرن الحادي عشر قبل الميلاد، حيث تجسد النسر كشعار وطني لمملكة سبأ في النقوش المسندية، رمزًا للقوة والمهابة. حتى اليوم، يُستخدم النسر السبئي كشعار للجمهورية اليمنية وبعض الدول العربية.

استمر لقب “ملك سبأ” حتى بداية القرن الأول الميلادي، عندما بدأت أسباب القوة السياسية والاقتصادية تتحول من شرق اليمن إلى غربها، وبرز اتحاد قبائل حِمْيَر كقوة جديدة، وسيطرت على مناطق نفوذ مملكة سبأ، وأسس موانئ على البحر الأحمر، وسيطر على الطرق التجارية الجديدة في غرب اليمن. تطور اتحاد حِمْيَر إلى دولة عرفت بالدولة الحِمْيَرية، واتخذ ملوكها حمير لقب “ملوك سبأ” وأضافوا إليه لقب “ذي ريدان”.

ومع ازدياد قوة الدولة الحِمْيَرية، تمكنت من توحيد اليمن بأكملها نهاية القرن الثالث الميلادي، وتوسع اللقب الملكي ليصبح “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات”، وفي القرن الرابع والخامس وبداية السادس الميلادي، استمر توسع اللقب ليشمل مناطق أوسع، مما يدل على زيادة السيطرة السياسية والجغرافية حتى مجيء الإسلام.

رحلة في تاريخ مأرب: الحضارة السبئية المطمورة تحت الرمال
سد مأرب الجديد الذي بني في ثمانينات القرن الماضي بالقرب من السد القديم (flickr)

مأرب الحديثة

اليوم، لا تزال أرض سبأ تجدد مراحل تاريخها. فإذا كانت مدينة مأرب القديمة حاضرة سبأ وقومها، فإن مدينة مأرب الجديدة تعد حاضرة اليمن وأهله. يعود بداية تأسيس المباني الحديثة في مأرب إلى النصف الثاني من عقد السبعينات من القرن الماضي، وتوسعت قليلاً بعد إعادة بناء سد مأرب الجديد في منتصف عقد الثمانينات.

وأعاد افتتاح الذاكرة التاريخية الحضارية لدى اليمنيين، حيث تلعب الآثار دورًا مهمًا في تكوين الشخصية الوطنية وتنمية القدرات الثقافية، وأصبح سد مأرب الجديد وبقايا السد القديم مقصدًا يوميًا للزوار، وانتعش دور وادي سبأ (وادي ذنة) نسبياً، مما أدى إلى انتشار المزارع الواسعة على ضفتي الوادي واشتهرت مأرب بإنتاج البرتقال، اليوسفي، البطيخ، التمور، والخضروات، والحبوب.

كما أن اكتشاف النفط والغاز في منتصف عقد الثمانينات زاد من أهمية مأرب، خاصة بعد تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو/ آيار 1990م، حيث استعادت مأرب دورها التاريخي والحضاري كبوابة جغرافية لمشرق اليمن، من شبوة إلى حضرموت والمهرة، وصولاً إلى مدن المرتفعات في الهضبة اليمنية.


قائمة المراجع:
– لسان اليمن، الحسن بن أحمد الهمداني، مجلدات الإكليل، الجزء الثامن.
– الدكتور جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1، ص205.
– الدكتور يوسف محمد عبد الله، طريق اللبان التجاري – أوراق من تاريخ اليمن وآثاره، صنعاء، 1985م، ص39-45.
– الدكتور يوسف محمد عبد الله، المعجم السبئي – مدونة النقوش السبئية.
– موسكاتي، الحضارات السامية القديمة، ترجمة السيد يعقوب بكر، بيروت، 1957م.
– عبد الله محمد حزام وفاروق ثابت علي، دليل المرشد السياحي للجمهورية اليمنية.
– دراسات يمنية، العدد 42، 1990م.
– مجلة الإكليل – تاريخ اليمن الفكري والحضاري، العدد 23، 1995م، ص174.
– مجلة اليمن الجديد، السنة الحادية عشرة، يوليو 1982م، ص9-20.
– مأرب – نتائج حفريات البعثة الأثرية الألمانية في معبد بران (عرش بلقيس).

زراعة الفول السوداني.. انتعاشه في “سامع” تفتقد للتسويق

زراعة الفول السوداني.. انتعاشه في "سامع" تفتقد للتسويق
مزرعة فول سوداني في إحدى مناطق سامع بتعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن)

شهدت زراعة “الفول السوادني“، مؤخرا، انتعاشه جديدة في مديرية سامع، بريف محافظة تعز، بعد سنوات من الركود، وأصبحت العديد من الأسر تهتم بزراعته وتعتمد عليه كمصدر للدخل، في ظل الاوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.

ومنذ زمن بعيد كان سكان سامع يزرعون (الفول السوداني) الذي يُعرف أيضا بـ “اللوز”، وفي بعض المناطق ” حَبّ العزيز”، إذ كان أحد مصادر الدخل للسكان، إلا أن المزارعين تخلوا عنه لفترات معينة، واتجهوا نحو زراعة الذرة الرفيعة، والقمح، لتأمين جزء من احتياجاتهم الغذائية.


     مواضيع مقترحة

زراعة الفول السوداني بسامع

يقول عبد العزيز قائد، (65 عاما)، أحد كبار ملاك الأراضي في سامع، لمنصة ريف اليمن، إنه اتجه نحو إحياء زراعة الفول السوداني بزراعة جزء من أرضه، لافتا أنه استفاد ماليا في التجربة الأولى، ما شجعه على توسيع زراعته فيما تبقى من مساحات تابعة له”.

