الجمعة, مايو 15, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 15

طريقة فرز العسل الصحيحة

يُعد فرز العسل مرحلة محورية في سلسلة تربية النحل وإنتاج العسل، إذ ترتبط بها جودة المنتج النهائي ونقاؤه وسلامته، إلى جانب الحفاظ على الأقراص الشمعية وإطالة عمرها الإنتاجي.

ومع تطور أدوات النحالة، انتقلت عملية الفرز من وسائل بدائية إلى فرازات حديثة تعتمد على مبدأ علمي دقيق، يهدف إلى استخلاص العسل بكفاءة عالية دون الإضرار ببنية الأقراص الشمعية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية واستدامة الطائفة.

في هذا التقرير الإرشادي تتناول منصة ريف اليمن مفهوم فرز العسل وأهميته في تحسين جودة المنتج، ومعايير نضج العسل وجاهزيته للفرز، إضافة إلى الخطوات العلمية الصحيحة لاستخدام فرازات العسل الحديثة، وأبرز الممارسات المثلى والنصائح العملية للنحالين، بما يسهم في الحفاظ على الأقراص الشمعية وتعزيز كفاءة الإنتاج وجودته.

ما هو فرز العسل؟

فرز العسل هو عملية استخلاص العسل من الأقراص الشمعية باستخدام جهاز خاص يُعرف بـ”الفراز”، يعمل بمبدأ القوة الطاردة المركزية، وذلك بعد إزالة الأغطية الشمعية التي تغلق العيون السداسية، وتكمن أهمية هذه العملية في الحفاظ على سلامة الأقراص الشمعية لإعادتها إلى الخلية، ما يوفّر على النحال وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية، ويساعد النحل على استئناف الإنتاج بسرعة.


مواد ذات صلة

–  الأمهات الكاذبة في النحل.. الأسباب وطرق العلاج
–  صمغ النحل.. الخصائص والفوائد
–  كيف تنقل خلايا النحل إلى المراعي دون خسائر؟

متى يكون العسل جاهزاً للفرز؟

يصبح العسل ناضجاً وجاهزاً للفرز عندما تكون نسبة 70–80٪ من العيون السداسية مختومة بالشمع، وهي علامة واضحة تدل على اكتمال نضجه وانخفاض نسبة الرطوبة فيه، التي يُفترض أن تكون أقل من 20٪.

ويؤدي فرز العسل قبل اكتمال هذه المؤشرات إلى ارتفاع نسبة الرطوبة، ما يزيد من احتمالية التخمر ويؤثر سلباً على جودة العسل وقابليته للتخزين.

خطوات عملية الفرز الصحيحة

تمر عملية فرز العسل بعدة مراحل أساسية ينبغي الالتزام بها لضمان أفضل النتائج:
– التحضير واختيار الوقت المناسب: يُفضَّل أن تتم عملية الفرز في جو دافئ نسبياً، بدرجة حرارة تتراوح بين 25–30 درجة مئوية، لتسهيل انسياب العسل، مع التأكد من جاهزية الأدوات ونظافتها.
– إزالة الأغطية الشمعية: يتم ذلك باستخدام شوكة القشط أو السكين المخصص، وبحذر لتجنّب إتلاف القرص الشمعي.
– تحميل الفراز: توضع الإطارات داخل الفراز بشكل متوازن لتفادي الاهتزاز أو اختلال الجهاز أثناء التشغيل.
– تشغيل الفراز: يبدأ التشغيل بسرعة منخفضة تُزاد تدريجياً، لاستخراج العسل من الوجه الأول جزئياً، ثم تُقلب الإطارات لاستخراج العسل من الوجه الثاني، قبل العودة لاستخراج المتبقي من الوجه الأول بسرعة أقل حفاظاً على سلامة القرص.
– التجميع والمعالجة اللاحقة: يُجمع العسل ويُصفّى لإزالة الشوائب، ثم يُحفظ في أوعية نظيفة ومحكمة الإغلاق، فيما تُعاد الأقراص الشمعية السليمة إلى الخلية لإعادة استخدامها.

مميزات استخدام فرازات العسل الحديثة

يوفّر استخدام الفرازات الحديثة عدداً من المزايا المهمة، أبرزها الحفاظ على الأقراص الشمعية وإمكانية إعادتها للطائفة، وزيادة كمية العسل المستخلص مقارنة بالطرق التقليدية، وتقليل الفاقد من العسل والشمع، إلى جانب تحسين جودة ونقاء المنتج النهائي، وتخفيف الجهد البدني والزمن اللازم لعملية الفرز.

يُعدّ العسل ناضجاً وجاهزاً للفرز عندما تكون نسبة 70–80٪ من العيون السداسية مختومة بالشمع، إذ يشير ذلك إلى أن النحل أنهى عملية تبخير الرطوبة من الرحيق وحوّله إلى عسل ناضج

إرشادات عملية للنحالين في اليمن

– يُنصح بتجنّب فرز العسل غير المختوم تفادياً للتخمر.
– التحكم في سرعة الفراز وعدم تشغيله بسرعات عالية أو مفاجئة قد تؤدي إلى تمزق الأقراص.
– تُعد النظافة الدقيقة للأدوات والمعدات أساساً للحفاظ على جودة العسل.
– تخزين العسل في أوعية محكمة الغلق بعيداً عن الرطوبة والحرارة وأشعة الشمس.
– لتقليل التكاليف، يمكن الاستثمار في فراز جيد الجودة أو اللجوء إلى نظام الفراز الجماعي بين عدة نحالين.

طريقة فرز العسل الصحيحة
إنفوجرافيك ملخص لطريقة فرز العسل الصحيحة

تحذير

لا يُنصح بفرز الأقراص الشمعية الحديثة أو الضعيفة جداً لكونها أكثر عرضة للتمزق داخل الفراز، كما يجب تجنّب فرز الأقراص التي تحتوي على حضنة أو تلك التي خضعت لمعالجات دوائية خلال موسم الإنتاج، مع مراعاة عدم إضعاف الطائفة بسحب جميع الأقراص في وقت واحد.

إذاً يمثل اختيار الفراز المناسب والالتزام بالطريقة العلمية الصحيحة في فرز العسل ركيزة أساسية لإنتاج عسل يمني عالي الجودة، يحافظ على قيمته الغذائية والتجارية، ويعكس خبرة النحال ووعيه بأسس التربية الحديثة، كما يُسهم ذلك في استدامة تربية النحل وتعزيز سمعة العسل اليمني محلياً وخارجياً، ورفع مستوى العائد الاقتصادي للنحالين.

أطفال الريف.. بين قسوة النزوح وآثار التغير المناخي

خلال السنوات الأخيرة، شهدت مناطق يمنية واسعة موجة متصاعدة من التغيرات المناخية، لا سيما في المناطق الريفية، تمثلت في هطول أمطار غزيرة وتدفق سيول جارفة، أسفرت عن أضرار وخسائر بشرية ومادية جسيمة في أوساط السكان، وكان الأطفال من بين الفئات الأكثر تضررا، خصوصا في ريف اليمن.

آثار التغيرات المناخية تجلت بأقسى صورها في المخيمات التي تأوي آلاف النازحين، إذ تحول البرد القارس والأمطار الموسمية إلى تهديد يومي لحياة الأسر، ووجد النازحون أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع الطبيعة، دون مأوى آمن أو إمكانات تخفف من وطأة الظروف القاسية.

يقول سالم، وهو أحد النازحين في مخيم الحجب بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، إن موجة الصقيع الشديدة وتساقط الأمطار جعلتهم يعيشون أوضاعا مرعبة، خوفا من إصابة أطفالهم بأمراض معدية أو وبائية، خاصة أنهم يعيشون في مخيمات متهالكة لا تقيهم  حر الصيف ولا برد الشتاء.


مواضيع مقترحة


يضيف لـ “ريف اليمن” أن طفله مجد البالغ عشر سنوات أصيب بالتهاب حاد نتيجة تعرضه لموجة صقيع شديدة، لم يستطع حينها إسعافه أو توفير الدواء له، لكنه اضطرت في اليوم التالي إلى إسعافه بعد أن تضاعفت صحته.

لم تكن الإصابة الأولى للطفل مجد، بل أصيب بالإسهالات المائية والكوليرا خلال موسم الأمطار التي شهدتها محافظة تعز خلال العام 2025، “كان على وشك الموت لو لم يأتِ أحد الجيران لإنقاذه وإعطائه الدواء” يقول والده سالم.

تعكس شهادة سالم جانبًا من معاناة واسعة يعيشها نازحو تعز ومناطق يمنية أخرى، حيث أسهمت موجات البرد والأمطار في تفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية داخل المخيمات، في ظل شح المساعدات وغياب التدخلات الطارئة.

أوضاع صعبة

مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، “جمال فرحان”، قال إن المديرية شهدت خلال العام 2025 تغيرات مناخية متسارعة، تمثلت في تساقط أمطار غزيرة وسيول جارفة، وكذلك ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، ما انعكس سلبا على حياة الأطفال، لا سيما في مخيمات النزوح.

وأوضح فرحان لـ “ريف اليمن” أن هذه التغيرات تسببت في جرف الخيام، وتلف المواد الغذائية، وتلوث مصادر المياه، الأمر الذي أدى إلى تفشي أمراض الإسهالات الحادة والملاريا، وأمراض الطفح الجلدي والعيون، مع تسجيل مؤشرات مقلقة في معدلات الإصابة بين الأطفال، لا سيما دون سن الخامسة.

التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة (ريف اليمن)

وسجل مخيم الحجب خلال العام 2025، (252) حالة إصابة، بينما سجل مخيم الحصبري والشط 209 حالات إصابة، حيث سجل مخيم حجيج 237 حالة إصابة، توزعت بين الإسهالات الحادة، وحمى الضنك والملاريا والتهابات في الجهاز التنفسي والطفح الجلدي والعيون، وتصدر مخيما الحجب وحجيج أعلى معدلات الإصابة، وفقا لفرحان.

مديرية مقبنة هي الأخرى بلغ إجمالي إصابات الأطفال في مخيماتها (698) حالة إصابة خلال العام 2025، تقسمت على أربعة مخيمات، جراء التغيرات المناخية.

ويؤكد فرحان أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية، مطالبًا السلطات والمنظمات الإنسانية بتوفير الدعم الصحي، وتحسين خدمات المياه،  وتوفير مستلزمات إيواء مقاومة للأمطار والحر، إلى جانب دعم المراكز الصحية وتنفيذ برامج توعية صحية للأسر النازحة.

أطفال بلا إيواء

لم يقتصر تأثير التغيرات المناخية على أطفال تعز النازحين فحسب؛ بل امتد ليشمل محافظة مأرب التي تحتضن أكثر من 2.2 مليون نازح، وهو ما يعادل 60% من إجمالي النازحين داخليا؛ مما جعلهم جميعا في مواجهة مباشرة مع هذه التقلبات المناخية.

مدير الوحدة التنفيذية للنازحين في محافظة مأرب “سيف مثنى” أكد أن التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025، وتسببت في أضرار مادية وبشرية بالغة، نتيجة قلة الدعم الكافي.


تعد اليمن من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير المناخ وفيها نحو 4.8 مليون نازح يفتقرون للحماية والخدمات


وأضاف مثنى لـ “ريف اليمن” أن الأمطار الغزيرة تسببت في أضرار كبيرة وغرق الخيام، و فاقمت من معاناة الأطفال؛ ما تسببت في زيادة حالات الإسهالات المائية والأمراض المنقولة عبر المياه وغيرة من الأوبئة.

وأكد أن الوحدة التنفيذية تواجه تحديات جمة، أبرزها ضعف التمويل المخصص للاستجابة المناخية، وتزايد أعداد النازحين، وسوء البنية التحتية الغير مهيأة لمواجهة السيول، ونقص المراكز الصحية وأنظمة الإنذار المبكر.

وأشار إلى أن إجمالي الأسر المتضررة كليا وجزئيا من تأثيرات الأمطار الغزيرة والسيول والأعاصير الأخيرة بلغت  8,684 أسرة من مديريات المحافظة، موضحا أن من بين هذه الأسر 1,246 أسرة تضررت كليًا بخسارة مساكنها وممتلكاتها، فيما بلغ عدد الأسر المتضررة جزئيًا 7,438 أسرة.

خيام متهالكة

يروي المواطن “أحمد سراح” وهو نازح في مخيم السويداء بمديرية المدينة بمحافظة مأرب، فصولا موجعة من المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون نتيجة التغيرات المناخية القاسية التي شهدتها المحافظة خلال العام المنصرم وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات.

يقول سراح لـ “ريف اليمن” إن العام المنصرم 2025 مر عليهم ثقيلا محملا بموجات من البرد القارس والأمطار الغزيرة، زادت من قسوة النزوح، لا سيما على الأطفال، ويتساءل سراح بحسرة: “كيف لأب أن يحمي أطفاله داخل مخيم متهالك لا يقيهم من برد الشتاء ولا حرارة الشمس والأمطار الموسمية؟

ويضيف، وهو يستعيد مشهدا مؤلما: “موجع أنْ ترى اثنين من أطفالك يسقطون مرضى أمام عينيك دون أن تمتلك القدرة على توفير أبسط سبل العلاج”، ويصف المشهد بأقسى ما يمكن أن يمر به أب، خاصة أن حالتهم كانت تنذر بالخطر قبل أن يتم إسعافهم نتيجة إصابتهم بمرض وبائي من الزكام والحمى الشديدة.

عشرات الأطفال النازحين في المخيمات أصيبوا بالحمى والسعال، والإسهالات جراء تغير الجو وتكدس النفايات (ريف اليمن)

لا تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ يشير سراح إلى حادثة مأساوية لطفل من جيرانه توفي في ديسمبر الماضي 2025، بعد إصابته بمرض جلدي خطير يعرف محليا بـ “الطفح الجلدي” أو “الحبوب المتقيحة” والذي يؤدي إلى الوفاة بعد أيام من إصابة الشخص فيه، بحسب ما تحدث بعض الأطباء لسراح.

ويشهد المخيم معاناة جمة، من انعدام شبه تام لمساكن الإيواء الآمنة والخيام الصالحة للعيش، إلى غياب وسائل تدفئة تقي الأطفال من شدة البرودة، خاصة أن التدخلات الإنسانية تراجعت بشكل كبير، وأصبحت حد وصف سراح لا تغطي سوى 1% من احتياجات النازحين، حسب قوله.

ويزيد الوضع سوءًا؛ انتشار الصرف الصحي المكشوف والذي يتجمع على سطح الأرض والأودية إلى جانب تكدس النفايات، ما يجعل المخيم بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض، ويشكل تهديدا مباشرا على صحة الأطفال، وفق حديث سراح لـ ريف اليمن.

وأشار إلى أن العشرات من الأطفال أصيبوا بالحمى والسعال والإسهالات جراء تغير الجو في المخيم، وتتكرر زيارتهم للمستشفى الميداني داخل المخيم، إلا أن المشفى يظل عاجزا عن تلبية الاحتياجات بسبب نقص الأدوية وغياب الدعم الصحي.

كوارث مناخية

وفقًا لدراسة ميدانية صادرة عن مؤسسة حلم أخضر للدراسات والاستشارات البيئية، فقد بلغت نسبة النازحين المتضررين في محافظة مأرب وحجة 95.5% و 90% على التوالي.

يعيش النازحون تحت خيام مهترئة لا توفر الحماية من البرد القارس أو الأمطار الغزيرة (ريف اليمن)

وأشار الدراسة إلى أنه خلال الفترة بين يناير 2020 ويونيو 2024، شهدت مخيمات مأرب وقوع 636 حالة حريق في الخيام، مما أسفر عن مقتل 36 شخص، وإصابة 89 آخرين، بمن فيهم الأطفال والنساء.

وقالت شبكة بيئة أبو ظبي في دراسة لها  إن الصراع الطويل، إلى جانب الكوارث المرتبطة بالمناخ مثل الجفاف والفيضانات المفاجئة، والنقص الحاد في المياه، أدى إلى تفاقم الهجرة القسرية والنزوح الداخلي داخل اليمن بشكل كبير.

وأضافت الشبكة: “يُقدر أن 4.5 مليون شخص، يمثلون 14% من إجمالي السكان، نازحون حاليًا داخل اليمن، وقد تعرض عدد كبير منهم لعمليات نزوح متعددة على مدى عدة سنوات، وهذا يضع اليمن ضمن أكبر ست أزمات نزوح داخلي على مستوى العالم”.

وتعد اليمن واحدة من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير أزمة المناخ، لكنها الأقل استعدادا لمواجهتها أو التكيف معها، كما تُصنف كإحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وهناك نحو 4.8 مليون شخص نازح في اليمن، ويعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟
اليمن والإفلاس المائي الخطر الذي يهدد العالم

تتصاعد التحذيرات من الجفاف الذي يهدد آبار المياه الجوفية في اليمن، ويبرز التغير المناخي سوء إدارة المواد المائية من أبرز الأسباب، وخلال السنوات الماضية زادت حدة النزاعات والعنف بسبب المياه في العالم.

وبحسب تقرير نشرته مجلة فير بلانيت «Fair Planet» الألمانية، مع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، بات جمع المياه مسؤولية يومية تتحملها الأسر،فما كان يتدفق عبر الصنابير العامة أصبح يُحمل على الأكتاف بعبوات بلاستيكية ورحلات متكررة إلى ينابيع بعيدة، وكل عبوة تضيف عبئًا يسحب الفتبات من المدارس لمساندة أسرهن.

وفي شرق اليمن تقف مضخات الديزل معطلة فوق آبار جافة خراطيمها متشققة بفعل الحرارة الشديدة، وإلى جانب أزمتي الوقود والكهرباء، تبرز معضلة شح المياه الجوفية في الكثير من القرى الريفية، وفق التقرير الذي نشر بعنوان ‹آبار اليمن المتلاشية›.

يُصنف اليمن ضمن أكثر دول العالم معاناةً من ندرة المياه، حيث تراجع نصيب الفرد السنوي إلى نحو 83 متراً مكعباً، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بخط الفقر المائي الدولي المحدد بـ 500 متر مكعب. وفي بعض المناطق، يشهد منسوب المياه الجوفية انخفاضاً حاداً يتراوح بين متر وثمانية أمتار سنوياً، مما أدى إلى تحول الآبار التي كانت تروي مجتمعات بأكملها إلى مصادر للمياه المالحة، أو نضوبها تماماً.


مواضيع مقترحة


حروب المياه

تُشير التقارير إلى أن ما يتراوح بين 70% و80% من النزاعات في الريف اليمني تتمحور حول الموارد المائية والأراضي. ووفقاً لتقديرات المركز الدولي المعني بتأثير الصراعات على المدنيين CIVIC، يلقى نحو أربعة آلاف شخص حتفهم سنوياً في اليمن جراء هذه النزاعات.

تجدر الإشارة إلى أن نزاعات المياه في اليمن ليست سوى صورة مصغرة لاتجاه عالمي متصاعد، إذ يحذر الخبراء من تضاعف وتيرة العنف المرتبط بالمياه منذ عام 2022 وفقا تقرير صحيفة الغارديان «The Guardian» البريطانية الذي رصد خارطة الصراعات المائية حول العالم.

يقول الدكتور بيتر جليك، المؤسس المشارك في CIVIC “تتعدد أسباب تزايد النزاعات وإلى جانب أزمة المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، تلعب عوامل مثل فشل الدول، والفساد الحكومي، وتهالك البنية التحتية دوراً محورياً”.

ومن جانبها، أكدت جوانا تريفور، مسؤولة الأمن المائي في منظمة “أوكسفام”، رصد زيادة ملحوظة في النزاعات المحلية الناجمة عن انعدام الأمن المائي.

وفقاً لتقارير صحيفة “الغارديان”، تتشكل ملامح أزمة المياه العالمية اليوم كواحدة من أعقد القضايا الأمنية؛ ففي الشرق الأوسط، تحولت المياه إلى سلاح مباشر من خلال الاستهداف الممنهج لشبكات التوزيع ومحطات التحلية في قطاع غزة، مما أسفر عن انهيار البنية التحتية للصرف الصحي وتلوث مياه الشرب.

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

وبالانتقال إلى جنوب آسيا، يتصاعد النزاع الدبلوماسي بين الهند وباكستان حول بنود “معاهدة مياه نهر السند”، بالتزامن مع ما تشهده أوروبا من استهداف متعمد للسدود الكهرومائية في أوكرانيا ضمن العمليات العسكرية الجارية.

في أفريقيا أدت ندرة الموارد في شرق أفريقيا ومنطقة الساحل إلى تأجيج المنافسة التي دفعت السكان للنزوح والاصطدام بمجتمعات محلية أخرى، وهو صراع على الموارد يجد صداه في الأمريكتين، حيث تحول نهرا “كولورادو” و”ريو غراندي” إلى مادة للجدل السياسي الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، مما أدى لسقوط ضحايا خلال احتجاجات المزارعين.

كما تبرز آسيا الوسطى كبؤرة توتر محتملة بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان؛ نتيجة شروع أفغانستان في بناء قناة “قوش تيبا” التي تهدد بتقليص الحصص المائية لجيرانها من نهر “جيحون”، مما يضع المنطقة أمام تحديات وجودية تتجاوز الحدود السياسية.

انهيار المؤسسات

يشير تقرير مجلة “فير بلانيت” الألمانية إلى أن الأزمة اليمنية ليست مجرد حالة معزولة، بل هي انعكاس لنمط عالمي أوسع؛ فمع تصاعد الضغوط المناخية يخطو العالم نحو حقبة من “الإفلاس المائي”، حيث يواجه قرابة أربعة مليارات شخص نقصاً حاداً في المياه سنوياً.

ومع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، تحولت عملية جلب المياه إلى عبء منزلي شاق؛ فبدلاً من تدفق المياه عبر الأنابيب، باتت تُحمل يدوياً وتُقاس بالعبوات البلاستيكية عبر رحلات يومية منهكة إلى ينابيع وخزانات بعيدة. الأمر الذي أجبر الفتيات ترك مقاعد الدراسة لتأمين احتياجات أسرهم.


يوجد في اليمن أكثر من 4.8 مليون نازح داخلياً، يتمركز أغلبهم في مناطق تفتقر إلى أدنى مقومات شبكات المياه


وتستهلك الزراعة في اليمن أكثر من 90% من موارد البلاد المائية إذ تسيطر زراعة القات على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومع غياب الرقابة الحكومية، تفشت ظاهرة الآبار غير المرخصة، مما أدى إلى استنزاف الأحواض الجوفية وهو ما ينذر بكارثة بيئية واجتماعية طويلة الأمد.

يؤكد التقرير أن أزمة المياه في اليمن ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الحرب، إلا أن الصراع الذي اندلع عام 2015 سرّع من وتيرة الانهيار بشكل حاد؛ حيث تضرر أو دُمر ما يقارب نصف البنية التحتية للمياه بما في ذلك المضخات، الأنابيب، الخزانات، ومحطات المعالجة.

بالإضافة إلى ذلك تأتي أزمة تغير المناخ ليزيد المشهد تعقيداً إذ تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بمعدل يتراوح بين 1.2 و 3.3 درجة مئوية بحلول عام 2060 سيؤدي إلى تسارع وتيرة استنزاف المياه الجوفية وتوسع ظاهرة التصحر.

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

استدامة الموارد المائية

يضاعف تراجع اهتمام المانحين في اليمن من تعقيد الأزمة فبعد عقد من الحرب باتت البلاد تتنافس بصعوبة على لفت الأنظار وسط أزمات دولية متصاعدة في أوكرانيا وغزة، لكن مع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه المأساة ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تجاوزها عبر تبني حلول عملية قائمة.

من الممكن إعادة إحياء نظم تجميع مياه الأمطار التي شكلت ركيزة الحضارات اليمنية القديمة، وذلك عبر ترميم المدرجات الزراعية وإنشاء السدود الصغيرة التي تعمل على تغذية الأحواض الجوفية. تاريخياً، بنى اليمنيون قدرة هائلة على الصمود من خلال الحواجز الحجرية التي تحجز المياه وتحمي التربة من الانجراف.


يشدد خبراء  على ضرورة صياغة معاهدات مائية عابرة للحدود تتسم بالشفافية والمساءلة، وتضمن الحق الإنساني الأصيل في الوصول إلى الماء


واليوم، بدأت بعض المجتمعات الجبلية بالفعل في استعادة هذه النظم التقليدية، ورغم أن المكاسب لا تزال أولية، إلا أنها تراكمية ومبشرة؛ إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تبني استراتيجيات مناخية شاملة قد يجنّب البلاد خسائر اقتصادية تصل إلى 93 مليار دولار بحلول عام 2060.

وعلى امتداد الشريط الساحلي، تبرز محطات تحلية المياه كخيار استراتيجي لتزويد المدن الحضرية باحتياجاتها، شريطة تجاوز العقبات السياسية والتمويلية. كما تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات زراعية جريئة، لاسيما في ملف تقليص زراعة “القات”، وهو ما سيؤدي إلى تحرير كميات هائلة من المياه المستنزفة في محصول غير مستدام.

