الإثنين, مايو 4, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 94

زواج القاصرات: القتل البطيء للفتيات في الريف

زواج القاصرات
احتجاج نسائي ضد زواج القاصرات في صنعاء 2013 (غيتي)

عاشت الطفلة مرام (اسم مستعار) حياة الجحيم خلال الأشهر، التي قضتها في منزل زوجها، بعد أن أجبرها والدها على الزواج بعمر 15 سنةً، بغرض الحصول على الأموال، وهذا هو حال معظم الفتيات اللواتي أجبرنّ على الزواج بسن مبكر، في العديد من المناطق الريفية بمختلف المحافظات اليمنية.

لا تكاد تخلو يوميات اليمنيين، من متابعة قصص، وحكايات مرعبة، عن فتيات أجبرن على الزواج بسن مبكر، إذ لم تعد تقتصر الأسباب على العادات والتقاليد الاجتماعية، وغياب الوعي والجهل، إذ أصبحت الظروف المعيشية، هي إحدى الدوافع الرئيسية، وراء تزايد ظاهرة زواج القاصرات في اليمن.

خلال السنوات الماضية، تزايدت ظاهرة زواج القاصرات بشكل لافت، في العديد من المناطق الريفية النائية، خصوصاً عقب تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية للكثير من المواطنين، في بلد يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، جراء استمرار الحرب المندلعة في البلاد منذ أكثر تسعة أعوام.

بحسب تقرير  أعدته “هيئة الإذاعة اليابانية” فقد تسببت الحرب في اليمن، بدفع عدد كبير من الآباء، غير القادرين على تغطية نفقات أطفالهم، إلى تزويج بناتهم الصغيرات مقابل الأموال، إذ أن فتيات لا تتجاوز أعمارهن عشر سنوات، يتم التخلي عنهن من قبل ذوويهن، الذين عادة ما يقومون باختيار العريس المناسب، الذي يجب أن يكون ميسورا.

زواج القاصرات والوضع المعيشي

من الصعب الحصول على إحصائية دقيقة، بعدد حالات زواج القاصرات في اليمن، نتيجة الانقسام السياسي، وغياب المنظمات الحقوقية، لكن ظروف الحرب، دفعت الكثير من الآباء إلى إجبار بناتهم على الزواج بسن مبكر، بهدف الحصول على الأموال من بينهم والد الطفلة مرام، الذي أجبرته الظروف المعيشية القاسية، على الموافقة الفورية على زواجها، على الرغم من رفضها ذلك بشكل قطعي، فهي كانت ترغب في إكمال دراستها في المدرسة الحكومية، في القرية التي تعيش فيها مع أسرتها بريف محافظة إب.

يقول أحد أقرباء مرام لـ “منصة ريف اليمن”:” كانت جميلة وتدرس في المرحلة الإعدادية، وهو ما دفع أحد شباب قريتها بريف السياني جنوب محافظة إب، في مطلع العام 2020 نحو التقدم لخطبتها، مستغلا حاجة والداها الذي يعاني أوضاعاً قاسية، على غرار ملايين اليمنيين المتعبين والمثقلين بهموم الحرب.

يضيف: “يعمل والداها بالأجر اليومي، بمهنة البناء في محافظة إب، وفي غالبية الأيام يذهب في الصباح الباكر، إلى حرج العمال للبحث عن عمل، لكنه يعود إلى منزله خال الوفاض، بسبب ركود الأعمال، خاصةً مع حدوث الأزمات المتتالية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في عموم البلاد.

وتابع: “لم يكن أمام والدها خيارا لتأمين لقمة العيش، لأفراد عائلته سوى الموافقة، على الزواج بعدما تقدم لها شاب يبلغ من العمر 30 سنةً، حيث تم الاتفاق بينهما على أن ينتظر الزوج ثلاث سنوات، لتصل لسن 18، لكن إصرار أهالي الزوج ساهم في تسريع الزواج، ليتم بعد نصف عام من الخطوبة”.

وفي ظل تزايد حالات زواج القاصرات بفعل تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن تؤكد دراسة  أجرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في عام 2022، بأن الفقر هو أحد أهم العوامل، التي تساهم في ارتفاع زواج القاصرات في العالم، حيث تبين أن الفتيات اللاتي ينحدرن من أُسر فقيرة، أكثر عرضة للزواج في سن مبكرة بنسبة 50٪ من الفتيات اللاتي، ينحدرن من أسر ميسورة الحال.

خوف ومعاناة

بالنسبة لمرام، فإنها حاليا تعيش أسوأ أيام حياتها، فهي تخشى من مستقبل مجهول، فمنذ انفصالها منتصف عام 2020 لم يتقدم أحد للزواج منها، لافتاً إلى أن والدها اضطر إلى بيع قطعة أرض لتسديد الغرامة المالية، التي فرضتها المحكمة عليه، إثر رفض ابنته الاستمرار في الزواج الذي وصفته بـ “الجحيم”.

وفي ظل نظرة المجتمع السلبية، فإن مخاوف مرام ومعها العديد من الفتيات، تتضاعف فهن بنظرة المجتمع أصبحن مطلقات.

وفي حين تخشى مرام من تدمير مستقبلها تختبر خلود ( إسم مستعار) تجربة زواج قاسية، منذ أن أجبرها والدها على الزواج  بعمر 14 سنةً، من شاب يبلغ من العمر 32 سنةً في مطلع العام 2023 الجاري في منطقة العدين بمحافظة إب وسط اليمن.

يقول مصدر مقرب عائلتها لمنصة ريف اليمن،” تزوجت وهي لا تفقه في أمور الحياة الزوجية، ولا تعرف شيئا عنها وعن التزاماتها ولا يمكنها القيام بأي أعمال منزلية خاصةً أعمال المطبخ المتنوعة والتي تتطلب إلى بذل جهود كبيرة”.

وأضاف: “نتيجة لعدم معرفتها بأمور الزواج، وعدم قدرتها على ممارسة الأعمال المنزلية، مثل الطبخ، وغيرها من الأعمال تتعرض خلود لمعاملة قاسية، من قبل أسرة زوجها فهي تصحو على أصوات الشتم والالفاظ النابية بشكل يومي، خاصةً من قبل حماتها “.

مخاطر صحية ونفسية

يُعلق الحقوقي اليمني ياسر المليكي، على ظاهرة زواج القاصرات في الريف، قائلاً، إن “إجبار الآباء بناتهم على الزواج، أو زواج الصغيرات بشكل أدق انتشر بشكل كبير في الريف والحضر، وهو من التداعيات الاجتماعية للحرب، التي يعود سببها إلى مشاكل اقتصادية ونزوح وغيرها”.

يضيف المليكي، لمنصة ريف اليمن، “زواج القاصرات سلوك أشبه ما يكون بالقتل الرحيم للبنت، لأنه بحسب اطلاعي على الكثير من القضايا، فإن الزواج ينتهي بمشاكل أسرية، أو طلاق وقد يترتب عنه مشاكل عاطفية، تؤدي بأحد أطرافه لإقامة علاقات غير مشروعة، لافتاً إلى المخاطر الصحية والنفسية “.

تواجه الفتيات المتزوجات في سن مبكر مخاطر صحية كبيرة، إذ تقول الطبيبة نادية الوجيه لمنصة ريف اليمن بأن: “الزواج المبكر من الأسباب الرئيسية، للحمل المبكّر الذي تنعكس آثاره الصحيّة الخطيرة على الفتاة، ويكون سببًا في فقدانها حياتها أو حياة جنينها”.

وتضيف:” تتعرض الفتيات المتزوجات، في سن مبكرة للعنف الأسري، بما في ذلك العنف الجسدي والجنسي، بالإضافة إلى المخاطر العقلية، مثل الاكتئاب الاضطرابات النفسية والأفكار الانتحارية وغيرها”.

وفي ظل المخاطر الجسدية والنفسية، التي تواجهها المتزوجات في سن مكبر يعتقد الحقوقي المليكي بأن: “الطريقة الأبرز لمحاربة زواج القاصرات، هو تفعيل التعميمات الصادرة من وزارة العدل، للأمناء الشرعيين بعدم العقد قبل سن 15، ومعرفة رضا البنت أيّاً كان عمرها”.

“إحداث تغييرات في بنية القوانين هو أمر مهم، لكنه غير متوفر حاليا بسبب تعطل المؤسسات التشريعية”. يضيف المليكي لريف اليمن.

واختتم المليكي، حديثه بالتاكيد “على ضرورة العمل على مكافحة ظاهرة زواج القاصرات، من خلال مكافحة الفقر والتوعية، في المجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن انتهاء الحرب من شأنه تخفيف الظاهرة بشكل كبير”.

السقاية في تعز: حصاد مياه الأمطار لفصل الشتاء

السقاية في تعز: حصاد مياه الأمطار لفصل الشتاء
خزانات مياة في شرعب بريف محافظة تعز (منصة ريف اليمن)

يشعر “محمد محرم” بالارتياح في فصل الشتاء، نظرا لوجود سقاية تخزين مياه الأمطار، في منزله، الواقع في إحدى مناطق شرعب، شمال  مدينة تعز (30 كم) جنوب غربي اليمن. والسقاية هي عبارة عن خزانات تبنى بطرق مختلفة في معظم المناطق الريفية.

يقول محرم، وهو في بداية عقده السادس، لـ”منصة ريف اليمن”، “في عام 2019 م، قامت منظمة بالتعاون مع أهالي المنطقة، لبناء سقايات تخزين مياه الأمطار للسكان الذين يعانون من شحة المياه، لاسيما في فصل الشتاء الذي يمتد لقرابة ستة أشهر، شملت العينة عدد معين من الأسر بالقرية”.

ومنذ ذلك الحين وأسرة محرم، تستخدم الماء من منزلها الذي يحوي السقاية في أحد أركانه، ويفيد خلال حديثه أن “مساحته تقدر بحوالي ثلاثة متر عرض في سته متر ارتفاع وثلاثة متر، معدل المتوسط”، ويضيف، ” بناء السقايات أمر مهم وإيجابي نظرا لما يعانيه سكان الأرياف من شحة المياه، ولعدم توفر الابار الارتوازية في القرية، بحكم وقوعها على ارتفاع جبلي”.

وتابع حديثه، قائلا” أبناء القرية يعتمدون بشكل كلي إلى مياه الامطار، وهي المصدر الرئيس لمياه الشرب، بحيث يتم تنظيف السقف (سطح المنزل)، وانتظار موسم هطول الأمطار، وتوصل المياه المتدفقة عبر السطح، إلى السقايات عبر خراطيم بلاستيكية”.

شحة المياه

على عكس أسرة محمد، يتطلب على رقية عبد الله (16عاما) وتعيش برفقه أسرتها في ذات القرية، توفير الماء الصالحة للشرب، والاستخدام المنزلي قبيل ذهابها إلى المدرسة.

لا تملك أسرة رقية سقاية ماء، مما يدفعها إلى النهوض باكرا، ومع أشعة الشمس الأولى، تسير رفقه عبوات تعبئة الماء، إلى منازل القرية علها تحصل على مبتغاها من المياه، تقول رقية “في فصل الشتاء تمتنع أغلب الاسر من تعبئة الماء لنا أو قريناتي من فتيات القرية ـ الذين لا يملكون سقاية ـ مما يضطرنا الى الذهاب إلى مصادر توفر الماء من آبار وعيون، من القرى المجاورة، وعادةً ما تكون ممتلئة بالسكان الذين يتوافدون بعبواتهم الفارغة، هذا الأمر يحزنني لأنني أتعرض للتوبيخ من معلمتي بسبب تأخري المستمر عن صفي الدراسي”.

أسرة رقية، ومثلها الكثير، لا يملكون سقاية، فالمنظمة التي قامت بتشجيع الأهالي ببناء خزانات حفظ المياه “السقايات”، توقفت عن نشاطها الذي استمر لمده عامان فقط، حيث كانت تغطي تكاليف 30% من قيمة التكلفة، في الوقت الذي لا تستطيع بعض الأسر، تحمل تكاليف بناء الخزانات بمفردها.

وطبقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، “هناك أكثر من 16 مليون شخص باليمن، بما في ذلك 8.47 ملايين طفل، يحتاج بشكل عاجل إلى المساعدة للوصول إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة، وإلا فهم معرضون لخطر متزايد من سوء التغذية والظروف الأخرى، التي تهدد حياتهم”.

المنظمة الأممية، أكدت أن “هناك مليوني طفل نازح يعيشون في أكثر الظروف الغير صحية في 15 محافظة يمنية”.

نظام السقاية في تعز

تُعرف السقاية، بأنها نظام جمع وتخزين مياه الامطار، داخل بركة مغلقة السقف، تستخدم هذه المياه للشرب والاستخدام المنزلي، بالإضافة الى ريّ المزروعات، تكمن أهميتها في أنها تعتبر المصدر الوحيد للماء خصوصا في المناطق التي تبعد عن الآبار والعيون.

وتُمثل طريقة بناء السقاية، بعمل حفره في جوف الأرض الصخرية، لأمتار معينة تصل إلى 2 – 3 متر، كان السكان الريفيون، يضعون الصخور وبينها الطين، أو الجس في بناءها، بيد أنه في الوقت الراهن، يجري استخدام الحجر والاسمنت، إذ يجري بناءها كالصهاريج، أو البركة المغلقة بسقف وباب.

وفي عملية نقل الماء، يكون بنظام التجميع، أي تجمع المياه من الأمطار من فوق سطح هذه المباني، عبر مزاريب معلقة في جوانب السطح، في كل السقايات يوجد مرشح بسيط من القماش، أو شبك بلاستيكي لترشيح وتنقية الماء الداخل إليه.

يعتبر أسلوب حصاد مياه الأمطار من أسطح المباني، الأسلوب الأكثر شيوعا لتجميع مياه الأمطار للاستهلاك المحلي، في المناطق الريفية في اليمن، حيث تعتبر وسيلة بسيطة وقديمة، وتتطلب خبرة بسيطة أو حد أدنى من المعرفة.

وتعتبر مياه الأمطار أفضل من غيرها من المصادر المتاحة أو التقليدية، لتوفير المياه عند الاستهلاك، ولا تتأثر بالطبيعة الجيولوجية المحلية، أو طبوغرافية الأرض، والاهم أنه يُمكن استخدام جميع مواد تشييد الأسطح تقريبًا لجمع المياه للأغراض المنزلية والشرب.

عبد القوي سيف (45 عاما)، يقول إن “سكان المناطق الجبلية في الريف، تتضاعف معاناتهم في جلب الماء مضاعفة، نظرا لتواجدهم على سطح جبلي، ولا وجود للآبار فيه، اعتمادهم ينصب على وجود البرك والسقايات، والتي تعتمد على مياه الامطار، اذ أنه في حال شحة الامطار، يضطرون الى النزول، إلى الأودية المجاورة لجلب الماء، وهذا يتطلب في بعض الأحيان سيارات نقل”.

 يتابع في حديث لمنصة ريف اليمن: “كان هناك صندوق مساهمة من قبل أبناء المنطقة، لعمل سقايات للأسر الغير قادرة، لكن التكلفة في بناءها كبيرة، وبسبب الوضع الاقتصادي للكثيرين فإن الأمر يتراجع”.

يضيف سيف قائلا “تكاليف بناء خزان ماء، متوسط الحجم، تبلغ ثلاثة آلاف دولار، ومن الصعب أن يتوفر المبلغ لكثير من الأسر في القرية”.

 يأمل عبد القوي سيف، أن “تنفذ في القريب العاجل، سقايات كبيرة تغذي سكان القرية من المياه، وتخفف الحمل على النساء والأطفال، وكذلك الدواب من مشقة جلب الماء من مناطق بعيدة، خصوصا في فصل الشتاء حيث تتدنى درجات الحرارة”.

الأزمة المائية في اليمن

في ظل تضاعف الأزمة المائية في البلاد، خصوصاً المناطق الريفية، تضاءلت أحلام رقية ذات 16 ربيعا، وصارت أمنيتها هو أن تتمكن أسرتها من بناء سقاية ماء، بجانب كثير من الأسر المعوزة، وتقول لمنصة ريف اليمن: “بوجود خزان للماء يمكنني أن أذهب إلى مدرستي، والاستفادة من وقتي بمراجعة دروسي دون أن يبقى كابوس الماء يؤرقني”.

يعتبر مناخ اليمن، التي تقع في شبه الجزيرة العربية (المنطقة الاستوائية الشمالية)، ذات مناخ جاف وشبه الجاف، بالإضافة إلى أن البلد يواجه ندره في المياه مع انعدام للأمن الغذائي المرتبط بتدني النمو الاقتصادي، وتفرض التغيرات المناخية تحديات جمة، إذ تصنف اليمن من ضمن الدول التي تعاني من ندرة المياه في العالم، ويعد نضوب الموارد المائية من أكبر التحديات التي تواجها.

تقدر كمية المياه السنوية المتجددة في اليمن بـ 72 مترًا مكعبًا، وهو أقل بكثير من حد الندرة المطلقة الذي يبلغ 500 متر مكعب حسب مؤشر فالكنمارك المعترف به دوليًا، ناهيك عن مؤشر الإجهاد الأعلى بكثير من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).

ومع استمرار زيادة التعداد السكاني الذي يقارب نسبة 3% سنوياً، ينخفض نصيب الفرد من المياه أكثر كل عام، علماً بأن الموارد المائية تتأثر سلباً أيضاً بتغير المناخ وتزايد الجفاف.

السقاية في تعز: حصاد مياه الأمطار لفصل الشتاء
ينخفض نصيب الفرد من المياه كل عام في اليمن بسبب ارتفاع عدد السكان (يونيسف)

حماية الموارد المائية

المياه في اليمن تدار من قبل الهيئة العامة للموارد المائية NWRA ” أحد وحدات وزارة المياه والزراعة”، ووفق للقانون اليمني لسنه 2006م، فإن الهيئة العامة للموارد المائية هي الجهة الحكومية الوحيدة المسؤولة عن استغلال، حماية، وتطوير الموارد المائية في البلاد. وفق حديث المهندس القائم بأعمال رئيس هيئة مياه الريف في اليمن، أنور المرفدي.

يقول المرفدي، لمنصة ريف اليمن، “يهدف القانون إلى تنظيم وإدارة وتنمية وترشيد استغلال الموارد المائية، وحمايتها من الاستنزاف والتلوث، ورفع كفاءة نقل وتوزيع استخداماتها وحسن صيانة وتشغيل منشآتها”.

ويطالب المرفدي، بتفعيل قانون المياه في اليمن وتنمية الموارد المائية، واستثمارها وحمايتها والمحافظة عليها، لاسيما واليمن تعاني من شحة كبيرة في المياه.

“برغم فعالية القانون، إلا أن ضعف البنية التحتية، وضعف التشريعات، غياب الحوكمة الشاملة، فيما يتعلق بالموارد المائية في البلاد، والدور الركيك للمجالس المحلية، خصوصاً في الأرياف يحد من تفعيله، على الأقل لمنع الحفر العشوائي للآبار التي تهدد نضوب المياه الجوفية”. يضيف القائم بأعمال رئيس هيئة مياه الريف.

يتطلب الوقت الراهن لأزمة المياه، وما يرافقه من تغيرات مناخية الى إيجاد حلول، على الأقل بالنسبة لسكان الأرياف، إذ يكلف الحصول على مياه نظيفة معاناة كبيرة، لاسيما لمحافظة تعز الذي تشتهر بملوحة المياه، وقلتها بالتزامن مع ارتفاع مهول لعدد السكان. كما يقول المهندس أنور المرفدي.

 ويؤكد لمنصة ريف اليمن، “يجب على الجهات الحومية والمنظمات الفاعلة، إدخال سياسات إدارة المياه المستدامة، على الفور، مع سياسات لتحسين إدارة موارد المياه، مثل تشجيع بناء السقايات في الأرياف”.

واختتم حديثه بمطالبة “الجهات المانحة ضرورة تفعيل مثل هذه المبادرات، والمساهمة في إرساء أسس أفضل، لاستهلاك الماء، الذي هو أساس الحياة.

زراعة عبّاد الشمس بالحديدة: مزارعون ينجحون بالتجربة

عبّاد الشمس بالحديدة.. مزارعون يسردون تجربة النجاح
زراعة عباد الشمس لأول مرة في الحديدة غربي اليمن (منصة ريف اليمن)

على غير العادة ومن بين ركام الحرب، اتجه المزارع ناصر الحضرمي (في العقد الثالث من عمره)، إلى إحداث نقلة نوعية جديدة بزراعة شجرة عبّاد الشمس، في منطقة بيت مغاري غرب مديرية حيس بالحديدة بمساحة زراعية تقدر بنحو 75 متر في تجربة تعد الأولى في اليمن.

استطاع الحضرمي، بجهود ذاتية أن يحول المنطقة التي كانت مسرحاً للحرب، إلى حقول واسعة من نبتة عباد الشمس كمحاولة منه إلى رفد السوق، بمنتج جديد بما في ذلك التكسب منه، وحثّ جميع المزارعين باستثمار هذا النبات الفريد والتكسب منه كونه نباتاً مربحاً، إضافة إلى استحداث أنواع جديدة من مختلف النباتات، التي تفتقرها البلاد والتي تعود بالفائدة للمزارع والبلاد إجمالاً.

يقول الحضرمي أثناء حديثه لـ” منصة ريف اليمن” تّعود المزارع اليمني على غرس أشجار مستهلكة، لا تفي بالقوت اليومي، و باقي النباتات المدرة للمال في تركوها سلة إهمال، والبعض منهم خوفاً من غرس أية أنواع جديدة، من الأشجار خشية الخسارة، وهذا المبدأ الذي تسلحت فيه للخوض في تجربة زراعة عباد الشمس، والتي تكللت بالنجاح، رغم الصعوبات”.

ويضيف ” قبل أن أقدم على غرس البذور قرأت عن بعض الأشجار فوجدت عبّاد الشمس، أحد أكبر النباتات المفيدة، والتي يستطيع من خلالها المزارع، أن يجني منها مردود مالي خير يساعده على تأمين حياة كريمة خاصة في هذه الظروف الصعبة”.

عبّاد الشمس بداية الغرس

دأب عدداً من المزارعين في مديريتي حيس والخشم بمحافظة الحديدة، للخوض في تجربة زراعة نبات عبّاد الشمس، بعد رحلة شاقة تقدر بثلاثة أشهر من العمل المتواصل، داخل الحقول الزراعية، إبتداءً من نبش التربة وإخراج جميع المخلفات التي قد تعثر نمو المحصول الحديث، مروراً باستيراد بذور عباد الشمس، والبدء في الغرس والاهتمام والعناية بالمنابت الصغيرة وصولاً إلى قطف الثمرة.

لم تكن الرحلة سهلة خاصة في هذه الظروف الصعبة، يقول المزارع أحمد جابر أحد مزارعي عبّاد الشمس في منطقة الخشم مديرية الزهرة في تهامة لمنصة ريف اليمن، “تجربة ناجحة رغم الصعوبات التي واجهت المزارع منها ارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات لمكافحة الآفات الزراعية التي تفتك بالمحصول إلى جانب التكلفة لكن الناجح الملموس كان بمثابة جرعة علاجية لك المعاناة التي عشنها أثناء الزراعة”.

ويضيف “من خلال التجربة هذه حاولنا أن نضيف عنصر جديد للسوق اليمني في ظل محدودة المنتجات الزراعية ومن خلال هذه العملية الفريدة، نأمل لفت الجهات المسؤولة إلى هذا النبات الذي يعود محصوله بالكثير من الخير على المزارع الذي يعيش ظروف معيشية قاهرة”.

من جانبه يقول المزارع ناصر الحضرمي “هذه الشجر بحاجة ماسة إلى الدعم والوقوف مع المزارع، الذي يجاهد من أجل ذلك المزروعات حتى تنجح وستعم الفائدة الجميع من المزارع إلى الدولة، وسيكسب طيف واسع من المزارعين الذين سيتوجهون إلى زراعة هذا المحصول، إذا شعروا أن هناك من يقف معهم في زراعة مساحات كبيرة من عباد الشمس”.

صنف جديد

رغم النجاح الذي حققه الحضرمي، بعد أن أقدم على زراعة صنف جديد من نبات عبّاد الشمس، والذي استغرق ما يقارب ثلاثة أشهر، من لحظة دفن البذور داخل الأرض، إلى أن المعوقات التي وقفت أمامه أثناء الزراعة، كانت كبيرة خاصة أن الأرض التي زرع فيها عباد الشمس، كانت مسرحاً للعمليات القتالية.

يصف الحضرمي في حديثه” تغيب هذه النبتة في اليمن بشكل شبه كلي خاصة مع غياب التوعية عن خيرات هذا المحصول على رأسها الزيوت الذي تنتجه هذه الشجرة حيث يعد كلفته السعرية باهظة الثمن، وقد يشكل إضافة نوعية للناتج المحلي، إذا توفرت المصانع الخاصة بإستخراج الزيوت من ثمرتها”.

بحسب المزارع الحضرمي” فإن وجود آلة حديثة لإخراج الزيوت من عباد الشمس في المنطقة، سيساعد المزارع كثير في جني أرباح كبيرة، إضافة إلى ذلك وجود مساندة قوية من الجهات المعنية على تشجيع المزارعين”.

“نقص الخبرة الكافية للمزارع في الزراعة تعطي نتائج سلبية، حيث كانت الصعوبة التي واجهتني، أثناء الزراعة، عندما استخدمت الحفر، بعمق داخل التربة لوضع حوض لبذور عباد الشمس فاكتشفت لاحقا أنها لا تحتاج سوى 2 سم متر وبعدها يتم الغرس فالحفر بعمق لا يناسب البذور وقد تتعرض للتلف”. يقو ل المزارع ناصر الحضرمي.

يشكو مزارعين عبّاد الشمس، من كلفة النقل الباهظة التي تفرض عليهم أثناء السفر ببضائعهم خاصة، أنهم يقطعون مسافة طويلة للوصول إلى الحوبان في محافظة تعز المكان الوحيد، لبيع المحصول لوجود معامل خاصة باستخراج الزيوت.

أنفق المزارع ناصر الحضرمي على زراعة عبّاد الشمس اثنين مليون ريال يمني، بالإضافة إلى تكاليف إصلاح الأراضي، وأجور العمال وغيره، وحصد مقابل ذلك 120 كيلو من عبّاد الشمس، على اعتبار أن قيمة 50 الكيلو يصل سعره إلى 1200 ريال سعودي.

يرى الحضرمي أن “كلفة النقل إلى الحوبان لبيع ذلك المحصول سيأخذ منه مبلغ أكبر من قيمة المحصول كامل وهذا ما حصل عليه من بيع محصوله من عباد الشمس ستكون الخسارة عليه فادحة”، داعياً “إلى توفير آلة حديثة لإخراج الزيوت من ثمرتها يجنبه الخسارة”.

نبتة فوائدها كثيرة

تمتاز شجرة عباد الشمس بالعديد من الفوائد، أهمها الزيت الذي يستخرج من الضغط على بذور زهرة عباد الشمس، ويمكن استخدامه في الطبخ وعلاج الأمراض.

كما تتفرد عبّاد الشمس لاحتوائها على الأحماض الدهنية مثل حمض اللينوليك وحمض الأوليك وترتبط جميع فوائد زيت عباد الشمس بأصناف عالية من “الأوليك” خاصة تلك التي تحتوي على 80% أو أكثر من حمض الأوليك، وتشير بعض الأبحاث إلى اتباع نظام غذائي غني بالأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، مثل حمض الأوليك الموجود في عباد الشمس، وقد يساعد في تقليل مستويات الكوليسترول، وبالتالي يخفف من خطر الإصابة بأمراض القلب، وفقا لمدير مكتب الزراعة في حيس أنور الاهدل في حديثه لـ” منصة ريف اليمن”.

يضيف الأهدل “عبّاد الشمس، يحتوي زيت عباد الشمس على مجموعة من الفيتامينات مثل: فيتامين ه، بالإضافة إلى عناصر غذائية: الحديد والمغنيسيوم والزنك؛ فهذا واجبا وطنيا على تشجيع مزراعي عباد الشمس على الاستمرار في توسيع المشروعات”.

الخبير الزراعي أمين الحضرمي، يقول لمنصة ريف اليمن، “إحداث اختراق في زراعة عبّاد الشمس، وبجهود ذاتية خاصة في ظل الحرب التي نالت من الجانب الزراعي”.

ويطالب السلطات المعنية بدعم المزارعين تشجيعا لما بذلوه من عمل حتى تظهر هذه الحقول بنبة تعد من أعرق النباتات في محصولها.

شجرة عبّاد الشمس تُزرع في الصيف، ويتم حصادها في الخريف حيث ينمو عباد الشمس بدرجة حرارة لا تقل عن 10 درجات مئوية وحالة الطقس هذه مناسبة جدا في الحديدة، كما أن هذه محاصيل حقلية صناعية اقتصادية وجميع الدول تبذل قصارى جهدها للاستثمار هذا النبات المربح، ما قد يشكل ثورة زراعية كبرى تعود بالفائدة لهذه البلاد المنهكة.

عن شغف كرة القدم في الريف اليمني

كرة القدم
شباب يلعبون بأرضية ترابية في ريف محافظة إب وسط اليمن (منصة ريف اليمن)

عند الساعة الثالثة عصراً يتوجه ماهر أمين (18 سنة) إلى لعب كرة القدم، مع زملائه وجيرانه في المساحة الترابية، القريبة من منزله في القرية، التي يعيش فيها مع أسرته بريف السياني، جنوب محافظة إب وسط اليمن.

يرتدي ماهر قميص ريال مدريد، رقم 7 الذي يحمله اللاعب البرازيلي فينيسيوس فهو من محبيه، وسط موجة من الألوان في الملعب، حيث يرتدي كل لاعب قميص النادي الذي يشجعه، في مشهد يعكس شغف اليمنيين وعشقهم لكرة القدم في بلد تعصف به الحرب، منذ أكثر من ثماني سنوات.

 لم يفقد الأطفال والشباب في الأرياف اليمنية، شغفهم وعشقهم لكرة القدم، إذ يمارسون الرياضة بشكل مستمر، وينظمون العديد من البطولات والدوريات في الملاعب الترابية، على الرغم من غياب المرافق والمنشآت والملاعب الرياضية، وحدت قلوب السكان، وكانت ملاذا للهروب، من ويلات الحرب التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

الهوس بكرة القدم

يقول ماهر لـ منصة ريف اليمن “كرة القدم هي حياتي، واللعب في المساحة الترابية في القرية، هو الشيء الذي لم يتغير في حياتنا فنحن نمارس الرياضة بشكل يومي، ونعيش السعادة والفرح كرة القدم، هي السبيل الوحيد للتواصل والتعرف على أصدقاء من مختلف المناطق الريفية”.

يضيف ماهر: “أمارس لعب كرة القدم مع الأصدقاء والجيران في القرية، ألعب في خط الهجوم مع نادي قريتي، في الدوري الرياضي الذي ينظمه الشباب، بجهود ذاتية يشارك فيه أندية يمثلون عدداً من القرى، تنطلق الدوريات في يناير وتنتهي في أواخر أبريل وهو موسم فصل الشتاء، في ريف محافظة إب”.

وفي حين يمارس ماهر، ومعه مئات الآلاف من الأطفال والشباب، لعب كرة القدم في الأرياف، يقول رئيس جمعية الاعلاميين الرياضيين اليمنيين، وأستاذ الإعلام بجامعة صنعاء الدكتور صالح حميد بأن: “معظم المواهب في أنحاء العالم تأتي من الأرياف لأنها تتمتع بالجو المعتدل، وبيئة معتدلة، لافتاً إلى أن قدرات الشباب في الأرياف، تكون أعلى وأكبر من المدن، حيث من الممكن الحصول على لاعبين، يجدون السرعة واللياقة البدنية العالية نتيجة النشاط الذي يتمتع به الإنسان الريفي”.

وأضاف الدكتور حميد لـ” منصة ريف اليمن “اللاعب في المدينة تتوفر لديه كافة الإمكانيات، مثل النادي وكافة مقومات الرياضة، من حيث الملعب والمدرب وغيرها، في حين أن اللاعب في الريف يفتقر إلى كل ذلك، والسبب هو غياب دور المجالس المحلية الذي يفترض بأنها تعمل على تنشيط كافة الأنشطة الرياضية لدعم الشباب وإبعادهم عن العادات السيئة مثل تعاطي القات”.

الإقلاع عن القات

خلال السنوات الماضية، شجعت دوريات كرة القدم في القرى والمناطق الريفية، الكثير من الشباب نحو الابتعاد عن العادات السيئة، المتمثلة بتعاطي القات والتدخين، حيث يقضي معظم الشباب، في الأرياف ساعات طويلة في تناول القات سوى في المجالس المنتشرة بشكل لافت، أو السهر ليلا وكل ذلك ينعكس سلباً على حياتهم ومستقبلهم.

الشاب يوسف حمود (27 سنة) تخلي عن مضغ نبتة القات، مطلع العام 2023 الجاري، بعد أن كان يقضي معظم أوقاته في تناوله، لكنه فضل ممارسة لعب كرة القدم، إذ انضم مؤخراً إلى الفريق الرياضي، في قريته بمنطقة جبلة في محافظة إب (وسط اليمن).

يقول يوسف لـ “منصة ريف اليمن” بعد أشهر من ممارسة الرياضة، وجدت نفسي أشعر بالسعادة، لقد منحتني كرة القدم، نكهة وطعم مختلف للحياة أفضل من ذي قبل، أنصح الشباب بترك تعاطي القات وممارسة كرة القدم، للحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية”.

تماماً مثل يوسف ترك الشاب خالد محمد(29 سنة) تعاطي القات، وفضل الالتحاق بالدوري الرياضي، الذي ينظمه شباب قريته في السياني جنوب محافظة إب، فهو يذهب بشكل يومي، للمشاركة في المباريات التي تقام في ملعب ترابي يبعد مسافات عن القرية”.

يقول خالد لـ منصة ريف اليمن: “عندما دُعيت للانضمام لأول مرة، ترددت، ولكن بمجرد أن شاركت في المباريات، أدركت مدى روعة لعب كرة القدم، لم أتناول القات يومًا واحدًا من منذ ثلاث سنوات، كل واحد منا وجد نفسه أفضل، بعد ترك القات”.

في السياق يقول الدكتور صالح حميد “عندما يتم ترسيخ ثقافة الابتعاد عن تعاطي القات، في عقول الأطفال والشباب ونشر الثقافة الرياضية، يمكن أن نخرج بشباب لديهم الوعي التام، بأضراره حينها يمكن الحصول على شباب قادرين، على المنافسة والوصول إلى المنتخبات الوطنية”.

وأضاف في حديث خاص لـ منصة ريف اليمن” غياب الوزارة التي تعد الركيزة الأساسية، عن دورها، أدى إلى تدهور حال كرة القدم والرياضة في اليمن، إذ من المفترض الاهتمام في الأرياف اليمنية، من خلال عملية التنشيط، لإقامة الدوريات الرياضية، ودعوة الشباب إلى الأنشطة الرياضية، بدلا من مكوثه أسير العادات السيئة “.

وتابع الدكتور حميد:” غالبية الشباب في الأرياف، يقضون معظم أوقاتهم في تعاطي القات، سوى كانوا مزارعين أو متعاطيين له، وكل ذلك ينعكس سلباً على صحتهم وتدمير مستقبلهم”.

ضرورة الاهتمام الرسمي

تفتقر المناطق الريفية في اليمن لوجود أبسط الإمكانيات، والقدرات التي من شأنها المساهمة، في تطوير مهارات الشباب الذين يمارسون كرة القدم، في الملاعب الترابية، ويعملون بجهود ذاتية في إقامة الدوريات الرياضية، بشكل مستمر ساعدت الكثير منهم على منع تعاطي القات، والهروب من ويلات الحرب التي تعصف بالبلاد منذ تسع سنوات.

وفي ظل التحديات التي يواجهها الشباب في الأرياف اليمنية، ينصح الدكتور حميد كافة الشباب في الانخراط في الدوريات الرياضية، تحديداً كرة القدم، مشيراً إلى ضرورة تأسيس أندية حقيقية، تستطيع أن تمارس كافة الألعاب والأنشطة الرياضية، بدعم من وزارة الشباب والرياضية”.

وأضاف لـ”منصة ريف اليمن ” يمكن للوزارة دعم المدربين، لدينا الكثير من خريجي التربية البدنية والرياضية، والذي يفترض أنهم بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، بحيث أن كل مدرسة ريفية يتواجد فيها مدرب للأنشطة الرياضية، يمكن من خلاله الحصول على بيانات أولية، عن المواهب المتوفرة في الريف سوى على مستوى المديرية والمحافظة، والوصول إلى الاتحاد العام، المعنى بترشيح لاعبين في الانخراط في المنتخبات الوطنية”.

“يمكن من خلال المدرب البحث عن أصحاب الكفاءات العالية، واستمرارية الأنشطة، أثناء العام الدراسي، والتنسيق بين المجالس المحلية في المديريات، إذ يمكن لهذه الأدوات أن تساهم في الوصول إلى عمل إيجابي للشباب، في الأرياف اليمنية وانخراطهم في العمل الرياضي أفضل من تعاطي القات”، يقول حميد.

ويختم بالقول” أتمنى أن يكون هناك اهتمام من قبل الوزارة، بحيث يتم عمل دراسة على مستوى المحافظات، وعلى مستوى المديريات، وتبني أندية أولية للتدريب، ومنح مدرب رياضي على مستوى المديرية، للقيام في تأهيل تلك المواهب المتوفرة في ريف اليمن”.

طلاب الريف.. الكفاح خياراً إجبارياً لمواصلة التعليم

طلاب الريف.. الكفاح خياراً إجبارياً لمواصلة التعليم
طفلة يمنية تسير نحو مدرستها في ريف محافظة إب وسط اليمن (منصة ريف اليمن)

لم يتمكن خالد محمد (20 سنةً) من الالتحاق بالجامعة على الرغم من حصوله على نسبة مرتفعة في امتحان الشهادة الثانوية، بسبب ظروفه المعيشية القاسية، على غرار مئات الآلاف من طلاب الريف في اليمن الذين أجبرتهم الحرب، وقف تعليمهم في المناطق الريفية في اليمن.

خلال السنوات الماضية، أجبرت الظروف المعيشية القاسية المئات من الطلاب اليمنيين، خصوصاً في المناطق الريفية النائية، إلى الابتعاد عن التعليم، إذ يعيش الأهالي والسكان ظروف معيشية قاسية، انعكست سلباً على مختلف مجالات حياتهم، وتسببت بحرمان أبنائهم من مواصلة تعليمهم المدرسي والجامعي، بالتزامن مع انهيار وتدهور التعليم في اليمن.

ومنذ اندلاع الحرب في اليمن تراجعت العملية التعليمية، ووصلت إلى أدنى مستوى لها في تاريخ اليمن، خاصةً عقب توقف صرف الرواتب الحكومية أواخر عام 2016 ووفقاً  لمؤشر دافوس الخاص بترتيب الدول العربية في جودة التعليم بها لعام 2021، كان اليمن خارج التصنيف نتيجة تدهور العملية التعليمية خلال سنوات الحرب، وبحسب الصليب الأحمر فإن 3 ملايين طفل غير قادرين على الذهاب إلى المدرسة، بينهم 1.8 مليون بحاجة إلى مساعدة تعليمية عاجلة.

طلاب الريف والتدهور معيشي

ينحدر خالد من منطقة السياني جنوب محافظة إب (وسط اليمن)، وتخرج من الثانوية العامة في عام 2021 بمعدل 85، لكنه حتى اللحظة يعمل بأحد المحلات التجارية، على أمل توفير الأموال واستكمال دراسته الجامعية في بلدا تعصف به الحرب، منذ أكثر من ثماني سنوات.

يعيش خالد ومعه الكثير من الطلاب في ريف محافظة إب، أوضاعا قاسية ضاعفت حدتها ارتفاع رسوم التعليم الحكومي وارتفاع أجور المواصلات، وارتفاع أسعار الخدمات الدراسية ، في بلد صُنف ضمن أسوأ أماكن العيش في العالم، إذ تقول الأمم المتحدة بأن اليمن  يشهد أسوأ أزمة إنسانية  في العالم، حيث تشير أحدث التقديرات إلى أن نحو 50 ألف شخص يعيشون حاليًّا في ظروف تشبه المجاعة، إذ يشتد الجوع في المناطق المتضررة من الصراع، ويحتاج ما يقرب من 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية وحماية.

يقول خالد لـ “منصة ريف اليمن”، “إن والده يعمل بالأجر اليومي بمهنة البناء، وهو بالكاد يتمكن من تأمين متطلبات الحياة اليومية الأساسية لأفراد عائلتهم، لافتاً إلى أنه في غالبية الأيام يعود إلى منزلهم دون الحصول على العمل ظروفنا قاسية نعيش أتعس أيام حياتنا”.

يطمح خالد إلى الدراسة في قسم الهندسة المدني، ويشعر بالحسرة والقهر من عدم مقدرته على الالتحاق بها، لكنه حسب قوله سوف يكافح ويبحث عن العمل بهدف تحقيق حلم حياته، معتبراً أن “ساعات السهر والتعب التي كان يقضيها في الدراسة والمذاكرة أيام دراسته الثانوية لن تذهب سدي”.

وفي حين لم يتمكن خالد من تحقيق حلمه في الدراسة الجامعية، ما يزال وهيب عصام ( 19 سنةً) يكافح في مواصلة تعليمة الدراسي، حيث يدرس في الصف الثالث الثانوي في مدرسة حكومية، تبعد مسافات طويلة عن قريته التي يعيش فيها مع أسرته في منطقة جبلة في محافظة إب وسط اليمن.

يحكي “وهيب” قصته، لـ “منصة ريف اليمن”: “أذهب في الصباح الباكر مشياً على الأقدام إلى المدرسة ظروفنا قاسية لا يستطيع والدي تحمل نفقات التعليم معظم الأحيان أتعرض للطرد من المدرسة، بسبب عدم دفع المبلغ الشهري الذي تفرضه علينا المدرسة”

ويضيف “اضطر للعمل لتوفير الرسوم والمستلزمات المدرسية، أبي يعمل موظفاً حكومياً في وراتبه منقطع منذ سنوات”.

طلاب الريف.. الكفاح خياراً إجبارياً لمواصلة التعليم

تداعيات الحرب

بحسب الأمم المتحدة فإن: “حوالي 8.1 مليون شابا وشابة في سن الدراسة  يحتاجون  إلى الدعم العاجل لمواصلة تعليمهم. ونتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة فإن غالبية الآباء يشعرون بأنه ليس لديهم خيار سوى إلحاق أطفالهم في الأشغال والعمل، مشيرةً إلى تدهور البنية التحتية، إذ تم تدمير أكثر من 2500 مدرسة أو إتلافها أو استخدامها لأغراض أخرى”.

بالتزامن مع تدهور التعليم في المدارس الحكومية والجامعات، يكافح طلاب المناطق الريفية في مواصلة تعليمهم، حيث يكافح نشوان غانم (23 سنةً) في مواصلة تعليمه الجامعي بجامعة إب، ويقول لـ” منصة ريف اليمن” برغم الظروف المعيشية القاسية وتدهور التعليم أدرس بقسم الأدب الإنجليزي، أتطلع إلى إكمال دراستي”.

“ظروفي صعبه تكاليف السفر من قريتي إلى الجامعة أثقلت كاهلي أسكن في قرية محطب بريف السياني، وهي تبعد مسافات طويلة وتكلفة التنقل تكلف نحو 2000 ريال، ناهيك عن المصروفات الأخرى كشراء الملازم والكتب وتكاليف الرسوم الباهظة. ويضيف لـ “منصة ريف اليمن” وضع الطلاب اليمني أصبح صعب للغاية نخشى من مستقبل مجهول “.

مستقبل مجهول

من الصعب معرفة عدد الطلاب المحرومين من التعليم الجامعي في ريف محافظة إب، لكن مصدر أكاديمي في الجامعة أكد لـ “منصة ريف اليمن”، “تراجع نسبة إقبال الطلاب على الدراسة في الجامعة، بشكلٍ غير مسبوق خصوصاً طلاب المناطق الريفية، الذين كانوا يشكلون الجزء الأكبر من الطلاب خصوصاً في الأقسام الدراسية، لافتاً إلى أن بعض الأقسام لا توجد فيها سوى مجموعة قليلة وبعضها تم إغلاقها بشكل نهائي.

لا يختلف الوضع بين طلاب الجامعات والمدارس، ففي المدارس الحكومية تشهد العملية التعليمي، تدهورا كبيراً، إذ يقول الكثير من الطلاب، أنهم يذهبون بشكل يومي إلى المدرسة لكنهم يعودون إلى بيوتهم، دون أي مكاسب تعليمية على الإطلاق، حيث أن غالبية أساتذة المواد العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، غير متواجدين بعضهم ترك التدريس، وفضل الذهاب إلى أسواق العمل بحثًا عن العمل لمساندة أهاليهم وتغطية نفقاتهم اليومية بسبب استمرار توقف رواتبهم.

وفي ظل غياب المعلمين المتخصصين في المجالات الدراسية، واعتماد بعض المدارس الحكومية في ريف محافظة إب على المتعاونين من خريجي الثانوية، وحديثي التخرج من الجامعات تتزايد مخاوف الطلاب والطالبات، من تدمير مستقبلهم خاصةً مع غياب التحصيل العلمي، وصعوبة الاختبارات النهائية لطلاب الشهادتين الأساسية والثانوية.

في السياق تقول أستاذ علم الاجتماع الدكتورة انتصار الصلوي  لـ “منصة ريف اليمن” إن ابتعاد الطلاب عن الدراسة والحرمان من مواصلة تعليمهم الجامعي، قد ينعكس سلباً على حياتهم إذ سوف يؤثر على صحتهم الجسدية والنفسية”.

“الكثير الطلاب ممن أجبرتهم الظروف المعيشية القاسية إلى ترك التعليم سوف يتوجهون إلى البحث عن أعمال البعض منها شاقة في حين أبناء الميسورين يواصلون تعليمهم في الجامعات والمدارس الخاصة”، تنهي حديثها “من شأن ذلك التأثير على صحتهم النفسية وقد يصبح البعض منهم ضحية للاكتئاب والأمراض النفسية “.

كيف أوجد اليمنيون بدائل لتبريد الماء وحفظ أطعمتهم؟

في وقت الظهيرة وبينما الشمس تتوسط السماء، يعود “حزام هادي” (45 عاما) إلى منزله في منطقة القابل بمديرية بني الحارث، شمال صنعاء، ويحصل على ماء يتم تبريده بطريقة تقليدية، وهو تقليد متوارث لدى اليمنيين.

في المناطق الريفية يتمسك السكان، بالتبريد التقليدي للماء وحفظ الاطعمة، في الوقت الذي يتراجع الاعتماد عليها في المدن الرئيسية، التي اعتمدت سكانها على الكهرباء من اجل تشغيل البردات (الثلاجات) المنزلية.

وهذا الموروث في التبريد، جعلت لدى اليمنيين القدرة على التكيف مع كافة الظروف، وخاصة خلال الحروب والأزمات، والتي تتسبب بانقطاع خدمة الكهرباء وانعدام المشتقات النفطية، وبرز ذلك خلال السنوات الماضية من الازمة الإنسانية جراء الحرب.

وقال حزام لمنصة “ريف اليمن”، “لانملك ثلاجة لتبريد الماء لكننا نعتمد على الطرق القديمة من اجل ذلك والحصول على الماء باردا وخاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف”.

عندما اندلعت الحرب في اليمن، نتج عنها انهيار الدولة المركزية وتوقف الكثير من الخدمات الأساسية وما يرتبط بذلك من أساليب الحياة الجديدة في المدن مثل الكهرباء والوقود وشبكة المياه، وكان على المواطن اليمني أن يستعيد من مخزون خبرته وموروثه الموغل في القدم العديد من الوسائل والأدوات البدائية للحصول على بديل.

“الشُباك” في العمارة اليمنية

في مناطق كثيرة من اليمن، ومنها أحياء المدن القديمة، تتميز البيوت بوجود فتحة في الطابق الأخير تسمى “الشباك” أو “المشربية”، وهي نافذة خشبية بارزة وفيها فتحات للتهوية بحيث تكون بمثابة ثلاجة طبيعية، ويتم وزخرفتها في العمارة اليمنية بطريقة إبداعية.

كيف أوجد اليمنيون بدائل لتبريد الماء وحفظ أطعمتهم؟
تظهر الصورة الشباك في صنعاء القديمة الذي يعد جزء أساسي من العمارة اليمنية (سارة الخباط/ منصة ريف اليمن)

وفي العمارة اليمنية القديمة، يكون الشباك في اتجاه الرياح ولا سيما الشمال، وبذلك يعتمد على هذه المساحة التي تكون بارزة عن المنزل، لتلبية بعض الحاجات التي صممت الثلاجات الحديثة لأجلها.

يقول الحاج علي حمود الذي يعمل في مهنة البناء لمنصة “ريف اليمن”: “الشباك أمر أساسي في البيوت اليمنية القديمة، شكله مثل الصندوق لكنه بارز قليلاً عن جدار البيت، وأغلب الأحيان يكون مبني من الياجور (الآجر) تتخلله فتحات كثيرة ويتم توزيع الشبابيك بنسق معين في جوانب البيت وكل بيت ينحت ويشكل الشباك بحسب ما يناسبه”.

لقد تسببت الحرب -كما أسلفنا- في انقطاع الكهرباء في الوقت الذي يعجز فيه معظم المواطنين عن شراء الالواح الشمسية أو الاشتراك في الكهرباء التجارية، إذ وصل سعر الكيلو وات الواحد التي تقدمه المحطات الخاصة إلى 300 ريال، إضافة إلى رسوم اشتراك نصف شهرية تدفع مقابل توفير الخدمة.

وهكذا لجأ عدد كبير من المواطنين حتى من ساكني المدن إلى الطرق القديمة البديلة مثل استخدام الشباك أو “الشاقوص” وهو فتحة في أعلى النافذة وتكون مهمته التبريد.

“الفخار” لجودة تبريد الماء

لتعزيز كفاءة وسرعة هذه الطريقة في التبريد وحفظ البرودة لأطول وقت، كان لا بد من العودة إلى استعمال الأواني الفخارية مثل الجرة وتسمى باللهجة العامية (المدل) وأيضاً الأواني الجلدية وكذا ما يسمى بالزمزميات التي عبارة عن إناء معدني يستجيب بسرعة للبرودة.

وتعد صناعة الفخار في اليمن عريقة وتمتد إلى آلاف السنين ومازال اليمنيين يحتفظون بهذه الصنعة في الارياف اليمنية، ويعود تاريخ بدايتها الى 2600 قبل الميلاد، وفق مصادر تأريخية. وتشتهر مناطق تهامة بصناعتها في مناطق “حيس” و”زبيد” و”الجراحي” و”بيت الفقيه”.

وابتكر اليمنيون طريقة أخرى للتبريد وذلك عبر تغليف العبوات البلاستيكية بقطعة من الصوف أو القطن يتم رشها في الماء، ووضع العبوة في مكان لا تصل إليه الشمس إما في سطح البيت أو الشباك أو ما يسمى ب “الشاقوص” ليصبح الماء بارداً كما لو تم وضعه في الثلاجة.

تتحدث “أم محمد” وهي ربة منزل تسكن في قرية بمحيط العاصمة صنعاء الريفي، عن تجربتها بالقول: “قبل الحرب كان هناك كهرباء حكومية، وكنا نملك ثلاجة وغسالة وكل شي لا نبحث أين نبرد ماء ولا اين نحفظ الأكل، لكن في الحقيقة كان يعجبنا كنوع من الارتباط بالموروث أن نشرب من المدل (الجرة) من زمان، طعم الماء فيها يرد الروح”.

كيف أوجد اليمنيون بدائل لتبريد الماء وحفظ أطعمتهم؟
عبوة بلاستيكة يتم تغليفها بقماش، وهي وسيلة تبريد تقليدية في اليمن (سارة الخباط/ منصة ريف اليمن)

وأضافت لمنصة “ريف اليمن”، “أما في ظل الحرب والأزمات، نستخدم الشبابيك لحفظ الاكل وتبريد الماء، وحتى في رمضان نضع في الشبابيك المهلبية والجيلي والحلويات ووقت الفطور تكون باردة”.

تعمل الشبابيك كذلك على توفير الخصوصية والتهوية وليس فقط تبريد المياه، وايضا الضوء بطريقة مريحة، ويتم استخدامها لرؤية الشارع دون أن يراهم.

من جانبها تقول أمل، التي تعمل كمدرسة في محافظة حجة: “بيتنا حديث ليس فيه شباك لكن أمي تغلف دبة الماء بالصوف، وبعد تعبئتها توضع في سطح البيت وبين وقت وآخر يتم رش الماء عليها لتبقى مبللة”.

وتابعت “أما الاكل فنحن نحاول نطبخ بقدر اليوم وإذا زاد شيء تحضر أمي وعاء كبير وتصب وسطه ماء ويتم وضع الأكل الزائد في علب ويُنقل الوعاء إلى السطح، أما الخضروات فأخذها ونلفها بورق دفاتر وتبقى كما هي يومين ثلاثة، وهذه طريقتنا لإيجاد بدائل للثلاجة”.

ولفتت أسماء صالح، وهي معلمة وربة منزل في وادي ظهر، الى “طريقة موروثة وشائعة في اليمن لحفظ لحوم الأضحية وذلك من خلال تقطيعها إلى شرائح طولية وتخليلها بالملح وتعليقها على حبل في غرفة حسنة التهوية فتظل طرية لأيام”.

وتضيف: “أما الخضروات نقوم بتقطيع الطماطم ونتركها تحت الشمس لما تجف ونحفظها في عُلب مقفلة، وكذلك نجفف النعناع والكراث نغسلهن وبعدها نطحنها ونعمل على تخزينها”.

شحة المياه بالشتاء يضاعف معاناة سكان المناطق الجبلية

شحة المياه
مواطنون ينقلون ماء على ظهور الحمير بريف محافظة إب (ريف اليمن)

بسبب شحة المياه يتعين على “عائشة” للحصول على 20 لترقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام للوصول إلى منبع المياه في قريتها الواقعة في منطقة السّبرة شرقي إب وسط اليمن، وهذا حال معظم السكان في ريف المحافظة الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الحصول على المياه الصالحة للشرب خلال فصل الشتاء.

مع بداية فصل الشتاء في ريف محافظة إب، في أكتوبر/ تشرين الأول تتضاعف معاناة السكان في الحصول على المياه الصالحة للشرب، إذ تتعرض ينابيع المياه للجفاف بالإضافة إلى انخفاض كمية تدفق المياه من العيون والينابيع المتواجدة في بعض القرى والمناطق الريفية خلال فصل الشتاء الذي يستمر لنحو ستة أشهر.