ويضيف:”جزء كبير من الأراضي التابعة لي كانت عبارة عن مرتفعات غير صالحة للزراعة، فعملت على استقدام معدات زراعية كبيرة، وعملت على تسويتها وزراعة (الفول السوداني)، وتمكنا خلال الموسم الثاني من حصاد كميات كبيرة، لكننا واجهنا مشكلة تمثلت في عجزنا عن تسويق المحصول”.

وبسبب ذلك، توجه المزارع عبد العزيز نحو زراعة الذرة الرفيعة، لكنه حرص على استمرار زراعة الفول السوداني، في جزء بسيط من أرضه، ولم يتوسع خوفا من الكساد الذي واجهه، مشددا على ضرورة اهتمام السلطات الحكومية بالمزارعين ومنتجاتهم.

كيفية زراعة الفول السوداني
تبدأ زراعة الفول السوداني في اليمن، من يونيو حتى نهاية يوليو في المناطق المعتدلة (ريف اليمن)

وتشير تقارير إلى أن انتاج اليمن من الفول السوداني يبلغ حوالي 1,515 طناً في العام الواحد، وتتوزع مناطق زراعته في محافظات أبين ولحج، والمحويت، وبعض مناطق تعز.

وتبدأ مواعيد زراعته من بداية مايو حتى نهاية يونيو، ويفضل زراعتها في بداية مايو في المناطق المعتدلة، وفي المناطق الساحلية الحارة، ويجب زراعتها خلال الفترة من أغسطس حتى سبتمبر، حتى تعطي إنتاجًا أفضل من حيث كمية الإنتاج وحجم الحبة.

عبد الوهاب غالب (60 عاما)، أحد من يمارسون زراعة الفول السوداني في أرضه بذات المنطقة، لافتا أن تجربة زراعة هذا المحصول تم نقلها إلى سامع في الزمن القديم، وكان الأجداد يقومون بزراعته، وتم تناقله عبر الأجيال”.

وبحسب عبد الوهاب، فإن زراعة اللوز البلدي كما يسميه، “تتم بطريقة تقليدية، عبر ادخار البذور من الموسم الماضي، وعند قدوم الموسم الجديد يتم إخراج تلك البذور من قشورها وتجميعها، وتجهيز الأرض، ووضع البذور بشكل متقارب ويتم طمرها بالتراب”.

طريقة زراعته

لافتا أن زراعته تتشابه مع زراعة الذرة، ويتم زراعته في موسم هطول الأمطار، وليس هناك تربة معينة لزراعته، لكنه يطيب ويتفاعل أكثر في التربة الخفيفة”. وعن المدة الزمنية التي يحتاجها المحصول ليكون جاهزاً يشير عبد الوهاب إلى أن المدة خمسة أشهر لبعض الأنواع، والبعض الآخر الذي يسمي بالثلاثي يحتاج ثلاثة أشهر ليكون جاهزاً، وهذا يعتمد على حسب موعد زراعته.

أثناء ما تكون شجرة الفول السوداني قد نبتت؛ تحتاج إلى العناية بحسب المزارع (علي قاسم 70 عاما)، الذي يقول” عندما ينبت اللوز (الفول السوداني)، يصبح بحاجة للاهتمام والرعاية حتى وقت حصاده، بحيث لا تترك الأشجار حوله ولا تزرع اشياء اخرى جواره”.

ويضيف: “يحتاج الفول إلى الري والسقي وإثارة التربة حول النبتة، وردم جذوره بالتراب، وكل ما رُدمت جذوره تعمقت أكثر في الأرض، وزاد محصوله وهكذا يحتاج اهتمام من وقت زراعته وحتى حصاده”.

زراعة الفول السوداني.. انتعاشه في "سامع" تفتقد للتسويق
مزرعة فول سوداني في إحدى مناطق سامع بتعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن)

يتم حصاد اللوز كما يقول عبد الوهاب، عن طريق “حفر التربة وإخراج جذور الأشجار وتجميعها في مكان معين أو في أماكن زراعته، ومن ثم يتم تجميع قرون الفول، ووضعه في مكان معرض للتهوية، وأحيانا يتم تعريضه لأشعة الشمس، حتى يصبح جاهزا”.

بحسب عبد الوهاب ليس هناك موسم محدد لزراعة الفول السوداني، وزراعته تعتمد على توفر الماء فقط، وبإمكان اي مواطن زراعته في حال توفر الماء سواء مياه الامطار أو مياه الرأي.

للفول السوداني أنواع متعددة، تختلف بحسب الأرض التي يتم زراعتها فيها، فالبلدي يمتاز بطعمه اللذيذ وصغر حجم حبيباته، وهناك النوع الصلوي الذي يتم زراعته في مديرية الصلو المجاورة، ونوع آخر يتم زراعته في محافظة أبين جنوب البلاد، وهذه الأنواع تمتاز بكبر حجم حباته لكنه ليس بنفس طعم ومذاق البلدي حسب ما أوضح غالب.

غياب التسويق

تختلف أسعار الفول السوداني، حسب العرض والطلب كما نوه عبد الوهاب غالب، كما أن زراعته تنتشر في مناطق أخرى مجاورة كمديرية المواسط. ويشير علاء قاسم، (سائق وفلاح) إلى أن المزارعين بحاجة إلى دعم من الجهات المختصة، وخاصة في الترويج للمحاصيل التي يقومون بزراعتها.

ويقول قاسم لمنصة ريف اليمن، ” ضعف التسويق يلعب دوراً بارزاً في عزوف كثيرين عن زراعة الفول السوداني، ويتجهون نحو زراعة محاصيل لها رواج ويستطيعون تسويقها دون عناء، كالذرة ونبتة القات، لافتا أن غياب الدولة وعدم اهتمامها بالمزارعين حجم من انتشار هذه المحاصيل”.

ومن المعوقات التي تواجه مزارعو الفول السوداني، وجود منتجات مستوردة وبأسعار رخيصة مقارنةً بأسعار المنتجات المحلية، والتي تختلف في الجودة، لكن المواطنين ونتيجة للأوضاع الاقتصادية أصبحوا لا يبحثون عن الجودة بقدر ما يبحثون عن السلعة التي تتناسب مع قدرتهم الشرائية”.

وبحسب الاحصاء الزراعي لسنة 2019م فإن محافظة أبين تنتج 1,308، طناً في مساحة 1,879 هكتار، وتنتج لحج 186 طناً، بمساحة 208 هكتار، وتأتي في المرتبة الثالثة محافظة المحويت والتي تنتج 57 طناً وبمساحة تقدر ب 54 هكتار، ولا توجد احصائية بعد بإنتاجي تعز كونها تزرع بمناطق قليلة ومتفرقة وفي مواسم محددة.

المهمشون في اليمن: مساكن هشة بمواجهة مناخ متقلب

المهمشون في اليمن: مساكن هشة بمواجهة مناخ متقلب

تكابد أم محمد وأطفالها الخمسة، مشقة النزوح المستمر، والبحث عن مسكن آمن، بعدما أجبرتهم سيول الأمطار التي شهدتها محافظة إب وسط اليمن، على ترك خيمتهم، التي كانت منصوبة بالقرب من ممر السيول.

وتحولت السيول التي تشهدها اليمن بفعل التغيرات المناخية، إلى تهديد حقيقي لحياة سكان المنازل البسيطة والخيام المتنقلة، أو ما يعرفون محليا بـ” المهمشين”، إذ يتخذون من الأماكن القريبة من ممرات السيول مأوى لهم، بسبب عدم السماح لهم بنصبها داخل الممتلكات، بالإضافة لعدم قدرتهم على بناء منازل حديثة بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة.


     مواضيع مقترحة

المهمشون والبحث عن مكان آمن

تتكون عائلة أم محمد التي تنتمي لفئة المهمشين، من 5 أفراد ويعيشون في منطقة الثلاثين بمحافظة إب، على حافة احدى الشوارع المُعرضة للسيول، ويصارعون هذه الظروف التي تجبرهم على التنقل في الشوارع للبحث عن مكان آمن لإنقاذ أرواحهم، لكنهم لا يستطيعون انقاذ ثيابهم وأغراضهم في تلك الخيام.

تقول أم محمد لمنصة ريف اليمن: “نزحت مرارًا إلى مناطق متفرقة، ولكن الظروف المعيشية تجبرنا للعودة إلى هذه المنطقة، بحثًا عن مأوى وطعام نسد به رمق أطفالنا، وقد كنت تركتها منذ عام بسبب الأذى الذي نتعرض له من قِبل بعض الأهالي هنا.

وتضيف: “نحن نعيش معاناة مستمرة داخل الخيام، ولا نستطيع الاستلقاء أثناء النوم، بل ننام أحيانا ونحن في وضعية الجلوس نظرًا لضيق المكان، فالخيمة ليست سوى مأوى لنا أثناء النوم، أما خلال اليوم نبحث على الظل والأمان في الشوارع”.

المهمشون في اليمن: مساكن هشة بمواجهة مناخ متقلب
خيام يسكنها مهمشون من ذوي البشرة السوداء في صيف بمدينة إب وسط اليمن (ريف اليمن/ هبة عبد الله)

والمهمشون هم فئة اجتماعية تعاني من التهميش والحرمان من حقوقها الأساسية منذ القدم. يعود تاريخ تهميشهم إلى أسباب تاريخية واجتماعية، مثل العبودية والتمييز العنصري والطبقية. كانوا ولا يزالون يعيشون في ظروف معيشية صعبة، ويفتقرون للخدمات الأساسية.

وتُقَدر نسبة المهمّشين بنحو 12 في المئة من إجمالي سكان اليمن، أي يعادل 3مليون ونصف، حسب آخر تعداد سكاني في عام 2004، ويتواجدون في مختلف مناطق البلاد، ويتركزون في المناطق الوسطى والجنوبية، القريبة من سواحل البحر العربي والبحر الأحمر.

تتحسر أم محمد على وضعها وتقول: “لذنبٍ لم نقترفه، نعيش على الأرصفة التي تغرق بالسيول خلال مواسم الأمطار، حاولنا الهروب بأرواحنا من القدر ولم نلقِ شبرٍ من أرض لننصب به خيمتنا التي لا تحجب عنا شيئًا سوى نظرة المارة”. وتضيف:” يمنعنا أهالي المناطق الريفية والمدنية من المكوث بحجة أننا نشكل نظرة سلبية للمنطقة”.

فجوة مجتمعية

وبسبب الكوارث الطبيعية التي شهدتها اليمن مؤخرًا، تحذِّر خدمة الأرصاد الجوية، المواطنين باستمرار بهطول أمطار غزيرة، أو عواصف رعدية، لكن تلك التحذيرات لا تُجدي بالنسبة لهؤلاء المهمشين، بل يستدي الأمر على السلطات المحلية ايجاد بديل آمن لهؤلاء المواطنين المهددين بالخطر جراء هذه الكوارث.

آخر تلك الكوارث ما حدث منتصف أغسطس الماضي بمحافظة إب، إذ كادت السيول أن تجرف أسرة كاملة مكونة من تسعة أفراد، بينهم نساء وأطفال، كانت تتواجد داخل منزل شعبي، قبل أن يتم إنقاذهم من قِبل شباب من ذوي البشرة السمراء، الذي غامر بحياته وتمكن من إنقاذهم جميعا بتعاون الاهالي، وقد لقي الموقف البطولي إشادة مجتمعية كبيرة.

وعلى الرغم من أن تركيز برامج التنمية المستدامة عادةً تتطلع لتحسين سبل العيش للمهمشين في المدن، وتركز الحكومات جهودها على التنمية الحضرية، إلا أن المناطق الحضرية أيضًا تفتقر لأدنى الخدمات، إذ أن ما يقارب 15 تجمعًا سكنيًا للمهمشين في أمانة العاصمة تفتقر لمشاريع المياه.

أنور أحد شباب هذه الفئة، يسكن في وادي مور بمنطقة تهامة، تحت خيمة من الأقمشة والطرابيل المقطعة، يصف حياتهم بالقول :”نحن نشعر أننا عبء على المجتمع، نتنقل هنا وهناك، نجمع البلاستيك، نقوم بأي عمل كوسيلة للعيش، معبرا عن حزنه للمعاملة والنظرة الدونية التي توجه لهم من بعض أفراد المجتمع.

للنساء الضرر الأكبر

ليست المعاناة مقتصرة على رجال هذه الفئة فقط، بل إن النساء تعاني كثيرا بسبب لون بشرتهن، يتأرجحن بين مهنتهن كأمهات وكعاملات، مع غياب التعليم والافتقار لأدنى مقومات الحياة، كالشابة عبير( 17 عاما)، التي لم تقف مكتوفة الأيدي، بل حاولت أن تجد فرصة عمل للعيش، فتذهب حينا للعمل في المزارع الريفية، وأحيانا في تنظيف المنازل بأجور زهيدة.

تقول عبير لمنصة ريف اليمن:” نتجول بين القرى بحثًا عن عملٍ شريف في الزراعة والحطب والتنظيف، نسعى أن نبقى على قيد الحياة، ودومًا كنت اتعرض للمضايقات، والنظرة الدونية، وأحيانا للتحرش، يتم الاستهانة بنا مرارًا ونحن تبحث عن لقمة العيش”.

المهمشون في اليمن: مساكن هشة بمواجهة مناخ متقلب
إمرأة من الفئات المهمشة في مأرب تقغ على آثار خيمتها المدمرة 15 اغسطس 2024 (ريف اليمن/ إياد البريهي)

وفي ظل التحذيرات المستمرة من استمرار هطول الأمطار والتحذير من الكوارث الطبيعة يجد العديد من فئة المهمشين أنفسهم عاجزين عن تأمين السكن لأفراد عائلاتهم خصوصًا الذين يسكنون في ممرات السيول مثل سائلة جبلة بمحافظة إب وسط اليمن.

حمامة، إحدى الأمهات التي تنتمي لهذه الفئة، اضطرت للعيش تحت إحدى الجسور في منطقة نخلان بمحافظة إب، مع ابنتها وعائلة شقيقها البالغ عددهم ٧ أشخاص داخل احدى البيوت المهجورة على جانب جسر سائلة نخلان.

تقول حمامة لمنصة ريف اليمن: “سئمنا العيش في المخيمات المقطعة، ونعاني كثيرا من سوء المعاملة التي نتعرض لها، حاولنا الهروب من ذلك عبر الانتقال إلى بيتٍ صغيرٍ مهجور، في نخلان، واضطررنا للتدبير ووضعنا تنور حجري، وأدوات مطبخ بسيطة تحت الجسر في منطقة ترتفع عن ممر السيول ببضعة أمتار”.

وتضيف: “ذلك الأمر يبدو كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالسيول الغزيرة تصل أحيانًا لمطبخنا المتواضع وتدفن الحطب وتدمر كل شيئ، وهروبنا من القدر لن يغير من واقعنا شيء، لذا نعود إلى حيثُ كنا بين الآونة والأخرى خاصة في مواسم الأمطار، رغم أننا لسنا محبين للحياة لنتمسك بها، لأننا موتى على قيد الحياة”.

بالإضافة إلى تداعيات الكوارث الطبيعية مؤخرًا في اليمن يواجه فئة المهمشين تحديات متعددة إذ يُحرمون من أبسط الخدمات الأساسية والضرورية مثل المياه النظيفة، والصرف الصحي، والطرق، والكهرباء، وغيرها.

فقر وتميز إجتماعي

 الشاب مشتاق (٢٤ عامًا)، من فئة المهمشين في ريف الحجرية بتعز: يقول: “يتعرض معظمنا في الريف إلى الفقر المدقع الذي يحد من قدرتنا على تلبية الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وملبس ورعاية صحية، مرجعا السبب إلى التهميش المجتمعي الذي قال إنه يقف عائق بيننا وبين كل المهن مما يجعلنا عاطلين عن العمل”.

في السياق قال عبدالغني عقلان وهو ناشط من فئة المهمشين:” كنا ولازلنا نعيش في ظروف معيشية صعبة، نفتقر للخدمات الأساسية، ونتعرض للتمييز والعنصرية”. ويضيف لمنصة ريف اليمن:” تعد فئة المهمشين في اليمن مثالاً صارخاً على التمييز العنصري الذي استمر لأكثر من ألف عام، التي تتركز في الأرياف ومناطق نائية في المدن”.

ويقول ” أبناء هذه الفئة لا يجدون أعمال ولا يقبلهم أحد للعمل، سوى القيام بأعمال شاقة أو أعمال ذات نظرة دونية في نظر المجتمع، كالنظافة والصرف الصحي، وحياكة الأحذية الجلدية، وضرب الدفوف في الأعراس وتجولهم بين الأرياف للبحث عن العيش، ويتم استغلالهم بأجور زهيدة”.

وكانت دراسة مسحية لمجتمع المهمشين في اليمن، أعدّتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وشملت 9200 أسرة (51406 أشخاص)، كشفت عن ارتفاع مستويات الفقر مع انخفاض الإلمام بالقراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس، وتشير إلى أن الظروف المعيشية للأسرة سيئة للغاية، وتواجه صعوبة في الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية.

أشجار النخيل بحضرموت.. آفات وتوسع عمراني يهدد بقائها

أشجار النخيل بحضرموت.. آفات وتوسع عمراني يهدد بقائها

تتعرض أشجار النخيل في حضرموت شرقي اليمن، إلى مخاطر كثيرة تحُد من انتشارها، وتهدد تواجدها في مساحات كبيرة، أبرزها التوسع العمراني، والآفات التي تتعرض لها، فضلا عن نقص إمدادات المياه نتيجة تضرر مجاري السيول بسبب الفيضانات التي تضرب المحافظة بين وقت وأخر.

وتُعتبر التمور اليمنية من أهم محاصيل الفاكهة في اليمن، وتحتل زراعة أشجار النخيل أكثر من 14 ألف هكتار من إجمالي الأراضي المزروعة بأشجار الفاكهة، وتتركز زراعتها في محافظة حضرموت، -المحافظة الأكبر مساحة في اليمن- التي يوجد فيها أكثر من 67% من النخيل المزروعة البلاد، بحسب كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2021م.


         مواضيع مقترحة

يقول المهندس الزراعي كرامه بريشان إن أشجار النخيل في محافظة حضرموت تتعرض لآفات كثيرة أبرزها دوباس النخيل، والسوسة الحمراء، و عنكبوت الغبار والحفّارات، والتي تعد من أشد الآفات فتكاً بالنخيل”.

وأضاف بريشان لمنصة ريف اليمن، أن هذه الآفات لا زالت محصورة في وادي حضرموت، ونأمل من الجهات المختصة التحرك للسيطرة عليها حتى لا تنتقل إلى مناطق أخرى مكتظة بالنخيل ، داعيا المزارعين إلى الاهتمام بشجرة النخيل ومحاربة هذه الآفات بكل الوسائل حفاظا على الأشجار”.

أشجار النخيل بحضرموت.. آفات وتوسع عمراني يهدد بقائها
تحتل زراعة أشجار النخيل أكثر من 14 ألف هكتار من إجمالي الأراضي المزروعة بأشجار الفاكهة 67% منها في حضرموت (ريف اليمن)

ونبه المزارعين إلى عدم إغفال أدوات السلامة، مشددا على أهمية ارتداء الزي الخاص بالوقاية الشخصية، واتباع الطرق السليمة للحقل في حالة وجود نخيل مصابة، مستدركا “نلاحظ أن المزارعين يشتكون من أمراض مختلفة كـ”الحكة والأورام السرطانية وغيرها” ونعتقد أن ذلك بسبب إهمال المزارع لوقاية السلامة، خاصة أثناء رش المبيدات أوالتعامل معها بشكل خطأ”.

مهرجان النخيل في حضرموت

وفي خطوة هدفت لنشر الوعي المجتمعي بالأهمية البيئية لشجرة النخيل والقيمة الغذائية والاقتصادية لمنتجاتها، ولتسليط الضوء على اهمية هذه الشجرة، نُظم مطلع أغسطس الماضي، مهرجان “النخيل والتمور” الذي أقامته وزارة الزراعة والري والثروة السمكية والسلطة المحلية بمديريات الوادي والصحراء وجامعة سيئون ومحطة البحوث الزراعية.

وحظي بمشاركة واسعة لجمعيات ومؤسسات ومنظمات مجتمع مدني، وتم عرض نحو 60 صنفاً من أصناف التمور، وصناعات مرتبطة بالنخيل منها الحرفية، واليدوية، والغذائية، وغيرها.

ومن ضمن فعاليات المهرجان، عقدت ورشة عمل بعنوان (زراعة النخيل وإنتاج التمور – المشاكل والحلول) نظمتها مؤسسة بن كردوس للتنمية، ومركز حضرموت للأبحاث والدراسات الإستراتيجية ، بوادي حضرموت.

وأوصت بأهمية تشجيع زراعة النخيل، واصدار معلومات حول زراعتها والآفات وطرق مكافحتها من قبل كليات الزراعة ومراكز البحوث الزراعية، وكذا تفعيل مختبر الانسجة بمحطة البحوث الزراعية بسيئون ، وتفعيل الأنظمة والقوانين والتشريعات حول حماية النخيل

نائب مدير عام مكتب الزراعة والري في وادي حضرموت البرك العامري قال لمنصة ريف اليمن إن ” الهدف الأساسي من إقامة المهرجان هو تسليط الضوء على شجرة النخيل وأهميتها، وخلق فرص تنافسية بين المزارعين، والتشبيك مع ملاك المصانع، بالإضافة إلى تعريف الزوار بأهمية شجرة النخيل، ومعرفة أنواعها المنتشرة في وادي حضرموت”.

