الخميس, مايو 14, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 57

شواطئ الخوخة: معركة بين النورس والغِربان

في هذا التقرير المصوَّر، يوثِّق المصور حسام القليعة في نوفمبر 2023 لحظات حاسمة على شواطئ الخوخة جنوبي محافظة الحديدة، حيث دارت معركة درامية بين طائر النورس الذي يبحث عن رزقه وبين طائر الغراب الذي يسعى لسلبه، وعلى ساحل أبو زهر، وبين زرقة البحر وهدير الأمواج، نشأت هذه المواجهة التي تجسد صراعًا حقيقيًا للبقاء في عالم الطبيعة.

المعركة التي جرت في يوم خريفي هادئ كانت أكثر من مجرد صراع بين طائرين، فقد سلطت الضوء على مفاهيم القوة، الذكاء، والتحمل في بيئة قاسية حيث لا مكان للضعفاء.

النورس، الطائر الذي يرمز إلى الحرية والانطلاق، واجه الغربان التي غالباً ما ترتبط بالغموض والدهاء؛ مما جعل المعركة تأخذ طابعاً غير تقليدي.

متابعينا الكرام، هذه الصور لا توثق فقط لحظة صراع بين كائنين، بل تنقل لنا استعارة لصراعات الحياة اليومية، والتحديات التي نواجهها جميعاً، مما يجعل القصة المصورة أكثر من مجرد معركة بين طيور، بل دعوة للتفكير في القوة والصمود والذكاء في وجه التحديات.


يقف النورس والغُراب جنباً إلى جنب على الشاطئ العشبي، غير مكترثَين بما حوليهما، مما يقدم تناقضاً هادئاً بين النوعين (حسام القليعة)
الغُراب يحاول الهبوط وجناحاه مفتوحان، وبينما يقترب من الأرض يقف النورس بهدوء في الخلفية، غير مكترث بقدومه
تجمُّع من الغربان مع نورس واحد يقف منفصلاً، مما يظهر التباين في السلوك والمظهر بين الطائرين، اللذين يتشاركان نفس البيئة ولكن يظهران ديناميكيات اجتماعية مختلفة
لحظة دراماتيكية تم التقاطها في الهواء بينما ينخرط النورس والغِربان في نوع من المطاردة الجوية، حيث يحلق النورس في المقدمة
لقطة قريبة للنورس والغِربان في الطيران، حيث يتصدر النورس المجموعة، مما يبرز التفاعل الديناميكي بين النوعين وتنافسهما في السماء
يتم التقاط النورس والغربان في لحظة طيران مشتركة، حيث يقود النورس المجموعة، مع متابعة الغربان له عن كثب، مما يبرز السرعة والقدرة على المناورة لدى كلا الطائرين
يطير النورس بثبات بينما تتبعه الغربان في مجموعة، مما يظهر تنسيقهم وتنافسهم أثناء التنقل في السماء، مع إبراز التباين في أنماط الطيران بينهما
تتصاعد الأحداث مع انطلاق النورس في السماء بينما تلاحقه الغربان، ما يخلق مشهداً قوياً من المطاردة الجوية والتفاعل بين هذين النوعين المختلفين
تلتقط هذه الصورة غراباً في الهواء يقترب من النورس المستريح، جناحاه مفتوحان بشكل واسع، حيث يقترب من هدفه، مما يتيح الإحساس بالتوتر المستمر بين النوعين في بيئتهما المشتركة
غراب يحلق في السماء، جناحاه مفتوحان على مصراعيهما، بينما يطفو النورس بهدوء على سطح الماء، غير مكترث بوجود الغراب. الشكل البشري البعيد في الخلفية يضيف منظوراً فريداً
يقترب الغراب من الماء في محاولة للغوص نحو النورس الذي يسبح بالقرب منه. هذه اللحظة تُظهر سطوة الغراب وضعف النورس الذي يطفو على سطح الماء
يستمر الغراب في طيرانه متجهًا مباشرة نحو النورس، مما يخلق مشهداً درامياً من التوتر حيث يبدو أن الطائرين يستعدان للتواجه
يغطي الغراب سطح الماء وهو يطير فوق النورس الذي يظل ثابتاً في الماء، مما يعكس قوة طيران الغراب، بينما يظل النورس غارقاً في المياه، مما يبرز التباين بين الطائرين
تجمع مجموعة من الغربان حول النورس الذي يقف بهدوء على العشب. تبرز هذه الصورة التفاعل والديناميكيات الاجتماعية بين النوعين في هذا المشهد الطبيعي.
يستمر الغراب في طيرانه متجهاً مباشرة نحو النورس، مما يخلق مشهداً درامياً من التوتر حيث يبدو أن الطائرين يستعدان للتواجه

خصائص كل من النورس والغِراب:

النورس

  • العمر: يتراوح عمر النورس بين 15 إلى 30 عاماً وقد يزيد بكثير عن ذلك حسب نوعه وظروف الحياة.
  • الموطن: يعيش النورس في المناطق الساحلية حول العالم.
  • الطعام: يتغذى على الأسماك والحيوانات البحرية الصغيرة، وأحياناً على بقايا الطعام.
  • السمات: يعتبر رمزاً للحرية والانطلاق، يتميز بجناحيه الواسعين، وألوانه البيضاء مع بعض العلامات السوداء أو الرمادية.
  • السلوك: اجتماعي ونشط، يحب الطيران في مجموعات، ويشتهر بحركاته السريعة.

الغِراب

  • العمر: يمكن أن يعيش الغراب حتى 10 إلى 15 عاماً في البرية، وقد يصل إلى 40 عامًا في الأسر.
  • الموطن: ينتشر في معظم أنحاء العالم، بما في ذلك الغابات، الصحاري، والمناطق الحضرية.
  • الطعام: يتغذى على مجموعة واسعة من الطعام؛ مثل الحشرات، الفواكه، بقايا الطعام، وحتى الصيد الصغير.
  • السمات: يتميز بريشه الأسود اللامع، وقدرته على التكيف مع العديد من البيئات.
  • السلوك: يتميز بذكائه الشديد وقدرته على استخدام الأدوات. يُعتبر طائراً منفرداً غالباً، لكنه يعيش في جماعات صغيرة في بعض الأحيان.

حريق نخيل حضرموت: قوت المزارعين يتحول رماداً

حريق نخيل حضرموت: قوت المزارعين يتحول رماد

تحوّل مساء مديرية ساه بمحافظة حضرموت (شرقي اليمن) الجمعة 2 مايو/ أيار الجاري، إلى كابوس مؤلم، بعدما اندلع حريق كبير التهم مزارع نخيل اعتنى بها الأهالي لعقود، وخلف خسائر مادية ونفسية فادحة، في واحدة من أسوأ الحرائق التي شهدتها المديرية خلال السنوات الأخيرة.

الحريق الذي اندلع بمنطقة تسمى “البلاد”، ولاتزال أسبابه مجهولة، أدى إلى احتراق نحو 45 نخلة على مساحة تقدر بـ 63 مترا طولا و41 مترا عرضا، متسبباً بخسائر مباشرة لأكثر من سبع أسر تعتمد كليا على زراعة النخيل كمصدر للمعيشة، وهذه الحرائق تؤثر على سبل العيش لدى المزارعين.

فاجعة على المزارعين

“ماجد علي”، مزارع خمسيني وأحد المتضررين، يروي قصته لمنصة ريف اليمن، بنبرة يغالب فيها الدموع قائلا: “كنت جالسا أمام منزلي حين شممت رائحة الدخان فقمت مسرعا، وإذا بي أرى النيران تلتهم نخلي التي كنت أنتظر ثمارها خلال الموسم الحالي”.

ويضف: “شعور لا يحتمل وأنت ترى تعب عمرك كله يحترق أمامك، أفنيت شبابي في زراعة هذه الأرض، كانت لقمة عيش أولادي من هذه النخيل، وكنت أعتني بها باستمرار حتى تنتج ثمرة طيبة، لكنها انتهت. الحمدالله على كل حال”.


       مواضيع ذات صلة

أما المزارع “فضل عبد الله”، أحد المتضررين أيضا، وصف الحادثة بالفاجعة قائلاً: “شاهدنا تعب سنوات يحترق قدام أعيننا، والنخيل هو مصدر رزقي الوحيد، وأعتمد عليه في إعالة أسرتي”. وخلال حديثه لمنصة ريف اليمن، طالب عبد الله بتوفير وسائل إطفاء قريبة وتعويضهم عن خسائرهم.


الحريق دمر 45 نخلة متسبباً بخسائر مباشرة لأكثر من سبع أسر تعتمد كليا على زراعة النخيل كمصدر للمعيشة


وتتركز زراعة أشجار النخيل في محافظة حضرموت -المحافظة الأكبر من حيث المساحة في اليمن- التي يوجد فيها أكثر من 67% من النخيل المزروعة في البلاد، بحسب كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2021م.

“لاتزال أسباب الحريق مجهولة، وهل هي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة أم فعل فاعل، هذا ما ستكشفه لجنة التحقيق التي تم تشكيلها برئاسة مدير الأمن”، يقول مدير مديرية ساه، “مبارك الجابري” خلال حديثه لمنصة ريف اليمن.

حريق نخيل حضرموت: قوت المزارعين يتحول رماد
جانب من آثار الحريق الذي التهم أشجار النخيل بمنطقة “البلاد” في حضرموت شرقي اليمن (ريف اليمن)

ويضيف الجابري: “اللجنة مشكلة من ممثلين عن الزراعة والأشغال وعقال المنطقة”، لافتا إلى أن النيران التهمت أراضي زراعية تعود ملكيتها لسبعة من أبناء المنطقة تمثل مصدر رزق أساسي لهم.

وعن دور السلطة المحلية والدفاع المدني، أوضح الجابري أن فرق الإطفاء وصلت إلى موقع الحريق عند الساعة 11 مساء، وتمكنت من إخماد الحريق بشكل كامل بحلول الساعة الثالثة فجراً بمشاركة رجال الأمن وشباب منتدى البلاد.

خسائر كبيرة

وأوضح أن الحريق كشف عن تحديات كبيرة في مجال الاستجابة للطوارئ، منها وعورة المنطقة، وغياب قسم للدفاع المدني في المديرية، وعدم توفر سيارات إطفاء، لافتا إلى أن الرياح القوية ساعدت في توسع رقعة الحريق. كاشفا عن خطة مستقبلية لتأسيس وحدة دفاع مدني وتدريب فرق محلية مجهزة للتعامل مع مثل هذه الكوارث.

وعن أصناف النخيل التي تعرضت للاحتراق، قال “حسين عبدين” مدير مكتب الزراعة في المديرية، إنها تنتمي إلى ثلاثة أصناف محلية شائعة “الحمراء، والحاشدي، والسرييع” وتعد من الأشجار ذات الإنتاجية العالية؛ ما يجعل الخسائر الاقتصادية فادحة بالنسبة للأسر المتضررة. وبلغت التقديرات الأولية للخسائر أكثر من 13 مليون ريال يمني، (ما يعادل 5 آلاف دولار أمريكي)، وهو ما يتطلب تدخلاً من قبل السلطات المحلية لتعويض المزارعين.

حريق نخيل حضرموت: قوت المزارعين يتحول إلى رماد
مزارعون يتفقدون آثار الحريق الذي دمر أشجار النخيل في مزارعهم بمديرية ساه (ريف اليمن)

وأكد عبدين لمنصة ريف اليمن غياب أي نوع من الدعم أو التعويض حتى الآن، محذراً من أن استمرار هذه الظروف دون دعم لوجستي أو تجهيزات وقائية قد يهدد مستقبل الزراعة في المنطقة. مشددا على أهمية قطاع النخيل في دعم الأمن الغذائي وسبل العيش، مؤكداً أن تعويض نخلة واحدة قد يستغرق سنوات طويلة من الرعاية.

مطالبات بالتعويض

من جهته، أوضح الدكتور “أمجد باقويقو”، مدير عام فرع هيئة البحوث والإرشاد الزراعي بالإقليم الشرقي، أن النخلة تُعد رمزًا للثبات والعيش الكريم، وخسارتها لا تقاس فقط بثمارها، بل بالسنوات التي استغرقتها لتنمو وتنتج.

وقال إن “تعويض الأشجار المحترقة ليس سهلاً، فالنخلة تحتاج 5 إلى 7 سنوات حتى تبدأ بالإنتاج الجيد، وبالتالي فإن خسارة بستان نخيل تعني خسارة طويلة الأمد يصعب تجاوزها دون دعم فني ومالي مباشر للمزارعين”.

وعن كيفية تجنب مثل هذه الكوارث مستقبلا أوضح باقويقو أن الأمر يتطلب “اتخاذ إجراءات متعددة؛ أبرزها إنشاء نقاط إطفاء قريبة في المناطق الزراعية، وتدريب المجتمعات المحلية على التصرف السريع عند اندلاع الحرائق، وتوعية المزارعين بعدم إشعال النار في الحقول القريبة من الأشجار”.

لحظة اشتعال النيران في أشجار النخيل بمزارع منطقة البلاد في مديرية ساه حضرموت، 2 مايو/ آيار 2025

ويؤكد المختص الاقتصادي الدكتور “سالم باحكيم” أن حرائق النخيل -مثل الحريق الذي شهدته مديرية ساه- تمثل تهديداً مباشراً للاقتصاد المحلي، لا سيما في المجتمعات التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيس للدخل.

وأضاف لمنصة ريف اليمن: “قطاع النخيل في مناطق مثل حضرموت يعد شرياناً اقتصادياً رئيسياً؛ حيث تعتمد مئات الأسر على إنتاج التمور ومشتقاتها لتأمين معيشتها، فعندما تفقد عشرات الأشجار فجأة لا يخسر الأهالي فقط محصول الموسم بل أيضاً يخسرون أعواماً من الاستثمار والانتظار؛ مما يؤثر سلباً على الدخل المحلي، ويزيد من معدلات الفقر”.

وتعد منطقة ساه من المناطق الزراعية المهمة في حضرموت وتشتهر بزراعة النخيل، بنسبة تصل إلى 80%، وتبلغ إجمالي المساحات الزراعية بالمديرية 650 هكتاراً، منها 350 هكتاراً يتم ريُّها بمياه الآبار والعيون والأنهار، فيما يسقى 200 هكتار المتبقي من مياه الأمطار والسيول، وفقا لإحصائيات مكتب الزراعة.

كيف تُضاعف التغيرات المناخية معاناة النازحين؟

أثرت التغيرات المناخية على حياة النازحين في اليمن، وهددت استقرارهم، وتسببت بتضرر المأوى وسبل العيش؛ إذ قلصت الظواهر المناخية المتطرفة من توفير الخدمات الأساسية، وضاعفت معاناة النازحين المتفاقمة جراء تداعيات الحرب التي تشهدها البلاد منذُ عشر سنوات.

وتعد اليمن واحدة من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير أزمة المناخ، لكنها الأقل استعدادا لمواجهتها أو التكيف معها، كما تُصنف كإحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وهناك نحو 4.8 مليون شخص نازح في اليمن، ويعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.

ومطلع مايو/ أيار الجاري حذر برنامج الغذاء العالمي من نقص الغذاء في اليمن وقال إن “معدلات نقص الغذاء بين النازحين ارتفعت إلى مستويات مقلقة؛ حيث يعاني 61٪ منهم من عدم كفاية الاستهلاك الغذائي، فيما يواجه 35٪ ظروفًا غذائية متدهورة، ترتفع إلى 40٪ بين النازحين في المخيمات”.

النزوح المناخي في اليمن

أكدت دراسة جديدة نشرها “حلم أخضر للدراسات البيئية” بأنه “تتكرر سنوياً في مواسم الأمطار خلال الفترة بين (مارس/آذار – أغسطس /آب)، حوادث النزوح المناخي والانتقال من موقع لآخر؛ جراء تهدم المآوي وتضرر سبل العيش، في ظل ضعف الاستعداد المبكر والاستجابة الشاملة، وضعف القدرة على التكيف، والصمود أمام المخاطر المناخية”.

وأجبرت الحرب والصراع الدائر في البلاد منذ العام 2015 ملايين اليمنيين على النزوح الداخلي، بينهم حوالي 1.6 مليون شخص يعيشون حاليا في 2.284 موقعاً من مواقع النزوح والاستضافة في 22 محافظة يمنية، أبرزها: الحديدة، وحجة، ومأرب، وتعز.

وفي العام 2023 وصل النزوح المناخي إلى أعلى مستوى له، وحسب بيانات مركز رصد النزوح الداخلي بلغ عدد النازحين اليمنيين جراء الكوارث الطبيعية 240 ألف نازح، وفي الوقت الراهن لا يوجد الكثير مما يمكن لليمن أن يفعله لمواجهة تغيرات المناخ بمفرده وفق الدراسة التي نشرها حلم أخضر حول تأثير المناخ على النازحين في اليمن.

مأوى نازحين تعرض للدمار جراء الفيضانات في مأرب في 2024 (إياد البريهي)

غياب الخدمات الأساسية

يتعرض النازحون في مأرب وحجة والمهرة وسقطرى لمجموعة واسعة من المخاطر جراء تغيرات المناخ؛ إذ يعيش أكثر من 40 بالمئة منهم في مواقع نزوح غير رسمية، ولا يحصلون على الخدمات الأساسية بشكل كاف وفق الدراسة.

في كثير من الأحيان تكون الخدمات غير متاحة، أو غير متوفرة، ويعيش النازحون في خيام رديئة من مواد خفيفة الوزن، مثل: القماش أو القش أو من الصفيح الذي يزداد حرارة خلال فصل الصيف، كما تفتقر الغالبية العظمى من النازحين بالمخيمات إلى مصدر منتظم للدخل وشبكات الأمان الاجتماعي التي تمكنهم من الوصول إلى سكن أفضل وأكثر أماناً.

وقد عانى معظم النازحين في هذه المواقع من النزوح لفترات طويلة متكررة، وفي الجلسات النقاشية التي أجراها حلم أخضر، وصف المشاركون من قادة وأعضاء مجتمع النزوح مجموعة من الأسباب التي تسهم في زيادة الحوادث المناخية على مجتمعاتهم، منها: عدم وجود خطة طوارئ مناخية في كافة المخيمات، وعدم وجود أنظمة إنذار مبكر في المخيمات والمجتمعات المضيفة.

وتطرقت الدراسة إلى ضعف التوعية، والاستعداد للكوارث قبل وأثناء وقوعها. بالإضافة إلى جانب عدم وجود موازنات لدى الجهات الفاعلة مخصصة للطوارئ وإدارة الكوارث، أو موازنات للسلطات المحلية للحد من تأثير التغيرات المناخية على مجتمعاتهم المؤقتة.

كما أن غالبية المخيمات -بحسب النازحين- لا يوجد بها نظام صرف صحي، أو دورات مياه نظيفة، بالإضافة إلى أن عدداً كبيراً من المخيمات لا توجد بها مشاريع صرف صحي ودورات مياه.

تفشي الأوبئة

تبدو العلاقة متشابكة ومركبة بين تغير المناخ وتفشي الأوبئة وحركة النزوح الداخلي في اليمن، على الرغم من أن موجات الحر تشكل مخاطر كبيرة على الصحة العامة في بلدان عدة، إلا أن اليمن شهد خلاف ذلك.

بحسب الدراسة، فإنه خلال العام 2020 كانت التقلبات الشديدة للمناخ والأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة السبب في ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض الحميات شمال وجنوب البلاد؛ إذ تجاوز عدد المصابين في المحافظات الشمالية أكثر من 50 ألفاً و747 حالة إصابة وبلغت الوفيات أكثر من 100 حالة وفاة، وكان النازحون في محافظة حجة والحديدة وعدن ولحج وعدن من أكثر الضحايا بهذه الأوبئة.

وخلال الفترة (2020 – 2024)، أضرت الأمطار والفيضانات بمخيمات النزوح في جميع أرجاء البلاد. وفي محافظة حجة سُجلت 120 ألفاً و619 حالة إصابة بأوبئة الحميات والإسهالات والأمراض الجلدية في مخيمات النزوح.

كما تأثر الوضع الصحي في حجة، خاصة بعد انسحاب المنظمات التي كانت تقدم الخدمات الصحية مما فاقم الأوبئة. وفي محافظة مأرب أفاد مندوبو النازحين عن تسجيل 2000 حالة إصابة في الحميات خلال العام 2023.

وفي العام 2020 تعرض مخيم الجفينة (أكبر مخيمات النزوح في مأرب) لأضرار جسيمة جراء الأمطار الغزيرة التي أعقبها سيول وفيضانات غمرت المخيم، وأغرقت الكثير من الخيام.

وذكر أحد ممثلي المخيم أن مياه الفيضانات شقت طريقها داخل المخيم، ومرت السيول من وسط المخيم، واختلطت مياه الأمطار مع مياه المجاري، وسببت التلوث وتفشي الأوبئة، وكان الأمر أكثر ضرراً على كبار السن والأطفال، خصوصاً الذين يسكنون في خيام ممزقة وطرابيل خفيفة، وقد تسبب ذلك بتعرض الكثيرين في المخيم للإصابة بالحميات والاسهالات والكوليرا.

وبالرغم من أن السكان المحليين والنازحين خاصة يعانون من وطأة هذه الأوبئة سنوياً خلال مواسم الأمطار إلا أن البلاد ما تزال تفتقر لمراكز طبية لعلاج الحميات؛ فحتى منتصف 2022 لم يكن يوجد مستشفى طبي متخصص بعلاج أوبئة الحميات في البلاد، وفي أغسطس / آب 2022 تم افتتاح أول مركز يمني لعلاج الحميات في الحديدة بدعم من الوكالات الأممية والصندوق الاجتماعي للتنمية، غير أن ذلك لا يكفي لبقية مناطق ومحافظات البلاد.

السيول والفيضانات في اليمن تتسبب موسمياً في وفيات وأضرار مادية وبيئية كبيرة وتسببت العام الماضي بوفاة 240 شخصاً (EPA)

دور الحكومة

على الرغم من ضعف التوعية المجتمعية، وقلة المعلومات المنقذة للأرواح لمجتمعات النزوح من قبل السلطات والمنظمات الإنسانية الفاعلة، إلا أن النتائج تشير إلى أن وعي مجتمعات النازحين بخطر المناخ المتغير لا بأس به. ويرجع ذلك إلى اهتمامهم بمتابعة وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، بحسب الدراسة.

وتؤكد الدراسة أن حوالي 93.5 بالمئة من النازحين في المحافظات المستهدفة قد سمعوا بطريقة ما عن التغيرات المناخية المحيطة بهم، وإن كان هناك بعض التباينات من مخيم لآخر، ومن محافظة لأخرى؛ حيث تصل نسبة سماع النازحين بمخاطر المناخ إلى 99.2 بالمئة في محافظة مأرب، مقارنة بحوالي 87.5 بالمئة في حجة وحوالي 84.9 بالمئة في سقطرى والمهرة.

وأظهرت النتائج أن مستوى وعي النساء النازحات وسماعهنّ عن تغير المناخ أعلى من الرجال في مخيمات النزوح؛ حيث بلغت نسبة سماع النساء 98 بالمئة مقابل نسبة 90.3 بالمئة لدى الرجال، ويمكن إرجاع ذلك إلى زيادة مهام النساء، وتعرضهن لمخاطر المناخ أكثر من الرجال، عند جلب الماء أو الحطب.

كما تبين أن مستوى سماع الفئات العمرية من النازحين عن التغيرات المناخية تقل مع التقدم في العمر؛ حيث بلغت نسبة من سمعوا عن التغيرات المناخية من الفئات العمرية الشابة (18 – 25 سنة) حوالي 98.1 بالمئة وتقل نسبة السماع لتصل في الفئة العمرية (60 عاماً فما فوق) إلى حوالي 63.6 بالمئة فقط، ويمكن إرجاع ذلك إلى اهتمام الفئات الشابة بالتواصل عبر منصات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

ومع استمرار أزمة النزوح في اليمن، تحتاج الحكومة وسلطاتها المحلية ومعها المنظمات الإنسانية غير الحكومية إلى فهم تطور احتياجات مجتمعات النزوح المتضررة من الكوارث، ومعرفة الثغرات في إدارة النزوح المناخي. مع وضع التركيز على تطبيق الممارسات المثلى والمستدامة، وبناء ودعم المبادرات الإبداعية التي تساهم في تقديم معالجات لأزمة النزوح المناخي المتكررة في البلاد.

وكانت مفوضية شؤون اللاجئين قد حذرت، في أغسطس/ آب عام 2024، من أن ملايين النازحين اليمنيين يواجهون ظروفا متدهورة؛ بسبب الفيضانات الكارثية، خصوصاً في ظل تفاقم الأزمة المطولة في اليمن.

مأرب.. عمال الأحجار مشقة مضاعفة بأجر زهيد

عمال الأحجار بمأرب:مشقة مضاعفة بأجر زهيد

بابتسامة تخفي خلفها الكثير من الألم، يتحدث فائز الحسيني (40 عاماً) عن مسيرته الشاقة التي بدأها قبل عقدين من الزمن في مناشير الأحجار بمحافظة مأرب شرقي اليمن، من أجل تأمين لقمة العيش، في بلد يشهد أسوأ أزمة إنسانية.

ورث الحسني حرفته من والده، ويتقاضى منها قوت أسرته المكونة من ثمانية أطفال، ويقضي 12 ساعة يومياً في العمل بين حرارة الشمس وغبار الأحجار، مقابل 15 ألف ريال يمني، ما يعادل 7 دولارات، لكنه الخيار الوحيد المتاح أمامه رغم قساوته.

مشقة مضاعفة

“العمل شاق، وأقضي فيه ساعات طويلة، لكن مردوده زهيد، ونفتقد فيه لأبسط أدوات السلامة للحفاظ على أجسادنا وأعيننا من شظايا الأحجار المتطايرة”، يقول الحسني لمنصة ريف اليمن.

ويضيف: “أصبحت الأحجار كآلة حرب لنا؛ بين الحين والآخر يصاب أحد الزملاء، وسبق أن أصبت في عيني اليمنى بشظايا الأحجار.” ويتابع بصوت يملؤوه التعب: “إذا تركت هذه المهنة، ماذا سأفعل؟ لا توجد فرص أخرى، الحياة لم تمنحني حظًا آخر، ونتمنى أن يكون الغد أفضل”.


       مواضيع مقترحة

فائز واحد من عشرات عمال الأحجار في مدينة مأرب، يذهب صباح كل يوم إلى عمله لرص الأحجار الرخامية، مقسماً ساعات يومه إلى ثلاث فترات عمل مرهقة، وتبرز معاناة هؤلاء العمال كواحدة من أكثر المآسي قساوةً ومشقة؛ إذ إنهم يعملون وسط ظروف خطرة في مشهد يعكس صمودهم في وجه القهر والمعاناة.

وحول طبيعة العمل يقول الحسني إنه “يتوزع على مراحل، القطع من الجبال حتى مرحلة البناء”، ويضيف: “في البداية يتم قص الأحجار من الجبال باستخدام قصاصات حديثة كهربائية، ويتم نقلها بالقواطر والقلابات إلى المناشير، حيث يبدأ دور العامل في إدارتها وتقطيعها بسماكة 5 سم وأطوال متعددة”.


العمل شاق وأقضي فيه ساعات طويلة، لكن مردوده زهيد، ونفتقد فيه لأبسط أدوات السلامة للحفاظ على أجسادنا وأعيننا من شظايا الأحجار المتطايرة


ويتابع: “بعد ذلك يتم فرز الأنواع والألوان؛ الحمراء، البيضاء، والسوداء، ولكل نوع مميزات مختلفة؛ كمقاومة الملوحة والتكيف مع المناخ وغيرها، أما الأسود فالإقبال عليه ضئيل، ويستخدم غالباً في الأحواش وأحواض المطابخ”.

لا تقتصر المعاناة على فائز، فقصة “صادق الشراعي (35 عاماً)” لا تختلف كثيراً؛ حيث جاء إلى مأرب هرباً من الحرب قبل خمس سنوات، ليجد نفسه في دوامة الفقر والمعاناة.

استراتيجية واضحة

يعيش الشراعي مع أسرته المكونة من ستة أطفال في غرفتين شعبيتين، لا تحتوي على بلاط أو أبواب داخلية، ويقول لمنصة ريف اليمن: “بالكاد تحمينا هذه الغرفتين من الرؤية، لكنها لا تحمينا من البرد، ورغم ذلك أدفع 100 ألف ريال شهرياً كإيجار”، وهو مبلغ كبير جداً مقارنة بالدخل الذي لا يتجاوز 7 دولارات.

عمال الأحجار بمأرب:مشقة مضاعفة بأجر زهيد
دعوات للالتفات لهذه الشريحة وتنظيم عملها ووضع أسعار عادلة، وتوفير خدمات صحية (ريف اليمن)

ويضيف: “إذا تركت العمل يوماً واحداً، أعود لأجد الفقر ينتظرني على الباب، مصاريف الأطفال والمدرسة والمنزل تغرقني في الديون، ولا توجد مساعدات من أي جهة، ومع ذلك، أرى من هو أسوأ مني، وأشعر أنني محظوظ لأن لدي سقفاً فقط”.

الخبير الاقتصادي “مصطفى نصر” يرى أن مهنة الأحجار تمثل سلسلة متكاملة من “المقلع إلى البناء”، وهي مهنة حرة تختلف فيها الأجور بحسب الزمن والمكان والطلب.

ويقول نصر في حديثه لـ “منصة ريف اليمن”: “هذه المهنة تختلف كلفة العامل فيها لاختلاف الزمن والمكان والطلب، والعامل الفني – معلم البناء – يحدد أجره وفق خبرته ولمسته الفنية، بينما يعاني المساعدون من انخفاض الأجور، وعدم كفايتها في ظل تدهور العملة وارتفاع الأسعار”.