ويعاني سكان المناطق الريفية في المحافظة وبقية المحافظات اليمنية من صعوبة كبيرة في الحصول على المياه، وفق تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر فإن اليمن تعيش أزمة خانقة في توفير المياه؛ إذ لا تغطي شبكة أنابيب المياه إلا 30% من السكان، مبينا أن أكثر من 15 مليون شخص يلجؤون إلى طرق مكلِّفة ومستهلكة للوقت في سبيل الحصول على ما يكفيهم من المياه.

مشقة البحث عن الماء في الشتاء

خلال فصل الشتاء تتضاعف معاناة السيدة عائشة البالغة من العمر 41 سنة، فهي كما الملايين من اليمنيين تعيش ظروفا معيشية قاسية، إذ لا يمكنها شراء صهاريج المياه الباهظة، لأن زوجها يعمل بالأجر اليومي وهو بالكاد يتمكن من تأمين متطلبات الحياة الضرورية لأفراد الأسرة المكونة من 10 أشخاص.

تقول السيدة عائشة لـ “منصة ريف اليمن”: “في الشتاء لا نجد ما نشرب نمكث ساعات طويلة أمام منبع المياه في سبيل الحصول على 20 لتر من الماء، أذهب في الصباح الباكر تحت رحمة البرد القارص، قريتنا جبيلة وهي شديدة البرودة في الشتاء”.

وتضيف: “توجد فقط عين واحدة للمياه في قريتنا يعتمد عليها سكان القرية ومع حلول الشتاء يقل خروج الماء منها وعلى الرغم من أنها تزداد بشكلٍ كبير خلال موسم هطول الأمطار في الصيف لكن مع الأسف تهدر في الأرض من دون أن يستفيد منها السكان بسبب عدم وجود خزانات لحفظها”.

تماماً مثل عائشة يُضاعف الشتاء معاناة عادل راجح (50سنةً) فهو يعاني من صعوبات كبيرة في الحصول على مياه الشراب على غرار مئات المواطنين في القرية التي يعيش فيها مع أسرته في منطقة السياني جنوب محافظة إب.

 لا توجد عين مياه في القرية التي يعيش فيها راجح فهو حسب قوله لـ “منصة ريف اليمن” يسافر في الصباح الباكر إلى قرية تبعد مسافات طويلة، على أمل الحصول على المياه لافتاً إلى فترة خروج الماء من المنبع لا تتجاوز أكثر من ساعة واحدة في اليوم ومن ثم يعود إلى الانقطاع وفي حال تأخر عن الموعد فإنه سوف يُحرم من الحصول على الماء”.

 تتضاعف تكاليف صهاريج المياه بشكل غير مسبوق خلال فصل الشتاء إذ تصل إلى نحو 20 ألف ريال يمني أي ما يعادل نحو 40 دولار أمريكي، في حين تتجاوز نحو 30 ألف ريال في المناطق البعيدة”، حسبما أكد راجح.

وتابع: “نحن غير قادرين على شرائها بفعل تدهور وضعنا المعيشي، أنا مثل غيري من المواطنين اعمل بالأجر اليومي وبالكاد أتمكن من شراء الاحتياجات الضرورية نمكث أسابيع من دون عمل، الأوضاع المعيشية أثقلت كاهلنا نعيش أتعس أيام حياتنا “.

وفي ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها اليمنيون يعد ثمن صهاريج المياه الذي وصل إلى أكثر من 30 ألف باهظاً جداً مقارنةً مع تدني مستوى دخل المواطنين في بلد صُنف ضمن أسوأ الأماكن في العالم للعيش، إذ تشير  أحدث التقديرات إلى أن نحو 50 ألف شخص يعيشون حاليًا في ظروف تشبه المجاعة، ويشتد الجوع في المناطق المتضررة من الصراع، ويحتاج ما يقرب من 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان إلى مساعدات إنسانية وحماية.

شحة المياه وتداعيات الحرب

خلال السنوات الماضية تسببت الحرب بانقطاع شبكات المياه الحكومية، في العديد من المحافظات والمدن وعلى وجه الخصوص في المناطق الريفية، حيث أدى الإهمال وارتفاع أسعار مادة الديزل إلى انقطاع شبكات المياه المتواجدة في غالبية المديريات من بينها ريف محافظة إب الذي يعاني فيها المواطنون من صعوبات جمة في الحصول على المياه الصالحة للشرب.

ولمعرفة الأسباب وراء استمرار توقف مشاريع المياه الحكومية في محافظة إب، حاول معد التقرير التواصل مع إدارة مشروع المياه في المحافظة لكن معظم المسؤولين رفضوا الإدلاء بأي معلومات كونهم غير مخولين بالحديث مع وسائل الإعلام حسب قولهم.

تجدر الإشارة إلى أن غالبية مشاريع المياه التابعة لمستثمرين في محافظة إب توقفت عقب اندلاع الحرب بعضها نتيجة لتراكم الديون لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن سداد فاتورة المياه بعد أن أثقلت كاهلهم تبعات الحرب وأصبحوا غير قادرين على تأمين الغذاء لأفراد عائلاتهم.

وبالإضافة إلى ذلك أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى مضاعفة تكاليف صهاريج المياه بشكل غير مسبوق والتي بدورها انعكست سلبًا على المواطنين وتفاقم معاناتهم في الحصول على مياه الشرب خلال فصل الشتاء.

هدر للمياه

وفقًا للهيئة العامة للأرصاد الجوية اليمنية، فإن تقديرات هطول الأمطار السنوية في اليمن تصل إلى 65 مليار متر مكعب، وتحدث أعلى مستويات الهطول في بعض مناطق محافظة إب وسط اليمن، والتي تتجاوز 800 ملم/ سنوياً، تليها محافظة المحويت شمالًا والتي تتجاوز 600 ملم/ سنوياً.

على الرغم من كل تلك الكميات الكبيرة إلا أن غالبية سكان المناطق الريفية في المحافظة يعانون من صعوبات جمة في الحصول على المياه خصوصاً مياه الشرب نتيجة الإهمال المتعاقب من قبل السلطات المعنية وعدم وجود آلية في الاستفادة من مياه الأمطار وتقديم الدعم لهم في بناء سدود، وخزانات مائية لحفظ المياه.

ويعتمد سكان المناطق الريفية على مياه الأمطار بالدرجة الأساسية وكذلك العيون الطبيعة النقية المتواجدة في بعض القرى، وهي تتوفر فقط خلال فصل الصيف لكن الكثير من السكان يفتقرون إلى الإمكانيات والقدرات التي تمكنهم من بناء الخزانات والحواجز المائية والاستفادة من هذه الكميات وتخزينها إلى فصل الشتاء.

وفي ظل غياب دور السلطات المعنية والمنظمات الدولية، لجأ السكان في القرى والمناطق الريفية في محافظة إب إلى بناء خزانات مائية بهدف حفظ المياه من تلك الينابيع التي تزداد كميتها خلال موسم الأمطار بجهود ذاتية وإطلاق حملات لجمع التبرعات، إذ تمكن سكان قرية محطب بريف السياني في الحصول على تمويل من متطوعين لبناء خزان سعة 25 متر مكعب لتوفير المياه وتخفيف معاناة المواطنين.

ختان الإناث باليمن.. أوجاع ومآسي تحت سطوة العادات

ختان الإناث

مازالت ظاهرة ختان الإناث في بعض المحافظات والمناطق اليمنية وخصوصاً في الأرياف مستمرة رغم ما أحدثته الثورة التكنولوجية من تقدم معرفي هائل وقفزة نوعية في وعي الناس، وتأثير ذلك التقدم في مختلف المجالات التي احدثت وعي صحي.

ترافق الفتيات اللاتي يتعرضن لهذه الظاهرة، مضاعفات مرضية مستمرة، كما هو الحال مع “كريمة”  التي وقفت أمام طبيبتها، راجيةً منها وضع حد لأوجاعها التي لازمتها منذ عشر سنوات.

ختان الإناث ومعاناة الفتيات

بحرقة ممزوجة بالألم، تتحدث كريمة محمد (اسم مستعار)، 25 عامًا، قصتها منذ أن كانت عند الخامسة عشر من عامها، حين أمسكن بها النساء، لتتمكن دايةٌ سبعينية من ختانها، على ضوء شمعة انطفأت بعد إتمام العملية.

تقول كريمة – من محافظة الحديدة لريف اليمن، أنه منذ ختانها بدأت رحلتها مع المستشفيات، حيث تتعرض، لمشكلات في التبول وأورام والتهابات، فضلا عن المضاعفات وقت الولادة.

يعدُّ تشويه الأعضاء التناسلية للإناث في اليمن” الختان” موضوع معقد ومثير للجدل، يتضمن إزالة جزئية أو كاملة للأعضاء التناسلية الأنثوية دون مبرر طبي، في الريف اليمني، يُطلق على هذه الممارسة أسماء مختلفة مثل “التطهير”، “طهارة البنات”، و”التحصين”.

ينتشر ختان الإناث في المناطق الساحلية، حيث يتم ممارسة التكميد، وهو نوع من التشويه يتضمن وضع كمادة من القماش المحشوة بالملح أو الرمل المسخن، بالإضافة إلى نوع معين من الأعشاب والزيوت، على الأعضاء التناسلية للرضيعة عند بلوغها أربعة أيام، حيث تستمر هذه العملية لمدة ساعة على الأقل، بغض النظر عن الألم الذي تعانيه الطفلة. يتم تكرار هذا الإجراء لمدة تتراوح بين أربعين يوما وأربعة أشهر، بهدف تقليل الإثارة الجنسية للأنثى عندما تكبر.

تسبب الصراع الدائر في البلاد، وارتفاع موجات النزوح، بانتشار هذه الظاهرة في بعض المناطق الريفية، رغم وضع المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، خطة وطنية للقضاء على ختان الإناث في اليمن خلال يوليو 2016.

الحديدة الأعلى في اليمن

تقول الدكتورة سارة الشرفي، منسقة مشروع المساحة الاجتماعي، إن محافظة الحديدة تسجل أعلى نسبة لهذه الظاهرة بـ 93%، تليها محافظة حضرموت بـ 91%، ومحافظة المهرة بـ 51% وفقا لدراسة نفذها مشروع المساحة الاجتماعي عام 2020، نشر تصريحها موقع المكلا نيوز يمن.

يسبب ختان الإناث  العديد من المضاعفات الصحية والنفسية، تشمل ألم شديد، يمكن أن يكون مستمرا ونزيف حاد والإصابة بالعدوى، والالتهابات المتكررة، ومشاكل في التبول إضافة لمضاعفات عند الولادة الطبيعية والتي قد تهدد حياة الأم وطفلها، فضلًا عن مشكلات في المعاشرة الزوجية والأذى النفسي، وتورم في الأنسجة التناسلية والتأثير على الصحة الجنسية من خلال عدم الشعور بالمتعة أو عدم الرغبة وتصل إلى الصدمة النفسية والعصبية أحيانًا وفي بعض الحالات، قد يؤدي الختان إلى الوفاة ، وفق موقع “الطبي” المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي بعد اعتذار خمس طبيبات نساء وولادة عن التحدث مع ريف اليمن، من الحديدة وحضرموت والمهرة لأسباب مختلفة.