وأضاف: “حرصنا على تقديم المهرجان للمواطن بأزهى حلة، ضمن عمل متكامل بين السلطات المحلية والمؤسسات التي تهتم بالنخيل وانتاجاتها المتعددة”. وأكد أن “النخيل شجرة مباركة وواحدة من محاصيل الأمن الغذائي بحضرموت، والاهتمام بها واجب وسمة وعلامة بارزة من سمات أبناء المحافظة، وبإقامة مثل هذه المعارض الفنية يتعرّف الكثير على هذه الشجرة المباركة وتعدد استخداماتها”.

أشجار النخيل بحضرموت.. آفات وتوسع عمراني يهدد بقائها
أحد المشاركين في مهرجان النخيل والتمور الذي نُظم في سيئون بمحافظة حضرموت أغسطس 2024 (ريف اليمن)

وشملت فعاليات المهرجان جملة من الأنشطة والفعاليات التي استهدفت نشر الوعي بأهمية النخيل، وسلطت الضوء عليها كأهم محصول لمقومات الأمن الغذائي، إضافة الى الحث على إعداد الدراسات والبحوث العلمية من خلال إقامة الندوات والورشة العلمية لتخطي التحديات التي تواجه النخيل وسبل تطوير إنتاجه.

أشجار النخيل والأمن الغذائي

خالد صبيح أحد المشاركين في المعرض، أكد أن “أشجار النخيل هي إحدى أهم ركائز الأمن الغذائي للإنسان منذ القدم، إلاّ أنها تتعرض حالياً لخطر يهدد وقوفها شامخة، ومن أهم تلك المخاطر الزحف العمراني المستمر وبشكل كبير”.

وقال لمنصة ريف اليمن” شاركت بعدد من أنواع التمور منها: “الحمراء، والجهمي، والزار، والناقة، والعبد رحمن، والعشدلي، والعرقدي، وغيرها، وحرصت على تقديم نبذه مختصرة عن شجرة النخيل والمصنوعات التي تنتجها وتعريف المواطن بذلك، لأن بعضها اندثرت وتم استبدالها بأخرى في الأجيال الحديثة.

موضحا أن مشاركته كانت خاصة بالتمور ومنتجات الخوص (أوراق النخيل المنسوجة يدوياً)، وقال إن “الخوصية” يتم صنعها من أوراق النخيل يدويا، وتوضع على التمر في النخلة لكي تحفظه من الطيور، وكذلك المكيل الذي يفرش ويوضع عليه التمر، ويعرض للشمس، وهناك القبعة التي توضع على الرأس للحماية من أشعة الشمس، وغيرها من المصنوعات”.

وطالب الجهات الحكومية والمعنية بضرورة المحافظة على أشجار النخيل وإنقاذها من الزحف العمراني والآفات وغيرها من المخاطر والتهديدات التي تتعرض بشكل مستمر”. وتُعد أشجار النخيل الأكثر انتشارا في معظم مديريات المحافظة، وتشكل نسبة كبيرة من إجمالي أنواع الغطاء النباتي المتوفر .

أشجار النخيل.. آفات وتوسع عمراني يهددها في حضرموت
عروض للمنتوجات اليدوية التي يعد مصدرها شجر النخبل، في معرض النخيل بحضرموت أغسطس 2024 (ريف اليمن)

حرف يدوية مرتبطة بالنخيل

كما شهد المهرجان حضور الحرف اليدوية المصنوعة من أوراق النخيل، وقالت عائشة فائز التي تعمل لدى إدارة المرأة الريفية بمكتب الزراعة والري بوادي حضرموت: إن المعرض تخصيص قسم للأعمال اليدوية تحت مسمى “أنقذوني”، بسبب ملاحظاتنا في الآونة الأخيرة بانقراض الأعمال اليدوية المصنوعة والتي تنتج من النخيل، ويتم استبدالها بأخرى”.

وتضيف فائز لمنصة ريف اليمن، كثير من الحرف اليدوية تتعرض للإهمال، وحتى بعض العادات كشاي النخيل، موضحة أن شاي النخيل يتم عمله عبر غصون النخيل إذ يتم قصها و تبليلها بالماء لمدة نصف يوم، وينتج بعدها شاي خالص بديل للشاي المتعارف عليه، وتكون من شجرة صنف دقلة النور التي تنتج من غصنها الشاي ومن نواتها القهوة وذلك بعد تحميصه ووضعه على النار”.

السيدة فاطمة باشغيوان، إحدى السيدات اللواتي زُرنّ المعرض وتعرفت على مختلف أصناف التمور واستخدامات شجرة النخيل بكل مكوناتها المتعددة، والمخاطر والتهديد التي تتعرض لها النخلة والأهمية الكبرى لها. وتقول باشغيوان لمنصة ريف اليمن: “انجذبنا أنا وصديقاتي لهذا المعرض الأكثر من رائع، الذي احتوى على أشياء كثيرة واصفة إياه بـ”الموسوعة” التي تحتوي على كثير من المعارف”.

باشغيوان ومعها الكثير من زوار المعرض أكدوا على أهمية إقامة المعارض بشكل مستمر لتوعية الأجيال القادمة بأهمية أشجار النخيل وما يجهله الكثير عنها واستخداماتها المتعددة خصوصاً في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها.

وتشير دراسة بحثية أصدرتها المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى أن مساحة زراعة النخيل في اليمن كانت تمثل نسبة 24% من المساحات المحصولية للفاكهة، عام 2001، إلا أنها تراجعت إلى 16 % بحسب كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2019م.