ويضيف: “المساعدون هم الشريحة الأكثر تضرراً، لأن أجورهم اليومية لا تتناسب مع مستويات التضخم الحالية، صحيح أن الأجور ترتفع أحياناً، لكنها لا تواكب الانهيار الاقتصادي، وأصبح معظمهم غير قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية”.


دعوات لبرامج تأهيل وتدريب لمهن بديلة كحل عملي لمساعدة العمال في الحصول على عمل آمن وبأجور ملائمة


ويشير نصر إلى أن المشكلة ليست في مهنة الأحجار فقط، بل أن حتى فئات كانت تُعتبر متوسطة، كأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، أصبحت اليوم دون خط الفقر.

ويختم حديثه: “يفترض أن يكون هناك التفات لهذه الشريحة، من خلال تنظيم عملها ووضع أسعار عادلة، وتوفير خدمات صحية، وضمانات معيشية في حال البطالة أو غياب العمل، وتبني استراتيجية واضحة لمعالجة التدهور في الأجور والمستوى المعيشي”.

عمال الأحجار بمأرب:مشقة مضاعفة بأجر زهيد
أوضاع مالكي المناشير لا تقل سوءًا عن أوضاع العمال، فالجميع يكافح من أجل تأمين لقمة العيش لأطفاله (ريف اليمن)

أما أستاذ علم الاجتماع الدكتور “محمود البكاري”، فيرى أن النزوح أدى لتغيرات اجتماعية عميقة، قائلاً: “فقد الكثير من الناس أعمالهم الأصلية، واضطروا للعمل في مهن شاقة، بأجور زهيدة، وغير مناسبة لخبراتهم، وهذا الوضع خلق مشاكل اجتماعية كالتفكك الأسري، وانتشار عمالة الأطفال، والتسرب من التعليم”.

برامج تأهيل وتدريب

ويتابع: “ليس من السهل على الشخص تغيير مهنته الأساسية، لأنها ترتبط بالهوية والانتماء، وتغييرها يسبب معاناة نفسية واجتماعية تؤثر على الإنتاجية والاستقرار النفسي”، داعيا إلى عمل برامج تأهيل وتدريب لمهن بديلة، كحل عملي لمساعدة العمال في الحصول على عمل آمن وبأجور ملائمة.

“منصة ريف اليمن” التقت بـ”أحمد الطالعي”، أحد مالكي مناشير الأحجار في محافظة مأرب، والذي أرجع تدني الأجور إلى تدهور قيمة العملة المحلية والارتفاع المستمر في الأسعار، مؤكدًا أن هذه الظروف أرهقت القطاع بأكمله.

وقال الطالعي إن أوضاع مالكي المناشير لا تقل سوءًا عن أوضاع العمال، فالجميع يكافح من أجل تأمين لقمة العيش لأطفاله، في ظل الانهيار المتواصل للعملة الذي طال تأثيره الجميع دون استثناء.

وحول غياب أدوات السلامة المهنية، أوضح الطالعي أن العامل اليمني غالبًا ما يعتبرها من الكماليات، نظراً لانشغاله الذهني والجسدي بتأمين احتياجات أسرته اليومية، لافتا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل ارتداء بدلات السلامة غير مقبول لدى كثير من العمال، لما تسببه من تعرق وضيق، ما يدفعهم لاعتبارها عبئًا إضافيًا يعيق أداءهم.

الزراعة والأمن الغذائي: تحذيرات من انهيار سبل العيش

المزارعون في اليمن بين آمال الوفرة ومخاوف الفيضانات
يمني مع أغنام في إحدى الجبال اليمنية (الفاو)

مع بدء الموسم الزراعي في اليمن، يواجه المزارعون سلسلة من التحديات، في الإنتاج الزراعي بفعل العوامل الطبيعية والاقتصادية، والتي تنعكس على الأمن الغذائي في ظل تراجع سبل العيش لدى غالبية اليمنيين، وخاصة في المناطق الريفية.

وللعام العاشر على التوالي من الأزمة الإنسانية في اليمن، ونتيجة للحرب؛ ظلت الاحتياجات الإنسانية كبيرة على نطاق واسع، كما أن انهيار البنية التحتية المجتمعية والخدمات الأساسية، جعل السكان في اليمن في حالة ضعف شديد أمام الأزمات.

ويواجه اليمنيون تحديات كبيرة مع استمرار توسع سوء التغذية الحاد؛ حيث تواجه الأسر اليمنية انهياراً مأساوياً لمعظم جوانب الحياة، في ظل حالة عدم الاستقرار الاقتصادي، وسط تحذيرات من تفاقم الوضع الإنساني جراء انهيار سبل العيش.


       مواضيع ذات صلة

سوء التغذية

“أمير طاهر” في عُمر خمسة أشهر يعاني أكثر مما ينبغي لأي طفل رضيع أن يتحمله، وبعد أن وُلد في منطقة صلاح الدين بعدن (جنوبي اليمن)، واجه سوء تغذية حادًا، وعدوى صدرية، وإسهالًا مستمرًا، وفتقًا سريًا يحتاج إلى جراحة.

وتتذكر والدته الشعور بالعجز أثناء تدهور حالته الصحية قائلةً: “كان مريضًا جدًا، ولم يكن هناك شيء أفعله ليريحه، جفّ حليبي بسبب التوتر، وشعرت بالعجز التام”. وتضيف: “على الأقل الآن يتلقى الرعاية، كل ما أريده هو أن يكون بصحة جيدة مجددًا”.

يتلقى أمير العلاج حاليا في مركز التغذية العلاجية المدعوم من منظمة الصحة العالمية. ورغم المعاناة، ترفض والدة أمير أن تفقد الأمل. وتقول: “كل ما أريده هو أن آخذه إلى المنزل وهو بصحة جيدة، فهذا هو حلم كل أم”.

وحياة أسرة أمير ليست سهلة؛ فوالده عامل يومي، بالكاد يكسب ما يكفي لشراء الطعام، وفي بعض الأيام لا يعمل، وبالتالي لا تجد أسرته أحياناً قوت يومها. تقول والدته بهدوء: “عندما يحدث ذلك، نصوم”. وتضيف: “أعطانا فاعل خير ملابس للرضع عندما وُلد أمير، لطالما اعتمدنا على مساعدة الآخرين”.

تحديات الزراعة والأمن الغذائي في اليمن
الطفل “أمير” في حضن أمه يتلقى العلاج في مركز التغذية العلاجية بمدينة عدن جنوبي اليمن (الصحة العالمية)

ويُعد أمير واحدًا من 2.3 مليون طفل يعانون من سوء التغذية في اليمن، نصف مليون منهم يواجهون سوء تغذية حاد وخطير، و69 ألفاً بحاجة إلى رعاية طبية عاجلة، وفق منظمة الصحة العالمية التي قالت إنه “بدون علاج، يصبح الأطفال عرضة للأمراض المعدية مثل الالتهاب الرئوي والإسهال، وهما من الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال في اليمن”.

وانتقل الوضع في اليمن من حالة الطوارئ الإنسانية الناجمة عن الصراع وما صاحبه من نزوح إلى أزمة طويلة الأمد؛ حيث أدت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وانهيار الخدمات إلى استنزاف مصادر دخل الأسر، وسُبل عيشها وقدرتها على الصمود، وفي الوقت ذاته أثرت التغيرات المناخية على الزراعة وخلقت تحديات كبيرة.

تحديات الموسم الزراعي

ويواجه القطاع الزراعي في اليمن تحديات متزايدة تهدد الأمن الغذائي، في ظل تفاقم التغيرات المناخية، ومنها تراجع معدلات هطول الأمطار، وازدياد موجات الجفاف، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي.

ووفق منظمة الأغذية والزراعية (الفاو): “بدأت زراعة الحبوب لعام 2025 في ظل جفاف مستمر، وانخفاض في رطوبة التربة والمياه الجوفية، وهو ما سيؤثر سلبًا على زراعة الذرة الرفيعة ونمو المحاصيل”.

ومن المتوقع أن يؤدي الجفاف وارتفاع درجات الحرارة بين أبريل ويونيو إلى انخفاض رطوبة التربة بشكل أكبر -وفق الإنذار المبكر للمنظمة الدولية- مما يُقلل من فرص إنتاج المحاصيل. إضافةً إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود والمدخلات الأنشطة الزراعية قد يُعيق إنتاج الحبوب المحلي.

ويُقدَّر حصاد الحبوب للعام 2024 -والذي اكتمل في أواخر نوفمبر- بنحو 416 ألف طن، أي أقل بنحو 13% عن المتوسط، وذلك نتيجةً لظروف الجفاف التي شهدتها المحافظات الرئيسية المنتجة للمحاصيل خلال شهري مايو ويونيو 2024، وفق الفاو.

تحديات الزراعة والأمن الغذائي في اليمن
غالبية المزارعين يعملون في الحقول طوال اليوم لإعالة أسرهم وتأمين معيشتهم (الفاو)

واعتبرت المنظمة الدولية، أن من ضمن أسباب تراجع الحبوب “الفيضانات الغزيرة في أغسطس وسبتمبر، والتي ألحقت أضرارًا بالأراضي الزراعية، وقنوات الري، ومرافق تخزين المياه”.

وتوفي 240 شخصاً، وأصيب 635 آخرون جراء الأمطار الغزيرة والفيضانات في اليمن 2024 خلال موسم الأمطار، وتأثرت حوالي 99 ألف هكتار من الأراضي الزراعية بالفيضانات، وحوالي 279 ألف رأس من الأغنام والماعز.

كما حدَّ ارتفاع الأسعار من قدرة المزارعين على الحصول على المدخلات الأساسية، بما في ذلك الوقود والمبيدات الحشرية، وفق منظمة الفاو، حيث يعاني المزارعون من تكلفة مضاعفة في إنتاج المحاصيل.

ووفق بيانات الطوارئ أكتوبر 2024 (DIEM): “أفادت الأسر التي تعتمد بشكل رئيسي على الأجور اليومية داخل المزرعة وخارجها، والأسر التي لا تملك مصادر دخل، بفقدان أعمالهم بمعدل أعلى من فئات سبل العيش الأخرى”.