ومازالت أن الحلول الحالية لأزمة المياه في اليمن التي يحاول السكان التكييف عليها تعتمد بشكل كبير على “الصمود الفردي”، لكن هذه المشكلة المعقدة تحتاج لخطة إستراتيجية طويلة الأمد وهذا يتطلب إيقاف الحرب واستثمارات ضخمة في البنية التحتية وتغييراً جذرياً في السياسات الزراعية.

تقزم الأبقار البلدية في اليمن.. الأسباب والحلول

تُعدّ الثروة الحيوانية، وفي مقدمتها الأبقار البلدية، من الركائز الأساسية للاقتصاد الريفي في اليمن، إذ توفّر الحليب واللحوم والعمل الزراعي، وتمثل مصدر دخل مباشر لآلاف الأسر الريفية، غير أن هذه الثروة واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متصاعدة، أبرزها ظاهرة تقزم الأبقار، التي تنعكس على ضعف النمو وتدني الإنتاجية، بما يفاقم الأعباء المعيشية ويؤثر سلباً على الأمن الغذائي المحلي.

في هذه المادة الإرشادية، تسلّط منصة “ريف اليمن” الضوء على ظاهرة تقزم الأبقار البلدية في اليمن، من خلال توضيح مفهومها وأبرز أسبابها المرتبطة بالعوامل الوراثية والغذائية والصحية والإدارية والبيئية، إلى جانب استعراض حزمة من الحلول والتوصيات العملية التي من شأنها مساعدة المربين على تحسين نمو أبقارهم ورفع إنتاجيتها، بما يسهم في تعزيز استدامة الثروة الحيوانية ودعم سبل العيش في الريف اليمني.

ما المقصود بتقزم الأبقار؟

تقزم الأبقار هو عدم وصول الحيوان إلى الحجم والوزن الطبيعيين المتوقَّعين قياساً بعمره الزمني، ما يؤدي إلى أبقار بالغة صغيرة الحجم وضعيفة الكفاءة الإنتاجية، وهذه الحالة تنتج عن تداخل عوامل وراثية وغذائية وصحية وإدارية وبيئية.


مواد ذات صلة

–  خطر المخلفات البلاستيكية على صحة المواشي
–  ممارسات صحيحة لتغذية مواليد الحيوانات
– ماذا تعرف عن آفة أكاروس العنكبوت الأحمر وكيفية الوقاية؟


أسباب تقزم الأبقار البلدية

ترجع هذه الظاهرة إلى مجموعة من الأسباب المتشابكة، يمكن تلخيصها في الآتي:

– العوامل الوراثية: رغم أن الأبقار المحلية معروفة بصغر حجمها نسبياً مقارنة بالسلالات المحسنة، إلا أن سوء اختيار الأمهات والذكور الطلوقة، والتزاوج العشوائي أو بين الأقارب، أدى إلى تثبيت صفات غير مرغوبة، من بينها التقزم، كما ساهم غياب برامج التحسين الوراثي وعدم الاستفادة من التلقيح الاصطناعي في تفاقم المشكلة.

– الأسباب الغذائية: تُعدّ التغذية العامل الأكثر تأثيراً في نمو الأبقار. ويعاني مربو الماشية من عدة اختلالات غذائية، من بينها:
1 –  نقص كميات الأعلاف المقدمة للحيوان.
2 –  الاعتماد على مخلفات زراعية ضعيفة القيمة الغذائية.
3 – قلة الأعلاف الخضراء.
4 – محدودية استخدام الأعلاف المركزة.
5 – ضعف التغذية في مرحلة ما بعد الفطام، وهي مرحلة حاسمة في النمو.
6 – نقص العناصر المعدنية والفيتامينات الأساسية مثل الكالسيوم، الفوسفور، النحاس، الزنك، السيلينيوم، وفيتامينات A وD3 وE، ما يؤدي إلى ضعف نمو العظام وتراجع الشهية والمناعة.

– الأمراض والطفيليات: تلعب الطفيليات الداخلية والخارجية، إضافة إلى الأمراض البكتيرية والفيروسية المزمنة، دوراً مباشراً في التقزم عبر استنزاف العناصر الغذائية وإضعاف مناعة الحيوان، وتقليل قدرته على الاستفادة من الغذاء المقدم له.

– الأخطاء الإدارية والرعوية: تشمل التأخر في إعطاء السرسوب بعد الولادة، والفطام المبكر دون تعويض غذائي مناسب، وعدم توفير كميات كافية من الحليب خلال فترة الرضاعة، إلى جانب سوء بيئة الإيواء، ونقص مياه الشرب أو عدم انتظام توفيرها.

– العوامل البيئية والاقتصادية: أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتغيرات المناخية في تعميق الظاهرة، نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف مقابل انخفاض أسعار الحيوانات، وتدهور المراعي الطبيعية بسبب الجفاف وقلة الأمطار، إضافة إلى ضعف الخدمات البيطرية والإرشادية.

تقزم الأبقار البلدية في اليمن.. الأسباب والحلول
التقزم هو عدم وصول الحيوان إلى الحجم والوزن الطبيعيين مقارنةً بعمره

الحلول والتوصيات

للحد من تقزم الأبقار وتحسين إنتاجيتها، يمكنك القيام بما يلي:
– تحسين برامج التغذية عبر توفير علائق متزنة من البروتين والطاقة والمعادن والفيتامينات، بما يتناسب مع عمر الحيوان وحالته الإنتاجية.
– الاهتمام بمرحلة الرضاعة والفطام، وضمان إعطاء السرسوب خلال أول نصف ساعة بعد الولادة، والاستمرار في تقديم الحليب الكافي حتى عمر ثلاثة أشهر، مع فطام تدريجي مدروس.
– تطبيق برامج تحسين وراثي، واختيار ذكور وإناث تربية ذات صفات جيدة، وتجنب التزاوج العشوائي أو بين الأقارب، مع التوسع في استخدام التلقيح الاصطناعي.
– تنفيذ برامج وقائية منتظمة لمكافحة الأمراض والطفيليات، والالتزام بالتحصينات الدورية.
– تحسين ظروف الإيواء وتوفير مساكن مناسبة تحمي الحيوانات من الحرارة والبرودة، وتضمن النظافة والتهوية الجيدة، إلى جانب توفير مياه شرب نظيفة وبكميات كافية.
– تشجيع إقامة المعارض والمهرجانات الحيوانية لعرض السلالات الجيدة وتحفيز المربين على التطوير، وتعزيز دور الإرشاد الزراعي والبيطري في الريف.

رسالة إلى المربي

إن تقزم الأبقار ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة ممارسات قابلة للتصحيح. فالاستثمار في التغذية السليمة، والاختيار الوراثي الجيد، والرعاية الصحية المتكاملة، هو استثمار مباشر في مستقبل القطيع، وضمان لزيادة الدخل وتحسين الاستدامة على المدى البعيد.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

إجراءات حكومية جديدة لحماية السلاحف البحرية

أصدرت السلطات المحلية في محافظة عدن قرارا بمنع التخييم والأنشطة السياحية في جزيرة العزيزية، في خطوة تهدف إلى حماية موائل السلاحف البحرية المهددة بالانقراض.

ويشمل القرار الذي أصدرته سلطات مديرية البريقة، حظر استخدام الشباك المعروفة بـ«الإسرائيلية» والشباك الوترية، إضافة إلى منع الاصطفاد باستخدام الأضواء الساطعة، لما لها من تأثير مباشر على بيئة السلاحف ومناطق تكاثرها.

وبحسب القرار، يستمر الحظر حتى نهاية شهر أبريل المقبل، بالتزامن مع موسم تكاثر السلاحف البحرية في خليج عدن.


مواضيع مقترحة


ويأتي هذا الإجراء ضمن جهود حماية الحياة البحرية والحفاظ على التنوع البيئي، عقب قرار سابق صادر عن وزارة الزراعة في ديسمبر 2025، قضى بمنع صيد وتسويق السلاحف البحرية في المياه اليمنية.

تُعد السلاحف البحرية من الكائنات النادرة والمهددة بالانقراض، وتحتضن السواحل اليمنية، الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، مواقع مهمة لتكاثرها وتعشيشها، ما يجعل اليمن من البلدان ذات الأهمية البيئية في هذا الجانب.

وتسجل المياه اليمنية وجود خمسة أنواع من السلاحف البحرية، أبرزها: السلحفاة الخضراء، وسلحفاة منقار الصقر، والسلحفاة ضخمة الرأس، والسلحفاة الزيتونية، وجميعها مدرجة ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN) بدرجات متفاوتة من التهديد.