أشجار النخيل.. آفات وتوسع عمراني يهددها في حضرموت
عرض في مهرجان النخيل، لمهددات زراعة النخيل، والموروث المرتبط بها اغسطس 2024 (ريف اليمن)

علي سعيد.. معلم مبتور القدم يمنح أطفال قريته النور

علي سعيد.. معلم مبتور القدم يمنح أطفال قريته النور

يحوي الريف اليمني العديد من المبادرات المجتمعية، وقصص النجاح الملهمة، التي تشكّل بارقة أمل في واقع مظلم، ومن بين ذلك؛ تبرز مبادرة المواطن علي عبد الله سعيد، من ذوي الهمم، التي منحت أطفال قريته النور، وسعت لسد فجوة غياب التعليم التي يعاني منها الأطفال في قرية “الزائدة” الواقعة في ريف مدينة تعز.

ويواجه قطاع التعليم في اليمن تحديات كبيرة ومعقدة تتفاقم يومًا بعد آخر، بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد. من أبرز هذه التحديات غياب المعلمين، حيث اضطر العديد منهم إلى ترك وظائفهم والبحث عن مصادر دخل أخرى بسبب انقطاع الرواتب، ما أثر بشكل كبير على جودة التعليم، خاصة في المناطق الريفية.

علي سعيد ومبادرة التعليم

يقول علي (42 عامًا) ، لـ”منصة ريف اليمن”، “قررت إنشاء مبادرة لتعليم الأطفال أساسيات القراءة والكتابة في قرية  الزائدة التابعة لمديرية المعافر في محافظة تعز، بعد أن وجدت أن أغلب الطلاب لا يجيدون الأبجديات الأساسية في التعليم، فضلا عن آخرين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس بسبب المسافة ونقص الموارد”.


     مواضيع مقترحة

بدأ علي مبادرته في عام 2021، داخل مسجد القرية، الذي كان قد قام ببنائه سابقًا، محولًا إياه إلى مكان لتعليم الأطفال الذين لايجدون الفرص التعليمية. ويوضح: “التدريس يقام في مسجد قريتي، المدرسة بعيدة وأنا لا أستطيع الذهاب إلى المدرسة بسبب إعاقتي”.

وبيّن أن العدد كان في البداية يتراوح بين 60 إلى 70 طالبا، ولكن سرعان ما انتشرت الفكرة وازداد عدد الأطفال المشاركين إلى 100 طالب، ويشير إلى أنه واجه صعوبة بإيجاد المكان لإقامة الدروس، حيث لم يكن هناك مكان مخصص للتدريس، واضطرينا لاستخدام المسجد كمكان للتعليم.”

كما واجه علي العديد من التحديات، كنقص الموارد والحاجة لمكان مناسب لعقد الدروس، ولكن بفضل دعم المجتمع المحلي وتفاني المتطوعين، تمكن من تجاوز هذه العقبات. يقول علي: “في البداية، واجهت صعوبات عديدة، مما اضطرني لتعليم الأطفال في فترتين. أما الآن، الحمد لله، أتمكن من تعليمهم في فترة واحدة صباحية فقط”.

علي سعيد.. معلم مبتور القدم يمنح أطفال قريته النور
بدأ علي مبادرته في عام 2021، داخل مسجد القرية، الذي كان قد قام ببنائه سابقًا، محولًا إياه إلى مكان لتعليم الأطفال (ريف اليمن)

قصة الطالبة أمل 

من بين الأطفال الذين استفادوا من مبادرة علي، تبرز قصة نجاح الطالبة “أمل”، البالغة من العمر 9 سنوات، من قرية الجبزية. كانت “أمل” تعاني من صعوبة في القراءة والكتابة، ولكن بفضل مبادرة الأستاذ علي، تمكنت من تحسين مهاراتها بشكل كبير.

تقول أمل لريف اليمن: “لم أكن أستطيع القراءة والكتابة، لكن بفضل دروس الأستاذ علي، أصبحت الآن أستطيع قراءة الكتب والكتابة”. وتضيف: “أحلم بأن أصبح معلمة في المستقبل”.

إلى جانب قصة “أمل”، هناك أيضًا قصة نجاح الطفل “أحمد”، البالغ من العمر 11 عامًا، الذي كان يعاني من صعوبة في القراءة والكتابة. وبفضل مبادرة الأستاذ علي، تمكن من تحسين مهاراته وأصبح من المتفوقين في صفه.

يقول أحمد: “كنت ضعيفًا في الإملاء بالمدرسة، الأستاذ علي علمنا الإملاء والآن أعرف أكتب بشكل صحيح وحققت هذا السنة المرتبة الأولى بعكس السنوات الأولى”. أما والد الطالب أحمد، فأكد أنه لاحظ تغييرًا كبيرًا في مستوى نجله بعد انضمامه للمبادرة”.

ويضيف: “درجاته هذا العام في المدرسة عكست نجاح المبادرة بشكل واضح. تحسن بشكل ملحوظ. نحن ممتنون جدًا لهذه المبادرة الرائعة”.

يعبر الأستاذ علي عن سعادته قائلاً: “أنا فخور بما حققناه حتى الآن. لقد رأيت كيف تغيرت حياة الأطفال الذين شاركوا في المبادرة، وكيف أصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم وأكثر قدرة على تحقيق أهدافهم”.