وبالنسبة لمنتجي المحاصيل، ظل نقص المياه أكثر الصعوبات المبلغ عنها، أما بالنسبة لمنتجي الثروة الحيوانية، فقد ظل شراء الأعلاف هو الصعوبة الأبرز، بحسب بيانات (DIEM). وكانت محافظتا عمران وحجة (شمالي اليمن) أكثر المحافظات معاناة من انعدام الأمن الغذائي، كما شهد سكانها مستويات أعلى من فقدان أعمالهم، وانخفاض مصادر الدخل الرئيسية.

الأمن الغذائي في اليمن

لم تتمكن 57 بالمئة من الأسر اليمنية من تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية الأساسية في مارس/ آذار الماضي؛ حيث ارتفعت معدلات الحرمان الغذائي بشكل ملحوظ مقارنة بالعام السابق، وفق برنامج الغذاء العالمي.

ويعد التدهور الاقتصادي المستمر، ونقص التمويل الإنساني، ومحدودية فرص العمل، والجفاف الذي أثر سلبًا على الإنتاج الزراعي، من العوامل التي عمّقت الأزمة في اليمن، بحسب الغذاء العالمي الذي أشار إلى أن “محدودية سبل العيش والظروف الشبيهة بالجفاف تؤثر “سلبا” على القطاع الزراعي، وتسهم في تفاقم الأزمة”.


57 بالمئة من الأسر اليمنية لم تتمكن من تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية خلال شهر مارس/آذار الماضي؛ حيث ارتفعت معدلات الحرمان الغذائي مقارنة بالعام السابق


وكشف التحديث الذي أصدره البرنامج حول الأمن الغذائي أن “أزمة سوء التغذية تزداد تفاقمًا؛ حيث يعاني ما يقرب من نصف الأطفال اليمنيين دون سن الخامسة من سوء التغذية، بينما تواجه 3.5 مليون امرأة وطفل سوء تغذية حاد”.

الزراعة والأمن الغذائي في اليمن
تراجع إنتاج الحبوب الموسم الماضي بنسبة 13% عن المتوسط السنوي (ريف اليمن)

وارتفعت معدلات نقص الغذاء بين النازحين إلى مستويات مقلقة، حيث يعاني 61٪ منهم من عدم كفاية الاستهلاك الغذائي، فيما يواجه 35٪ ظروفًا غذائية متدهورة، ترتفع إلى 40٪ بين النازحين في المخيمات.

وفي مواجهة هذه الأزمة، قال برنامج الغذاء العالمي إن “النازحين يعتمدون على استراتيجيات قاسية للتكيف مع الظروف الصعبة، وتشمل الاستغناء عن بعض الوجبات اليومية، واللجوء إلى التسول لتأمينها” مما يعكس حجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء في ظل أوضاع إنسانية متفاقمة.

وارتفعت تكلفة السلة الغذائية الأساسية بنسبة 28% مقارنة بالعام الماضي، في حين يعاني النشاط الاقتصادي من ضعف القدرة الشرائية، في الوقت الذي تعاني خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2025 من نقص التمويل؛ إذ لم يتم تأمين سوى 8%؛ مما يهدد بتفاقم الوضع الغذائي والإنساني في البلاد.

ومن المتوقع أن تصل واردات القمح في اليمن خلال السنة التسويقية 2024-2025 إلى مستوى قريب من المتوسط، وهو يمثل النسبة الأكبر من إجمالي الواردات بحوالي 3,8 ملايين طن، وفق منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

وتشكل الصراعات الداخلية، والركود الاقتصادي، ومحدودية توافر العملات الأجنبية، بسبب ضعف أنشطة تصدير النفط، تحدياتٍ أمام البلاد لاستيراد الحبوب في عام 2025. بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في حين أن “17.1 مليون شخص (ما يقرب من نصف السكان) يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد”.

طرق زراعة وإنتاج علف “البونيكام”

يُعد علف البونيكام من المحاصيل العلفية المعمرة ذات الكفاءة العالية في الإنتاج والقيمة الغذائية، ويُصنَّف كخيار استراتيجي في مجال الأعلاف الخضراء، خاصة في ظل التحديات المناخية التي تواجهها الزراعة في اليمن.

وبفضل تحمله للجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة، إضافةً إلى قدرته على النمو في تربة ذات ملوحة معتدلة؛ أصبح البونيكام (منافس البرسيم)، خياراً متزايد الاعتماد عليه في عدد من محافظات البلاد.

في هذا الدليل الإرشادي، نستعرض أبرز جوانب زراعة البونيكام من حيث الفوائد الزراعية والاقتصادية، وأوقات الزراعة المثلى، وتقنيات الري والتسميد، وصولاً إلى مراحل الحصاد، وذلك استناداً لما أورده الخبير المختص في ريف اليمن محمد الحزمي.

مميزات زراعة البونيكام:

  • تحمل الظروف المناخية القاسية: يتحمل البونيكام درجات حرارة تتراوح بين 20 إلى 35 درجة مئوية، ويتأقلم مع فترات الجفاف ودرجات ملوحة معتدلة.
  • نمو سريع وإنتاج وفير: يتميز بسرعة نموه خصوصاً في فصل الصيف، حيث يمكن حشه عدة مرات في السنة، مع إنتاجية عالية للحشة الواحدة.
  • عمر إنتاجي طويل: يستمر إنتاجه لمدة تتراوح من 5 إلى 10 سنوات، مما يقلل من تكاليف إعادة الزراعة السنوية.
  • قيمة غذائية جيدة: يحتوي على بروتينات وألياف ومعادن مهمة، تجعله علفاً عالي الجودة للحيوانات.
  • مستساغ من قبل الحيوانات: تقبل عليه الأبقار والأغنام والماعز والإبل، ويمكن تقديمه أخضراً أو مجففاً.
  • مقاوم للأمراض: مقاوم للعديد من الأمراض الشائعة التي تصيب الأعلاف الأخرى.
  • مرونة في نوع التربة: يُفضل التربة جيدة الصرف، لكنه ينمو في أنواع مختلفة من التربة.

      إرشادات ذات صلة

مواعيد الزراعة

  1. الفترة الأساسية: من مارس إلى أبريل، وهي الفترة المثلى لبداية الزراعة في المناطق الدافئة (الزراعة الربيعية).
  2. فترة بديلة: يمكن أيضاً زراعته من سبتمبر إلى نوفمبر في المناطق الأقل حرارة (الزراعة الخريفية).

طرق الزراعة

1. الزراعة بالبذور: نثر البذور مباشرة في التربة بعد تجهيزها وتسويتها وريّها.

الملاحظة: تتطلب هذه الطريقة كمية كبيرة من البذور، ونسبة الإنبات غالباً ما تكون منخفضة.

2. الزراعة بالشتلات (موصى بها): نقل الشتلات من المشتل إلى الحقل بعد مرور 40–45 يوماً على زراعتها.

المسافات المثلى:

  • بين الشتلات: 40–60 سم.
  • بين الخطوط: 80–100 سم.

الري:

  1. في المراحل الأولى: يحتاج النبات لري منتظم كل 3–5 أيام لضمان نجاح الإنبات واستقرار الشتلات.
  2. بعد النمو الكامل: يمكن تقليل الري تدريجياً مع تحمله للجفاف.
  3. أنظمة الري المفضلة:
    – الري بالتنقيط يُعدّ الأمثل لترشيد استخدام المياه.
    – يُمنع الغمر الطويل بالماء نظراً لحساسية الجذور.
  4. معدل الري: يُحدد بناءً على نوع التربة ودرجة الحرارة والرطوبة.
البونيكام هو أحد الأعلاف الخضراء المعمّرة، وقد تم زراعته وتجربته في عدة محافظات يمنية


التسميد

  • قبل الزراعة: يُوصى بإضافة سماد عضوي متخمّر (مثل روث الحيوانات) لتحسين خصوبة التربة.
  • بعد الحش:
    يُضاف سماد نيتروجيني خفيف لتحفيز النمو المتجدد.
    يُمكن استخدام السماد العشريني (20-20-20) بمعدلات معتدلة، إلى جانب العناصر الصغرى لتعزيز القيمة الغذائية للعلف.

ملاحظة: البونيكام لا يحتاج إلى تسميد مكثف، لكن التسميد المعتدل يحسن الإنتاجية.

الحصاد

  1. توقيت الحصاد المثالي: عندما يبلغ النبات ارتفاع 80–120 سم، حيث تكون القيمة الغذائية في ذروتها.
  2. طريقة الحصاد: يُقطع العلف على ارتفاع 10–15 سم من سطح التربة لضمان تجدد النمو.
  3. عدد الحشات السنوية: يمكن حشّه من 6 إلى 8 مرات سنوياً في الظروف المثالية، مما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروع.

توصيات:

  • التأكد من تحليل التربة قبل الزراعة لتحديد نوعية التسميد والري المطلوب.
  • إجراء صيانة دورية لمعدات الري خاصة عند استخدام نظام التنقيط.
  • مراقبة نمو الأعشاب الضارة والقيام بمكافحتها يدوياً أو ميكانيكياً لتجنب منافستها للنبات.
  • الحفاظ على جدول حصاد منتظم لتحفيز النمو الجديد، ومنع التخشب وفقدان الجودة.
  • إذن، تُعد زراعة البونيكام خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن الغذائي الحيواني في اليمن، خاصة في ظل التحديات البيئية والمناخية الحالية، ومع تطبيق الممارسات الزراعية السليمة، يمكن للمزارعين تحقيق إنتاج وفير ومستدام من العلف عالي الجودة، بتكلفة تشغيلية منخفضة نسبياً.

هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

ذوو الإعاقة في البيضاء.. حرمان وتهميش فاقمته الحرب

يواجه ذوو الإعاقة في محافظة البيضاء وسط اليمن صعوبات وتحديات كبيرة في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، خصوصًا في ظل تداعيات الحرب المستمرة منذ عشر سنوات، والتي فاقمت معاناتهم وفاقمت من أوضاعهم الإنسانية المتدهورة.