تقرير من الأمم المتحدة ومركز إكوموندو يشير إلى أن 75% من النساء اليمنيات يطالبن بإنهاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، ورغم عدم وجود تشريعات تجرم هذه الممارسة، فإن القرار الوزاري لعام 2001 حظرها في المرافق الطبية، لكن العديد من الأسر تلجأ للقابلات والدايات الكبار في السن، مما يعرض النساء لمخاطر صحية أكبر.

يساند نسبة الأصوات المناهضة فوز فيلم يمني قصير بعنوان “ختان الروح”، من إنتاج مؤسسة صوت للتنمية وإخراج سماح الشغدري، بجائزة مركز “كوثر” والاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة في مجال مكافحة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، حيث استخدم تقنية الرسوم المتحركة لرواية قصة مؤثرة عن ضحية للختان، وأشادت لجنة التحكيم بالابتكار والتجديد في العرض والقيمة الفنية العالية للعمل.

تشوية الأعضاء التناسلية

يتفق كثيرون على أن تشويه الأعضاء التناسلية للنساء في اليمن، نتيجة لمعتقدات ثقافية ودينية مغلوطة عامة تم توارثها بين افراد العائلة والمجتمع، حسب المواطن الأربعيني علي مهري (اسم مستعار)، حيث يقول:” أنا ختنت لبناتي الثلاث، لأني اكتسبت العادة من أسلافي، وظننت الختان لحماية شرف الفتاة، والحفاظ عليها، لكنني سأكون ضده إذا ضر ابنتي صحيًا، لذلك لم أختن للبنتين الصغيرتين حينما لمست تدمر صحة بنتي الوسطى، وطلاق الكبيرة”.

تقول سارة (اسم مستعار)، الابنة الكبيرة للمهري،” تعرضتُ للتعنيف الجنسي بشكل مستمر من زوجي، وقد عايرني دومًا بسبب الختان، يعاملني كأنثى ناقصة، تزوج عليّ امرأةً أخرى، ورفض تطليقي إلا بعد تنازلات كثيرة عن الحضانة لابنتي”.

وتضيف “رفضت أختي الأصغر مني الزواج خوفًا من ذات المصير، تكتفي بالمرض الذي يلازمها في الجهاز البولي والتناسلي، تقول إنها لن تحتمل أوجاع عاطفية، وحالتها النفسية متعبة حيث يلازمها العبوس، والانطواء، ولا تحب المرح الذي يرتبط بكافة البنات في عمرها، 20 عامًا”.

وفقًا لإحصائيات صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2020، تأتي اليمن في المرتبة السادسة بين الدول العربية حيث ينتشر ختان الإناث، يشير التقرير إلى أن 19% من النساء اليمنيات الشابات قد خضعن للختان، وتقدر الأمم المتحدة أن اليمن تشكل 20% من ضمن نسبة ختان الإناث عالميًا، رغم النسبة الكبيرة فإن قانون حماية النساء في اليمن ينتظر موافقة مجلس النواب منذ أكتوبر 2022.

أوجاع جسدية 

الاختصاصية النفسية بسمة صادق، من حضرموت، تشير إلى أن المرأة تشعر بالضعف وبأن جزءًا من أعضائها تم انتزاعه منها بالقوة، الأمر الذي يجعل المرأة المختونة في إرهاق وحزن دائم، وتزيد الاوجاع الجسدية من تدهور حالتها النفسية.

في ظل هكذا أوضاع، تتصاعد أصوات حقوقية لسنّ قوانين تمنع ختان الإناث، التي تسبب أضرار نفسية وصحية للإناث، كما يوضح الناشط الحقوقي فاروق اسماعيل، حيث يشير إلى صدور مرسوم وزاري عام 2001 بمنع عمليات الختان للإناث في العيادات والمستشفيات العامة والخاصة، لكن لم يتم العمل به، ولم تُفرض عقوبات على المخالفين؛ لعدة اعتبارات.

في إطار مواجهة الظاهرة باليمن فقد دربت جمعية الوصول الإنساني في محافظة حضرموت 30 عضوا في شبكات مجتمعية بالمكلا لمحاربة ظاهرة ختان الإناث خلال يونيو 2023، وضمن سلسلة مشاريع امتدت قرابة سبع سنوات، لمناهضة تشوهات الأعضاء التناسلية الأنثوية FGM، الممول من صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA.

وفي لقاء تشاوري مع الدعاة بالمكلا في ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٣م، ناقشت الجمعية بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان سبل توعية المجتمع بالعنف ضد المرأة والختان الذي يضر بالأنثى. وأصدر الحاضرون بياناً يتضمن توجيهات للمناصرة لهذه القضية من خلال حملات توعوية مثل ” دعها كما خُلقت”، وإشراك منظمات المجتمع المدني، وينفذ فعاليات مجتمعية وجلسات للقيادات المجتمعية وينشرها باستمرار عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية.

ريف إب: الوصول إلى مستشفى مشقة لا تنتهي

مركز صحي في منطقة السياني جنوب مدينة إب (منصة ريف اليمن)

يتعين على بشير محسن قطع مسافات طويلة بالسيارة إذا أراد الوصول إلى الخدمات الصحية في أقرب مركز صحي لقريته بمديرية السياني جنوب مدينة إب، وهذا حال معظم أبناء ريف المحافظة الذين يفتقرون للرعاية الصحية الأساسية.

تشير التقديرات الرسمية وتلك التي توردها منظمات دولية مثل الصحة العالمية إلى وجود ٣٢١ منشأة صحية في عموم المحافظة تتوزع على ١٦ مستشفى و١١٨ مركز صحي و١٨٧ وحدة صحية، ولا يُعرف عددها على وجه التحديد في الأرياف رغم محاولة الحصول على الأرقام من الجهات المختصة لكنها رفضت الإفصاح.

وتشترك هذه المنشآت في الافتقار للعديد من الخدمات مثل العجز في الكوادر المتخصصة والأجهزة الطبية والأدوية الكافية وقد تفاقم هذا الوضع منذ بدء الحرب التي ألحقت تدميرا كبيرا في القطاع الصحي للبلاد إلى حد شبه الانهيارإذ لم يعد يعمل إلا بنحو نصف طاقته، بحسب المعطيات الواقعية.

معاناة مضاعفة

وبالنسبة لبشير البالغ من العمر ٦٠ عاما، والذي أنهكته الأمراض المزمنة، فإن بُعد المركز الصحي عن منطقته يمثل تحديا يتجاوز المسافة ورداءة الطريق إلى ارتفاع تكاليف المواصلات ذهابا وإيابا من خلال السيارات الخاصة.

يقول لمنصة “ريف اليمن” إن المركز “يفتقر للأطباء المتخصصين وأجهزة الفحوصات وبعض الأدوية ومع ذلك ندفع فلوس أكثر مقابل الخدمة. المرض في هذه الأيام معاناة أكثر مما كنا نعرفها”، في إشارة إلى التداعيات السلبية للحرب على أوضاع الناس ماديا ومعيشيا ونفسيا فضلا عن تردي الخدمات الصحية التي كانت متواضعة أصلا.

يعكس تدني الخدمات الصحية في ريف المحافظة كما في غيرها مؤشرات الإهمال الحكومي الطويل تجاه سكان الريف وعدم  توفير الخدمات الأساسية لهم على الرغم من أنهم يشكلون أكثر من ثلث السكان.

قد يبدو حال بشير أقل سوءا على الرغم من أنه ليس كذلك؛ إذا قورن بمواطنين آخرين يكابدون مشقة السفر لمدن بعيدة وبعضهم خارج المحافظة بحثا عن خدمة أفضل وهذا تكاليف مالية أكبر للسكن والتغذية والمواصلات مع فاتورة العلاج.

في بعض المديريات لا يتوفر فيها سوى مستشفى حكومي واحد ومع ذلك يفتقر لأبسط الإمكانيات لتقديم الخدمة المناسبة، ما يجعل خيار اللجوء للمستشفيات الخاصة هو المتاح رغم الثمن الباهض للخدمة.

ويرجع عمران هلال، المتحدث الرسمي باسم مكتب الصحة بالمحافظة تدني وغياب الخدمات الصحية في الريف إلى “الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتدهور القطاع الصحي ، بالإضافة إلى نزوح الأطباء والكوادر الصحية للخارج أو للعمل في المستشفيات الخاصة وكل ذلك أدى إلى تدهور غير مسبوق في المناطق الريفية”.

من جهته، يلفت الدكتور نشوان الحسامي، الانتباه إلى مشكلة أخرى في المنشآت الصحية في الريف على قلتها، وهي أن غالبيتها “تفتقر إلى وجود الأطباء من ذوي الخبرة، والذين يعملون فيها هم من أصحاب الخبرات الحديثة وحديثي التخرج وهم لا يزالون بحاجة إلى تطوير في مهاراتهم التخصصية”.

وعلاوة على ذلك، يضيف الحسامي في حديث لـ “منصة ريف اليمن”، أن “المراكز الصحية المتواجدة ببعض الأرياف لا تلتزم بادنى المعايير الطبية في تقديم الخدمات، بالإضافة لغياب وسائل تشخيصية كالطبقي المحوري والرنين المغناطيسي وكل ذلك ينعكس سلباً على حياة المواطنين وحدوث الأخطاء الطبية”.

أخطاء طبية

خلال السنوات الماضية تزايدت ظاهرة حوادث الاخطاء الطبية في المراكز الصحية في المدن والأرياف على حدٍ سواء، وتسببت في حالات وفاة وإعاقات دائمة، وقد كان لنصيب ريف المحافظة كما مدنها حالات من ذلك.

في مطلع العام الجاري تعرّض رضوان قاسم (40 سنةً) لوعكة صحية وعلى إثرها تم نقله لتلقي العلاج في المركز الصحي في قريته التي يعيش فيها مع أسرته في منطقة السياني جنوب محافظة إب، لتبدأ بعد ذلك رحلته في المعاناة على غرار المئات من المرضى الذين يعيشون معاناة مضاعفة بفعل الأخطاء الطبية في المراكز والمستشفيات.

يروي أحد أقربائه لـ “منصة ريف اليمن” تفاصيل ما تعرض له فيقول: “عقب وصوله إلى المركز قام المختص بحقنة بعدد من الإبر و المغذيات لتخفيف الألم الذي لحق به لكن دون إجراء فحوصات فهو يعاني من الضغط منذ فترة طويلة”.

ويتابع “بعد عودته إلى المنزل لم يلبث سوى ساعات قليلة حتى تدهورت حالته الصحية وكاد أن يفارق الحياة، وفي ساعات متأخرة من الليل تم نقله إلى إحدى المستشفيات الخاصة في مدينة إب، وكانت المفاجأة بأنه مصاب بالفشل الكلوي  حيث قام الأطباء بإجراء غسيل كلوي له ومكث أسابيع في المستشفى مع خسائر مالية باهظة”.

ولفت إلى أن “الأطباء قد أكدوا أن سبب تعرضه للإصابة بالفشل الكلوي كان نتاج تداخلات الأدوية التي تناولها في المركز الصحي إلا أنهم حتى اللحظة لم يقدموا أي دعوة قضائية ضد العاملين في المركز الصحي خوفاً من خسارة الأموال في المحاكم بلا فايدة”.

وبسبب هذا الخطأ، أصبحت أسرة رضوان في مواجهة ضغط مالي كبير لتأمين جلسات الغسيل الأسبوعية له وبما يرتبط بها من تكاليف التنقل والعلاجات وغيرها، وكل هذا يفوق قدراتها المادية فتضطر طلب مساعدة المغتربين من أبناء المنطقة.

وتعتبر الأخطاء الطبية في القانون اليمني جريمة جسيمة إذ تنص المادة (241) لقانون العقوبات بأنه إذا توفي المريض تكون العقوبة بالدية المغلظة أو السجن لمدة خمس سنوات لمن اعتدى على سلامة جسم غيره بأية وسيلة ولم يقصد من ذلك قتلًا ولكن الاعتداء أفضى إلى الموت. أما في حالة عدم الوفاة تكون العقوبة بالسجن سنتين أو غرامة مع الأرش وفقاً لنص المادة (245) من قانون العقوبات.

إب.. غياب الرقابة على المنشآت الصحية

ومن وجهة نظر الطبيب الحسامي فإن “عدم وجود وسائل تشخيصية ومراجع علمية مثل استشاريين يستطيعون الرجوع إليهم في حالة عدم الوصول الى تشخيص الحالات المرضية بالشكل الجيد يؤدي إلى حدوث أخطاء طبية فادحة سواء كانت هذه الأخطاء في صرف أدوية لها تأثيرات ساّمة على المرضى والبعض الآخر منها يكون لها مضاعفات على الحالة المرضية للمريض”.

ويواصل حديثه لـ “منصة ريف اليمن“، “أما الاخطاء الجراحية فتعود لعدة أسباب من بينها عدم وجود استشاريين متخصصين في الجراحة حسب الحالة المرضية، وعدم وجود استشاري تخدير وعناية مركزة لتقييم الحالة قبل دخولها الى غرفة العمليات وهذا يؤثر سلبا على الحالات المرضية وتنتج هنا المضاعفات قد تكون الاعاقه او اخطاء طبية مثل دخول المريض في مضاعفات بتر او التصاقات أو مشاكل أخرى”.

وحيال ذلك، ما دور مكتب الصحة بالمحافظة، يجيب ناطقه الرسمي لمنصة “ريف اليمن”، قائلا إنهم “يبذلون جهوداً كبيرةً في الرقابة والتفتيش وتأهيل الكوادر حيث تم تفعيل برنامج الإحالة إذ يتم من خلاله تحويل الحالات المرضية الصعبة من المراكز الصحية في الأرياف إلى المستشفيات الحكومية التي يتوفر فيها الأجهزة والمعدات الطبية والكادر المؤهل “.

ويشير إلى أن “هناك رقابة ونزول ميداني للمراكز الصحية الخاصة والحكومية وتعيين مدى كفاءتها وجودة العمل فيها ومعرفة توفر الكادر الطبي ومؤخراً عمل مكتب الصحة في المحافظة على تصحيح أوراق الكوادر الصحية عبر اختبارات مزاولة المهنة ومن شأن ذلك أن يساهم في تحسين جودة العمل والحد من حدوث الأخطاء الطبية وتخفيف معاناة المرضى”.

ذمار.. التغيرات المناخية تسبب تراجع بمحصول الذرة الرفيعة

الذرة الرفيعة في ذمار

يشكو المزارع “علي الزعلة” نقص محصول الذرة الرفيعة هذا العام في ذمار جنوب العاصمة صنعاء بسبب التغيرات المناخية التي أدت لانقطاع الأمطار في وقت مبكر من فصب الخريف العام الجاري 2023، والذي يبدأ في نهايته حصاد الحبوب.

ويقول الزعلة لـ”منصة ريف اليمن”، حصاد هذا العام كان صادما، حيث كنا نحصد من 25 إلى 30 قدحا من الذرة سنوياً، لكن هذا العام للأسف لم تستمر الأمطار الوقت الكافي وانقطعت سريعا ما جعل معظم سنابل الذرة خالية من الحبوب وما حصدته هذه العام لن يصل عشرة أقداح.

زراعة الذرة الرفيعة

وتعد الذرة الرفيعة من محاصيل الحبوب التي تشتهر اليمن بزراعتها، وتنتشر زراعتها في المناطق الباردة أو المائلة للبرودة، وتعتمد في كثير من المناطق اليمنية على الأمطار التي ترافق الموسم الزراعي.

وبحسب المركز الوطني للمعلومات، تبلغ المساحة الصالحة للزراعة في الجمهورية اليمنية 1539006 هكتار، فيما تمثل المساحة المزروعة منها حوالي 1241387 هكتار.

ويعتبر موسم حصاد هذا العام هو الأصعب على المزارعين بسبب التغيرات المناخية وانخفاض القيمة الشرائية للمحاصيل في السوق، كما يقول المزارع “فواز المصنف” الذي أكد أنه لم يحصد هذا العام سوى 8 أقداح (القدح يساوي 38 كيلو جرام) بينما كان يحصد سابقا حوالي 18 قدحا سنويا، بمعني انه تراجع المحصول بأقل من النصف.

ويؤكد الزعلة لـ”منصة ريف اليمن”، أن هذا النقص سيضاعف معاناته كون الزراعة هي مصدر دخله الوحيد الذي يعتمد عليه في تأمين الغذاء لأسرته طوال العام. حيث يقول” تعتبر الذرة مصدر غذائنا التي نعتمد عليه ولا نلجأ لشراء الدقيق إلا قبل موسم الحصاد بفترة قليلة بعد نفاذ المحصول، أما هذا العام فسنكون في صراع من أجل شراء الدقيق في وقت مبكر”.

ويلعب القطاع الزراعي دوراً مهماً في الاقتصاد الوطني لليمن، إذ يبلغ متوسط مساهمته حوالي 13.7% من إجمالي الناتج المحلي، في حين تبلغ مساهمة هذا القطاع في الدخل القومي 16.5%.

وتستحوذ الحبوب على أغلب المساحة المزروعة في اليمن كما توضح بيانات الإحصاء الزراعي في وزارة الزراعة والري بنحو 57 %، بينما لا تتجاوز مساحة البقوليات 3%، وتتوزع النسبة المتبقية 40% على الفاكهة والخضروات والمحاصيل النقدية والأعلاف والقات.

وأثرت التغيرات المناخية الشديدة في اليمن بشكل كبير على قطاع الزراعة في البلاد وهو قطاع حيوي يعمل فيه عدد كبير من الافراد كما يعتبر مصدراً رئيسياً لإنتاج الغذاء المحلي في اليمن.

تحديات وصعوبات

من جانبه يقول المزارع جملان الحجري إن أزمة المناخ هذا العام جاءت لتضاعف الأعباء التي نعاني منها في السنوات الأخيرة.

وأضاف في حديث لـ” منصة ريف اليمن”، أجبرتني ارتفاع أسعار الأسمدة على عدم شرائها واستخدامها بسبب الوضع المادي وتدني أسعار المحاصيل في السوق ومن الجانب الآخر ارتفعت تكاليف وأجور الحراثة بشكل كبير.

ويتابع قائلا “عدم استخدام السماد تسبب في نقص المحصول وحتى أثر على كمية الأعلاف التي ندخرها للمواشي والآن نتفاجأ بصدمة أخرى وهي تغير المناخ.

ويزرع اليمن حبوب الذرة والدخن والشعير والقمح والذرة الشامية والبن، في حين يعتمد مزارعوه على موسم إبريل/ نيسان لبذرها والبدء بزراعة العديد من أصنافها بسبب الاعتماد على موسم الأمطار.

ويؤثر اعتماد العديد من المناطق على الزراعة المطرية على استدامة الإنتاج الزراعي حيث تقدر نسبة المساحة المطرية (51%) من إجمالي المساحة المزروعة، وتعتمد مناطق أخرى على ضخ المياه الجوفية أو مجموعة الخزانات والسدود والغيول والينابيع المائية حيث تصل المساحة المروية منها إلى (49%) من إجمالي المساحة المزروعة.

يقول عبدالله مهدي وهو مزارع من إحدى مناطق ريف ذمار  إن منطقتهم تفتقر لوجود السدود والحواجز المائية مما جعلهم فريسة سهلة للتغير المناخي، ويضيف” انتهي موسم الأمطار في وقت مبكر وأصبحت الحياة صعبة للغاية لأنه ليس لدينا مصدر مياه بديل لري محاصيلنا”.

الحاجة إلى الوعي

الخبير الزراعي والباحث في جامعة ذمار هشام السالمي قال انه وعلى الرغم من أنه بدأ موسم الأمطار هذا العام في وقت مبكر وهذا من علامات الاضطرابات المناخية كان يجب على المزارعين وضع البذور مع بدأ الأمطار ولكن بسبب قلة التوعية بالتغير المناخي انتظر المزارعين إلى المعالم المحددة للحراثة برغم بداية الأمطار من قبل.

ودعا هشام خلال حديث لـ” منصة ريف اليمن“، الجهات المعنية القيام بدورها في توعية المزارعين ومساعدتهم في مواجهة هذه الاضطرابات المناخية والتكيف معها والعمل على تقليل الخسائر قدر الإمكان ولا يصح ان يكونوا ضحايا الإهمال وقلة التوعية.

وشدد على ضرورة تنبيه المزارعين وإبلاغهم بما تشير إليه التوقعات ومراصد الطقس والخرائط على المدى البعيد والمتوسط ولا يكتفي المركز الوطني للأرصاد بنشر التوقعات لـ 24 الساعة القادمة فقط لأن هذا الموضوع يهم المزارعين.

أما الخبير الزراعي محمد المصنف أكد أن أهم ما يحتاجه المزارعين في مثل هذه الظروف والتقلبات المناخية هي بناء السدود والحواجز المائية حتى يتمكن السواد الأعظم من أبناء الريف من تأمين لقمة العيش وكذلك الحفاظ على الأمن الغذائي بشكل عام.

ويشير كتاب الإحصاء الزراعي للعام 2021 إلى أن المساحة المزروعة من الذرة الرفيعة بلغت نحو 348 ألف هكتار، ووصلت كميات الإنتاج إلى حوالي 523 ألف  طنًا، مقارنة بالعام بـ 340 ألف طنا في 2014م قبل الحرب.

وبحسب كتاب الإحصاء الزراعي، احتلت محافظة الحديدة في المركز الأول من حيث المساحة المزروعة عام 2021، نحو 126 ألف هكتارا، وكمية إنتاج ما يقارب 140  ألف طنا، ومحافظة حجة ثانيا بمساحة نحو 54 ألف هكتارا، وكمية الإنتاج  ما يقارب 100 ألف  طنًا، وجاءت محافظة إب في المركز الثالث ما يقارب 22 ألف هكتارا، وكمية إنتاج 55 ألف طنا، فيما احتلت محافظة ذمار المركز الرابع بمساحة 21 ألف هكتاراً، وكمية إنتاج 55 ألف طنا.