علي سعيد.. معلم مبتور القدم يمنح أطفال قريته النور
المعلم علي عبدالله سعيد مع عدد من طلابه الأطفال في صورة تذكارية غربي مدينة تعز (ريف اليمن)

ويؤكد: “هذه المبادرة مجانية، والنجاح الذي حققه الطلاب في المدرسة كان بفضل تعليمهم القراءة والكتابة. الحمد لله، ونسأل الله أن يمنحنا الأجر”. “أعلم الطلاب خلال العطلة الصيفية حتى يأتي الفصل الجديد. وخلال ثلاث سنوات من إنشاء المبادرة، تمكنت من تعليم ما يقارب 300 طفل القراءة والكتابة.”

تعتبر مبادرة علي عبدالله سعيد واحدة من أبرز المبادرات التعليمية في ريف تعز، حيث تمكنت من تعليم عشرات الأطفال أساسيات القراءة والكتابة، مما فتح لهم أبوابًا جديدة من الفرص والأمل. ولم يقتصر تأثير المبادرة على الأطفال فقط، بل امتد ليشمل المجتمع بأسره، وأصبحت المبادرة مصدر إلهام للكثيرين، وشجعت المزيد من الأفراد على المشاركة في العمل التطوعي ودعم التعليم في المناطق الريفية.

يوضح علي نوعية الدعم المجتمعي بالقول” بالنسبة للدعم المجتمعي، كان من خلال الدفع بالأطفال والالتزام من أولياء الأمور، ما أتاح لي الفرصة بالتعليم، وكان الأمر ناجحًا بنسبة 100%.” ويضيف: “المجتمع سعيد بهذه المبادرة، ولمس الأباء التغيير الإيجابي على أولادهم.”

ونتيجة لتردي الأوضاع المعيشية، أصبحت الأسر لا تستطيع توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، من أجل التعليم. وأصبحت تركز على توفير الغذاء للبقاء على قيد الحياة، مما أدى إلى زيادة نسبة الأطفال الذين لا يتلقون التعليم الأساسي.

كما أن تدمير المدارس ونقص المواد التعليمية الأساسية مثل الكتب والأدوات المدرسية فاقم من صعوبة العملية التعليمية، والأطفال في المناطق المتضررة يضطرون إلى الدراسة في ظروف غير ملائمة، مما يؤثر على تحصيلهم العلمي ومستقبلهم التعليمي.

ويعلق التربوي علي سعيد، على المبادرة بالقول “تعليم الأطفال هو الأساس لبناء مجتمع قوي ومزدهر”. فالأطفال هم مستقبل الأمة، وتوفير التعليم الجيد لهم يضمن تنمية قدراتهم العقلية والاجتماعية والنفسية التعليم ليس فقط حقًا أساسيًا لكل طفل، بل هو أيضًا استثمار في مستقبل البلاد. بدون تعليم، لا يمكننا تحقيق التنمية المستدامة أو تحسين جودة الحياة للأجيال القادمة.”

دور العمل التطوعي

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “مبادرة علي عبدالله سعيد هي نموذج رائع لكيفية تأثير العمل التطوعي على المجتمع” وهذه المبادرة لا توفر فقط التعليم للأطفال، بل تمنحهم فرصة لتحقيق أحلامهم، ودعم مثل هذه المبادرات هو واجب على كل فرد في المجتمع، لأنها تسهم في بناء مستقبل أفضل لنا جميعًا.”

وفقًا لتقارير اليونيسف، فإن حوالي 2 مليون طفل في اليمن خارج المدرسة بسبب النزاع المستمر. كما أن نسبة الأمية بين الأطفال في المناطق الريفية تصل إلى 30%، مما يعكس الحاجة الملحة لتحسين الوضع التعليمي. بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى أن 70% من المدارس في اليمن تعرضت لأضرار جزئية أو كلية بسبب النزاع.

ويلعب العمل التطوعي دورًا حيويًا في تعزيز التغيير المجتمعي في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه التعليم في اليمن. ويدعو علي عبدالله سعيد إلى تقديم الدعم لمبادرته التعليمية قائلا: “نحن بحاجة إلى كل يد مساعدة، سواء من خلال التطوع أو التبرع بالمواد التعليمية أو نشر الوعي حول أهمية التعليم”.

علي سعيد.. معلم مبتور القدم يمنح أطفال قريته النور
تعتبر المبادرة واحدة من أبرز المبادرات التعليمية في ريف تعز وتمكنت من تعليم عشرات الأطفال أساسيات القراءة والكتابة (ريف اليمن)

يحلم سعيد بتوسيع نطاق مبادرته لتشمل المزيد من القرى والمناطق الريفية في تعز. ويؤكد على الحاجة إلى دعم إضافي من المؤسسات المحلية والدولية لضمان استدامة هذه الجهود وتوفير المزيد من الموارد التعليمية للأطفال.

ويضيف “أحلم بأن أرى كل طفل في قريتي والقرى المجاورة يحصل على فرصة للتعليم. نحتاج إلى دعم مستمر لتحقيق هذا الحلم”. هذه الرؤية تعكس الطموح الكبير لسعيد في تحسين الوضع التعليمي في منطقته، وتؤكد على أهمية التعاون المجتمعي والدولي لتحقيق التغيير المنشود.

وتعكس مبادرة سعيد مدى تفانيه وإصراره على تحسين حياة الأطفال في قريته كما تبرز الروح الإنسانية والتضامنية التي يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا. مع الدعم المناسب، يمكن لهذه الجهود أن تتوسع وتؤثر بشكل أكبر، مما يساهم في بناء مستقبل أفضل لأجيال اليمن القادمة.