ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار

غياب التوثيق جعل الأغاني الشعبية التهامية مهددة بالانقراض

ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار

غياب التوثيق جعل الأغاني الشعبية التهامية مهددة بالانقراض

لطالما كانت الأغاني الزراعية في ريف تهامة جزءًا أصيلًا من حياة المزارعين، ترافقهم أثناء الحرث والحصاد، وتضفي روح التعاون والبهجة على ساعات العمل الطويلة، فهي لم تكن مجرد تسلية، بل كانت وسيلة لخلق التواصل والانسجام بين المزارعين، وتحفيزهم على مواجهة مشقة العمل.

ومع تغيُّر أنماط الحياة، واختفاء العديد من الممارسات التقليدية، فضلاً عن غياب الاهتمام الرسمي بالتوثيق؛ بدأ هذا التراث في التلاشي؛ حيث تراجعت أهمية الأغاني الزراعية، وأصبحت تُذكر نادرًا، بل تحولت إلى جزء من ماضٍ لا يعرفه الجيل الجديد.

ألحان الحقول

المزارع “وليد عبيد” من قرية ظمي يروي بأسى كيف أن هذه الأغاني التي كانت مصدرًا للفرح والتحفيز أصبحت الآن منسية تقريبًا، ويقول: “كنا نغني أثناء حرث الأرض وحصاد المحاصيل للتغلب على تعب العمل الشاق”.

ويضيف :”كانت هذه الأغاني تتضمن معاني الفرح والاحتفال بالعمل الزراعي، وتعكس العلاقة المتينة بين الإنسان وأرضه”، ومع التغيرات المتسارعة في أسلوب الحياة، واستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة، بدأ هذا التراث في التلاشي تدريجيًا ولم يعد يحظى بمكانته السابقة لسكان تهامة، وأصبح جزءًا من الماضي الذي لا تعرفه الأجيال الجديدة


      مواضيع مقترحة


في الماضي القريب، كانت المهاجل الشعبية تملأ الأمسيات الزراعية بصوت المزارعين المتحدين في العمل والأمل، ويتذكر المزارع “نصر خان”، كيف كانت هذه الأهازيج تعبر عن مشاعر الفلاحين وآمالهم، مرددًا بعضًا من أبياتها التي كانت تتردد خلال موسم الحصاد.

وخلال حديثه لمنصة ريف اليمن ردد المزارع خان عدداً من تلك الأبيات التي كانت حاضرة بقوة في أوساط المزارعين، ومنها:

“وامعين الليل

وايا الله سترك

وامغطي العيب

ياوكيل الناس

أنت وكيلي الليل

وايا قاضي الدين

والديون الليل…”

لافتا أن هذه المهاجل كانت تملأ المساء وتعبّر عن مشاعر المزارعين، لكنها الآن بدأت تختفي مع تطور أساليب العمل الزراعي، مؤكدا أن الكثير من هذه المهاجل قد غابت، وأصبح المزارع يذهب للحصاد دونها.

غياب التوثيق التهديد الأكبر

من أبرز التحديات التي تواجه الموسيقى الشعبية في ريف تهامة، غياب التوثيق الرسمي للموروث الغنائي الشعبي، وهو ما يؤدي إلى تراجع حتمي لهذه الأغاني مع مرور الوقت، خاصة أن الأغاني الشعبية في تهامة كانت تُنقل شفهيًا من جيل إلى جيل، مما يجعلها عرضة للضياع والنسيان.

الباحث في التراث الثقافي “رفيق العكوري” يشير إلى أن هذا التراث يشكل جزءًا أساسيًا من هوية سكان تهامة الثقافية، ورغم ذلك، لم تحظَ هذه الأغاني بالاهتمام الكافي من المؤسسات الحكومية، ما ساهم في غياب التوثيق المناسب لها.

ويضيف العكوري لمنصة ريف اليمن: “على الرغم من الجهود الفردية المبذولة من قبل بعض المهتمين، مثل الباحث الدكتور فهد الشعيبي، الذي تمكن من توثيق 127 أغنية شعبية تهامية، إلا أن هذه الجهود تبقى محاولات فردية”.

ألحان الحقول.. صوت الأرض الذي يواجه الاندثار
بدأ هذا التراث في التلاشي تدريجيًا ولم يعد يحظ بمكانته السابقة وأصبح جزءًا من الماضي (فيسبوك)

ويشدد على ضرورة وجود مشروع مؤسسي يشمل توثيق وتسجيل كافة الأغاني التراثية التي تشكل جزءًا من الحياة الثقافية للمنطقة، منوها أنه في التسعينات، كان هناك مشروع لتوثيق الموروث الشعبي في تهامة، لكنه لم يُنفذ بسبب ضعف الموارد، وغياب الدعم من الجهات الرسمية.

دور الموسيقى الشعبية

لم تكن الأغاني الزراعية مقتصرة على الحقول فقط، بل كانت تُغنى أيضًا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية، حيث لعبت دورًا في تعزيز الروابط المجتمعية، وبثِّ روح التضامن بين أبناء القرى، ولا تزال الموسيقى الشعبية -رغم تراجعها- تمثل عنصرًا أساسيًا في النسيج الاجتماعي لسكان ريف تهامة.

الناقد الموسيقي “جمال حسن” يؤكد أن غياب التوثيق جعل الأغاني الشعبية التهامية مهددة بالانقراض، خاصة في ظل انقطاع الأجيال الحالية عن ممارسات الماضي، مشيرًا إلى أن هذه الأغاني لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تعبر عن قيم المجتمع التهامي، وتاريخه الطويل في الزراعة والعمل الجماعي.

هذه الأهازيج لم تكن مجرد كلمات وألحان، بل كانت تحمل معاني القوة والارتباط بالأرض، وتعكس تجارب المزارعين في مواجهة صعوبات الحياة الزراعية، ومع ذلك، فإن التطور التكنولوجي، والتوسع في استخدام الآلات الزراعية، وتغيُّر طبيعة العمل الزراعي، كلها عوامل جعلت هذه الأغاني تفقد مكانتها في الحياة اليومية..

ويرى العكوري أن إهمال الموسيقى الشعبية بسبب غياب الدعم الرسمي، وتجاهل المؤسسات المعنية في ريف تهامة يشكل تهديدًا حقيقيًا لتراث غني يعكس الحياة الثقافية والاجتماعية للمنطقة، مجددا تأكيده أن الجهود الفردية لا تكفي للحفاظ على هذا التراث في ظل غياب دعم رسمي واضح.

ويؤكد أن تجاهل المؤسسات المعنية لهذا الموروث جعل الحفاظ عليه رهينًا بالجهود الشخصية والمبادرات المحدودة، ما يعزز من احتمالية اختفائه نهائيًا خلال العقود القادمة.

ويلفت إلى أن الحل الأمثل يكمن في إطلاق مشاريع توثيق موسيقي رسمي، وتنظيم مهرجانات ثقافية تحيي هذه الأغاني وتعيدها إلى الواجهة، مؤكدًا أن ذلك سيسهم في ربط الأجيال الجديدة بتراثها الموسيقي الأصيل

شارك الموضوع عبر:
الكاتب

مواضيع مقترحة: