الجمعة, مايو 15, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 16

ماذا تعرف عن آفة أكاروس العنكبوت الأحمر وكيفية الوقاية؟

ماذا تعرف عن آفة أكاروس العنكبوت الأحمر وكيفية الوقاية؟

وردنا إلى منصة ريف اليمن سؤال من أحد المتابعين يقول: “لدي أشجار مانجو تعاني من المرض، جربت عدداً من المبيدات دون جدوى، ولا أعرف نوع الحشرة المسببة للإصابة، فما الحل؟”

التشخيص الزراعي للحالة

تنتشر زراعة المانجو في عدد من المناطق اليمنية، وتُعد سهول تهامة من أبرز المناطق المشهورة بإنتاج هذا المحصول. وكغيرها من الأشجار المثمرة، تتعرض أشجار المانجو لآفات وأمراض متعددة، خاصة في المناطق الحارة وشبه الحارة.

وبالاستناد إلى الأعراض الموصوفة، فإن الإصابة تعود في الغالب إلى آفة أكاروس العنكبوت الأحمر، وهي من أكثر الآفات شيوعاً على أشجار المانجو، وتؤثر بشكل مباشر على نمو الشجرة وإنتاجيتها، خصوصاً عند غياب التشخيص الدقيق أو سوء استخدام المبيدات.

أعراض الإصابة في الحقل

يمكن التعرف على الإصابة بأكاروس العنكبوت الأحمر من خلال عدد من العلامات الواضحة، أبرزها:
– ظهور بقع صفراء أو فضية على السطح العلوي للأوراق.
– تحوّل لون الأوراق تدريجياً إلى برونزي أو بني يشبه الاحتراق.
– وجود شبكات حريرية دقيقة أسفل الأوراق، وهي علامة مميزة للإصابة.
– ضعف عام في نمو الشجرة وتأخر الإزهار.
– صِغر حجم الثمار وانخفاض جودة المحصول.

الطور الضار

يُعد كل من الطور الحوري والعنكبوت الكامل هما الأكثر إضراراً، حيث يتغذيان على عصارة الأوراق، ما يؤدي إلى إضعاف الشجرة وتدهور حالتها الصحية مع مرور الوقت.

انفوجرافيك ملخص لآفة العنكبوت الأحمر

طرق المكافحة المتكاملة

أولاً: المكافحة الزراعية

– إزالة الحشائش والأعشاب المحيطة بالأشجار، كونها تمثل بيئة مناسبة لتكاثر الآفة.
– تجنب الإفراط في التسميد الآزوتي الذي يشجع على زيادة الإصابة.
– تنظيم عمليات الري وعدم تعريض الأشجار للإجهاد المائي.
– التقليم الدوري وإزالة التكتلات والتشوهات الخضرية الناتجة عن الإصابة.

ثانياً: المكافحة الحيوية: الحفاظ على الأعداء الطبيعية للأكاروس، مثل بعض أنواع أبو العيد والعناكب المفترسة، وتجنب القضاء عليها باستخدام المبيدات العشوائية.

ثالثاً: المكافحة الكيميائية (عند الضرورة)
في حال تفاقم الإصابة، يمكن استخدام مبيدات متخصصة وموصى بها، مع الالتزام التام بالجرعات والإرشادات الفنية، ومن أبرزها:
– فنبيروكسيمات 5%.
– أبامكتين 1.8%.
– بيرادابين 15%.
– هوكسي ثيوزوكس 10%.
تنبيه: يُفضَّل التناوب بين المبيدات لتفادي تكوّن مناعة لدى الآفة.

ماذا تعرف عن آفة أكاروس العنكبوت الأحمر وكيفية الوقاية؟
عند الاصابة تظهر بقع صفراء أو فضية على الأوراق تتحول إلى لون برونزي أو بني محروق، مع شبكات حريرية دقيقة أسفلها، يرافقها ضعف النمو وتأخر الإزهار وصِغر الثمار.

توصيات 

– ضرورة التشخيص الدقيق قبل استخدام أي مبيد، ويفضل الاستعانة بمهندس زراعي مختص أو التواصل بنا.
– المراقبة الدورية للأشجار للكشف المبكر عن الإصابة.
– تطبيق برنامج المكافحة المتكاملة الذي يجمع بين الإجراءات الزراعية والحيوية والكيميائية عند الحاجة.
– الالتزام بإرشادات السلامة وفترات الأمان قبل جني المحصول.

مما سبق نجد أن مكافحة آفة أكاروس العنكبوت الأحمر في أشجار المانجو تُعد عملية تراكمية تتطلب فهماً لطبيعة الآفة ودورة حياتها، والابتعاد عن المعالجات العشوائية، والتركيز على الوقاية والتدخل المدروس في الوقت المناسب، بما يضمن حماية الأشجار وتحسين الإنتاج وجودته.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ

مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ(ريف اليمن)

يقف المزارع جمال جميل (45 عاماً) على أطراف مزرعته في منطقة الوادي شرق مدينة مأرب، يرقب أرضه بحسرة يملؤها الخذلان، فالأرض التي ألفها طيبةً، تراجع محصولها من القمح خلال السنوات الماضية، بسبب تداعيات الحرب والتغيرات المناخية.

يقول جمال جميل: “كانت مزرعتي تنتج سابقاً ما بين 3.5 إلى 4 أطنان، حيث أن الإنتاج يرتكز كلياً على جودة البذور، وحين تكون جيدة يكون المحصول جيداً ، أما البذور الضعيفة فتتسبب بخسارة تتراوح بين 50% إلى 60% من إجمالي الإنتاج”.

المزارع جميل هو واحد من آلاف المزارعين الذين يواجهون تحديات كبيرة في زراعة القمح، الذي شهد تراجعاً ملحوظاً لا سيما في السنوات الخمس الأخيرة، جراء تداعيات الحرب والتغيرات المناخية التي شهدتها محافظة مأرب، وبقية المحافظات اليمنية.


         مواضيع مقترحة

• زراعة القمح في شبوة بين التوسع والتحديات
• زراعة القمح في لحج: نجاح واعد رغم التحديات
• التفحّم السائب في القمح: أعراضه وطرق الوقاية


تراجع زراعة القمح

يرجع المهندس الزراعي، عادل الرباحي، انحسار مساحات زراعة القمح في محافظة مأرب إلى الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج، وتصاعد إيجارات الأراضي الزراعية وأجور العمالة؛ الأمر الذي دفع المزارعين نحو استبدال القمح بمحاصيل أخرى ذات جدوى اقتصادية أعلى، مثل البطاطس والطماطم والبصل.

تلك العوامل دفعت المزارع جمال نحو زراعة البقوليات والخضروات التي منحته عوائد مادية مرضية، موضحاً أن بعض الخضروات تتيح له الحصاد في ثلاثة مواسم خلال العام الواحد، في حين يحتاج القمح لعام كامل لنضجه، فضلاً عن انخفاض تكاليف إنتاج الخضروات مقارنة بالحبوب.


جميل جمال: مزرعتي تنتج سابقاً ما بين 3.5 إلى 4 أطنان الآن نزرع ونحصد بخسارة 50 بالمئة من الإنتاج


وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، أشار جمال إلى أن المستهلك اليمني بات يفضل القمح المستورد نظراً لرخص ثمنه، تماشياً مع الأوضاع المعيشية المتردية التي خلفتها الحرب منذ عام 2015.

من جانبه، يؤكد مدير الإنتاج النباتي بمكتب الزراعة بمأرب أحمد العزعزي أن المردود الاقتصادي للقمح أصبح ضئيلاً جداً ولا يغطي التكاليف. ويستذكر العزعزي لـ “ريف اليمن” تجربة عامي 2006 و2007 حين شجعت الهيئة العامة للزراعة المزارعين، لكن غياب المشترين أدى لكساد المحصول، مما دفع المزارعين لاحقاً لتفضيل محاصيل مثل البطاطس التي تدر أرباحاً طائلة في الموسم الواحد.

مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
كانت محافظة مأرب تنتج قرابة 10 آلاف طن في السنوات الأخيرة (ريف اليمن)

الحرب والمناخ

تواجه الزراعة في محافظة مأرب جملة من المعوقات التي تهدد استدامتها، وفي مقدمتها أزمة المبيدات التي باتت تشكل تحدياً كبيراً للمزارعين حيث يؤكد جميل غياب الرقابة الفاعلة، مما أدى إلى انتشار أنواع متعددة من المبيدات المهربة أو منتهية الصلاحية التي لا تحقق الفائدة المرجوة منها.

يرافق ذلك ضعف في دور الإرشاد الزراعي، كما يعاني القطاع من شح المعدات الحديثة كالحراثات المتطورة، وصعوبة الحصول على مادة “الديزل” التي ارتفعت قيمتها وأصبح توفرها متذبذباً، رغم كونها المحرك الأساسي لمضخات المياه.

يستذكر جميل أن إيجارات المعدات الزراعية كانت سابقاً بأسعار ميسرة، وكان هناك نظام شراكة وتشجيع ملموس من ملاك الأراضي لزراعة القمح. أما اليوم، وفي ظل الظروف الراهنة وانهيار قيمة العملة وارتفاع تكاليف العمالة، لم يعد العائد يغطي قيمة البذور، مما دفع الكثيرين للتوقف عن الزراعة.

وعلى الرغم من التحديات، يعتبر مدير الإنتاج الزراعي بمكتب الزراعة بمأرب أن موسم 2025-2026 هو الأفضل تقنياً. ويشير إلى أن زراعة هذا المحصول الاستراتيجي شهدت تذبذباً منذ عام 2002، حيث بلغت ذروتها في عام 2006 بمساحة مزروعة وصلت إلى 6000 هكتار، وبإنتاج تراوح ما بين 22 إلى 24 ألف طن.

مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
توفير البذور الجيدة للمزارعين قد يساهم، ولو جزئياً، في تخفيف الأعباء وإعادة إحياء زراعة القمح (ريف اليمن)

ويضيف العزعزي أن اتجاه بعض الملاك لتأجير أراضيهم لمزارعين وافدين من محافظات أخرى ساهم في تراجع المحصول؛ إذ يفتقر هؤلاء المزارعون للقدرة على تحمل مخاطر زراعة القمح نظراً لعائده الضئيل، فيلجؤون لزراعة البطاطس لربحيتها العالية، وهو ما يشكل عائقاً أساسياً أمام خطط مكتب الزراعة لتوسيع رقعة زراعة القمح في المحافظة.

حلول مقترحة

يرى المزارع جمال جميل أن الحلول المناسبة للتوسع في زراعة القمح تبدأ بتبني خطوات جادة من مكتب الزراعة والجهات المعنية، تتركز في دعم المزارعين عبر توفير البذور الجيدة ، وتسهيل الحصول على وقود “الديزل”، وتوفير الحراثات الحديثة، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على سوق المبيدات. ويؤكد جمال أن إنقاذ هذا المحصول الاستراتيجي ينطلق من تمكين المزارع نفسه وضمان استدامة نشاطه.

من جانبه، يؤكد الخبير الزراعي عادل الرباحي أن الحلول تكمن في تقديم وزارة الزراعة دعماً يشمل بذوراً محسنة تلائم البيئة المحلية، ومعدات حديثة مثل آلات البذر وأنظمة الري المتطورة، فضلاً عن ضمان جودة المبيدات لمواجهة ظاهرة المنتجات المغشوشة والمهربة. ويشدد الرباحي على “روح المسؤولية” لدى المزارع بضرورة الالتزام بالمواعيد الزراعية الدقيقة، داعياً المجتمع في الوقت ذاته إلى تشجيع المنتج المحلي كواجب وطني.


 أحمد العزعزي: المردود الاقتصادي للقمح أصبح ضئيلاً جداً ولا يغطي التكاليف


في السياق يوضح مدير الإنتاج بمكتب الزراعة العزعزي طبيعة دورهم الإداري والفني، مشيراً إلى أن المكتب يمثل الحلقة الرابطة بين المزارع والمحطات البحثية؛ حيث يتم رصد المشكلات الميدانية وتصديرها للمحطات لدراستها وابتكار الحلول المناسبة، ثم إعادة تنفيذها كإرشادات عملية.

وبحسب العزعزي تمر العملية عبر ثلاث مراحل تكاملية هي المحطات البحثية:مهمتها لاستنباط أصناف جديدة تقاوم الجفاف، والمؤسسة العامة لإكثار البذور: وهي لإنتاج كميات تجارية من هذه الأصناف، بالإضافة إلى مكتب الزراعة والري وهو : لتوزيع البذور ونشرها عبر الحقول الإرشادية.

وفي خطوة عملية خلال موسم 2025-2026، كشف مدير الإنتاج عن تقديم بذور مجانية لأكثر من 400 مزارع، مع استمرار برامج الإرشاد الزراعي. كما شهدت مديرية “رغوان” حراكاً نوعياً بوصول الفرق الميدانية إليها لأول مرة، حيث تم إنشاء أكثر من 20 حقلاً إرشادياً، وإدخال تقنيات الري الحديثة التي بدأ المزارعون يدركون أهميتها في تقليل الجهد والكلفة المرتبطة باستخراج المياه.

مزارعو القمح في مأرب: بين شح الإمكانات وتقلبات المناخ
اتجاه بعض الملاك لتأجير أراضيهم لمزارعين وافدين من محافظات أخرى ساهم في تراجع المحصول (ريف اليمن)

يظل القمح العمود الفقري للأمن الغذائي في اليمن، ورغم أن محافظة مأرب كانت تنتج قرابة 10 آلاف طن في السنوات الأخيرة، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة. ويشير المهندس عادل الرباحي إلى أن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي يتطلب تكاتفاً ثلاثياً بين: المزارع، وزارة الزراعة، والمهندسين الزراعيين.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة، لا يزال اليمن يعتمد على الاستيراد لتغطية 95% من احتياجاته من القمح، فيما لا تساهم المساحات المزروعة محلياً بأكثر من 5%، وفقاً لبيانات مكتب الزراعة بمأرب، مما يضع الجميع أمام تحدٍّ وطني يتطلب استراتيجيات زراعية طويلة الأمد.

الجمعيات التعاونية شريان حياة الأرض والإنسان

برزت مؤخرا الجمعيات التعاونية الزراعية في المناطق الريفية وأصبحت نافذة الأمل لدى السكان، حيث ساهمت في مد يد العون لمئات المواطنين الذين يعتمدون على الزراعة لتأمين قوت عائلاتهم، ومكنتهم من إعادة إصلاح الأراضي، وفتحت طرقا تعيد قدرتهم على العمل والاعتماد على ما تنتجه أراضيهم.

تسعى هذه الجمعيات لترميم ما أفسدته الظروف، وفتح آفاق جديدة تستنهض قدرات المزارعين على الإنتاج، وتعيد إليهم الثقة في الاعتماد على ما تجود به سواعدهم ومزارعهم، وتشكل جهدًا مجتمعيًا خالصًا، ينبع من صلب احتياجات المزارعين.


مواضيع مقترحة


قصص ملهمة 

من مديرية التحيتا بمحافظة الحديدة، يروي الأمين العام لجمعية التحيتا “داؤود أحمد” كيف استعادت المَزارع نبضها بعد توقف استمر لسنوات، حيث تمكنت الجمعية في إعادة أكثر من 165 مزارعا إلى حقولهم بعد إيصال منظومات الطاقة الشمسية التي أعادت تشغيل الآبار.

يقول داؤود لـ “ريف اليمن” إن “أثر الدعم امتد ليشمل التمكين المعيشي، بتوزيع أبقار حلوب على 50 أسرة لتوفير دخل يومي، وتخصيص بقرتين لكل فرد من 60 شخصا من ذوي الإعاقة، في خطوة منحتهم استقلالا اقتصادياً ملموساً”.

كما استهدفت الجمعية محاصيل السمسم والذرة الشامية والقطن، وصولاً إلى إنشاء معمل لتحويل القطن إلى مفروشات محلية، سعياً لتقليل الهدر وخلق قيمة مضافة للمنتج الوطني، بحسب داؤود.

أما في جبل الشرق بمحافظة ذمار يصف رئيس الجمعية “فهد المثنى”، التي تحمل نفس اسم المنطقة، تجربةً متعددة المسارات؛ من الرعاية البيطرية للماشية إلى تدريب المزارعين وتمكين النساء عبر برامج الخياطة والتصنيع الغذائي.

يؤكد المثنى لـ “ريف اليمن” أن الجهود تكللت بتوزيع آلاف الشتلات من البن والعنب، وتقديم البذور كقروض بيضاء، مع ضمان تسويق المحاصيل لتأمين دخل ثابت للمزارعين، كما قاد الأهالي بأنفسهم أكثر من 200 مبادرة مجتمعية لإصلاح الطرقات وتوفير المياه والخدمات التعليمية.

وتوجت الجمعية عملها بمأسسة التنمية عبر بناء قواعد بيانات شاملة، وإنشاء مدارس حقلية ومركز خدمات زراعية متكامل، فضلاً عن نقل خبراتها لجمعيات أخرى عبر شبكة وطنية لتبادل الفائدة.

توسع زراعي 

في محافظة صنعاء، يجسد رئيس جمعية القطاع الجنوبي، “علي المدغمر”، صورة مشرقة للعمل التعاوني المتكامل، حيث نفذت الجمعية مشروع التوسع الزراعي الذي استهدف نحو 700 مزارع عبر تقديم بذور ومدخلات زراعية لمحاصيل القمح والبقوليات والذرة الشامية، لتمتد ثمار هذا المشروع إلى أكثر من 2500 مستفيد.

يوضح المدغمر لـ “ريف اليمن” أن الجمعية توسعت في نظام “الزراعة التعاقدية” لمحصول الثوم بمديريات بلاد الروس وسنحان وبني بهلول، حيث أقرضت 321 مزارعا نحو 23 طنا من البذور والأسمدة، ونجحت لاحقا في تسويق 210 أطنان من المحصول؛ مما أحدث حراكا اقتصاديا ملموسا في المجتمع المحلي.

ولم يتوقف العطاء عند الأرض، بل امتد للثروة الحيوانية عبر تدريب 11 كادرا في الصحة الحيوانية وتجهيزهم بوسائل نقل (دراجات نارية) وحقائب بيطرية لخدمة آلاف المربين في القرى والمديريات، كما عززت الجمعية البنية الزراعية بإنشاء “مشتل الشرزة” في قرية سعدان بمديرية بلاد الروس، الذي أنتج أكثر من 200 ألف شتلة من الخضروات المتنوعة وزعت على 360 مزارعا.

على صعيد المبادرات المجتمعية، برزت الجمعية كقوة بناء وتنمية؛ حيث شيدت مدرسة “التفوق” في قاع القيضي بتكلفة إجمالية بلغت 31 مليون ريال (بالمشاركة مع الأهالي)، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع رصف طريق قرية شعبان في بلاد الروس بتكلفة تجاوزت 27 مليون ريال، في تلاحم فريد بين الجهد التعاوني والمساهمة المجتمعية.

الري في المحويت

يستعرض رئيس جمعية الخبت التعاونية بمحافظة المحويت، “محمد عباس”، خارطة تدخلات الجمعية التي اتسعت لتشمل قطاعات حيوية تمس حياة مئات المزارعين، مبتدئة بمشروع “تمكين استعادة الطاقة الشمسية” لإعادة تشغيل الآبار الزراعية.

يؤكد عباس لـ “ريف اليمن” تنفيذ المشروع على مرحلتين: شملت الأولى تركيب 10 منظومات بتكلفة 21.5 مليون ريال استفاد منها 11 مزارعاً، بينما تضمنت المرحلة الثانية تركيب خمس منظومات إضافية بتكلفة 7.2 مليون ريال.

وأكد عباس أن هذا التحول التقني أحدث طفرة في واقع الري داخل ثلاث عزل ريفية تعتمد كلياً على الآبار، محولاً إياها من حالة الركود إلى الإنتاج المستدام.

البذور والعسل

ويلفت إلى أن الجمعية توسعت في تنفيذ مشروع إنتاج البذور المحلية المحسنة، عبر دعم كبار المزارعين القادرين على استنباط سلالات ذات جودة عالية؛ حيث موّلت الجمعية خمسة مزارعين بمبلغ 4.9 مليون ريال، في خطوة استراتيجية تهدف لتلبية الاحتياج المحلي وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

ويتابع: “بالتوازي مع هذا المسار، أولت الجمعية اهتماماً خاصاً بقطاع الثروة الحيوانية، فأنشأت صيدلية بيطرية متخصصة، وعملت على تأهيل كوادر ميدانية في مختلف عزل المديرية، مع تزويدهم بالحقائب الطبية والأدوية اللازمة لضمان استدامة الرعاية البيطرية”.

وفي تجربة رائدة، برز مشروع “العسل الدوائي” كأحد المنجزات النوعية؛ إذ أسست الجمعية محميتين مجتمعيّتين وفرضت ضوابط صارمة لحماية الغطاء النباتي ومنع الاحتطاب بالتنسيق مع السلطات المحلية والأمنية.

وشمل حظر التغذية السكرية وضبط معايير الاستخراج، وقد حقق المشروع قفزات إنتاجية وصلت إلى 1.1 طن من عسل السدر في الموسم الحالي، وتسويق 1.3 طن من عسل “الضبة”. ولتجاوز تحدي “فجوة التسويق”، كثفت الجمعية تنسيقها مع اتحاد النحالين والجهات المركزية لضمان وصول هذا المنتج الفاخر إلى الأسواق بما يحمي حقوق النحالين ويؤمن استدامة المشروع.

سلاسل القيمة والصمود

وفي سياق استعادة حيوية الأرض، أطلقت الجمعية مبادرة لاستصلاح 1200 لبنة من الأراضي الزراعية بأسعار مدعومة، وعلى الرغم من التعثر الذي واجه المشروع لاحقاً نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل ونقص الدعم، إلا أن التجربة كشفت عن حجم الاحتياج الفعلي لمثل هذه التدخلات.

وعلى صعيد التطوير الإنتاجي، عملت الجمعية على بناء “سلاسل قيمة” متكاملة؛ شملت تدريب منتجي الجلود وربطهم بمنافذ تسويقية بقدرة استيعابية تصل إلى ثلاثة أطنان شهرياً، وإنشاء منظومات لتجفيف الأعلاف، فضلاً عن مشاريع تحسين سلالات الدواجن البلدية وإكثار شتلات الجوافة لتحقيق التوسع الأفقي.

ولضمان استدامة الجهود، نجحت الجمعية في رفع عدد مساهميها من 520 إلى 1300 عضو، مستهدفةً استقطاب 1500 كادر تعليمي عبر نظام مساهمة ميسر؛ ماجعل هذه التجارب في الأرياف اليمنية ملهمة، يجمعها خيط واحد هو تحول الجمعيات التعاونية إلى جزء لا يتجزأ من النسيج اليومي، بوصفها شبكات مساندة تبني الثقة وتشجع العمل.

حصن العبس التأريخي

حصن العبس التأريخي

يقع حصن العبس التاريخي، في مخلاف الشعر بمحافظة إب وسط اليمن على قمة جبلية شاهقة، ما يمنحه موقعاً استراتيجياً يطل على القرى والأودية من كل جانب.

ويعرف أيضا باسم “حصن العكام” نسبة إلى أحد الذين بنوه، وكان اسمه حسن ابن الحسين العنسي العكام، ولا توجد معلومات عنه، وتشير تقديرات انه تم بناؤه قبل 200 سنة في عهد الدولة العثمانية.

وعلى الرغم من عراقة عمره، لا يزال الحصن قائماً بفضل بنائه من حجارة صلبة قُطعت من الجبال المحيطة، ما أكسبه قدرة على الصمود أمام تقلبات الزمن وظروف الطقس.

وكان في عهد الدولة العثمانية مركزًا للإدارة والعدل وجباية الزكاة، ويمتاز بمعمار فريد يجمع بين الطابع الدفاعي والروح الدينية والتعليمية، مع نظام ذكي لحفظ المياه.

المصور وصانع المحتوى مروان البعداني زار الحصن والتقط هذه الصور

حصن العبس التأريخي

زيارة المرضى.. عادة اجتماعية غيبتها التكنولوجيا

لم تعد زيارة المرضى في المناطق الريفية اليمنية، وحتى المناطق الحضرية،كما كانت سابقا، فالعادات والتقاليد الاجتماعية شهدت تغيرات ملحوظة متأثرةً بالتطور التكنولوجي، فالزيارة التي كانت تهدف لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى، حل مكانها الاتصال الهاتفي والتواصل المباشر من خلف الشاشات.

يستذكر الخمسيني “أبو ماهر” حين تعرض شقيقه الأكبر لمرض ألزمه الفراش لثلاثة أشهر، كيف تحول منزلهما آنذاك إلى مزار يومي، حيث كانت الوفود تأتي من كل حدب وصوب، في مشهد تضامني لم ينقطع حتى تماثل شقيقه للشفاء التام.

كان ذلك قبل التطور التكنولوجي حيث كانت الزيارات جزءاً لا يتجزأ من الروابط الاجتماعية، وتعبيراً عن التضامن والتعاطف؛ إلا أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، وتداعيات الحروب والنزاعات، تسبب بتراجع ملحوظ في هذه العادة الاجتماعية.


مواضيع مقترحة


بين الماضي والحاضر

يقول أبو ماهر لـ”ريف اليمن” راويا تفاصيل تلك المرحلة: “أصيب أخي الأكبر بجلطة دماغية قبل نحو ثلاثين عاماً، فهبّت القرية بأكملها لزيارته ومواساتنا؛ كان الرجال والنساء يتوافدون، حتى أن منزلنا كان يمتلئ بالزوار طوال اليوم”.

ويضيف: “كانت القلوب تفيض بالرحمة والتعاطف؛ فترى ملامح الحزن والأسى ترتسم على وجوههم وهم يغادروننا، وألسنتهم تلهج بالدعاء الصادق وكأن المريض أحد أبنائهم، هذا غمرنا بشعور من الدفء والحنان وخفف عنا وطأة المصاب، وجسد أنقى صور الطيبة والنقاء”.

وعن المقارنة مع الحاضر، يقول أبو ماهر بحسرة: “واقعنا اليوم تغير كثيراً، وأصبحت زيارة المريض في نظر الكثيرين بما فيهم أنا تشكل عبئا ثقيلاً”، ويضيف: “أصيب صديق لي بمرض السرطان، ولم أتمكن من زيارته رغم تردده على القرية لست مرات متتالية، لا أستطيع تحديد الأسباب بدقة، لكن يبدو أننا فقدنا استشعار قدسية عيادة المريض، وتناسينا مكانتها العظيمة في ديننا وقيمنا”.

سطوة التكنولوجيا

وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة الفورية ساهمت في تقليص الحاجة إلى الزيارات الشخصية؛ حيث بات من السهل الاطمئنان على المرضى عبر الإنترنت، وتبادل الرسائل والصور من خلف الشاشات، وأدت إلى تراجع ملموس في الزيارات الفعلية، بعد أن فضل قطاع واسع من الناس التواصل الافتراضي بوصفه خيارا أسرع وأقل جهدا وتكلفة.


ساهمت وسائل التواصل في تقليص الحاجة إلى الزيارات الشخصية، وبات من السهل الاطمئنان على المرضى عبر الإنترنت من خلف الشاشات


يرى المختص في علم الاجتماع، الدكتور “جمال الشامي”، أن التواصل الرقمي يفتقر إلى “الدفء الإنساني” والتعاطف المباشر الذي لا تمنحه إلا الزيارة الواقعية.

ويؤكد الشامي لـ “ريف اليمن” أن التواصل الهاتفي أو الرقمي، وإن كان وسيلة حيوية في حالات الطوارئ والحروب أو عند تعذر التنقل، يسهم في الحفاظ على استمرارية العلاقة والحد من العزلة، إلا أنه يظل ناقصاً من المنظورين الفلسفي والإنساني.

ويعزو ذلك إلى أن التواصل الهاتفي أو الرقمي ينقل حضوراً رمزياً أو صوتياً فحسب، ولا يمكنه تعويض الحضور الجسدي وما يرافقه من لغة الجسد والمشاركة الوجدانية في ذات المكان والزمان.

ويوضح أنه “من منظور أنثروبولوجي، فإن وجود الزائرين يمنح المريض شعوراً عميقاً بالانتماء والرعاية، ويعزز توازنه النفسي والعاطفي، كما يتيح للمرافقين أو الأطباء قراءة تعبيرات الجسد الدقيقة التي تعكس الحالة الصحية الحقيقية، مما يجعل الرعاية أكثر فاعلية وملاءمة لاحتياجات المريض الفردية”.

وفي قراءة نقدية لهذا التحول، يوضح الشامي أن للتواصل الرقمي وجهين متداخلين: الوجه الإيجابي، ويكمن في استدامة الدعم العاطفي وتجاوز المسافات، وصون شبكة العلاقات الاجتماعية من الاندثار.


الطويل: في التقاليد اليمنية فإن زيارة المريض لا تكتمل إلا باقتناء “الهدايا” كرمز للتقدير، وتدهور دخل الفرد والأسرة لعب دورا في انحسار الزيارات.


أما الوجه السلبي – بحسب الشامي – يتمثل في إضعاف كثافة العلاقات العميقة، وتحويل الكائن الإنساني إلى مجرد صورة أو صوت؛ مما يضعف جودة الحضور المتبادل ويفاقم شعور الانفصال إذا ما استُبدل اللقاء المباشر بالبديل الافتراضي بشكل كلي.

بدائل وصمود

الصحفي “محمد جمال الطياري” يرى أن التحولات التي فرضتها التكنولوجيا من جهة، والظروف المعقدة التي أفرزتها الحرب من جهة أخرى، تسببت في تراجع الحضور الفعلي للزائرين في كثير من المناطق، ليحل محله التواصل الافتراضي عبر الهاتف ومكالمات الفيديو.

ويضيف الطياري لـ “ريف اليمن”: “رغم أن هذه الوسائل سهّلت الاطمئنان السريع وتجاوزت الكثير من الحواجز، إلا أنها تظل تواصلاً بارداً لا يلامس العمق الإنساني الذي تمنحه الزيارة الواقعية”.

ويلفت إلى أن هذا المشهد يبدو مختلفاً تماماً في منطقة وصاب بمحافظة ذمار؛ حيث يصر الأهالي على الزيارة الفعلية رغم الظروف القاسية، ففي هذه البيئة الريفية الجبلية، تنعدم الخدمات الصحية، ويقل وجود الكوادر الطبية المتخصصة؛ مما يضطر المرضى وذويهم لقطع مسافات طويلة وشاقة نحو مدينتي الحديدة أو صنعاء طلباً للعلاج.

وأشار الطياري إلى أن التكنولوجيا، رغم أهميتها كأداة للتوعية وتسهيل التواصل، لا يمكن أن تكون بديلاً حقيقياً للرعاية الصحية أو الحضور الإنساني المباشر، فالاتصال الهاتفي قد يمنح طمأنينة مؤقتة، لكنه لا ينقذ حياة مريض، ولا يعالج إنساناً بحاجة إلى طبيب غير متوفر.


الشامي: تظل الزيارات الفعلية هي الصيغة الأتمّ ومن منظور أنثروبولوجي، فوجود الزائرين يمنح المريض شعوراً عميقاً بالانتماء والرعاية.


وتابع: “تظل الزيارة الفعلية هي الخيار الأكثر إنسانية والأقرب لاحتياجات المريض، بينما تبقى التكنولوجيا مجرد عامل مساعد في مجتمع تفرض عليه الجغرافيا والظروف واقعاً يحتاج إلى دعم حقيقي، لا إلى حلول افتراضية”.

العوز المادي

من زاوية أخرى، يسلط الناشط الاجتماعي “يونس الطويل” الضوء على العامل الاقتصادي وتأثيره المباشر في تقلص الزيارات الاجتماعية؛ إذ يرى أن تدهور الدخل للفرد والأسرة لعب دوراً محورياً في هذا الانحسار، إذ إنه من المتعارف عليه في التقاليد اليمنية أن زيارة المريض لا تكتمل إلا باقتناء “الهدايا” كالفواكه والعصائر، كرمز للتقدير وتقديم العون المادي للمريض.

ويضيف الطويل لـ “ريف اليمن”: ” الوضع الراهن دفع الكثيرين إلى الاكتفاء بالتواصل الهاتفي؛ نظراً لعجزهم عن توفير تكاليف تلك الهدايا، ويعتبرون الدخول على المريض بأيدٍ فارغة أمراً مخجلاً، وهو ما تسبب في عزوف البعض عن الزيارة تجنباً للحرج”.

ويلفت إلى أن هناك زيارات قد تتجاوز تكاليفها 100 ألف ريال، بالنظر إلى بُعد المسافات وارتفاع أسعار الوقود، خاصة إذا كانت السيارة مستأجرة مما جعل الواجب الاجتماعي عبئاً مالياً يفوق قدرة المواطن، وجعل التواصل الهاتفي أبسط الحلول للاطمئنان على المرضى، ويبقى وسيلة متاحة للحفاظ على الروابط الاجتماعية.

مأرب.. استعدادات حكومية لإطلاق مشروع تسييج المواقع الأثرية

كشفت السلطة المحلية بمحافظة مأرب، شرقي اليمن، عن استعدادت لإطلاق مشروع تسييج المواقع الأثرية في المحافظة لحمايتها وصونها من العبث أو الإهمال.

وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ مأرب، اللواء سلطان العرادة إن الاهتمام بالآثار والحفاظ عليها يمثل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر الجهود الرسمية والمجتمعية، باعتبارها شاهد حي على تاريخ اليمن العريق وحضارته الضاربة في عمق الزمن.

وأشار إلى أن حماية المواقع الأثرية وصونها من العبث أو الإهمال واجباً وطنياً، لما تمثله من قيمة ثقافية وإنسانية، ولما لها من دور مهم في تعزيز الهوية الوطنية ونقل الإرث الحضاري إلى الأجيال القادمة، فضلاً عن كونها مصدر للتنمية الثقافية والسياحية.


مواضيع مقترحة


وأشاد المحافظ بالدور الذي تضطلع به وزارة الإعلام والثقافة والسياحة، والهيئة العامة للآثار والمتاحف، والهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية في حماية الإرث الحضاري الوطني، ومثمناً في الوقت ذاته الدور الذي تقوم به المؤسسة الأمريكية لدراسات الإنسان والحضارة، التي يمتد التعاون بينها وبين اليمن لعقود طويلة.

من جانبه، شدد وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الارياني على اهتمام الوزارة بدعم قطاع الآثار لما يمثله من قيمة تاريخية وثقافية، فضلا عن مردوده الاقتصادي على موازنة الدولة والإيرادات العامة في حال استثماره بشكل فاعل في المجال السياحي.

خط المسند في إحدى الأعمد الأثرية في مأرب شرق اليمن (flickr)

سفير اليمن لدى منظمة اليونسكو محمد جميح أوضح أن المنظمة يمكن لها أن تقدم دعماً في مجالات التدريب والتأهيل، مشيراً إلى ضرورة تنفيذ أعمال التسييج وفقاً لبنود اتفاقية عام 1972 الخاصة بحماية التراث الثقافي والطبيعي.

بدوره أكد رئيس المؤسسة الأمريكية لدراسات الإنسان والحضارة الدكتور زيدون زيد استعداد المؤسسة للعمل مع الحكومة اليمنية والسلطة المحلية في مأرب للحفاظ على آثار المحافظة، ودعم الكوادر المحلية ببرامج تدريبية وتأهيلية، مؤكداً عزم المؤسسة عقد الدورة القادمة من المؤتمر السبئي في محافظة مأرب.

وتعليقا على ذلك، قال الخبير في الآثار عبدالله محسن، إن هذا التوجه يمثل بارقة أمل لنا وللآثار اليمنية، وهي خطوة إيجابية يشكرون عليها، متمنيا تنفيذ المشروع في أقرب وقت ممكن.

أعمدة مطمورة في رمال مأرب، تكشف عن الحاجة الى التنقيب العلمي لمعرفة تأريخ المدينة (flickr)

ولفت محسن الانتباه إلى أهمية قيام فرع هيئة الآثار والمتاحف بإجراء تقييم فني شامل قبل الشروع في التنفيذ، لوضع معبد أوام، وحصر الأضرار، وتوثيق القطع المدمَّرة و/أو المسروقة، تمهيدا لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتها واستعادتها.

لافتا أن المشروع يعد تتويجاً لجهود عدد كبير من الباحثين والناشطين خلال الفترة الماضية، الذين عملوا بلا كلل للضغط باتجاه اتخاذ خطوات عملية لحماية المواقع الأثرية، شاكرا كل المتفاعلين مع حملة حماية مبعد أوام، مثمنا جهود سفير اليمن لدى منظمة اليونسكو في هذا الملف وغيره من الملفات المتعلقة بالآثار واستردادها.

عرش بلقس رمز الحضارة السبئية في مأرب شرقي اليمن

وتعتبر محافظة مأرب حاضنة أهم حضارات الشرق القديم، وموطنا للعديد من المواقع التاريخية والأثرية التي تعكس عظمة الحضارة السبئية، وتبرز أهمية مأرب وتجعلها وجهة سياحية هامة للراغبين في استكشاف تاريخ اليمن الغني.

ورغم أن “سبأ” من أعظم الحضارات القديمة، إلا أن النقوش المسندية المتعلقة بها قليلة ومحدودة، ما يعكس قلة الأبحاث والدراسات التي تناولتها مقارنةً بحضارات بلاد الرافدين ومصر. وتعد الجهود الاستكشافية القليلة التي قامت بها بعض الرحلات الاستشراقية ومغامرات الباحثين، ولم تثمر سوى عن دلائل أثرية غير كافية تفتقر إلى العمق والدقة العلمية.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
قلعة القاهرة تتوسط مدينة تعز الحديثة (عامر الصبري)

تحتل محافظة تعز مكانة استثنائية في الجغرافيا اليمنية، حيث تقع على بعد 256 كيلو عن العاصمة صنعاء، وشكلت عبر مراحل التاريخ المختلفة مسرحا لازدهار العديد من المدن القديمة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن جذور الاستيطان الحضاري فيها يعود إلى ما قبل الميلاد.

تعد مدينة ‹السواء› لعلها أقدم تلك المدن التاريخية التي ظهرت في هذه الرقعة الجغرافية، تلتها في الأهمية والظهور مدينة ‹جبا›، ثم برزت مدينة “الجند” كواحدة من أهم الحواضر. وقد ورد ذكر هذه المدن العريقة في النقوش المسندية اليمنية القديمة، مما يؤكد حضورها في السجلات التاريخية الموثقة.

لم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكنية، بل مراكز حضارية نابضة بالحياة، ساهمت في رسم ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عصور ما قبل الإسلام، حيث لعبت أدوارا محورية في تشكيل المشهد الحضاري لليمن القديم.

هذا المقال هو الجزء الأول ضمن سلسلة مقالات ثقافية مكونة من ثلاثة أجزاء تركز على محافظة تعز الغنية في تنوعها الطبيعي وتأريخيها العريق.


   مواضيع مقترحة
• إب موطن مملكة ذي ريدان: حين انتقل التاج من سبأ إلى ظفار
• حضرموت: أسطورة الحضارة اليمنية بين الساحل والوادي
• الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة


تشير الشواهد التاريخية إلى أن مدينة ‹جبا› تحديدا كان لها نشاط تجاري واسع ومؤثر، مستفيدة من ارتباطها بميناء موزع الأثري الذي يطل على البحر الأحمر ويقترب من الشاطئ الأفريقي المقابل، وتؤكد النقوش المعينية المكتشفة أن مدينة جبا لم تكن معزولة، بل كانت شريكا تجاريا فاعلا لمملكة معين القديمة، حيث تم هذا التبادل التجاري عبر ‹قبيلة أمير› التجارية، مما يدل على وجود شبكة علاقات اقتصادية معقدة وممتدة ربطت بين مختلف الممالك والمدن اليمنية القديمة في ذلك الوقت.

لقد قدم مؤرخ اليمن الشهير الحسن بن أحمد الهمداني وصفا دقيقا لمدينة جبا وما يتبعها من أعمال، حيث أطلق عليها اسم ‹كورة المعافر›. وقد حدد الهمداني موقعها الجغرافي بدقة، مشيرا إلى أنها تقع في المنطقة المحصورة بين جبل صبر الشاهق وجبل ذخر، الذي يُعرف حاليا باسم جبل حبشي، وتحديدا في منطقة وادي الضباب. هذا الوصف الجغرافي الدقيق يعكس الأهمية التي كانت تحظى بها هذه المدينة في كتابات المؤرخين والباحثين في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها.

مع مرور الزمن وتغير الظروف السياسية والاقتصادية، بدأت مدينتي ‹السواء› و‹جبا› تفقدان أهميتهما ومكانتهما تدريجيا، وبرزت مدينة الجند بشكل لافت كمحطة رئيسية ومحورية في النشاط التجاري الذي كان مساره يبدأ من ميناء عدن الاستراتيجي، مرورا بالجند ومحافظة إب، وعبر مرتفعات الهضبة اليمنية وصولا إلى بلاد الشام.

هذا الموقع جعل منها نقطة ارتكاز حيوية في حركة القوافل التجارية التي كانت شريان الحياة الاقتصادية في تلك الحقب الزمنية المتتابعة.

العصر الإسلامي والتحول الحضاري

في القرن السابع ميلادي انتشر الإسلام في الجزيرة العربية، دخلت مدينة الجند مرحلة جديدة من تاريخها، حيث صارت في دائرة الضوء كمركز ديني مهم، ولم تكتفِ المدينة بدورها التجاري، وتحولت لاحقا إلى محطة رئيسية على طريق الحجيج، وسوقا رئيسيا فاعلا من أسواق العرب الشهيرة قبل الإسلام وبعده، مما عزز مكانتها الروحية والاقتصادية.

في سياق الحديث عن الأهمية الديموغرافية والاقتصادية، تعد محافظة تعز حاليا الأعلى في عدد السكان بنسبة 12 بالمئة من إجمالي سكان اليمن، وهذا يعكس الثقل البشري الاستراتيجي الذي يعمل في قطاعات حيوية مثل الزراعة وتربية الثروة الحيوانية وصيد الأسماك، وهي مهن متوارثة تشكل عصب الاقتصاد المحلي وتوفر الأمن الغذائي لشريحة واسعة من المجتمع المحلي في المحافظة.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
مسجد مدرسة المظفر التأريخي وسط مدينة تعز 15 مايو 2005 (flickr)

إلى جانب الأنشطة التقليدية، تتميز المحافظة بوجود العديد من المنشآت الصناعية الحديثة، سواء كانت تابعة للقطاع العام أو الخاص، والتي تساهم في التنمية، أما تضاريس المحافظة التي تتوزع في 23 مديرية، وتتميز بالتنوع الكبير، حيث توجد فيها سلاسل الجبال المرتفعة والوديان الخصبة المحاطة بالسهول والقيعان الزراعية، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الشريط الساحلي الممتد على البحر الأحمر.

مدينة تعز القديمة: النشأة والتطور

تعد مدينة تعز القديمة واحدة من أبرز مدن تاريخ اليمن الوسيط واسمها قديماً ‹عُدينة› وكانت منتزه هادئ تتدفق فيه الغيول والعيون المائية العذبة من منحدرات وأخاديد جبل صبر، التي تروي حدائق وبساتين الخضروات والفواكه المنتشرة بين التجمعات السكانية الصغيرة، مما جعلها واحة خضراء وملاذا للراحة والاستجمام قبل أن تتحول إلى مدينة سياسية كبرى تلعب دورا محوريا في تاريخ اليمن والمنطقة.

في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، صار اسمها ‹مدينة تعز› وتحديدا مع وصول القائد الأيوبي توران شاه إليها، ومع ظهور الدول الإسلامية المستقلة في اليمن وانفصالها عن مركز الخلافة، بدأت تعز تأخذ دورها الحقيقي في النهوض الحضاري كمدينة مهمة تقع عند السفح الشمالي لجبل صبر. هذا الجبل لم يكن مجرد معلم جغرافي، بل كان بمثابة تحصينا طبيعيا عزز من مكانتها الاستراتيجية.

تعاقب على حكم مدينة تعز كثير من الدول والسلالات الحاكمة في تاريخ اليمن الوسيط، مما أدى إلى توسع العمران في المدينة بشكل ملحوظ، تركز هذا التوسع داخل السور القديم وبواباته التاريخية التي شيدت لحماية المدينة وتنظيم الدخول والخروج منها.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
بائعو الجبن البلدي الشهير في تعز في أحد أسواق المدينة القديمة يوليو 2012 (flickr)

وما يزال من تلك البوابات العريقة ‹الباب الكبير› و‹باب موسى› قائمين بكل تفاصيلهما المعمارية حتى اليوم، شاهدين على عظمة تلك الحقبة التاريخية ومتانة البناء الذي صمد أمام عوامل الزمن والمتغيرات المختلفة التي مرت بها المدينة.

بعد احتلال الأيوبيين لمدينة تعز بين عامي 1173-1229م، اتخذوها عاصمة لدولتهم، مما أكسبها ثقلا سياسيا كبيرا، وبعد ذلك اتخذتها الدولة الرسولية عاصمة لدولة اليمن الموحدة، حيث نقل الملك المظفر الرسولي يوسف بن عمر عاصمة الدولة من مدينة الجند إلى مدينة تعز عام ١٢٥٥م، وأصبح حكمه ممتدا من ظفار عمان شرقا حتى المدينة المنورة شمالا.

يعتبر الملك المظفر يوسف بن عمر، ثاني موحد سياسي لليمن الطبيعية في التأريخ الوسيط وقد استمر حكم الدولة الرسولية 228سنة، تركت معالم وآثار تاريخية عظيمة شملت كل مجالات الحياة الحضارية، وكانت فترة حكم الرسوليين بمثابة العصر الذهبي لمدينة تعز، حيث شهدت نهضة عمرانية وعلمية وثقافية غير مسبوقة جعلتها قبلة للعلماء وطلاب العلم.

ووصف الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة مدينة تعز عند زيارته لها عام ١٣٣٢م بأنها أكبر مدن اليمن وأجملها، مما يعكس الازدهار الذي كانت تعيشه المدينة في تلك الفترة. كما زارها عدد من الرحالة والمستشرقين الأجانب في فترات لاحقة، مثل نيبور النمساوي عام ١٧٦٣م، وجلازر عام ١٨٨٧م، والإنجليزي سكوت عام ١٩٣٧م. وقد أشار جميع هؤلاء الرحالة في كتاباتهم إلى أن تعز كانت مدينة مزدهرة خلال فترة حكم الدولة الرسولية وما بعدها، وحتى فترة حكم العثمانيين الثانية.

الأسوار والأبواب التاريخية

رغم موقعها الجغرافي المهم قديماً على الطريق التجاري الاستراتيجي الذي يربطها بميناء المخا غربا، وميناء عدن جنوبا، وصنعاء شمالا، ومع ذلك ظلت توسعات مدينة تعز العمرانية محصورة في إطار سورها القديم، ولم تتوسع خارج السور إلا بعد أن اتخذها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين عام ١٩٤٨م عاصمة للمملكة المتوكلية اليمنية، واتخذها مقرا دائما لحكمه وإقامته حتى وفاته، وهذا أعاد للمدينة دورها السياسي كمركز للحكم والسلطة.

واليوم ما تزال مدينة تعز القديمة قائمة بأحيائها العتيقة، ومساجدها التاريخية، ومدارسها الإسلامية، وقلاعها وحصونها المنيعة التي تروي قصص الماضي، بقايا آثار سورها القديم ماثلة للعيان، خاصة في الجهة الجنوبية المتصلة بجبل صبر، كشواهد حية على تاريخ المدينة العريق.

• الباب الكبير

يعتبر ‹الباب الكبير› معلما تاريخيا وسياحيا مهماً للغاية وكان المدخل الرئيسي لمدينة تعز القديمة، يقع في الجهة الشرقية للسور، ومنه يدخل الزوار والسياح إلى الثلاثة الأسواق القديمة الشهيرة ‹الشنيني›، ‹البز›، ‹الخبز›، ومازال الباب المبني من الأحجار على شكل عقد موجود إلى الآن.

ورغم كل الظروف والصراعات التي شهدتها المدينة، لا تزال إيقاعات الحياة اليومية في الأسواق القديمة صاخبة بالحركة والنشاط، ووجهه الزوار والسياح الذين يحرصون على زيارتها للتعرف على أحد مفردات التراث الثقافي القديم للشعب اليمني، والتي لا تزال تتواتر وتستمر حتى اليوم، محافظة على نكهتها التقليدية وأجوائها التاريخية المميزة.

• باب موسى

وفي مدينة تعز القديمة يوجد أيضاً “باب موسى” الذي تم بناؤه مع السور، وكان عبارة عن منفذ صغير في البداية، وأثناء ولاية محمود باشا ما بين 968-972 هجرية، أمر بإعادة بناء الباب وتوسيعه بشكل يتناسب مع أهمية المدينة، وتشييد نوبات حراسة تعلو الباب، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم وتم استخدامها قسم للشرطة في المدينة.

يعتبر باب موسى وجهة رئيسية لزوار المدينة والسياح الراغبين في التعرف على أحد تفاصيل المدينة التاريخية القديمة وفنون العمارة العسكرية فيها.

باب موسى أحد مداخل مدينة تعز القديمة فبراير 2009 (flickr)

المدارس منارات العلم والعمارة

تعد المدرسة الأشرفية من أهم المعالم، حيث تقع في الطرف الجنوبي الغربي من المدينة القديمة في حي يحمل ذات الاسم، وتعتبر هذه المدرسة من مفاخر فنون العمارة اليمنية في العصر الإسلامي بشكل عام وعصر الدولة الرسولية بشكل خاص.

تم بناؤها عام ٨٠٠ هجرية بأمر من الملك الأشرف الثاني إسماعيل بن العباس، لتكون منشأة دينية كبيرة متعددة الأغراض، جمعت بين وظيفة المسجد، والمدرسة العلمية، والمعلامة، وقاعة الأضرحة، مما جعلها مجمعا دينيا وتعليميا متكاملا في مراحل زمنية مختلفة.

تعرضت عمارة المدرسة الأشرفية خلال فترات مختلفة لأعمال التجديد والصيانة والترميم والتوسعات للحفاظ عليها، وتبدو اليوم مئذنتاها العاليتان كدرة فنية للآثار الإسلامية في مدينة تعز، تخطف الأنظار بجمالها وتناسقها.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
مسجد ومدرسة الأشرفية في تعز (محمد التويجي)

يأتي تخطيط المدرسة على شكل مستطيل يمتد من الشمال إلى الجنوب، ولها أربعة مداخل موزعة بدقة، أهمها المدخل الواقع في الجهة الجنوبية، يقع بيت الصلاة في الجهة الشمالية، ويتوسط المحراب جدار القبلة، مما يضفي على المكان هيبة وروحانية خاصة تليق بمكانته الدينية.

تضم المدرسة قاعتي الدراسة الشرقية والغربية، وقاعة كانت حينها مخصصة لاستقبال الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وطائفة المتصوفة، مما يعكس الدور الاجتماعي للمدرسة، ويوجد فيها ثلاثة دهاليز لاستخدامات متعددة، وقاعة في الجهة الجنوبية يوجد فيها ثلاثة أضرحة، أحدها ضريح الملك الأشرف إسماعيل بن العباس، ويعتبر من أغنى أضرحة الأشرفية بالزخارف الفنية الدقيقة التي تعكس مهارة الحرفيين والفنانين في ذلك العصر.

وتعد المدرسة الأشرفية بمثابة متحف باذخ يضم كل أنواع الفنون الإسلامية من زخارف ونقوش وتصاميم هندسية، ولاتزال قائمة على نمط عمارتها القديمة وفنونها الزخرفية الرائعة، وهي أهم وجهة للسياحة الدينية في محافظة تعز.

بالإضافة إلى ذلك، توجد معالم سياحية دينية أخرى مهمة مثل جامع المظفر، والمدرسة المعتبية، والمظفرية، أما المدرسة الأتابكية، فهي المعلم الأثري الوحيد الذي يرجع تاريخه لفترة الدولة الأيوبية، مما يمنحها قيمة تاريخية وأثرية خاصة ومميزة.

من المعالم البارزة أيضا قبة وضريح الحسينية، وهي إحدى معالم السياحة الدينية التي تعود للحكم العثماني الأول، ينسب بناؤها إلى الحاكم العثماني حسين باشا، والي تعز، ويوجد ضريحه فيها، تعتبر هذه القبة تحفة معمارية فريدة تحيطها الزخارف الفنية المتنوعة التي تعكس فنون العمارة العثمانية في اليمن، وفي العام 1985 تم ترميمها وإعادة صيانتها وشملت الجهة الخارجية التي أعادت هيئتها الفنية القديمة.

قلعة القاهرة: الرمز والأسطورة

تعتبر قلعة القاهرة أهم معلم تاريخي ووجهة سياحية جماهيرية كثيفة، ومتنفسا طبيعيا لسكان مدينة تعز، نظرا لموقعها القريب وطبيعتها الجغرافية المرتفعة والمطلة على أطراف المدينة من جميع الاتجاهات، تشكل كل جهة من القلعة مناظر بانورامية ساحرة ومختلفة عن الأخرى، مما يجعل زيارتها تجربة بصرية فريدة.

رغم انها حالياً مغلقة للصيانة بعد الدمار التي تعرضت له خلال السنوات الماضية من الحرب بشكل آني نتاج ما تعرضت له، لكن بشكل عام هناك أعمال صيانة بدأت منذ 24 عاماً خلال فترات متقطعة ولم تكتمل إلى الآن، لضخامة موقعها وتعدد منشآته التاريخية التي هي بحاجة إلى صيانة وترميم وإعادة بناء.

تعرضت القلعة للتدمير والخراب أثناء الصراعات بين الدول المتعاقبة للسيطرة عليها وعلى منشآتها، بالإضافة إلى تعرضها لعوامل بيئية ومتغيرات مناخية وسوء إدارة وعبث، حيث مازالت تفتقر أبسط شروط الخدمات، وتكاد الإدارة السياحية تكون منعدمة فيها، مما يتطلب اهتماما أكبر بهذا المعلم التاريخي.

رغم كل الظروف، ظلت القلعة شامخة تحاكي مجد الزمن، الشمس يبرز روعة فنها المكاني وحصنها المنيع، كما تبدو ليلاً بالإنارة كتاج ذهبي يضفي جمالاً بديعاً للمدينة، ليس ذلك فحسب، بل امتد سلطانها السياسي عبر العصور التاريخية وصراعاتها لأكثر من ألف عام، ولذلك فإن قلعة القاهرة تختزل تاريخ مدينة تعز.

• خلفية تأريخية

مثلت القلعة معاني السيادة والحكم والأمان والرعب والنصر والسيطرة، وكانت زاخرة بأدوارها البارزة في الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما جعلها رمزا للصمود والقوة عبر العصور، وأسس القلعة الأمير عبد الله بن محمد الصليحي عام ١٠٤٥م لتطل على “عُدينه” وسماها باسمه بعد ان شيد مرافق تأمين القلعة من السور والأبراج الدفاعية المحيطة بها لتعزيز تحصينها.

كما قام ببناء صهاريج لحفظ مياه الأمطار والمنحدرة من الغيول لضمان توفر المياه، وحفر في الصخور مخازن للحبوب والمؤن ومخازن للسلاح والذخيرة، مما جعل القلعة قادرة على الصمود في وجه الحصار لفترات طويلة.

بعد وفاة الأمير الصليحي، احتل القلعة حاكم زبيد سعيد الأحول النجاحي وسماها “قلعة عُدينه”، لكن الملكة أروى الصليحي انتزعتها منه واستولت عليها وأعادت تسميتها “قلعة الصليحي” وتوسعت في بناء منشآت القلعة، مثل بناء “دار الأدب” كأول سجن سياسي محصن للمعارضة السياسية، وإلى جانبه أنشأت أول مدرسة علمية إصلاحية لتأهيل السجناء وتخرج منها كثير من العلماء والأدباء والشعراء.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
قلعة القاهرة تتوسط مدينة تعز المكتضة ويظهر مسجد ومدرسة المظفر، سبتمبر 2024 (عامر الصبري)

بنت الملكة أروى أيضا مطابخ الطعام ومخابز الرغيف لخدمة ساكني القلعة وحاميتها، وبعد وفاتها تعاقبت على “القلعة” حكام آخرين، وخلال فترة حكم العثمانيون (1516 – 1918) أضافوا توسعات ونصبوا في قمتها “مدفع رمضان” لإشعار سكان عُدينة بموعد الإفطار الإمساك في شهر رمضان.

واستخدمت من قبل الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين (1918-1962) كمقر للحكم ومساكن للحاميات وحجز للرهائن، والذي سماها “قلعة القاهرة” بذات الاسم لقلعة مشابهة في محافظة حجة، وبعد الثورة اليمنية، توسعت وظيفتها كسجن سياسي وسجن حربي عسكري ومخازن للسلاح والذخيرة وحامية عسكرية لمدينة تعز.

ظل دورها كذلك حتى مطلع القرن الواحد والعشرين، حيث تم اتخاذ قرار سياسي بأعمال الصيانة والترميم الأثري، وضمها إلى المعالم التاريخية والسياحية لليمن وتهيئتها كمتنفس سياحي للجمهور، ورغم مرور عقدين ونصف مازالت القلعة بحاجة إلى اهتمام من السلطات.

القصور والمتاحف

من المعالم المهمة أيضا “قصر صالة”، الذي يعد أحد القصور التي بناها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين عندما اتخذ مدينة تعز عاصمة ومقرا لحكمه وإقامته، وشيد على هيئة حصن يحيطه سور حجري تتخلله أبراج حراسة دفاعية.

للقصر بوابتان، الأولى في الجهة الشرقية تؤدي إلى الجزء الرئيسي للقصر المكون من طابقين، والثانية في الجهة الشمالية تؤدي إلى ملحقات القصر الخدمية، بعد الثورة اليمنية وإعلان الجمهورية (1962) تم استغلاله كمتحف صغير يضم مجموعة من الآثار القديمة ومنتجات الصناعات الحرفية.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
قصر صالة التأريخي في مدينة تعز جنوب غربي اليمن 2016 (محمد الحسني)

ويوجد أيضا “دار العرضي” عبارة عن مبنى قصر مهيب مكون من قسمين، أحدهما متحف وطني والثاني مغلق. يقع المبنى في منطقة العرضي بالجهة الشرقية من المدينة، ويرجع تاريخ تأسيسه إلى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين قبل من قبل العثمانيين في حكمهم الثاني لليمن واستكمل عام ١٩٢٦م، ثم أنشأ الإمام أحمد كثير من التوسعات بإضافة طوابق وأتخذه سكنا له ولحاشيته.

ما يزال المبنى محتفظا بمكوناته المعمارية، وبعد الثورة اليمنية تحول إلى متحف وطني يضم كثيرا من المعروضات الأثرية والوثائق، لكن خلال السنوات الماضية من الصراع تعرضت متاحف تعز للقصف والتدمير والنهب المنظم.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
المتحف الوطني في تعز والذي كان سابقاً دار العرضي

وتم تهريب تلك المحتويات الأثرية إلى أحد المنافذ البحرية في الساحل الغربي على البحر الأحمر ومن ثم إلى إقليم أرض الصومال، ومن هناك وجدت طريقها للبيع في المزادات العالمية. وبحسب تصريح مدير عام الآثار بمحافظة تعز “فإن القطع الأثرية التي تم نهبها وكانت موثقة بسجلات المتحف عددها ٣٢١ قطعة أثرية”.

في ختام الجولة التاريخية في مدينة تعز، لا بد من ذكر قبة وضريح ‹الشبزي› وهو معلم تاريخي وسياحي مهم ويقع بجانب قلعة القاهرة من الجهة الجنوبي الشرقية، ويعكس هذا المعلم شواهد التعايش التنوع الثقافي والتسامح الديني لمدينة تعز، حيث يرجع تاريخها إلى عام ١٧٢٠م.

يوجد فيها ضريح أبا شالوم شبازي، وهو سليمان بن يوسف الشبزي الشرعبي، أحد أبرز علماء الدين اليهودي والمؤرخ والأديب الشاعر المعروف عالميا، مما يؤكد على تاريخ التعايش في المدينة، التخطيط الهندسي لقبة الشبزي عبارة عن بناء مربع طول ضلعه خمسة أمتار ونصف، وتطل على بركة مياه كبيرة، والفن المعماري فيها متأثر بنمط متداخل من عصر الرسوليين والعثمانيين.


قائمة المصادر:

  • الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة، ١٩٦٨م.
  • المجاهد محمد بن محمد، مدينة تعز: غصن نظير في دوحة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
  • السياغي، أحمد بن الحسين، معالم الآثار اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٨٠م
  • الهيئة العامة للسياحة (صنعاء)، وثائق ونتائج المسح السياحي لمحافظة تعز، عام ١٩٩٧م.

2025 من الأشد حرارة على الإطلاق.. ما علاقة البشر بذلك؟

كيف وضع النشاط البشري عام 2025 في صدارة الأعوام الأشد حرارة؟
كيف وضع النشاط البشري عام 2025 في صدارة الأعوام الأشد حرارة؟

شهد كوكب الأرض في عام 2025 تحولاً غير مسبوق في سجله المناخي، حيث صنف الخبراء والمنظمات الدولية هذا العام كواحد من أحرّ ثلاثة أعوام على الإطلاق منذ بدء السجلات المناخية.

بحسب صحيفة ‹الغارديان› فإن الأرقام “الاستثنائية” تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن البصمة البشرية باتت المحرك الأساسي للاختلالات البيئية؛ إذ يجمع العلماء على أن تزايد تلوث الوقود الأحفوري والانبعاثات الكربونية الناتجة عن الأنشطة الصناعية المكثفة هي المسؤول الأول عن هذا الارتفاع القياسي.

وتشير الصحيفة إلى أن ما يعيشه البشر اليوم ليس مجرد “موجة حر” عابرة، بل هو نتاج تراكمي لعقود من استنزاف الموارد الطبيعية وحرق الفحم والنفط والغاز، مما خلق غطاءً من التلوث يحيط بالأرض ويحبس الحرارة داخل غلافها الجوي.


مواضيع مقترحة


تسارع الحرارة العالمي

وفقاً لتقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية استمر عام 2025 في تكريس سلسلة من السنوات “غير العادية”، حيث سجل متوسط درجات حرارة الهواء السطحي ارتفاعاً بنحو 1.48 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية وهو ما يضع العالم على حافة الهاوية.

وبينما كان العلماء يتوقعون في عام 2015 أننا قد نصل إلى هذا الحد الحرج بحلول منتصف القرن، تشير بيانات وكالة “كوبرنيكوس” الأوروبية إلى أن العالم قد يتجاوز هذا السقف بصفة دائمة قبل نهاية العقد الحالي، أي قبل الموعد المتوقع بعشر سنوات كاملة.

يقول كارلو بونتيمبو، مدير خدمة تغير المناخ في “كوبرنيكوس”، أن تجاوز حد الـ 1.5 درجة أصبح حتمية واقعية، وأن الرهان الحالي لم يعد منصباً على منع التجاوز، بل على كيفية إدارة العواقب الناتجة عنه وتقليل حجم الخسائر البشرية والبيئية.

تجدر الإشارة إلى أن بيانات عام 2025 هو تباين التحليلات الإحصائية؛ حيث صنفت ست مجموعات بيانات دولية هذا العام كثالث أحر عام، بينما ذهبت مجموعتان أخريان إلى تصنيفه كـ “ثاني أحر عام” مسجل، مما يعكس تقارباً خطيراً في مستويات الحرارة بين السنوات الأخيرة (2023، 2024، و2025).

وبينما ساهمت ظواهر طبيعية مثل “النينيو” في رفع الحرارة بنحو 0.1 درجة مئوية في العامين السابقين، فإن عام 2025 حمل دلالة أعمق؛ لأن تأثير “النينيو” بدأ يضعف، مما كشف عن “الاحترار الكامن” الحقيقي الناتج عن التلوث البشري الصرف.

و سجل شهر يناير 2025 أرقاماً قياسية كأحر يناير في التاريخ، وتبعه شهور الربيع (مارس، أبريل، مايو) التي سجلت ثاني أعلى مستويات حرارة، مما يشير إلى أن فصول السنة لم تعد تحتفظ بخصائصها المعتادة، بل باتت تحت سطوة التغير المناخي المستمر.

الإجهاد الحراري

لم تتوقف آثار الاحترار عند اليابسة المأهولة، بل امتدت لتضرب أبرد بقاع الأرض. ففي عام 2025، سجلت القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) أحر عام لها على الإطلاق، بينما سجلت القارة القطبية الشمالية ثاني أحر عام.

هذا الارتفاع الحراري عند القطبين أدى إلى تراجع الغطاء الجليدي البحري إلى أدنى مستوياته التاريخية منذ بدء الرصد بالأقمار الصناعية في السبعينيات. إن ذوبان الجليد ليس مجرد فقدان للمساحات البيضاء، بل هو محرك لارتفاع منسوب مياه البحار الذي يهدد المدن الساحلية في جميع أنحاء العالم.


ما يعيشه العالم اليوم هو نتاج تراكمي لعقود من استنزاف الموارد الطبيعية وحرق الفحم والنفط والغاز


وعلى مستوى المعاناة البشرية المباشرة، كشفت التقارير أن نصف مساحة اليابسة على الكوكب شهدت أياماً تجاوزت فيها “درجات الحرارة المحسوسة” (التي تدمج بين الحرارة والرطوبة) حاجز 32 درجة مئوية، وهو ما يصنف تحت بند الإجهاد الحراري “الشديد”.