تُعد السلاحف البحرية من الكائنات النادرة والمهددة بالانقراض، وتحتضن السواحل اليمنية مواقع مهمة لتكاثرها وتعشيشها


وتواجه السلاحف البحرية في اليمن تحديات كبيرة، أبرزها الصيد الجائر، واستخدام الشباك المحظورة، والتلوث البحري، والتوسع العشوائي للأنشطة السياحية، والإضاءة الساحلية التي تربك السلاحف أثناء التعشيش وتعيق وصول الصغار إلى البحر، إضافة إلى ضعف الوعي البيئي وغياب الرقابة المستدامة.

وخلال السنوات الأخيرة، اتخذت الحكومة خطوات لحماية هذه الكائنات، كان أبرزها قرار وزارة الزراعة في ديسمبر 2025 بمنع صيد وتسويق السلاحف البحرية، إلى جانب حملات توعية مجتمعية وإجراءات حماية موسمية في بعض الجزر والشواطئ الحيوية.

وتعد اليمن إحدى الدول الموقعة على اتفاقية الاتجار الدولي في الانواع المهددة بالانقراض (اتفاقية سايتس) والتي صادقت عليها اليمن 1997م وقد أدرجت السلاحف البحرية في الملحق من هذه الاتفاقية

بجهود ذاتية.. شاب يطوّر آلة زراعية لخدمة مزارعي ريف إب

بجهود ذاتية.. شاب يطوّر آلة زراعية لخدمة مزارعي ريف إب

لم يكن “محمد الشعيبي (38 عاما)” يتوقع أن آلته الزراعية اليدوية التي اشتراها لحراثة أرضه في قرية ضراس بمديرية السياني بمحافظة إب، ستتحول يوما ما إلى مشروع ابتكاري يخدم المزارعين في ريف المحافظة، إذ كان يعتقد أنه فقط يحقق حلمه الذي ظل يراوده من طفولته.

بعد نحو عامين من اقتنائه للآلة، اصطدم الشعيبي بواقع مختلف عما كان يأمل؛ إذ رفض كثير من المزارعين استخدامها بسبب صعوبة التعامل معها، وما تتطلبه من جهد بدني مضاعف، ما اضطره إلى التوقف عن تشغيلها مؤقتا، من أجل تطويرها بشكل أفضل.

يقول الشعبي لـ”ريف اليمن”، إن التوقف لم يكن نهاية الفكرة، بل شكل نقطة تحول أعادت إحياء شغفه القديم بالابتكار، وفتحت أمامه باب تحقيق حلم رافقه منذ الطفولة.

ويضيف: “كانت لعبتي المفضلة هي محاكاة حرث الأرض عبر تركيب أعواد حديدية وربطها ببعضها، كبرت وكبر معي هذا الحلم، حتى حانت اللحظة التي قررت فيها تحويل الفكرة إلى حقيقة ملموسة”.


مواضيع مقترحة


بعد سنوات من إهمال الحراثة اليدوية وتسلل الإحباط إليه، وجد الشعيبي الدعم والتحفيز من أهله وأصدقائه، ليقرر حينها خوض التحدي وتحويل تلك الآلة اليدوية المتعبة إلى حراثة مريحة تسير على أربع عجلات، ومزودة بمقود ومقعد، تدار وتقاد بسهولة تماما كالسيارات.

من الرسم إلى التنفيذ

بدأت الخطوات الأولى بالرسم والتخطيط على الورق، حيث وضع الشعيبي عدة مخططات أولية، وناقشها مع المقربين لاختيار الأنسب منها، ومع الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، واجه تحديات كبيرة، أبرزها ضيق الوقت نتيجة انشغاله بأعمال أخرى، ما اضطره للعمل ليلا، إلى جانب ندرة قطع الغيار وارتفاع تكاليف الورش والمخارط.

يروي الشعيبي إحدى العقبات التقنية التي واجهته قائلًا: “استغرق مني تحدي فصل الإطارات الأمامية لزيادة العزم ومنع انغراسها في التربة الرطبة قرابة عشرة أيام، استخدمت خلالها التروس والسلاسل الحديدية، لكن التجربة الأولى فشلت بسبب حسابات غير دقيقة واختلاف بين المخطط الورقي والتطبيق الواقعي”.

“لا أحمل شهادة جامعية، فقد أكملت دراستي الثانوية عام 2006 وتوقفت بعدها، ولا أملك مهنة محددة؛ فأنا مزارع، وتاجر، وأعمل محاسبا ماليا في أحد القطاعات، والابتكار جاء من هواية قديمة وخبرة سابقة وحالية في الميكانيكا، إلى جانب رغبتي في الاستفادة من آلة الحراثة المتوقفة”، يوضح الشعيبي.

بجهود ذاتية.. شاب يطوّر آلة زراعية لخدمة مزارعي ريف إب
صورة تظهر أرض محروثة بالآلة الزراعية التي ابتكرها الشعيبي (ريف اليمن)

إرادة لا تنكسر

خلال رحلة تطوير الحراثة، واجه محمد الشعيبي معوقات وتحديات كبيرة، إلا أن الفشل لم يكن بالنسبة له نهاية الطريق، بل دافعا لتقديم تصميم جديد، إذ لجأ إلى شراء نظام دفع رباعي (ديفريشن) للأمام والخلف، لتتكلل جهوده بنجاح مبدئي لافت.

يقول الشعيبي: “كان لشغفي بالهندسة الدور الأكبر في مواصلة العمل، واستعنت ببعض الأفكار والمخططات من الإنترنت لإنضاج الفكرة”، كما أشاد بدور صديقه المهندس ومنفذ اللحام، بشير عبدالله علي عبده، الذي كان له دور محوري في تنفيذ التصميم وتعديله.

 يؤكد الشعيبي أن تكلفة تجهيز آلات الحراثة تتراوح ما بين 400 إلى 500 ألف ريال يمني، (نحو 900 دولار )في ظل تحديات جسيمة، أبرزها غياب الدعم المؤسسي والأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فضلاً عن الأصوات المثبطة التي واجهها في محيطه.


الشعيبي: كان لشغفي بالهندسة الدور الأكبر في مواصلة العمل، واستعنت ببعض الأفكار والمخططات من الإنترنت لإنضاج الفكرة


في حديثه لـ “ريف اليمن”، أوضح قائلاً: “لم ألتفت للمحبطين، بل كنت أحفز نفسي بالإصرار على إتمام المشروع، واليوم، بفضل الله، نملك ابتكارا محلي الصنع، يتسم بسهولة القيادة والأمان، فهو مزود بنظام مكابح متكامل (مكبح يدوي وقدمي)، ويتمتع بمتانة عالية مقارنة بتكلفته الزهيدة”.

ويضيف: “بفضل هذه التجربة، أصبح فهم الميكانيكا وصناعتها أمرا يسيرا في نظري. قد يكون الواقع حجر عثرة، لكن بالإصرار والعزيمة يتبدد المستحيل”.

تجربة ميدانية

المزارع “عارف عبد الله (45 عامًا)”، من ريف مديرية السياني بمحافظة إب، استخدم الحراثة التي ابتكرها الشعيبي في حرث أرضه، وأشاد بالتجربة التي تكللت بالنجاح بعد جهود ومحاولات لم تعترف بالاستسلام.

ويقول عبدالله لـ”ريف اليمن”: “تعد هذه الحراثة ابتكارا يستحق الإشادة، كونها صناعة محلية وبإمكانات محدودة، وفي ظل غياب أي دعم رسمي لمبتكرها، إذ أُنجزت بالكامل بجهود ذاتية”.

تكلفة تجهيز الحراثة تتراوح ما بين 400 إلى 500 ألف ريال يمني(ريف اليمن)

يضيف: “من خلال تجربتي في حرث الأرض بها، وجدتها منافسة لما هو موجود في السوق، وإن كانت تحتاج إلى بعض الإضافات مثل نظام الهيدروليك للسحب بشكل أسهل، وهو ما حال دون تنفيذه ضعف الإمكانات”.

ويأمل المزارع عارف، أن يحظى هذا الابتكار بالتعريف والدعم اللازمين، ليخرج إلى النور ويستفيد منه عدد أكبر من المزارعين، ويتم نقل التجربة إلى محافظات أخرى.

ورغم النجاح الذي حققه الشعيبي، لا يزال ابتكاره محصورا في نطاق قريته الصغيرة غير أنه يحدوه الأمل في أن يجد هذا الاختراع طريقه إلى الجهات المعنية ورجال الأعمال لتبنيه، بما يضمن تطويره ودعم مسيرته، وفتح المجال أمام الكفاءات الشبابية المبتكرة في مختلف مناطق اليمن.