وخلال السنوات الماضية، كان الأشخاص من ذوي الإعاقة في البيضاء من أكثر الفئات تعرضًا للحرمان والتهميش، بسبب تدهور الوضع الأمني وتجدد الاشتباكات المسلحة بين أطراف النزاع التي شهدتها المحافظة.

حرمان وتهميش

يقول “أحمد الذهب”، والد أحد المصابين بالشلل الدماغي: “الحرب جعلت الكثير من ذوي الهمم عاجزين عن الوصول إلى المرافق الصحية التي تقدم خدماتها للمواطنين بشكل عام، وليست المتخصصة للمعاقين فقط، ومع ذلك فهي لا تعمل بكل طاقتها”.

وأضاف لمنصة ريف اليمن: “عندما يتوقف ابني عن استخدام الدواء، تتدهور حالته، ويعاني من الوهن والآلام، وتصاب عظامه بالالتواء”، لافتا إلى أن علبة الدواء الواحدة تكلف خمسين ألف ريال، ما يعادل قرابة مئة دولار، هذا غير الأدوية الأخرى التي لا تتوفر أصلًا.


       مواضيع ذات صلة

ويعيش ملايين الأشخاص من ذوي الإعاقة في اليمن حالة من الهشاشة والضعف نتيجة الأزمات المتتالية التي تعصف بالبلاد، وتصف الأمم المتحدة الوضع الإنساني في اليمن بأنه من بين الأسوأ عالميًا.

الإعاقة وجحيم النزوح

وتزداد مأساة ذوي الهمم في البيضاء مع استمرار تدهور الخدمات، لا سيما في القطاع الصحي؛ حيث يُحرم كثيرون من الحصول على الأدوية الضرورية، ما يجعل حياتهم معرضة للخطر بشكل يومي.

تروي السيدة أم عائشة، التي نزحت من مديرية الملاجم إلى مدينة رداع مع ابنتها المصابة بإعاقة حركية، تفاصيل مؤلمة عن معاناة مضاعفة، وتقول خلال حديثها لمنصة ريف اليمن: “النزوح بحد ذاته عذاب، فكيف إذا كنت تنزحين ومعك طفلة لا تستطيع المشي؟ أضطر لحملها من مكان لآخر، ولا أملك ثمن الأدوية التي تخفف عنها المرض”.

وتضيف: “معاناتنا لا توصف، ولا ندري أيهما أشد معاناة: النزوح أم المرض؟”.

يقدر عدد المعاقين بنحو 4.5 مليون، والعوائق التي تحول دون إدماجهم في المجتمع كبيرة (صندوق المعاقين)

وكانت العفو الدولية قد أكدت أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون صعوبات مضاعفة في الفرار من العنف. وقد ذكر كثيرون أنهم قطعوا رحلات النزوح الشاقة دون أن يكون لديهم مقاعد متحركة أو عكاكيز، أو غيرها من الأدوات المساعدة، وكان جميعهم تقريباً يعتمدون على أهاليهم أو أصدقائهم.


ذوو الإعاقة في البيضاء يواجهون صعوبات جسيمة في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والوظائف، والكثير منهم لا يحصلون على التسهيلات اللازمة للتنقل والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية


الدكتورة “ليلى أحمد”، طبيبة في مستشفى رداع العام، أكدت أن الحرب والبنية التحتية المدمرة عمقت مأساة ذوي الإعاقة، وزادت من معاناتهم في مختلف المجالات.

وأضافت في حديثها لمنصة ريف اليمن: “ذوو الإعاقة في البيضاء يواجهون صعوبات جسيمة في الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والوظائف”.

وتابعت: “الكثير منهم لا يحصلون على التسهيلات اللازمة للتنقل أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، مما يحد من قدرتهم على التفاعل والاندماج في المجتمع”، مشيرة إلى أن دعم مساندة حقوق وقضايا المعاقين من قبل العديد من المنظمات المحلية والدولية غالباً ما تواجه جملة من المعوقات بسبب الظروف الراهنة.

 تكاتف الجهود

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، دعت الدكتورة ليلى السلطات والمجتمع إلى مضاعفة الجهود لضمان حقوق ذوي الإعاقة، خصوصًا في مجالي التعليم والصحة، بما يكفل لهم حياة كريمة.

وشددت على أهمية نشر الوعي المجتمعي حول قدرات هذه الفئة، وتهيئة الفرص أمامهم لتحقيق الإنجازات، مؤكدة أن الإعاقة لا تمثل حاجزًا أمام الإبداع والمشاركة الفاعلة، والاندماج الإيجابي في المجتمع، كما هو الحال في بلدان كثيرة حول العالم.


الكثير من مراكز الرعاية والتأهيل تعرضت للاستهداف المباشر بسبب الحرب، وتوقفت المؤسسات والجمعيات العاملة في هذا المجال مما أدى إلى تفاقم المعاناة


من جهتها، قالت الناشطة الحقوقية “آمال عامر” إن الأشخاص ذوي الإعاقة باتوا يعانون من تهميش مضاعف في ظل الحرب، مشيرة إلى أن النزاع أدى إلى ازدياد أعداد المعاقين نتيجة الإصابات المباشرة.

وأضافت في تصريحها لمنصة ريف اليمن: “الكثير من مراكز الرعاية والتأهيل تعرضت للاستهداف المباشر؛ مما أدى إلى توقف المؤسسات والجمعيات العاملة في هذا المجال، إضافة إلى توقف المخصصات المالية، والنفقات التشغيلية اللازمة لضمان استمرارية الخدمات”.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحرب خلفت أعدادًا هائلة من النازحين والجرحى والمصابين بصدمات نفسية، من بينهم نسبة كبيرة من الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء الجسدية أو العقلية، والذين يواجهون تحديات مركبة ومتشعبة.

وبحسب التقرير الصادر أواخر عام 2024، فإن عدد المعاقين يقدر بنحو 4.5 مليون معاق، وأن العوائق التي تحول دون إدماجهم في المجتمع كبيرة، وتفاقمت نتيجة لانهيار البنى التحتية، والصراع، والضغوط الاقتصادية، ونقص الخدمات، إلى جانب الوصمة والعزلة الاجتماعية التي تحاصر هذه الفئة من كل اتجاه.

حجة.. الكلاب الضالة تهدد أرواح السكان ومواشيهم

الكلاب الضالة تهدد أرواح السكان ومواشيهم بحجة

تحولت الكلاب الضالة إلى كابوس يومي يؤرّق سكان القرى والعزل في مديرية كعيدنة بمحافظة حجة، (شمال غربي اليمن)، بعد أن أصبحت تهدد سلامة الإنسان والمواشي، وتنشر الرعب في الأحياء السكنية والمراعي، وحتى داخل البيوت الطينية.

انتشار مقلق

“أحمد النشري (47 عامًا)”، أحد سكان قرية بني الضماري، لم يكن يتوقع أن تنقلب رحلته البسيطة إلى السوق إلى مأساة صحية، إذ تعرّض لهجوم مفاجئ من كلب ضال أثناء سيره على الطريق العام.

يقول النشري لمنصة ريف اليمن: “بينما كنت أمشي في الطريق هاجمني كلب من الخلف وغرز أنيابه في ساقي، صحت دون جدوى، ولم يكن بيدي شيء لأدافع عن نفسي”. ويضيف:” حاولت إبعاده بقوة حتى فرّ، بعدها أسعفني أقاربي إلى مستشفى أطباء بلا حدود في مديرية عبس، وهناك تلقيت العلاج اللازم، وتماثلت للشفاء وتحسنت حالتي الصحية”.


      مواضيع ذات صلة


وتشهدت العديد من المحافظات اليمنية ارتفاعاً ملحوظاً في الإصابات بعضات الكلاب المسعورة المصابة بما يعرف علميا داء الكلب، وأصبحت مهددة ليس للماشية والحيوانات فقط، بل حتى للإنسان.

وداء الكلب مرض فيروسي يصيب الدماغ بشكل عام؛ إذ يمرّ الفيروس عبر العصب حتى يصل الدماغ؛ مما يسبب شللًا للجهاز العصبي، ومن ثم الاختناق وموت المصاب في حال عدم تلقي الإسعافات الأولية واللقاحات اللازمة.

قصة أحمد تكررت مع آخرين، كما حدث مع صالح، وهو أحد سكان منطقة الربوع بذات المحافظة، والذي يروي لمنصة ريف اليمن قصته قائلاً: “بينما كنت عائداً من السوق استقبلني كلب جوار البيت، لم يتضح لي أنه مسعور، حاولت أن أقرب له بعض الطعام، ولكنه رفضها وهاجمني ممسكًا بيدي مباشرة وبدأ بعضها”.

“أفلت مني بصعوبة ليتم نقلي إلى الوحدة الصحية القريبة، لكنهم أخبروني أن اللقاحات غير متوفرة، فتم تحويلي إلى مستشفى أطباء بلا حدود في عبس، وهناك تلقيت العلاج وجرعات متكاملة حتى تماثلت للشفاء”، يضيف صالح.

المراعي لم تعد آمنة

الناشط الإعلامي “علي نشري”، من أبناء مديرية كعيدنة، أكد لمنصة “ريف اليمن” أن عدد ضحايا عضّات الكلاب الضالة في عزلة بني نشر بلغ ثمانية أشخاص، معظمهم من كبار السن، إضافة إلى هجمات طالت الماشية.

ويقول نشري: “لم يقتصر الأمر على البشر فقط، بل امتدت الهجمات لتطال عدداً من الأغنام والحمير والأبقار، ففي عزلة الثلث بنفس المديرية وصل عدد الأغنام التي تعرضت للافتراس إلى نحو 10 أغنام؛ ما تسبب في خسائر كبيرة لأهالي المنطقة”.

تحولت المراعي الواسعة، والسلاسل الجبلية التي كانت مصدر رزق للرعاة إلى مناطق مخيفة لا يجرؤ أحد على دخولها إلا ضمن مجموعات، وغالبًا بالسلاح ،الأهالي باتوا يمنعون أطفالهم من الذهاب إلى الحقول والجبال سيرًا على الأقدام، بينما أصبحت تحركات النساء محصورة ومحدودة خوفًا من التعرض لإصابات .

ويؤكد المواطن “أسامة طاهر (27 عامًا)”، من عزلة الثلث، أن أسرته فقدت عدة رؤوس من الأغنام بداية رمضان، ويضيف: “كان الوقت ظهراً حين عاد ابن أخي الصغير وشقيقته، وهما من يتولّيان رعاية الأغنام، وقد بدا عليهما الهلع، وعيونهما تفيض بالدموع، شعرت بأن حدثاً ما قد وقع”.

ويتابع: “حين سألتهم أجابني محمد بصوت خافت مرتجف أن أربعة من الأغنام تم التهامها من قبل الكلاب، لم نكن نعلم أن بعض الغنمات قد انفصلن عن القطيع أثناء الرعي، لكننا لاحظنا عند تجميعهن أن العدد ناقص ستة رؤوس”.

خطر صحي داهم

ويضيف: “انطلقنا للبحث فورًا، فوجدنا أربعًا منهن قد تم افتراسهن، بينما كانت اثنتان محاصرتين في أسفل الوادي، وتمكّنا من إنقاذهما بعد أن طردنا الكلاب”، مطالبًا الجهات المعنية بالتدخل السريع، وتنفيذ حملة ضد الكلاب الضالة.

الدكتور “عبد المجيد كرامة” طبيب في المستشفى الريفي بمركز المديرية، حذر من احتمال تفشي مرض السُعار، بسبب عضّات الكلاب الضالة، خصوصًا في ظل عدم توفر اللقاحات في معظم المراكز الصحية بالمديرية.

وأوضح كرامة لمنصة ريف اليمن أن الذين يتعرضون للعض يحتاجون عناية سريعة، وأي تأخير قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة، محذرا أنه في حال لم يتم قتل هذه الكلاب أو حل مشكلتها في أقرب وقت سيصبح الوضع مقلقاً أكثر.

وفي ظل الانتشار المخيف للكلاب الضالة، يعبر سكان القرى الريفية بمديرية كعيدنة، عن استيائهم من تجاهل الجهات المختصة، إذ لم تُسجّل أي حملات مكافحة حقيقية، ولا حتى توعية أو تنظيم حملات قتل للكلاب المسعورة التي باتت تشكل خطراً حقيقياً على حياة الإنسان والحيوان معا.

بين التنمُّر والمعتقدات.. ريفيون يدفعون ثمن أسمائهم

بين التنمُّر والمعتقدات.. ريفيون يدفعون ثمن أسمائهم

“عُدمت الأسماء عند جدك؟ شكل الدبور بعدك بسبب اسمك” بهذه الكلمات واجه موظفُ البيانات في الجامعة الشابَ عادل (28 عاما)، عند قراءة اسمه في بطاقة الهوية أثناء التسجيل. بنبرة حزينة يروي عادل أن مثل هذه المواقف تتكرر معه في كل مرة يستلم فيها حوالة مالية، أو يمر بنقطة أمنية، أو ينجز معاملة رسمية.

يقول عادل لمنصة ريف اليمن: “كلام موظف البيانات أعاد إلى ذهني موقفاً مشابهاً بعد تخرجي من الثانوية العامة، هنأني أحد موظفي الدولة من أبناء منطقتي، ثم قال لي: إذا أردت وظيفة أو منصباً في الدولة، فعليك أن تغيّر اسم والدك، وهذه نصيحة لك”.

بين التنمُّر والمعتقدات

حالة من الإحراج ظلت ترافق عادل باستمرار نتيجة التنمر والسخرية التي يتعرض لها بسبب اسم والده (خادم)، وهو اسم اختير قبل ولادته بـ45 عاماً، تطبيقاً لعادات متوارثة في الريف اليمني، ترتبط بمعتقدات شائعة تقول إن بعض الأسماء تجلب الحظ، وتبعد المرض والموت.

ظل عادل متحفِّظاً بشأن اسم والده، ويتجنب ذكره متى ما سُئل عنه، مفضلاً استخدام الكنية أو اسم الجد، كحيلة للهروب من تنمر الآخرين. ويضيف: “كنت أقول لمن يسأل عن اسمي: عادل حسن، حتى لا يسخر زملائي بالجامعة، أو جيراني في السكن من اسم والدي، كما يفعل كل من يعرف اسمي الكامل”.


  مواضيع مقترحة


“خادم”، “شوعي” و”جرادة” وغيرها من المسميات ما زالت ترافق حياة الكثير من أفراد المجتمع التهامي بالذات، وبعض المناطق الريفية اليمنية، رغم غرابتها وندرتها، وتعرض أصحابها غالبا للتنمر بشكل مستمر، خاصةً عند انتقالهم للعيش في المدن، وخوضهم تجارب حياتية في مجتمعات حضرية.

الناشط طارق جهضم، من أبناء تهامة قال لمنصة ريف اليمن: “لكل اسم من هذه الأسماء قصة معاناة منذ الطفولة، في الغالب يمنح الطفل اسما جميلا أو مميزا”.

ويستدرك: “لكن عند تعرضه لوعكة صحية، تقرر العائلة تغيير اسمه اعتقادا منها بأن الاسم الجديد سيبعد عنه العين والمرض، خاصة إذا كان الاسم الأول يعد كبيرا أو ذا هيبة، حسب وصف كبار السن”.

ويضيف جهضم: “كثير من الناس لا يعرفون حتى معنى أسمائهم، ولا سبب التسمية؛ إذ ينساق الأهل خلف تقاليد ومعتقدات لا يقبلها الانسان، ولا يصدقها العقل، ويطلقون على أبنائهم أسماء غريبة”.


كثير من الناس لا يعرفون حتى معنى أسمائهم، ولا سبب التسمية؛ إذ ينساق الأهل خلف تقاليد ومعتقدات لا يقبلها الانسان، ولا يصدقها العقل


تتمخض حالة عادل من معاناة والده الذي تعرض أيضا للتنمر منذ طفولته؛ حيث يرى الكثير ممن لا يعرف أصل أسرته -ومنهم زملاؤه- مصدرا للشؤم ومدعاة للسخرية، وأن نجاحه محظ صدفة، وسرعان ما سيذوب في أول منعطف في أي وظيفة حكومية.

يعود تاريخ التسمية إلى زمن بعيد، وتحديدا قبل 45 عاما، بينما كان حسن (جد عادل) يمارس زراعة الأرض، جاءه خبر ولادة زوجته، وصل حسن للمنزل وأخذ مولوده البكر بين يديه، وبعد لحظة تأمل سادها الصمت كَبر الأب في إذن ابنه “أسميتك خالد، أسميتك خالد”.

لكن المولود، كغيره من الأطفال ضعيفي المناعة، أُصيب بنوبات متكررة من الإسهال والتقيؤ، وامتنع عن شرب الحليب، وبكى باستمرار، ما دفع والديه إلى اصطحابه إلى المستشفى، والبحث عن اسم بديل يبعد الحسد عنه، في النهاية، قررا تسميته “خادم” ليبعدا عنه الأنظار.

مشكلة مجتمعية متجذرة

يقول خادم لريف اليمن “رغم أنها أسباب عادية يصاب بها الكثير من الأطفال، إلا أن الاعتقاد بأن تغيير الاسم يبعد الأمراض ويؤخر الموت كان قراراً حتمياً عند والدي”.

بهذا يسلط عادل الضوء على مشكلة مجتمعية متجذرة في بعض الأرياف اليمنية، لا سيما في تهامة، حيث يؤمن كثيرون بأن الاسم الغريب أو “المنبوذ” يحمي الطفل من الموت ويجلب له الحظ، في عادة يصفها البعض بـ”الخرافة” إلا أن هناك من يملأ قلبه الاعتقاد الكامن بأن اسم الطفل الغريب يطيل عمره، ويجنبه الأمراض.

لم تختلف معاناة “جرادة” عن “خادم”، فالنساء شقيقات الرجال، وفي تهامة النساء أيضاً يواجهن نفس المصير، ولم يسلم “شوعي” من هذا المعتقد، إذ حالت غرابة اسمه بينه وبين السفر، فاضطر لتغييره في الجوازات إلى “شوقي” للتخلص من هذه المعضلة.

بمثل هذا التفكير أرادت “جحرية” تغيير اسمها لـ”فاطمة” تفادياً للتنمر، بعد أن سبَّب لها حرجا مع كل نساء الحارة في المدينة التي تسكنها، أو أثناء دراستها في قسم “محو الأمية”، تقول جحرية: “عندما دخلت المدرسة عانيت من التنمر، الذي كان يظهر على لسان كل من سألني عن اسمي من الزميلات”.


لكل طفل الحق في أن يكون له اسم يميزه عن غيره ولا يقبل الاسم إذا كان منطوياً على تحقير أو مهانة لكرامة الطفل أو منافياً للمعتقدات الدينية”، قانون رقم (45) بشأن حقوق الطفل


يقول أحمد ربيع، أحد الوجاهات الاجتماعية في تهامة، لمنصة ريف اليمن: “هذه التسميات تأتي نتيجة اعتقاد الأسر أن الطفل إذا كان كثير المرض يجب تغيير اسمه، وغالباً ما تُختار أسماء مثل (خادم، شوعي، مجحود) للذكور، و(جرادة، شوعية، جاحدة) للإناث”.

ويضيف: “الكثير من الأسر لا تكترث لحق الطفل في اسم يبعث على الراحة النفسية، رغم أن القانون اليمني يمنع تسجيل الأسماء التي تُعد مهينة، أو تحط من الكرامة، وأتذكر أن السلطات منعت شخصاً يُدعى (خادم) من الترشح لانتخابات المجالس المحلية”.

تفنيد طبي

أما الطبيب محمود، فيؤكد أن الاسم لا علاقة له بالحالة الصحية للمولود، وإنما يحدث المرض بسبب اعتلال أو انحراف في الأسس البيولوجية لتكوين الجسم؛ لنقص في الغذاء، أو العدوى، أو الأساليب الخاطئة التي يمارسها البشر بدون علم، وذهاب الأسر لتغيير الاسم صرفاً للشيطان من باب الشرك.

وينوه بأن الأهل لو اتبعوا سبل الوقاية والعلاج السليم، لما مرض الطفل أصلًا، والاعتقاد أن الشفاء يأتي من تغيير الاسم مجرد خرافة مرفوضة علمياً ودينياً، بل يدخل في باب الشرك .

وتابع: “في لغة العلم يعرف بأن لكل مرض فترة محددة، وينتهي بانتهاء المسبب، وتفكير الأسر بتغيير اسم الطفل يأتي غالبا في فترة حمله للمرض أو قرب التداوي، فيعتقدون أنه من تغيير الاسم، وهذا حرام، ولو عملوا له وقاية لما مرض، ولو داووه بغير الاسم لشفي”.

من جانبه، يرى الدكتور عبد الباسط سراج، أستاذ الفقه والقانون، أنه “لا حرج في تغيير الاسم إذا لم يكن مرتبطاً باعتقاد خرافي/ والنبي كان يغيّر الأسماء إلى الحسنة، لكن إذا اقترن تغيير الاسم بمعتقدات شركية مثل الشفاء أو دفع الموت، فلا يجوز”. ويؤكد أن “الاعتقاد بهذه الأسماء (خادم، شوعي، جرادة) من التشاؤم والطيرة، هي من مظاهر الجاهلية”.

وينص القانون اليمني رقم (45) لسنة 2002 بشأن حقوق الطفل، في المادة (10)، على أن: “لكل طفل الحق في أن يكون له اسم يميزه عن غيره، ويسجل عند الميلاد في سجلات المواليد وفقاً لأحكام قانون الأحوال المدنية والسجل المدني، ولا يقبل الاسم إذا كان منطوياً على تحقير أو مهانة لكرامة الطفل أو منافياً للمعتقدات الدينية”.

تدخين أطفال الريف: سحابة قاتمة تهدد المستقبل

تدخين أطفال الريف: سحابة قاتمة تهدد المستقبل

على طريقة الكبار بدأ الطفل أمجد (15 عامًا) التدخين مع أصدقائه في قريته الريفية بمحافظة إب وسط اليمن، كنوع من التسلية، لكن سرعان ما تحول الأمر إلى إدمان، وأصبح أمجد غير قادر على الإقلاع عنه.

وتفاقمت ظاهرة التدخين بين الأطفال والمراهقين خلال السنوات الماضية، خاصة في المناطق الريفية، وتحولت إلى ممارسة علنية تثير المخاوف من تفشي الأمراض والأوبئة، في ظل غياب التوعية من قبل الأسر والجهات المعنية.

وبالرغم من انتشار الظاهرة على نطاق واسع في صفوف الأطفال، إلا أن معرفة عدد المدخنين تظل صعبة بسبب تداعيات الحرب المستمرة منذ عشر سنوات، وما خلفته من تحديات اقتصادية واجتماعية.


     مواضيع مقترحة


يقول الدكتور “محمد القشه”، مدير البرنامج الوطني لمكافحة التدخين بوزارة الصحة في عدن: “لا توجد إحصائيات رسمية حول عدد متعاطي التبغ في اليمن، كما أن تنفيذ مسح ميداني يتطلب موازنة ضخمة لا تستطيع الحكومة الحالية توفيرها”.

آثار الحرب وتدني التعليم

يضيف القشه في تصريح لمنصة ريف اليمن: “انتشار التدخين بين الأطفال يعود إلى الآثار السلبية للحرب، التي أثرت على الوضع الاقتصادي والنفسي للأسر، إلى جانب تدني مستوى التعليم، وتسرُّب الطلاب من المدارس”.

يقر أمجد قائلا: “حاولت كثيرًا ترك التدخين بعدما اكتشفت والدتي الأمر، لكن ماهي إلا فترة وعدت إليه بشكل أكبر، لا مفر، فالجميع هنا يدخن”. ويبرر فعلته بالقول :”أين نذهب؟ الكل يدخن ويشجع على التدخين، حتى عندما تذهب إلى العمل  تجد أصحاب العمل يقدمون السجائر مجانًا”.

ويرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، “ياسر الصلوي”، أن غياب الرقابة الأسرية، وعدم مراقبة سلوك الأطفال وتصرفاتهم، من الأسباب الرئيسية وراء تفشي الظاهرة بين الأطفال، فضلا عن تقليد الأطفال لآبائهم المدخنين وأصدقائهم.

ويضيف الصلوي لمنصة ريف اليمن: “رغم انتشار التدخين بين الشباب، إلا أن المجتمع اليمني لا يزال يرفض أن يدخن الأطفال، وهو ما يدفع الكثير منهم لممارسة التدخين سرًا بعيدًا عن أعين أسرهم”.

ويشير إلى أن الصراع الأسري، وضعف شخصية الأب، وغربته عن أبنائه، وغياب التوعية بمخاطر التدخين، من العوامل التي تدفع الأطفال نحو هذه العادة الخطيرة.

آثار تدخين أطفال الريف

ويؤكد الصلوي أن التدخين يؤدي إلى ضعف التحصيل العلمي، وقد يدفع الأطفال إلى ترك الدراسة، إضافة إلى آثاره الصحية الخطيرة؛ كالإصابة بالسرطان وأمراض القلب وتصلب الشرايين.

ويضيف: “التدخين قد يدفع الأطفال إلى ارتكاب سلوكيات خاطئة؛ مثل السرقة لتوفير ثمن السجائر، كما يعيق نموهم الجسدي والعقلي، ويحرمهم ممارسة الحياة الطبيعية، ويحولهم إلى عبء على الدولة والمجتمع”.

ويبرر الكثير من الأطفال بأنهم يتعاطون السجائر بسبب الوضع وفراغ الوقت، لكن أستاذ علم النفس بجامعة إب “يوسف الشجاع” أكد أن “ضعف الرقابة الأسرية، وغياب المبادئ والقيم، وسهولة حصول الأطفال على المال، كل ذلك جعلهم فريسة للرفقة السيئة التي تدفعهم إلى التدخين، وتعاطي القات منذ سن مبكرة”.

وأضاف لمنصة ريف اليمن: “غالباً نجد الأطفال المخزنين يتعاطون السجائر في سن مبكر، قد تسلب الرفقة السيئة الطفل عن الأسرة فيخرج من البيت ولا يعود إلا في ساعات متأخر من الليل، ويغيب عن الأسرة في أكثر الأوقات، وهذا بلا شك سيؤدي إلى التدخين، وتعاطي القات والسجائر في سن مبكر”.

وتابع: “تعاطي التدخين يخلق لدى الطفل نوع من الإدمان، فيبدأ بالدخول في عزلة واكتئاب، فيتجنب الجلوس والانخراط مع الأسرة، ويصبح معزولاً؛ فتنشأ لديه عقدة ذنب بعد الإدمان لوجود صراع داخلي بين القيم والمبادئ وسلوك التدخين، يشعر الطفل أنه غير قادر على العودة إلى ممارسة حياته الطبيعية”.

مدخلًا لتعاطي المخدرات

يشير مدير البرنامج الوطني لمكافحة التدخين بوزارة الصحة الدكتور القشه إلى أن التدخين يسبب أكثر من 15 نوعًا من أنواع السرطان، بالإضافة إلى دوره في زيادة معدلات الوفيات؛ ففي عام 2019، توفي نحو 20 ألف يمني نتيجة تعاطي التبغ.

ويحذر من أن التدخين قد يكون مدخلًا لتعاطي المخدرات، ويعرض الأطفال للاستغلال والانحراف السلوكي، فضلًا عن تسربهم من التعليم؛ ما يجعل هناك جيلاً جاهلاً مهيأ للجريمة والعنف.

وعن دور البرنامج الوطني لمكافحة التدخين، يوضح القشه أن البرنامج -رغم محدودية الإمكانيات- ينفذ أنشطة توعوية ورياضية وثقافية، ويعمل بالتعاون مع الجهات المعنية على رفع الضرائب على السجائر. لافتا إلى أن البرنامج بصدد الإعداد للإستراتيجية الوطنية لمكافحة التبغ، والتي قد تضع خطة وطنية عملية منبثقة من الاستراتيجية لمكافحة التبغ.

يواجه الكثير من أولياء الأمور صعوبة في التعامل مع أطفالهم المتعاطين للسجائر، وتحمِّل الاستشارية الأسرية “أسماء الصلاحي” جزءًا كبيرًا من المسؤولية للأسر التي تمارس التدخين أمام أطفالها، مشيرة إلى أن الطفل قد يرث “جين الإدمان” من عائلته، وتأتي العوامل البيئة المحيطة بالطفل والمجتمع لتعزيز هذا الجين.

وتقول الصلاحي لمنصة ريف اليمن: “وسائل الإعلام تلعب دورًا سلبيًا عبر تصوير التدخين كسلوك مرتبط بالنجاح أو السعادة؛ ما يغرس صورة مغلوطة في ذهن الطفل، وتعزز مفهوم التدخين بينهم”.

وتدعو الصلاحي الأسر إلى التعامل مع الطفل المدخن بهدوء وصبر، والتدرج في طريقة العلاج عبر احتوائه وتعزيز ثقته بنفسه، خصوصًا مع الطفل الذي أصبح مدمنا، بدلًا من نهره أو معاقبته، مع توفير بدائل مفيدة لشغل وقت فراغه فيما يعود عليه وعلى العائلة بالفائدة.

ويعود القشة ويشدد على ضرورة إصدار قوانين تمنع بيع السجائر بالقرب من المدارس، وتحظر بيعها لمن هم دون سن 18 عامًا، مع تكثيف التوعية عبر المنابر الإعلامية والمدارس والأسر ووسائل الإعلام لمحاربة هذه الظاهرة. مؤكدا أن مكافحة التدخين مسؤولية جماعية، يجب أن تتكاتف فيها جميع الجهات الرسمية والمجتمعية، وليس فقط وزارة الصحة لحماية أجيالنا القادمة.