وتشير تقديرات منظمة “بيركلي إيرث” إلى أن ما يقرب من 8.5% من سكان العالم يعيشون الآن في مناطق شهدت أعلى متوسط سنوي للحرارة في تاريخها. هذا الواقع يضع النظم الصحية والزراعية تحت ضغط هائل، خاصة مع توقعات العلماء بأن عام 2026 قد يحمل موجات حرارية مشابهة أو ربما أشد قسوة، مما يجعل “الانهيار المناخي” واقعاً معاشاً وليس مجرد تنبؤات مستقبلية.

المنطقة العربية

تعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم تأثراً بهذا التحول المناخي المتسارع. فقد أكدت التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن معدل الاحترار في المنطقة يرتفع بضعف المتوسط العالمي. وفي عامي 2024 و2025، وصلت درجات الحرارة في بعض المدن العربية إلى حاجز الـ 50 درجة مئوية، وهي مستويات تصفها سيليست ساولو، الأمينة العامة للمنظمة، بأنها “غير مطاقة” لصحة الإنسان أو للنظم البيئية.

تجدر الإشارة إلى أن التحدي في العالم العربي مزدوج؛ فمن ناحية، تعاني المنطقة من اتجاه تصاعدي في وتيرة موجات الجفاف، خاصة في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس) التي شهدت ستة مواسم مطرية شحيحة متتالية.

ومن ناحية أخرى، تبرز ظاهرة “التطرف المناخي” من خلال الفيضانات المفاجئة والمدمرة التي ضربت دولاً قاحلة مثل السعودية والإمارات والبحرين، حيث تسقط كميات هائلة من الأمطار في ساعات معدودة، مما يفوق قدرة البنية التحتية على الاستيعاب.

هذه التهديدات المناخية لا تعمل بمعزل عن الواقع الاجتماعي؛ فهي تتقاطع مع النمو السكاني السريع، والفقر، والنزاعات المسلحة، مما يفاقم من أزمة الأمن المائي والغذائي. فالإحصائيات تشير إلى أن الكوارث المناخية في المنطقة العربية زادت بنسبة 83% خلال العقدين الأخيرين مقارنة بنهاية القرن العشرين.


تخطت درجات الحرارة في بعض المدن العربية حاجز الـ 50 درجة مئوية مما انعكس سلبا على الكثير من السكان


ومع توقعات النماذج المناخية بارتفاع قد يصل إلى 5 درجات مئوية بنهاية القرن الحالي في حال استمرار الانبعاثات المرتفعة، تصبح الحاجة إلى الاستثمار في “القدرة على الصمود” والتحول الجذري نحو الطاقة النظيفة ضرورة وجودية للدول العربية، وليس مجرد خيار بيئي.

إجمالاً فإن ما يحدث اليوم هو رسالة واضحة: العالم الذي عرفناه يتغير، والعمل المناخي الجاد هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.

عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي

عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي
عميد كلية ناصر للعلوم الزراعية بجامعة لحج، الدكتور مازن ناصر علي

أكد عميد كلية ناصر للعلوم الزراعية بجامعة لحج، الدكتور مازن ناصر علي، أن الكلية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي في اليمن، وتعد محور الارتكاز وأحد أعمدة دراسات الزراعة.

وأوضح الدكتور مازن في حوار مع ‹ريف اليمن› أن كلية ناصر التي تُعد أقدم مؤسسة أكاديمية زراعية في البلاد، تلعب دورًا محوريًا في تأهيل الكوادر الزراعية والبحث العلمي التطبيقي، رغم ما تعرضت له من دمار ونهب خلال سنوات الحرب.

وتطرق العميد إلى تاريخ الكلية وتطور برامجها الأكاديمية، والتحديات التي تواجهها، إلى جانب خططها المستقبلية لتطوير البحث العلمي، وتوسيع برامج الدراسات العليا، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ودورها في مواجهة التغيرات المناخية ودعم المزارعين.

عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي
عميد كلية ناصر للعلوم الزراعية بجامعة لحج، الدكتور مازن ناصر علي (ريف اليمن)

نص الحوار

• بداية، نود أن نمنح القارئ لمحة تاريخية عن نشأة كلية ناصر للعلوم الزراعية، وأبرز المراحل التي مرت بها؟

كلية ناصر للعلوم الزراعية تأسست في الأصل كثانوية زراعية عام 1969م، ثم تحولت إلى كلية للعلوم الزراعية عام 1972م، وحملت اسم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، افتتحت بطاقم أكاديمي مصري متكامل، وبدأت بقسم المحاصيل والنبات الزراعي، ثم تباعا جرى افتتاح بقية الأقسام، مثل: قسم البساتين، وقسم الوقاية، وقسم الإنتاج الحيواني.

في مراحل لاحقة، تأسس قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية، ثم قسم الاقتصاد الزراعي، وقسم التربة والمياه، وقد جاءت هذه الأقسام في فترات زمنية متفاوتة وفق احتياجات التطور الأكاديمي، كما شهدت الكلية لاحقًا افتتاح برامج الدراسات العليا، بدءًا ببرنامج الماجستير، ثم برنامج الدكتوراه.

• ما الرؤية التي قامت عليها الكلية عند تأسيسها؟

الرؤية الأساسية عند التأسيس انطلقت من واقع أن اليمن رغم غناه الزراعي، كان يفتقر إلى الكادر الزراعي المتخصص في مختلف مجالات علوم الزراعة، ومن هنا كان تأسيس الكلية ضرورة ملحة، كونها ثاني كلية في جامعة عدن، وأول كلية زراعة في اليمن وشبه الجزيرة العربية، بهدف الاهتمام بالقطاع الزراعي وتخريج كوادر متخصصة قادرة على خدمة هذا القطاع الحيوي.

• هل طرأ أي تطور على هذه الرؤية لمواكبة الاحتياجات الزراعية الحديثة؟

الرؤية الجوهرية لم تتغير، فالكلية ما زالت كلية زراعة، لكن هذه الرؤية تطورت مع مرور الوقت، فبعد أن بدأت بقسم واحد، أصبحت اليوم تضم ثلاثة برامج رئيسية هي البكالوريوس ويشمل سبعة أقسام دراسية، وبرنامج الماجستير ويضم سبعة عشر قسمًا دراسيًا، وبرنامج الدكتوراه ويشمل ثلاثة أقسام دراسية حاليا، مع التوجه لافتتاح قسمين جديدين ضمن برنامج الدكتوراة خلال العام الجاري.

البنية التطبيقية والتدريب العملي

• ماذا عن حضائر الأبقار ومنحل الكلية والطيور النادرة التي كانت موجودة سابقا؟

كانت الكلية تضم حضائر حيوانية متكاملة، تشمل الأبقار وغيرها، لكن خلال الحرب الأخيرة تعرضت الكلية لدمار ونهب شامل طال المباني والمختبرات والمرافق، ولم يتبق سوى جدران المباني، حيث نهبت الكراسي، والمراوح، والمختبرات، وحتى الحيوانات.

بعد عام 2015م بدأنا إعادة بناء الكلية من الصفر، ونتطلع خلال العام الجاري إلى إعادة تأهيل وبناء حضائر جديدة للأبقار والأغنام والماعز، أما حظيرة الدواجن فهي متاحة حاليًا، ونقوم بالفعل بتربية الدجاج فيها.

• ما طبيعة هذه الوحدات، وكيف كانت تستخدم في التدريب العملي للطلاب؟

هذه الوحدات، سواء المختبرات أو الحظائر، تعد جزءا أساسيا من العملية التعليمية، فطلاب الإنتاج الحيواني على سبيل المثال لا بد أن يتعرفوا عمليًا على كيفية إنشاء وإدارة حضائر الأبقار والماعز، وإجراء الدراسات التطبيقية عليها، وكون كلية ناصر كلية تطبيقية في المقام الأول، يجب أن يخرج الطالب وهو ملم بجميع الجوانب العملية في تخصصه، سواء في الحيوان، أو الوقاية، أو المحاصيل، أو علوم التغذية، بما يشمل الألبان والمخللات وغيرها، فالتطبيق عنصر لا غنى عنه في التعليم الزراعي، وكل هذه ترتبط بالتطبيق ارتباط مباشر ولا بد من توفرها .

عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي

• هل هناك مساع لإعادة تشغيل أو تحديث هذه الوحدات التدريبية؟

نعم، هناك خطة لإعادة تشغيل جميع الوحدات التدريبية في مختلف أقسام الكلية.

البحث العلمي والبرامج الأكاديمية

• ما أبرز الإنجازات أو الأبحاث التي قدمتها الكلية ؟

من أبرز إنجازات الكلية تخريج كوادر زراعية منتشرة في مختلف محافظات الجمهورية، وهم من يقودون الوحدات الزراعية في المديريات أو المحافظات أو الوزارة، كما تنتج الكلية أبحاثا علمية مستمرة، من بينها مجلة اليمن للعلوم الزراعية التي استؤنف إصدارها مؤخرا، وتنشر أبحاثا فصلية كل ستة أشهر في مختلف مجالات الزراعة الحيوانية، والنباتية، والحشرات وغيرها.

• هل تم استحداث أقسام أو برامج أكاديمية جديدة مؤخرا؟

نعم، تم استحداث سبعة برامج ماجستير تغطي جميع مساقات البكالوريوس، إضافة إلى ثلاثة برامج دكتوراه.

• ما الدوافع وراء إنشاء برامج الدراسات العليا؟

إنشاء قسم الدراسات العليا جاء كتطور طبيعي لمرحلة البكالوريوس، بحيث يتم تأهيل الكادر الأكاديمي داخل الكلية بدل الابتعاث للخارج وتحمل تكاليف باهظة، وحاليا لدينا برامج ماجستير في جميع أقسام البكالوريوس المعتمدة بالكلية، وثلاثة برامج دكتوراه في أقسام المحاصيل، وعلم الوقاية، والإنتاج الحيواني، ومع العام الجاري سيتم افتتاح دكتوراه في علوم وتكنولوجيا الأغذية، والبستنة.

• ما هي خطط الكلية لتطوير البحث العلمي؟

التطورات العلمية المتسارعة عالميا، خاصة في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، ما يفرض علينا مواكبة هذا التطور، وقد بدأنا بإدخال هذه التقنيات العلمية الحديثة في كلية ناصر للعلوم الزراعية في برامج الماجستير والدكتوراه، ونعمل على دمجها تدريجيًا في مساقات البكالوريوس.

الارتباط بالمجتمع وسوق العمل

• هل لدى الكلية مراكز بحثية أو استشارية متخصصة؟

نعم، لدينا مركز الاستشارات الهندسية الزراعية، الذي تأسس عام 1998م، وهو مركز متخصص لتقديم خدمات للمجتمع وعمل دراسات جدوى اقتصاديه ونزولات ميدانية، وفحوصات المياه والتربة، والكشف عن الأمراض الزراعية ومكافحة الأوبئة ، كما نعمل حاليًا على إنشاء مركز بحثي متخصص في نحل العسل.

• كيف تعزز الكلية ارتباطها بسوق العمل الزراعي؟

نعزز ذلك من خلال الشراكات مع المؤسسات الزراعية والتجارية والمزارع الخاصة، وطلابنا في المستوى الثالث والرابع ينفذون نزولات ميدانية إلى هذه المواقع ومزارع الحيوانات، وصوامع الغلال، ومصانع الألبان والأسماك، كما يوجد طلب متزايد على خريجي قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية في مصانع كبرى، مثل مجموعة هائل سعيد أنعم، ومجموعة النقيب التي تطلب طلابنا يعمل لهم تدريب وتأهيل.

نحن ماضون في خلق علاقات بحثية متميزة مع المؤسسات الخاصة، إذ أن شركة جنة سيدز نفذت زيارة ميدانية للكلية مطلعين على الأعمال قيد الانشاء والأقسام والمختبرات والقاعات، وقد اتفقنا معهم على مجموعة من الأبحاث الزراعية المشتركة التي سيتم تنفيذها قريبا.

• ما دور الكلية في تعزيز الأمن الغذائي محليا؟

الكلية هي محور الارتكاز وتمثل أحد أعمدة دراسات الأمن الغذائي في اليمن، ولا يمكن تحقيق أمن غذائي حقيقي دون الكادر الزراعي المؤهل الذي تخرجه الكلية.

• هل لديكم برامج ارشاد زراعي موجهة للمزارعين وكيف يتم تنفيذها؟

هذه البرامج تعمل بارتباط مباشر بوزارة الزراعة، لكن نحن لدينا قسم الارشاد الزراعي، ونعمل في خط متوازي مع الوزارة عن طريق قسم السياسات ضمن قسم الارشاد الزراعي لتدريب وتأهيل المرشدين الزراعيين.

المناخ والاستدامة

• كيف تتعامل الكلية مع التغيرات المناخية؟

للتغيرات المناخية تأثير مباشر على الزراعة، ونحن نتابعها عبر دراسات متخصصة، ونستعد لتنظيم ورشة عمل ومؤتمر حول تأثير المناخ في محافظة لحج، بالتعاون مع منظمات معنية وتحت إشراف وزارة الزراعة.

كما أننا بصدد إنشاء قسم للبيئة، ونتواصل مع الجهات المانحة، ونتواصل مع الوزارة حول إمكانية اعتماد القسم وتمويله لأنه يحتاج إلى إنشاء مبنى وهيئة تدريس ومقررات.

• هل توجد أبحاث حول الأصناف المقاومة أو الزراعة المستدامة؟

نعم، هناك دراسات مختلفة حول أصناف الزراعة المستدامة مثل الذرة الشامية والمحلية والسمسم المقاومة للحشرات والأمراض، وكلها نفذت بجهود ذاتية ودون تمويل منظماتي.

التحديات والحلول

• ما واقع الشراكات مع القطاع الخاص؟

بدأنا نسج علاقات مع القطاع الخاص وماضون في هذا الأمر، ونؤمن أن البحث العلمي لا يمكن أن يتطور دون هذه الشراكات، حيث ننفذ لهم دراسات بحثية مقابل توفير فرص تدريب وتوظيف للطلاب ونسعى لعمل شراكة طويلة الأمد للكلية والباحثين والقطاع الخاص.

• هل أسهمت هذه الشراكات في تطوير المختبرات أو دعم الأبحاث؟

حتى الآن لم يتحقق ذلك بالشكل المطلوب، لكننا نتطلع لتحقيق نقلة نوعية خلال العام الجاري.

• ما مصير الأراضي الزراعية التابعة للكلية التي تعرضت للنهب خلال الحرب؟

نحن منذ عامين تولينا عمادة الكلية وخلال هذه المدة استطعنا استعادة جزء كبير من أراضي الكلية، وأوقفنا الزحف العمراني بشكل كامل بالتعاون مع السلطة المحلية وأجهزة الأمن، لكن لا تزال مباني داخل الكلية تحت سيطرة من استولوا عليها، ونحن بحاجة ماسة لها وطلاب الكلية الوافدين من خارج المحافظة يسكنون في مباني تحتاج إعادة ترميم وغير مؤهلة للسكن، ونرجو تعاون الجميع معنا لاستعادة مباني الكلية.

• ما أبرز التحديات التي تواجه الكلية؟

لدينا تحديات مختلفة، أبرز التحديات الأكاديمية تتمثل في تدمير ونهب الكلية خلال الحرب، ونقص المعدات المختبرية لكننا نمضي بخطى ثابتة نحو استعادة جزء كبير منها، وبالنسبة للبنى التحتية بدأنا بناء قسم الطب البيطري ويعد الاول من نوعه على مستوى المحافظات المحررة بدعم وزير الزراعة.

أما ماليا، فقد توقفت الميزانية التشغيلية منذ أكثر من عام من وزارة المالية، ولا ندري كيف يتم ايقاف الموازنات عن المؤسسات التعليمية وهذا أمر محيب للآمال، ونعتمد حاليا على الموارد الذاتية، مع وجود مشروع مزرعة بمساحة 45 فدانًا يمكن أن يسهم في تغطية نفقات الكلية، ونحن بحاجة إلى حفر اربع آبار مياه ونأمل أن نجد جهة للتنفيذ وتركيب منظومات شمسية.

• كيف تصفون مستوى طلاب الكلية اليوم مقارنة بالأجيال السابقة؟

المستوى جيد بشكل عام، والتعليم أصبح تشاركيا، إذ أصبح الطالب جزء أساسي منها وكلية ناصر للعلوم الزراعية كونها كلية تطبيقية تحتاج إلى وسائل تعليمية وأجهزة ومختبرات ومتى ما اكتملت البنية التحتية سيظهر التميز بشكل أوضح.

• هل لديكم خطط مستقبلية لتحسين التدريب العملي؟

نعم، سنبدأ تنفيذ وحدات الزراعة المائية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة ونحاول توفير الأجهزة والكمبيوترات، والمواد والمعدات، كما نحاول عمل استحداث اقسام زراعة الانسجة وتكاثر النباتات، كلها عبر المواد المختبرية، وهذا سيوفر كثير وسيساعد في تأهيل الطلاب ليكونوا أشخاص فعالين في المجتمع.

• ما المشاريع المستقبلية لتطوير البنية التحتية؟

نعمل على بناء قسم الطب البيطري، وإدخال الحظائر الحديثة، وإدخال مختبرات متكاملة في كافة الأقسام، ونقل نوعية الاداء الدراسي التقليدي إلى الاداء المعاصر في الدراسة العملية في المعامل والتجريب والتدريب، ولدينا طموح لتحويل بعض الأقسام إلى كليات مستقلة مستقبلا، فمثلا قسم علوم وتكنولوجيا الأغذية نطمح لتحويله إلى كلية علوم الأغذية، كذلك كلية الطب البيطري وغيرها ونأمل أن ننجح.

• ماذا عن الكادر الأكاديمي هل تعاني الكلية من نقص؟

نعم، نعاني نقصا حادا، حيث بلغ عدد كبير من الأساتذة يقدر بنحو 70% أحد الأجلين، ونسعى لافتتاح برامج دكتوراه في الأقسام الأخرى لتأهيل كوادر جديدة، ولدينا وعود من الوزارة باعتماد وظائف جديدة.

• ما خطط تطوير الدراسات العليا؟

نستعد لافتتاح ثلاثة برامج دكتوراه خلال 2026م في علوم الأغذية، والبستنة، والاقتصاد الزراعي.

• ماذا عن الخريجين وفرص توظيفهم؟

خريجو الكلية يتمتعون بفرص توظيف أفضل مقارنة بغيرهم، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو المنظمات الدولية.

• هل لديكم توجه لتبني التقنيات الزراعية الحديثة؟

كلها موجودة أو قيد التنفيذ وقريبا سيتم تنفيذ حوالي ثمان منظومات ري بالتقطير في مزرعة وحديقة الكلية التي تعملان بالزراعة المائية، وسوف يتم إنشاء صوبة (بيوت محمية ) للزراعة المائية بكافة التجهيزات والتقنيات اللازمة.

الحديدة.. انطلاق مهرجان ‹يوم السمسم› بنسخته الثالثة

انطلقت اليوم الخميس، 29 كانون الثاني، 2026، فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان “يوم السمسم اليمني”، الذي ينظمه نادي السمسم داخل السوق التاريخي بمدينة حيس، بمحافظة الحديدة غربي اليمن.

وشهد المهرجان عرضا واسعا لمحصول السمسم الذي تشتهر بزراعته أراضي تهامة، واستعراض الصناعات المشتقة منه كالزيوت الطبيعية والحلويات.

كما تخلل المهرجان بحسب مكتب إعلام المحافظة، عرضا للصناعات الخزفية واليدوية والفلوكلور الشعبي التي تعكس الموروث التهامي الأصيل. ​


مواضيع ذات صلة


وخلال التدشين، أشاد مدير عام مديرية حيس مطهر القاضي، بالجهود المبذولة من قبل نادي السمسم اليمني لإحياء هذا الموروث، مؤكداً أن السمسم يعد من أهم المحاصيل الزراعية الرافدة للاقتصاد الوطني.

وقال القاضي إن استمرار هذه الفعاليات تعزز من حضور المنتج المحلي في الأسواق وتدعم المزارعين والمنتجين في المنطقة.

من جانبه، أوضح رئيس اللجنة التحضيرية عبدالله مُعَيْمِرَه أن إقامة المهرجان للعام الثالث على التوالي يهدف إلى الترويج لمحصول السمسم والتعريف بقيمته الغذائية والاقتصادية، مشيرا إلى أهمية الدعم الذي تقدمه السلطة المحلية ممثلة بمحافظ المحافظة.

ويعتبر السمسم من المحاصيل الزراعية المكلفة ماديا بسبب اعتماد غالبية المزارعين على الطرق التقليدية في زراعته وحصاده ونثر بذور وتجفيفها وتنظيفها بالأيدي العاملة بدلا من آلات الحديثة.

زراعة السمسم في اليمن
زراعة السمسم في اليمن

ويزرع السمسم في اليمن مرتين خلال العام الواحد؛ تبدأ الأولى خلال الصيف وتنتهي بالخريف، بينما تبدأ الثانية منتصف الشتاء وتنتهي بالربيع، وتنتشر زراعته بالحديدة وحجة وأبين ولحج والجوف وشبوة وريمة والبيضاء وتعز.

وبحسب بيانات رسمية، تحتل الحديدة المرتبة الأولى بإنتاج السمسم بكمية تقدر بنحو 5.8 آلاف طن سنويا، ويزرع بمساحة تقدر بـ 7 الف هكتار، تليها محافظة مأرب بكمية إنتاجية تقدر بنحو 4.9 ألف طن سنويًا من مساحتها الزراعية المقدرة بنحو 3400 ألف هكتار، ثم تأتي محافظة أبين ثالثًا.

صور من الفعالية