تصنيف اليمن في أعلى مستويات الطوارئ الصحية

تصنيف اليمن في أعلى مستويات الطوارئ الصحية

صنّفت منظمة الصحة العالمية اليمن كحالة طوارئ من الدرجة الثالثة، وهو أعلى مستوى لتفعيل الطوارئ، ما يعكس حجم الاحتياجات الصحية الهائلة والمخاطر المباشرة لارتفاع معدلات الوفيات.

هذا التصنيف يعني أن اليمن يواجه أزمة صحية وإنسانية شديدة التعقيد، ووفق بيان الصحة العالمية «WHO» “يعمل أقل من 60% من المرافق الصحية بكامل طاقتها، فيما لا تتجاوز نسبة المرافق القادرة على تقديم خدمات صحة الأم والطفل 20% فقط”.

ويعني هذا أن واحدًا فقط من كل خمسة مرافق صحية تقدم خدمات صحية للأم والطفل، مما يترك ملايين النساء بفرص محدودة للحصول على الرعاية. ووفقًا لنظام رصد الموارد والخدمات الصحية (HeRAMS) لعام 2025.

ووفق بيان منظمة الصحة العالمية “يعكس تصنيف اليمن كحالة طوارئ من الدرجة الثالثة -وهو أعلى مستوى لتفعيل الطوارئ لدى منظمة الصحة العالمية- حجم الاحتياجات الصحية والمخاطر المباشرة للوفيات الكثيرة في حال غياب الدعم المستدام”.

أزمة إنسانية متفاقمة

وتعيش اليمن واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، مع ارتفاع عدد المحتاجين إلى المساعدة في عام 2025 إلى 19.5 مليون شخص، بينهم 4.5 مليون نازح داخليًا، وفق التقارير الأممية.

وأفادت التقارير، أن أزمة الأمن الغذائي الحادة زادت وطأتها خلال العام الماضي، والصحة ففي الفترة بين مايو وأغسطس 2025، واجه نحو 17.1 مليون شخص (حوالي نصف السكان) مستويات من انعدام الأمن الغذائي في مرحلة الأزمة أو أسوأ.

وتشير التوقعات حتى مطلع 2026 إلى أن أكثر من نصف السكان سيواصلون مواجهة مستويات الأزمة أو الطوارئ، مع وجود مناطق مهددة بالانزلاق نحو الكارثة.

ووفق الصحة العالمية “يواصل اليمن مواجهة حالة طوارئ إنسانية مطوّلة ومتفاقمة، ناجمة عن سنوات من الصراع، وتصاعد التوترات الإقليمية، والانهيار الاقتصادي، وانعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع، وتكرار تفشّي الأمراض، إضافة إلى الصدمات المناخية المركّبة”.

تفشي الأمراض والأوبئة

يشهد اليمن تفشّيات مرضية متزامنة ومتعددة، ما يزيد الضغط على نظام صحي الهش، وتظل الكوليرا تهديدًا رئيسيًا للصحة العامة، حيث يُعد اليمن من بين الدول الثلاث الأعلى في عدد الحالات المشتبه بها خلال عام 2025، وفق الصحة العالمية.

وتعزوا الصحة العالمية انتشار الأمراض إلى “محدودية الوصول إلى المياه الآمنة والصرف الصحي، وضعف القدرة على الحصول على العلاج في الوقت المناسب، خصوصًا في المحافظات الشمالية”.

وقالت المنظمة الدولية “إن الكوليرا تبقى التهديد الأكبر، مع تسجيل اليمن أحد أعلى معدلات الحالات المشتبه بها عالميًا في 2025، إلى جانب استمرار تفشّي شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا بسبب ضعف التغطية بالتطعيم”.

وفي الوقت نفسه، يكشف انخفاض معدلات التغطية بالتطعيم الروتيني الأطفال أمام أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات، إذ لم يتجاوز معدل التحصين الكامل للأطفال على مستوى البلاد 63%، مما ساهم في استمرار انتشار شلل الأطفال. وفق الصحة العالمية.

يشار أن شلل الأطفال عاد للظهور عام 2021. ووفق الصحة العالمية “كما يستمر تفشّي الحصبة والدفتيريا، ويتركز بشكل كبير بين الأطفال غير المطعّمين، مما يبرز الأثر التراكمي لتعطّل الخدمات لفترات طويلة”.

يواجه نحو ثلثي السكان خطر انتقال الملاريا، مع كون النساء الحوامل والأطفال دون الخامسة الأكثر عرضة، خصوصًا في سهل تهامة الساحلي والمرتفعات الغربية، وشهدت حمى الضنك تفشيا واسعًا في عدة محافظات.

النزوح والنظام الصحي الهش

النزوح والظروف المعيشية الصعبة يرهقان النظام الصحي الهش، حيث تساهم الملاجئ المكتظة والمياه غير الآمنة وسوء الصرف الصحي في تفشّي الأمراض المعدية، بينما تؤدي الصدمات المناخية. وفق المنظمة الدولية.

وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة والفيضانات إلى توسيع نطاق انتقال الأمراض، فيما تسهم شبكات مياه الصرف الصحي المتضررة وسوء النظافة في تكرار تفشّي الكوليرا والإسهال المائي الحاد.

وقالت الصحة العالمية “في عام 2026، تدخل الاستجابة الصحية الإنسانية مرحلة أكثر تقييدًا، مع دفع نقص التمويل وانعدام الأمن إلى انسحاب الشركاء الصحيين من المحافظات الشمالية، مما يخلق فجوات متزايدة في خدمات الرعاية الأولية والثانوية”.

وحذرت المنظمة الدولية “إن أي تقليص إضافي في الخدمات الصحية سيؤدي سريعًا إلى وفيات يمكن تجنّبها وتفشّيات خارجة عن السيطرة”، لافته “إن الاستثمار الموجّه عبر منظمة الصحة العالمية يمكن أن يحمي الخدمات المنقذة للحياة، ويحتوي المخاطر الوبائية، ويساعد في الحفاظ على ركائز النظام الصحي اليمني في لحظة حرجة”.

مسؤول أممي: 22 مليون يمني يحتاجون مساعدات خلال 2026

مسؤول أممي: 22 مليون يمني يحتاجون مساعدت خلال 2026
الأمم المتحدة تطلق نداءً عاجلاً لدعم اليمن وتحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية

دعا المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في اليمن، جوليان هارنيس، إلى تقديم دعم أكبر للاستجابة الإنسانية، بالتزامن مع التدهور المستمر للأوضاع المعيشية وتفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد،

وتوقع المسؤول الأممي، احتياج أكثر من 22 مليون يمني لمساعدات خلال العام 2026، محذراً من أن الوضع الإنساني “مقلق للغاية”شدد على الحاجة الملحة لزيادة المساعدات الإنسانية، وفق مقابلة مع قناة “العربية”.

وقال هارنيس: “الوضع الإنساني في اليمن مقلق للغاية، ومن المتوقع أن يتدهور أكثر لا سيما محافظات شمال اليمن”، مضيفاً “العام الماضي، احتاج 19.5 مليون شخص إلى المساعدة، ومن المتوقع أن يرتفع الرقم هذا العام إلى أكثر من 22 مليونا”.

وأكد المنسق الأممي التزام المنظمة الدولية بمواصلة جهود الإغاثة، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة تعمل بتنسيق وثيق مع المنظمات غير الحكومية لضمان وصول المساعدات الحيوية إلى الفئات الأكثر احتياجاً في مختلف المناطق.


مواضيع مقترحة


وفي سياق متصل، تُحذر تقارير دولية من مخاطر تفشي المجاعة في اليمن، حيث يواجه أكثر من نصف السكان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي ، وهو ما وضع البلاد ضمن قائمة أخطر عشر بؤر للجوع عالمياً خلال عام 2026.

كما كشفت البيانات المالية بنهاية عام 2025 عن عجز تمويلي هو الأسوأ منذ عقد من الزمن؛ حيث لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية 25%. وتتجلى خطورة الموقف في القطاعات الحيوية المنقذة للحياة، إذ لم يتلقَّ قطاع “الأمن الغذائي والزراعة” سوى 15% من احتياجاته، بينما هبط تمويل “مجموعة التغذية” إلى ما دون 10%، مما أدى إلى شلل فعلي في الخدمات الإغاثية.

الأمم المتحدة تطلق نداءً عاجلاً لدعم اليمن وتحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية

جدير بالذكر أن اليمن صنفت من الدول الأشد فقرا إذ تأتي في المرتبة السادسة عالميا بعد نيجيريا، السودان، الكونغو، بنغلاديش، إثيوبيا، حيث يعاني نحو 16.7 مليون يمني من الجوع وإنعدام الأمن الغذائي خلال العام 2026، ووفق تقرير منظمة العمل ضد الجوع «ACF».

ريف تعز: الجفاف ومزارع القات يهددان الأمن المائي للسكان

يواجه سكان القرى الريفية في محافظة تعز أزمة مياه متصاعدة باتت تشكل عبئا ثقيلا يلقي بظلاله على حياتهم اليومية، في ظل غياب أي حلول مستدامة تنهي الأزمة، في المحافظة التي يبلغ سكانها نحو خمسة ملايين نسمة.

في عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي، في الريف الغربي للمحافظة، نقل سكان محليون في منطقتي العذير والنويهة لـ “ريف اليمن” معاناتهم المستمرة التي تتجدد سنوياً خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تبلغ صعوبة الحصول على مياه الشرب ذروتها.

بحسب الأهالي فإن الأزمة تفاقمت نتيجة قيام سائقي صهاريج المياه بشراء المياه من الآبار المحلية وبيعها لمزارع القات في مناطق يفرس ووادي ابن خولان والمناطق المجاورة؛ مما يحرم السكان من حقهم الأساسي في الوصول إلى موارد المياه المحدودة.


مواضيع مقترحة:


تقع منطقتا يفرس ووادي ابن خولان في الجنوب الغربي لمدينة تعز، وتتميزان بتربة خصبة كانت تشتهر سابقاً بإنتاج العديد من الخضروات والفواكه، إلا أنها تحولت مؤخراً إلى مركز رئيسي لزراعة القات الذي أدى إلى استهلاك مفرط للمياه الجوفية، وضاعف معاناة السكان.

شح المياه

تروي أم سالم لـ”ريف اليمن” تفاصيل رحلتها اليومية الشاقة بحثا عن مياه، مؤكدة أن تأمين احتياجات منزلها بات معركة مضنية؛ إذ تضطر للخروج في ساعات الصباح الباكر، مصطحبة دوابها لقطع مسافات طويلة، بينما تحمل ما عجزت الدواب عن حمله من أوان وجالونات فوق رأسها.

تعيش أم سالم في منطقة العذير مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد، وتؤكد أن معاناتها ليست حالة فردية، بل هو واقع مرير تتقاسمه نساء المنطقة كافة. وتقول: “نقضي ساعات طويلة أمام الآبار بانتظار دورنا لملء الجالونات، وهي عملية نضطر لتكرارها مرتين يوميا على الأقل، نتيجة شح المياه وبُعد المسافة”.

مع تراجع معدلات هطول الأمطار وافتقار المنطقة للآبار الجوفية، يجد السكان أنفسهم في مواجهة أزمة وجودية، تفاقمت حدتها جراء قيام الصهاريج بسحب كميات كبيرة من مياه الشرب وتوجيهها لري مزارع القات، على حساب الاحتياجات الأساسية للأهالي.


يؤكد الأهالي أن استنزاف مياه الشرب وتوريدها إلى مزارع القات يشكل الخطر الأكبر، مطالبين السلطات بوضع حد فوري لهذه الممارسات


يقول منسق الكتلة المائية في تعز “علي القباطي”، إن ما يصفه المواطنون بـ “أزمة مياه” قد لا يعكس دائماً نضوباً تاماً للمصادر، بقدر ما يعكس معاناة في نقل المياه بوسائل بدائية وتقليدية، موضحا خلال حديثه لـ”ريف اليمن” أن المشكلة تكمن في افتقار المنطقة لشبكات التوزيع؛ مما يجبر النساء على قطع مسافات وعرة منذ الفجر، ويضاعف من حدة الأزمة في ظل غياب الحلول المستدامة.

مزارع القات

يؤكد الأهالي أن استنزاف مياه الشرب وتوريدها إلى مزارع القات يشكل الخطر الأكبر الذي يضاعف من حدة الأزمة؛ حيث تتجه صهاريج المياه مباشرة نحو تلك المزارع، ضاربة بعرض الحائط الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

وحمّل الأهالي خلال حديثهم لـ “ريف اليمن”، السلطة المحلية في المديرية والوجهاء المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور، مطالبين بوضع حد فوري لهذه الممارسات التي باتت تهدد استقرارهم المائي.

يصف المواطن “أحمد سالم” الوضع في منطقة العذير بأنه أزمة خانقة وغير مسبوقة، مشيرا إلى أن غياب المشاريع الحكومية جعل المنطقة لقمة سائغة لعمليات التهريب المنظمة لصالح زراعة القات، وسط صمت مطبق من الجهات المعنية والأجهزة الأمنية.

من جانبه يوضح “بجاش محمد (60 عاما)”، وهو مالك بئر في منطقة “القبة”، أن سائقي الصهاريج يتحايلون بادعاء شراء المياه للاستخدام المنزلي، بينما تذهب في الحقيقة لري مزارع القات، مؤكدا أن المبالغ التي يتقاضاها منهم بالكاد تغطي تكاليف الديزل وصيانة المولد المتهالك.

ويشير الشيخ “عبدالغني النويهي” إلى أن المنطقة تعاني من نضوب حاد في المياه السطحية والجوفية، في ظل اعتماد السكان الكلي على الدواب لنقل المياه لندرة وسائل النقل الحديثة.

ووجه النويهي نداء عاجلا للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية لسرعة التدخل وحفر آبار وتجهيز شبكات ضخ، محذرا من أن سعر صهريج المياه الواحد قد قفز إلى 30 ألف ريال يمني، وهو مبلغ يفوق القدرة الشرائية لغالبية الأسر التي ترزح تحت وطأة الفقر وتداعيات الحرب المستمرة.

ضغط النازحين

يوضح “وضاح النويهي”، مندوب مخيمات النازحين في منطقة النويهة، أن الكثافة السكانية الناتجة عن أعداد النازحين الكبيرة شكلت بدورها ضغطا إضافيا يفوق طاقة الآبار المحدودة في المنطقة. وأشار إلى أنه على الرغم من امتلاك المخيمات لآبار خاصة، إلا أنها باتت مهددة بالجفاف التام، لاسيما خلال مواسم انحباس الأمطار.


النويهي: الأزمة تجاوزت حدود النقص الطبيعي لتتحول مع جفاف الآبار إلى سوق سوداء وبلغت قيمة الصهريج الواحد نحو 30 ألف ريال يمني.


وأضاف النويهي لـ “ريف اليمن” أن رحلة البحث عن المياه باتت رحلة شاقة تتقاسم مرارتها النساء والنازحون، الذين يقطعون مسافات شاسعة لتأمين لترات قليلة من الماء، سواء بحملها على رؤوسهم أو بالاستعانة بالدواب، وهو ما يضاعف الأعباء الجسدية والنفسية على كاهل الأسر المهجرة قسراً.

وأكد أن الأزمة تجاوزت حدود النقص الطبيعي لتتحول مع جفاف الآبار إلى سوق سوداء يفرض فيها ملاك الصهاريج سطوتهم، حيث بلغت قيمة الصهريج الواحد (الوايت) نحو 30 ألف ريال يمني، وهو مبلغ يمثل عقبة أمام النازحين في ظل انعدام سبل الدخل.

ووجه النويهي نداءً عاجلاً إلى الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية بضرورة التدخل السريع لتنفيذ مشاريع مائية مستدامة تخدم المخيمات، مؤكداً أن معاناة النازحين تتفاقم بشكل كبير سنوياً، مدفوعةً بالانهيار المعيشي وتداعيات سنوات الحرب والحصار التي أهلكت كاهل المجتمع.

حلول مرتقبة

مدير مؤسسة المياه بالمحافظة “طارق رزاز”، كشف عن إدراج منطقتي العذير والنويهة وعدد من القرى الريفية المجاورة ضمن خطة استراتيجية جديدة، تهدف إلى تأهيل مشاريع المياه المتهالكة وتحسين خدمات الإمداد المائي للسكان.

وأكد رزاز، لـ ” ريف اليمن” أن المؤسسة تعكف حاليا على إعداد دراسات فنية متواصلة لإنشاء مشاريع مياه مستدامة، تسهم بشكل جذري في تخفيف المعاناة اليومية للمواطنين في الحصول على مياه الشرب والاستخدام المنزلي.

وحول موضوع نقل الماء إلى مزارع القات، وصف رزاز هذا السلوك بأنه مخالفة جسيمة للقانون وقواعد حماية الموارد المائية، محذرا من النقل العشوائي للمياه من الآبار المخصصة للشرب واستنزافها في ري مزارع القات، موضحا أنه سيرفع مذكرات رسمية إلى هيئة الموارد المائية لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، كون تلك الآبار تقع ضمن نطاق الحماية المخصصة للاستهلاك البشري فقط.

بدوره شدد منسق الكتلة المائية، علي القباطي، على ضرورة تسريع وتيرة تأهيل مشاريع المياه العامة، وربط المناطق المتضررة بالآبار مباشرة عبر شبكات ضخ، معتبرا أن هذا التوجه هو الحل الأمثل لإنهاء الاعتماد على الوسائل التقليدية وتقليل الكلفة والمشقة اليومية التي يتكبدها الأهالي.

جامعة الضالع.. بوابة التعليم الجامعي لأبناء الريف

بعد أن ظلت الدراسة الجامعية حلما بعيد المنال لأبناء القرى في محافظة الضالع جنوبي اليمن، أصبح الوصول إليها ممكنا مع افتتاح جامعة الضالع أمام الطلاب، وخاصة القادمين من مناطق نائية في المحافظة، ومحافظتي إب والبيضاء.

خلف القاعات الدراسية الهادئة تقف حكايات من الإصرار اليومي في أوساط الفتيات والشباب القادمين من مناطق ريفية، حيث يقطعون يوميا طرقا طويلة ووعرة، في رحلة تعليمية محفوفة بالتعب والمعاناة في سبيل تحقيق أحلامهم.

تقول الطالبة نعمة (اسم مستعار) إنها تبدأ رحلتها الدراسية اليومية من قريتها النائية في مديرية الرضمة بمحافظة إب، سيرا على الأقدام لمسافة طويلة لتصل إلى الخط الرئيسي حيث ينتظرها الباص الذي ينقلها مع زميلاتها إلى الجامعة.


مواضيع مقترحة


تستغرق الرحلة في الباص أكثر من ساعة، غير أن الوصول إلى مقعد الدراسة لا يعني انتهاء المشقة، إذ تبلغ تكلفة المواصلات اليومية نحو ألفي ريال يمني، وهو مبلغ يشكل عبئا ثقيلا على أسرتها ذات الدخل المحدود، كما تقول.

تضطر نعمة إلى مغادرة الجامعة قبل انتهاء محاضراتها بشكل متكرر، خشية أن يفوتها الباص الوحيد المتجه إلى قريتها، فاختلاف تخصصها عن زميلاتها يجعلها في سباق دائم مع الوقت، تختصر يومها الدراسي خوفا من أن تتعطل في طريق العودة الطويل.

رغم كل تلك المعاناة، تؤمن نعمة أن افتتاح الجامعة في مدينة دمت أحدث تحولا إيجابيا في نظرة المجتمع لتعليم الفتيات، فبعد أن كانت فكرة دراستها الجامعية تقابل بالرفض أو الاستغراب، أصبحت اليوم تلقى قبولا وتشجيعا، بل وألهمت فتيات أخريات في قريتها للسير في طريق التعليم.

تحلم نعمة بالتخرج والحصول على عمل يمكنها من الاعتماد على نفسها، ويخفف عن أسرتها أعباء الحياة، وقصتها، في جوهرها، ليست استثناءً، بل صورة مصغرة لإصرار الفتيات اليمنيات في الريف على انتزاع حقهن في التعليم، رغم الطرق الوعرة والتكاليف الباهظة.

نقلة نوعية

يرى محفوظ الشامي، ناشط من أبناء مديرية دمت، أن وجود جامعة الضالع أحدث نقلة نوعية في حياة أبناء المنطقة. ويقول لـ”ريف اليمن”: “أصبح بإمكان طلاب الريف مواصلة تعليمهم بعد سنوات من الحرمان، إذ كانت المسافات وتكاليف الدراسة تحول دون التحاقهم بجامعات صنعاء وتعز وذمار وإب وعدن”.


نعمة: افتتاح الجامعة في دمت أحدث تحولا إيجابيا في نظرة المجتمع لتعليم الفتيات بعد أن كانت الفكرة تقابل بالرفض


ويضيف الشامي: “افتتاح الجامعة لم يغير حياة الشباب فحسب، بل منح الفتاة الريفية فرصة حقيقية للدراسة؛ إذ لم نشهد إقبالاً مماثلا من الفتيات على التعليم الجامعي كما نراه اليوم في جامعة الضالع”.

تشير تقارير دولية منها تقرير البنك الدولي العام الماضي إلى أن غالبية سكان اليمن يقيمون في المناطق الريفية، حيث تواجه الأسر صعوبات كبيرة في الوصول إلى التعليم، وخاصة التعليم العالي، بسبب غياب الجامعات الحكومية في هذه المناطق مما يحد من فرص الشباب والفتيات في التعليم.

لا تقتصر معاناة الوصول إلى الجامعة على الطالبات فقط، بل يمتد الأمر إلى طلاب الريف الذين يواجهون تحديات يومية للوصول إلى مقاعد الدراسة، بحسب “نجم الدين قايد”، طالب سنة أولى في قسم المحاسبة بالجامعة.

تحديات مشتركة

يقول قائد لـ “ريف اليمن”: “أستيقظ في الخامسة فجرا، وإذا لم أجد سيارة تغادر القرية مبكرا، أبدأ رحلتي مشيا على الأقدام في سباق مع الزمن للوصول إلى قرية رمة أو الرحبة، وهناك أحاول العثور على طالب يدرس بالجامعة لديه دراجة نارية لأركب معه إلى الجامعة”.

ويضيف: “الاعتماد على الدراجات النارية ليس سهلا، فعددها قليل، وشراء واحدة أمر صعب، وإذا تأخرت أو استيقظت متأخرا، أفقد فرصة ركوب الدراجة أو السيارة المتاحة، فاضطر للمواصلة مشيا حتى أصل إلى الخط الرئيسي؛ وهذا يجعلني أفقد المحاضرة الأولى”.

يشير نجم الدين إلى أنه أحيانا لا يجد بديلا سوى البحث عن مأوى عند أقارب أو أصدقاء في دمت لقضاء ليلة أو أكثر، ليتمكن من استكمال يومه الدراسي، ومع ذلك، يواصل رحلته بلا توقف، مصمما على إتمام دراسته رغم الصعوبات.


علي الطارق: لدينا حاليا 4 كليات والجامعة تستوعب نحو 2200 طالب وطالبة 70%  من المناطق الريفية


تتشابه رحلة نجم الدين مع عشرات الطلاب القادمين من مديريات ريفية مثل جبن والنادرة ودمت وقعطبة، حيث يعيش معظم السكان في القرى ويعانون من انعدام وسائل النقل مما يجعل الوصول إلى الجامعة تحديا يوميا للطلاب.

يسلط رئيس جامعة الضالع، الدكتور “علي الطارق”، الضوء على المراحل التي مرت بها الجامعة منذ تأسيسها، موضحا أن قرار إنشائها صدر عام 2008 إلى جانب خمس جامعات أخرى، لكن الأحداث التي شهدتها البلاد حينها حالت دون التنفيذ، إلى أن أعيد تفعيل القرار مؤخرا.

 مئات الطلاب

ويوضح الدكتور الطارق لـ”ريف اليمن”، أن الجامعة بدأت نشاطها في مباني معهد التعليم الفني بدمت سابقا، والتي يبلغ عددها سبعة مبان، تعرض اثنان منها للتدمير وبقي خمسة صالحة للدراسة، مبينا أن الجامعة تضم حاليا أربع كليات، وتستوعب نحو 2200 طالب وطالبة من أكثر من 18 مديرية.

ويؤكد أن افتتاح الجامعة كان ضرورة ملحة، نظرا لانعدام الجامعات بالمنطقة حيث توجد أقرب جامعة حكومية على بعد نحو 150 كيلومترا، وهو ما جعل الدراسة خارج المنطقة عبئا ثقيلا، خاصة على الأسر الريفية والفتيات.

ويلفت إلى أن افتتاح الجامعة أسهم في ارتفاع نسبة التحاق الطالبات لتقترب من نسبة الطلاب الذكور، منوها أن دعم رجال الأعمال والمغتربين من أبناء المنطقة أسهم في تأهيل القاعات الدراسية، حتى أصبح لدى الجامعة فائض في القاعات يستوعب أكثر من ألف طالب.

وبحسب رئيس الجامعة فإن نحو  70% من طلاب الجامعة ينحدرون من المناطق الريفية في مديريات الضالع وإب؛ ما جعل الجامعة رافدا تنمويا وعلميا للمناطق الريفية، رغم أن الدعم الحكومي ما يزال محدودا جدا، داعيا إلى مساواة جامعة الضالع بالجامعات الحكومية الأخرى من حيث المخصصات التشغيلية.