الخميس, مارس 5, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 79

الزراعة في أبين: انتعاش ما بعد الحرب يحتاج دعم

الزراعة في أبين: انتعاش ما بعد الحرب يحتاج دعم
الخبير الزراعي عبد القادر السميطي في إحدى مزارع أبين جنوب اليمن، سبتمبر/ أيلول 2023 (ريف اليمن)

يتحدّث الخبير الزراعي اليمني، عبد القادر السميطي، عن وضع الزراعة في أبين والتحديات التي واجهتها خلال الحرب، والتراجع الذي شهدته في العقود الماضية، وكيف تصحّرت الأراضي وتراجعت المحاصيل.

وفي مقابلة مع منصة “ريف اليمن”، أكّد حاجة القطاع الزراعي إلى الدعم الحكومي، من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأشار إلى تجربة زراعة القمح في أبين بجهود ذاتية، وقال: “إن وجود الدولة إلى جانب المزارع هو الدافع الرئيس لتطوير الزراعة”.

يعمل المهندس السميطي عن قرب مع المزارعين في أبين، وهو ممثل الجمعية الوطنية للبحث العلمي، وقال: “أبين حاليًا، منطقة واعدة بأن تكون سلة اليمن الغذائية”، ويضيف: “في الموسمين الماضيين، شهدت أبين تطورًا في زراعة كثير من المحاصيل، خاصة الحبوب”.

ويحاول المزارعون في أبين جنوب اليمن إنعاش قطاع الزراعة الذي يُعد نشاطاً رئيساً للسكان البالغ عددهم 616 ألف نسمة 75% منهم في الريف، وتبلغ مساحة المحافظة نحو 16,943كم مربع، وتقع بامتداد 300 كم على الشريط الساحلي للبحر العربي.

في الجزء الأول، من المقابلة، مع المهندس عبد القادر السميطي يتحدّث عن مجمل التحديات والمشاكل التي تواجهه الزراعة في أبين، وفي الجزء الثاني عن عدد من القضايا الأخرى التي تهم المزارعين على المستوى الوطني، وفي طرق إنعاش القطاع الزراعي بعد الحرب.

الزراعة في أبين: انتعاش ما بعد الحرب يحتاج دعم
مقتطفات من مقابلة الخبير الزراعي السميطي مع منصة “ريف اليمن”.

الجزء الأول من المقابلة

بدايةً، لو وضعتنا أمام الصورة الكاملة للقطاع الزراعي في أبين!

أولاً دلتا أبين تحديدًا تحتضن أكثر من 85 ألف فدان من الأرضِ الصالحة للزراعة، هذه المساحة كانت قبل عام 1990 مروجا خضراء تكسوها مختلف المزروعات ذات الجودة الغذائية الرفيعة، وبعد هذا التاريخ أصابتها تقلبات الأوضاع في اليمن بشللٍ تام، ولهذا أعتقد أن أكثر من نصف المساحة المذكورة حاليًا أصبحت غير صالحة للزراعة.

وهناك أسباب أهمها: تدمير إدارة الري التقليدي، وقد كان المزارعون يعتمدون عليها في إصلاح كثير من القنوات المائية، بما في ذلك توصيل مياه السيول إلى وسط الحقول الزراعية في إطار دلتا أبين ومناطق أخرى كثيرة مجاورة، وأدى تعطيل مسار الري المباشر إلى جعل كثير من الأراضي خارج نطاق الزراعة.

  • تصحر الأراضي الزراعية

أضف إلى ذلك الاجتياح الواسع لشجرة “السيسبان” ووصولها إلى وسط الحقول الزراعية، وقد غابت الحلول الجذرية لمعالجة هذه المشكلة واقتلاع هذه الأشجار المضرة بالمحصول.

وأدى زحف الكثبان الرملية إلى طمر عدة مناطق زراعية، أبرزها مناطق الفيش والجبلين والمسيمير ودعولة، (جنوب اليمن) كما انجرفت الأراضي الزراعية بسبب كمية السيول المتدفقة إلى المنطقة، وتأتي هذه الكوارث مع غياب الاستثمار الحقيقي لهذه المياه، فقد تُركت لتحدث الضرر فقط.

وكانت أبين تمتلك كثيرا من الآليات والمعدّات الزراعية الضخمة منها السيارات والحراثات، وكانت تساعد المزارعين في حرث الأرض، ولكنها أُعطبت كليًا بسبب الحرب، وكانت هيئة الزراعة بدلتا أبين وزارة مصغرة تحتوي على كل الأقسام، منها الأبحاث والإرشاد الزراعي وغيرها، لكنها أضحت أثرًا بعد عين.

ما أبرز الأصناف الزراعية في أبين؟

في الوقت الراهن تشهد محافظة أبين تطورًا طفيفاً في القطاع الزراعي، خصوصا بعد استعادة وتفعيل وترميم مركز البحوث الزراعية في منطقة الكود بأبين، هذا المركز الذي دُمر بالكامل خلال سنوات الصراع.

ولهذا يُعد إصلاح ما كان مدمرا إنتاج المزيد من المزروعات بمختلف أنواعها، وهنا نضع بالاعتبار أن أبين تتمتع بأرض خصبة، وتزرع كثيرا من الأصناف على رأسها الحبوب، وأبرزها: الذرة الرفيعة، والشامية، الدخن، الكنب، الشعير، القمح.

بالإضافة إلى كثير من أنواع الخضروات، ومن محاصيل الفاكهة المانجو، والباباي الأكثر شهرة، والجوافة، والليمون، وكل هذه المحاصيل مهمة من ناحية الفائدة والمكملات الغذائية.

وأبين حاليًا منطقة واعدة بأن تكون سلة اليمن الغذائية، ولن يتحقق ذلك إلا إذا نظرت الجهات المعنية إلى احتياجات الأراضي الزراعية.

الزراعة في أبين: انتعاش ما بعد الحرب يحتاج دعم
فاكهة العنبة (البابيا) في إحدى مزارع أبين جنوبي اليمن (فيسبوك/ حيدرة واقس)
  • زراعة القطن

محافظة أبين معروفة بزراعة أفضل أنواع القطن، وكان يُسمى “القطن العالمي طويل التيلة”، وكان يُصدّر إلى كثير من الدول الأوروبية، على وجه الخصوص بريطانيا والاتحاد السوفيتي آنذاك.

لكن انحسرت زراعة هذا الصنف الأكثر رواجًا على المستوى العالمي بسبب غياب اهتمام الدولة بالصنف وعدم الاهتمام باستمرارية زراعته، ونأمل إعادة زراعة هذا المحصول القومي الذي يمثل أكثر من 25% من الاقتصاد الوطني آنذاك.

هل ما تزال زراعة القطن مستمرة في أبين؟

زراعة القطن مستمرة، لكن للأسف الشديد، بصورة خجولة، ولا يتعدى الإنتاج خلال الموسم الزراعي أكثر من 300 ألف رطل من مساحة زراعية لا تتجاوز 300 فدان، وكانت أبين تزرع مساحات كبيرة من القطن قبل عام 1990، ووصل الإنتاج إلى نحو اثنين مليون رطل في مساحة زراعية تقدر بأكثر من 3800 فدان.

وكانت زراعة القطن تمثل محورا رئيسا في الاقتصاد اليمني، وخلال شهرته الواسعة عبر حدود العالم كأفضل محصول يمني وأكثره جودة، ولاستعادته عوامل كثيرة في مقدمتها إعادة القانون المركزي للدولة حتى يعود زراعته مجددًا.

  • الحاجة إلى دعم الحكومة

متى بدأ الإنتاج الزراعي يتراجع في أبين؟

التراجع إلى قرب الصفر حدث في بداية الحرب، وهي مرحلة أجهضت الزراعة بصورة كبيرة، نعم كان هناك تراجع سابقًا، لكن أقل مما في سنوات الحرب، لكن في الموسمين الماضيين شهدت أبين تطورًا في زراعة كثير من المحاصيل خاصة الحبوب.

اهتم كثير من المزارعين بزراعة الحبوب، نتيجة الأزمة التي حدثت بسبب الحرب “الأوكرانية الروسية” وخوف المزارعين من الجوع في حال توقف الاستيراد، وهذا دفعهم إلى إعطاء أهمية قصوى للزراعة ومعاودة تنشيطها.

ووفر هذا النشاط الزراعي البذور بصورة كبيرة في أبين، بالإضافة إلى تصدير هذه البذور إلى بعض المحافظات المحتاجة، وأبين لديها قطاع نباتي مربح إن وجدت النية الحقيقة لإعادة الزراعة بوفرة.

أبين بحاجة إلى دعم حكومي لتشجيع الزراعة، وسيستغني الجميع عن مساعدات المنظمات، وهذا اكتفاء ذاتي يُحسب للبلاد ولأمنها الغذائي؛ إذ إن الأراضي المزروعة تراجعت وباتت عُرضة للسيول المتدفقة.

الزراعة في أبين: انتعاش ما بعد الحرب يحتاج دعم
مزرعة قمح في منطقة “جعولة” بمحافظة أبين جنوب اليمن، فبراير 2023 (عبد القادر السميطي)
  • زراعة القمح

شهدت أبين خلال الفترات الماضية زراعة القمح، فكيف تقيم التجربة؟

زراعة القمح تطور ملحوظ للبلاد ورافد اقتصادي ثمين للدولة، وهو محصول قومي للأمن الغذائي، صحيح هذه التجربة لم ترتق إلى المستوى المطلوب، ولكن نستطيع القول إنها خطوة جيدة ينقصها المساندة للاستمرار بالجهد نفسه.

في ظل الحرب، نشعر أن هذا إنجاز كبير نحو الاكتفاء الذاتي، وهناك جهود حثيثة تبذل من المزارعين رغم كل الصعاب التي وقفت أمامهم، وغياب التشجيع في الاستثمار بزراعة القمح، وطالبنا الجهات المختصة دعم ذلك، لكن للأسف باء كل ذلك بالفشل.

لكن التجربة قيمة ومثمرة؛ لأنها بمبادرة ذاتية من الأهالي وبأدوات بسيطة، وهنا نشير إلى أن وجود الدولة إلى جانب المزارع مهم جدا، لاستصلاح الأراضي، وهي الدافع الرئيس في تطوير الزراعة، ومن دونها ستظل كافة الجهود شحيحة لإحداث نقلة نوعية في القطاع الزراعي.

  • تأثير الحرب على الزراعة

كيف تضرر قطاع الزراعة في أبين خلال الحرب؟

الصراع في البلاد هو العائق أمام التمدد الزراعي، وبسببه تحولت الأراضي الزراعية إلى ساحة حرب، وهو ما اضطر المزارعين إلى تركها، وظلت لسنوات تحت أزيز الرصاص مهملة، حتى خرجت القوى المتصارعة من المنطقة وعادت لها الحياة.

ترك كثير من المزارعين أراضيهم الخضراء بعد الاجتياح المسلح لها، وانتقل بعضهم للمدن طلبًا للرزق، وجارت الحرب على الزراعة، وأجبرت المزارعين على أن يتركوها خاوية على عروشها، وهذا الأمر تسبب في حالة إهمال كبيرة للأراضي وتركت لسنوات تقاوم الخراب.

بعد هذه السنوات من الإهمال، حاول المزارعون بجهود ذاتية إعادة ترميم الخراب الحاصل والبدء في نبش الأراضي بعد التأكد من سلامتها من متفجرات ومخلفات الألغام.

هل هناك اهتمام بالزراعة؟

نعم، ولكن ليس بالمستوى المأمول، فالاهتمام بالأراضي الزراعية موجود لكنه ذاتي فقط. وبعد إعادة مكتب الإرشاد الزراعي ممارسة عمله بعد الدمار شبه الكلي الذي طال القطاع الزراعي بسبب الحرب، بدأت الزراعة تأخذ منحى متصاعدا من التعافي، ولكن لن تكون هذه الجهود ذات قيمة فعالة في حال استمرار غياب الدعم من الدولة.


تنويه:  إليكم الجزء الثاني من المقابلة، هل يمكن نجاح الزراعة بلا أسمدة أو مبيدات كيميائية؟ الخبير السميطي: الأسمدة العضوية تزيد الإنتاج 35% وعلى المزارعين استخراج البذور من محصولهم

مصدات الرياح في الأراضي الزراعية

مصدات الرياح في الأراضي الزراعية
مصدات الرياح

مصدات الرياح للأراضي الزراعية، هي حواجز تتألف من أشجار وشجيرات تستخدم للحد من آثار الرياح الضارة. وتساهم في حماية البئية من التصحر وزحف الرمال. ويتم إنشائها لعدة أغراض، منها:

  1. خفض سرعة الرياح: تعمل مصدات الرياح على تقليل سرعة الرياح وتشتتها، مما يقلل من قوتها الضارة.
  2. الحماية من الأضرار الميكانيكية: تساعد مصدات الرياح في منع كسر واقتلاع الأشجار وتحمي النباتات والأزهار من الأضرار الناجمة عن الرياح الشديدة. كما تساعد في صد الرمال التي يمكن أن تسبب ضررًا لأوراق الأشجار والنباتات.
  3. تقليل التبخر والحفاظ على الماء: تعمل مصدات الرياح على تقليل التبخر من التربة والنباتات، مما يساهم في توفير المياه والحفاظ عليها.
  4. حماية التربة والمناطق الزراعية: تساعد مصدات الرياح في حماية التربة من الانجراف والتعرض للرمال، وبالتالي تحافظ على خصوبة الأرض وتقلل من تآكلها.
  5. تنظيم درجات الحرارة: يساهم وجود مصدات الرياح في تنظيم درجات الحرارة في المنطقة المحمية، مما يحمي الأشجار المثمرة من الاحتراق أو آثار الصقيع.
  6. الجوانب الجمالية والبيئية: تعطي مصدات الرياح شكلًا جماليًا للمزارع والحدائق، وتوفر الظل وتحسن المناظر الطبيعية. كما تزيد من وجود منتجات النحل وتوفر ثمارًا قابلة للأكل مثل التوت.

شروط لاختيار الأشجار المناسبة لمصدات الرياح، وتشمل:

  • أن تكون رخيصة التكاليف وسهلة التكاثر.
  •  أن تكون سريعة النمو وتصلح للنمو في مناطق عالية.
  • أن تكون مستديمة الخضرة وجيدة التفرع.
  • أن تكون لها جذور عمودية تمنع التداخل مع جذور الأشجار الأخرى في حالة الاستخدام في المزارع.
  • أن تكون مقاومة للآفات الحشرية والفطرية التي يمكن أن تؤثر على الأشجار.

أنواع مصدات الرياح

  • الكازورينا: تتميز بأنها مستديمة الخضرة، وتناسب الأماكن ذات القساوة المناخية المرتفعة.
  • الكافور: تتميز بأنها مستديمة الخضرة وتملك جذورًا عمودية.
  • السدر والنخيل والكالبتوس: تصلح للحدود الزراعية وتحمي مناطق استصلاح الأراضي في المناطق القاسية.
  • السرو: يتم استخدامه في المناطق ذات المناخ المعتدل والبارد.
  • الصنوبريات: تستخدم في المناطق ذات المناخ المعتدل والبارد.

أما بالنسبة للشجيرات، فتستخدم بشكل عام لمصدات الرياح الصغيرة وتشمل الأراك والحناء والدفلة وكف مريم وغيرها من الشجيرات المقاومة للظروف الجوية القاسية.

يمكن تحسين فعالية مصدات الرياح عن طريق تنظيم ترتيب النباتات، حيث يفضل أن تكون المصدات النباتية قريبة من بعضها البعض لتعزيز تأثيرها الحاجز. على سبيل المثال، يكون ترتيب الرقع المستطيلة الصغيرة أكثر فعالية من ترتيب رقع أكبر.

باختصار، مصدات الرياح تعد حلاً فعالًا للحد من آثار الرياح الضارة وحماية المزارع والبيئة المحيطة. تختلف أنواع مصدات الرياح وفقًا للمنطقة والمناخ، ويجب اختيار الأشجار والشجيرات الملائمة وفقًا للشروط المحددة والغرض المرجو من المصدات النباتية.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاد بشأن الزراعة أو الماشية، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
ومتابعتنا مواقع التواصل الاجتماعي التالية:-
فيسبوك .  تويترواتسابتلغرام . إنستغرام

تعز.. مكفوفو “قرية ضَيّة” محرمون من التعليم

مكفوفو قرية ضَيّة بتعز..حرمان من البصر والتعليم

يجد الطفل الكفيف غفّار فازر، نفسه وحيداً داخل الفصل الدراسي بقرية ضيّة بمديرية جبل حبشي، فلا المناهج مناسبة، ولا أدوات التعليم الخاصة بالمكفوفين متوفرة في المدرسة الحكومية التي سجل فيها، بريف محافظة تعز جنوب غربي اليمن.

لم يجد “غفّار” من حل، سواء الدراسة مع بقية الطلاب بالمدرسة العامة، بسبب انعدام المدراس الخاصة بالمكفوفين في منطقته، ويدرس حاليا في الصف الثامن، ويشكو من صعوبات كثيرة تعترض طريقه في الحصول على التعليم بطريقة تناسبة إحتياجه الخاص

مكفوفو قرية ضيّة في تعز

يقول لمنصة ريف اليمن: ” أدرس في مدرسة الفجر الجديد، وهي مدرسة عامة، وتبعد عن منزلنا بقرية ضيّة، مسافات طويلة، كنت أذهب مع شقيقي حتى تعودت على الطريق، لكن أحياناً أتعرض للسقوط”.، ويضيف “أنا بحاجة ماسة لعصا بيضاء تساعدني أثناء ذهابي إلى المدرسة”.

والعصا البيضاء هي أداة يستخدمها الكفيف للتحرك في محيطه، وعادة ما تكون عصا طويلة وصلبة ذات رأس معدني أو بلاستيكي. يمكن أن يبسطها الكفيف أمامه ويعيد طيها ليتحسس طريقه ولتحذيره من وجود أية عوائق أو تغير في المكان.

ويواجه المكفوفين في المناطق الريفية بمحافظة تعز، صعوبات كبيرة، ويجدون أنفسهم عاجزين عن الحصول على أبسط الاحتياجات الأساسية لاسيما حقهم في التعليم نتيجة غياب المدارس الخاصة بهم بالإضافة لافتقار المدارس الحكومية لكافة الأدوات المساعدة لهم خلال تعليمهم.

وتفتقر المناطق الريفية بمحافظة تعز لوجود المدارس الخاصة بالمكفوفين، ويوجد فقط بالمحافظة كلها مدرسة تقع داخل المدينة، رغم أن القانون اليمني يكفل التعليم لهذه الفئات ويضمن حقوقهم.

تعز.. مكفوفو "قرية ضَيّة" محرمون من التعليم
الطالب الكفيف عميد محمد، وعلى يمنيه استاذ المادة يشرح له الدرس في قرية ضية بريف تعز جنوب غربي اليمن (ريف اليمن/ إياد البريهي)

وتنص المادة الرابعة من القانون رقم (61) لسنة 1999م بشأن رعاية وتأهيل المعاقين أن” لكل معاق حق التأهيل بدون مقابل والاستفادة من برنامج التأهيل المهني والرعاية الاجتماعية التي تقدمها مؤسسات ومراكز دور الرعاية وتأهيل المعاقين”.، كما تنص المادة الـ5 من ذات القانون على “تنشأ المعاهد والمؤسسات والهيئات والمراكز اللازمة لتوفير خدمات التأهيل للمعاقين(…)”.

وبحسب إحصائية لمنصة ريف اليمن، يصل عدد المكفوفين في قريتي ضيّة وعناقب بعزلة البريّهة بمديرية جبل حبشي، إلى 6 مكفوفين، فضلا عن تواجد مكفوفين في المناطق المجاورة، جميعهم يفتقدون لوجود مدرسة خاصة بهم، ووسائل تعليم مناسبة كالكتب البصرية المكتوبة بخط كبير، والبرامج الصوتية، إضافة إلى الشاشات اللمسية والكتابة بلغة البرايل، والقارئات البصرية كي يتمكنوا من التعليم والاعتماد على أنفسهم.

نحو مليون مكفوف

ولا تتوفر إحصائيات دقيقة بعدد المكفوفين في اليمن، إلا أن الجمعية اليمنية لرعاية وتأهيل المكفوفين، قدّرت في تصريحات منشورة على الانترنت، إنّ عدد الأشخاص المكفوفين في اليمن نحو مليون شخص، يتوزّعون على الريف والمدن، ولا يستطيع جميعهم الحصول على الخدمات والتعليم، وقد ساهمت الحرب في زيادة العدد بشكل كبير.

الطالب الكفيف عميد محمد، من قرية العناقب، هو الآخر يتحسر على نفسه، بالقول “تركونا وسط ليل لا يزول، بلا تعليم او مدارس خاصة، شاكياً من عدم وجود القسم الأدبي في المدرسة التي يدرس فيها، موضحا معاناته مع المواد العلمية.

ويتساءل عميد الذي يدرس في الصف الثالث الثانوي، خلال حديثه لـ” ريف اليمن”، عن مصيره بعد الدراسة حيث لم يتبقى سوى نصف خطوة على اتمام الدراسة وهو لم يحظى في أي أداة تعليمية خاصة بالمكفوفين.

يقضي عميد مع المذياع لساعات طويلة يؤنس ظلمته التي لا تنتهي ويحفظ ما يسمعه معترفاً بهزيمته مع الكتابة. قائلاً “:والدي عامل بالأجر اليومي بالريف عجز عن توفير تكاليف مدرسة خاصة بالمكفوفين بالمدينة مؤكداً بذلك أنه لا يستطيع دخول الجامعة و يكتفي بالشهادة الثانوية لقلة الدعم”.

وفي ظل غياب المدارس الخاصة، يشعر أولياء أمور الطلاب المكفوفين بالخوف من ضياع مستقبل أولادهم التعليمي وعدم تحقيق طموحاتهم، إذ يقول والد الطفل غفار:”لم اعرف الراحة بحياتي وانا افكر بتعليم اولادي لكن دون جدوى”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن :” الريف مقبرة لمواهب المكفوفين، حيث لا توجد مدارس ووسائل خاصة بهم، وقد يضطرون لترك التعليم، يستغرب فازر من غياب دور الحكومة برعاية المكفوفين وتأهيلهم حتى يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم”.

وتحاول المدارس الحكومية في الأرياف استيعاب الطلاب المكفوفين من أجل الحفاظ على مستقبلهم التعليمي. ويقول الاستاذ منصور عبد الدائم مدير مدرسة الفردوس:”المكفوفون لهم مدارس ووسائل خاصة بهم، ولكن بسبب انعدامها اضطررنا لقبولهم بالمدارس الحكومية حرصاً على تعليمهم ولو بشيء بسيط” .

“نبذل جهود كبيرة لتعليم المكفوفين، نأمل توفير مدارس خاصة بهم، نحن نتعاون معهم بشكل خاص أكثر من الطلاب الغير مكفوفين لكن ذلك لا يكفي”.، يقول منصور لمنصة ريف اليمن .

إهمال حكومي

أما الاستاذة هناء علي، وهي معلمة بمدرسة الفجر الجديد فتقول :”عندما يكون الطالب بالمرحلة الابتدائية يتطلب بذل جهود كبيرة أما المكفوف فيحتاج لوقت أكثر كونه فاقد أهم الحواس، مشيرةً أن مهمة تعليم المكفوفين شاقة بالمدارس العامة فهم بحاجة إلى وسائل خاصة بهم”.

وتضيف لريف اليمن:” يحتاج المكفوفين إلى مدرسين من ذوي الخبرة في التعامل معهم ومعرفة أفضل الطرق لتقديم المعلومات لهم، كما يجب توفير برامج تدريبية للمعلمين لرفع وعيهم بحاجات الطلاب المكفوفين وكيفية تلبيتها بشكل فعال.

أمين عام جمعية المكفوفين بمحافظة تعز سفيان أحمد، قال إن ” المكفوفين في تعز يعدون أكبر شريحة مهمشة على مستوى اليمن، كونهم محرومين من أبسط الاحتياجات والتعليم والصحة والكفالات والمساعدات النقدية”.

ويضيف سفيان لمنصة ريف اليمن،: “يوجد لدينا بمدرسة دروب الخير للمكفوفين بمديرية القاهرة، ما يقارب 750 مكفوفا، مؤكداً أنه كلما ابتعد الارياف عن الجمعية كلما قل الانتساب”، داعيا إلى توفير مساكن لجميع الفئات العمرية إضافة إلى اعتماد ودعم تكلفة التنقل من الريف للمدينة”.

وعبّر عن أسفه لتنصل الحكومة والمنظمات عن برعاية المكفوفين، مؤكدا أن الميزانية التي تصل هي من صنعاء، مستغربا عدم اهتمام مكتب التربية بالمحافظة بمدرسة المكفوفين، بل إنهم يستكثرون زيارتها، إضافة إلى عدم إقامة دورات خاصة بالمكفوفين”.

ودعا سفيان كل فئات المجتمع للوقوف مع المكفوفين ليتجاوزوا قسوة الحياة، ولكي يحصلوا على كافة حقوقهم، وخاصة المكفوفين في الأرياف الذين يعانون العزلة والتهميش على حد سواء.

ولاتزال معاناة المكفوفين تتفاقم يوما بعد آخر، نتيجة الحرب المستمرة في البلاد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في ظل إهمال الجهات الحكومية المتخصّصة التي لم تقدّم لهم الحد الأدنى من الرعاية والاهتمام.

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
جانب من فاكهة المانجو اليمني في مهرجان بحديقة السبعين بالعاصمة صنعاء 12 مايو/ آيار 2024 (ريف اليمن)

احتضنت حديقة السبعين بأمانة العاصمة صنعاء، فعالية المهرجان الوطني الأول للمانجو اليمني، الهادف للترويج والتسويق لثمار فاكهة المانجو، ولإعادة الاعتبار له، وذلك عقب استهدافه بحملة تشويه واسعة، تسبّبت بخسائر كبيرة للمزارعين.

وأعلن اعتماد 12 مايو من كل عام يوماً وطنياً لفاكهة المانجو، رداً على الإشاعات التي استهدفت المنتج الوطني، وزعمت وجود “ديدان”، داخل الفاكهة، الأمر الذي أضر بالمزارعين وتراجع نسبة مبيعاتهم، وأدى إلى كساد هائل في الأسعار.

مهرجان المانجو

“نتمنى أن يكون هناك معارض لكل الفواكه الموسمية”، بهذه الكلمات عبّر المزارع محمد علي عن سعادته بالمهرجان، وأضاف في حديثه لريف اليمن: “الدعاية السلبية على وسائل التواصل أثرت بشكل كبير على نسبة المبيعات، وعرّضتنا لخسائر كبيرة”.

وقال محمد الذي شارك بالمهرجان: “للأسف حملة التشويه أثّرت على المواطنين، كثير منهم تجنب الشراء، وأُجبرنا على البيع بأسعار أقل تفاديا للخسارة المضاعفة في حال فسدت الفاكهة”، لافتا إلى أن مشاركته في المعرض جاءت لعرض جودة المانجو اليمني وتحسين صورته ودحض الادعاءات الكاذبة.

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
أنواع المانجو اليمني معروضة في مهرجان المانجو بحديقة السبعين في صنعاء 12 مايو/آيار 2024 (ريف اليمن/ عبدالرحمن المحجري)

وتقدر الهيئة العامة للتنمية الزراعية والريفية، عدد أشجار المانجو المزروعة في اليمن بحوالي 2 مليون و17 ألف شجرة منها 30% أشجار غير مثمرة، ويتوقع أن تبلغ إنتاجية اليمن من فاكهة المانجو خلال العام الجاري 2024 أكثر من 477 ألف طن، بحسب بيانات تقديرية رسيمة نشرتها مصادر رسمية، بإرتفاع بنسبة 16% خلال العاميين الماضيين.

بدوره قال صالح ناجي: “إن عملية التصدير استمرت بشكل طبيعي ولم تتأثر بالدعايات السلبية”، مُرجعا السبب إلى أن العملاء في الخارج يثقون بجودة المانجو اليمني، وما يصل لهم إلا عبر فحص المقاييس والجودة، ولهذا لم يصدق أحد الشائعات.

ويضيف ناجي وهو مسؤول في أحد شركات تصدير المانجو: “منذ بدء الموسم، كُنا نصدر شاحنة إلى شاحنتين يومياً، حتى وصل الموسم للذروة التي كنا نصدر فيها ما يصل أحيانا لـ5 شاحنات، واستقر العدد عند 3 شاحنات بسبب اقتراب نهاية الموسم”.

مشيرا إلى أن المانجو اليمني يُصدر إلى جميع دول الخليج والعراق. أما التاجر محمود ناصر، فأوضح أن التصدير لا يعود دائماً بالربح على التجار، فالموضوع يعتمد على حالة المانجو عند وصوله إلى الدولة المستهدفة، لافتا إلى أن بعض الشحنات التي تُصدّر تحدث فيها خسارة، وبعضها تأتي بالتعويض وهكذا.

إنتاج وفير للمانجو اليمني

وتحتل اليمن المرتبة 21 حسب التصنيف العالمي لكمية إنتاج فاكهة المانجو بنسبة 0,69% وفق بيانات موقع التجارة الدولية Tridge، وتصل مساحة الأراضي المزروعة بفاكهة المانجو في اليمن إلى نحو 26,815 هكتارا، ومن المتوقع أن تصدر اليمن ما نسبته 28% من إنتاجية هذا الموسم إلى دول الخليج العربي.

مهرجان المانجو.. إعادة اعتبار للمنتج الوطني
جانب من المشاركين بمهرجان المانجو في صنعاء 12 مايو/ آيار 2024 (ريف اليمن/ عبد الرحمن المحجري)

وبلغ عدد المشاركين في المهرجان 120 مشاركا، منهم عشر جمعيات زراعية، و26 مشاركا ما بين وكلاء محليين ومصدرين خارجيين، بالإضافة إلى كبار المزارعين، وجمعيات تسويقية.

ويقول المزارع ياسر علي: “كان من المفترض أن يُقام المهرجان في شهر فبراير أو مارس ذروة الموسم، لكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي”.

وبيّن ياسر خلال حديثه لريف اليمن قائلا: “الجهود المجتمعية المدافعة عن المنتج الوطني التي كان بطلها رواد مواقع التواصل، أنقذت البيع داخلياً إلى درجة بسيطة، ولو كان المهرجان أقيم عقب الإشاعات مباشرة كان سيكون له تأثير أكبر”.

من ناحيته قال المزارع صالح سنان لريف اليمن: “الموسم شارف على الانتهاء، أبيع مخزوني هنا في المهرجان بخسارة، شاركت فقط من أجل إظهار المانجو بعكس ما روجت له الدعايات السلبية”.

سر الجودة

وللمانجو اليمني تحديداً مذاق متميز ومختلف، وقد انتشرت مقاطع لمواطنين من دول الخليج وهم يتغنون بطعم المانجو اليمني، كما أن له فوائد كثيرة أبرزها الوقاية من السرطان، وتسهيل عملية الهضم، وعلاج فقر الدم، وتقوية المناعة، وتعزيز صحة ووظائف الدماغ.

وعن سر جودة المانجو اليمني، قال المهندس الزراعي وليد الزريقي: “إن الأراضي الزراعية في اليمن غنية بمادة البوتاسيوم التي تزيد من حلاوة الفواكه بشكل طبيعي دون الحاجة لأسمدة بشكل كبير”.

وأضاف الزريقي لريف اليمن: “ليس فقط المانجو، ولكن جميع الفواكه اليمنية تتميز بالجودة الفريدة، وعند تصديرها إلى الدول الأخرى تلقى استحسان المستهلكين أكثر من الفواكه المنافسة من الدول الأخرى”.

وتتميز اليمن بزراعة أصناف كثيرة ومتنوعة من المانجو مثل: التيمور، التيمور المصري، قلب الثور، السمكة، البركاني، أبو سنارة، الحافوص، الفونس، الباميلي، السوداني، خدود البنات، بالمر، آرتش، كود 10، كِنت، وغيرها.

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال الحديدة

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال اليمن
سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال اليمن

بعد معاناة مع سوء التغذية الحاد، رحلت الرضيعة “شهد” عن عالمنا، وكان بمقدروها العيش، وهناك قصصا مأساوية لأطفال يعانون، وربما قد يكون مصيرهم متشابه إذا لم يتلقوا الرعاية اللازمة.

ويُعدّ سوء التغذية أحد أكبر أسباب وفيات الأطفال دون سن الخامسة في اليمن، لا سيما في المناطق الريفية، وبحسب منظمة اليونيسيف، أكثر من 45% من وفيات الأطفال سببها سوء التغذية.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2021، فإن هناك لاحتمال وفاة 61.9 طفلاً في اليمن، دون سنة الخامسة من كل ألف طفل مولود في البلاد.

تقول والدة شهد لمنصة ريف اليمن: “كنتُ أبذل قصارى جهدي لإنقاذ فلذة كبدي”، وتضيف وهي تحاول كبت دموعها: “لم أترك مستشفى في الحديدة إلا وذهبت إليه، لكن للأسف لم أتمكن من إنقاذها بسبب سوء حالتها الصحية”.

تهديد يتربص بالأطفال

رحيل شهد يعكس مأساة كثير من الأطفال اليمنيين الذين يفتقرون إلى الرعاية الطبية الأساسية بسبب الحرب التي تدخل عامها العاشر، ومعها تتلاشى آمال كثير من الأسر في العيش الكريم، وتصطدم بواقع مرير.

وبسبب سوء التغذية كذلك، تعاني الطفلة ميسون من التقزم، وتقول والدة ميسون: “ابنتي البالغة عامين تبدو كأنها ما زالت في الأشهر الأولى من عمرها، نحن نحاول جاهدين توفير المغذّيات لها، ولكنها لا تزال تعاني”.

تتجرع الأم وابنتها الألم الدائم، فلا يمكن لأم ميسون النوم بشكل جيد، بسبب قلقها على ابنتها وتقول: “أستيقظ باكرًا كل يوم، أشعر بالقلق والخوف على ميسون، وأتساءل يوميا هل ستنمو بشكل صحيح؟ هل ستكون قادرة على مواجهة التحديات؟”.

الصراعات المستمرة تجعل الأم تشعر بالعجز واليأس، “نحن نعيش في ظروف صعبة جدًا، ولا يوجد لدينا الكثير لنقدمه لميسون، أريد فقط أن تكون ابنتي بخير، ولكن الظروف تجعل من الصعب تحقيق ذلك”، تقول والدتها.

ومع استمرار الصراع وتعقيداته المتعددة، يجد الأطفال أنفسهم محاصرين بدوامة الفقر والجوع، بعيدًا عن الأمان والاستقرار الذي يحق لهم الاستمتاع به.

وبينما تتزايد حالات النزوح وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، يبقى الوضع الغذائي للأطفال الريفيين في اليمن تحديًا يتطلب تدخلًا عاجلاً وفعّالًا لتخفيف معاناتهم وحمايتهم من آثار الجوع الناجمة عنه.

يروي والد وفاء أحمد (35 عامًا) من مِيدي محافظة حجة بألم بالغ قصة ابنته ذات الأربعة أعوام، التي تعاني من التقزم بسبب سوء التغذية.

ويقول لمنصة ريف اليمن: “ولدت وفاء بين أحضان الحرب وظلم الظروف، فكانت معركتها الأولى للبقاء في عالم تجتاحه المعاناة والفقر، لم يكن لدينا الوسائل الكافية لتأمين الغذاء السليم والرعاية الطبية الأساسية لها، فتدهورت حالتها الصحية بسرعة”.

ويشير والد وفاء إلى نقص التغذية الذي تعاني منه ابنته، بسبب عدم تناولها الكميات الكافية من الطعام الصحي، ويقول: “كانت تبدو هشة وضعيفة، ولم يكن لديها القوة للعب مع أقرانها. كانت تبدو متعبة دائمًا وكأنها تكافح من أجل كل نَفَس تستنشقه”.

وبسبب انعدام الرعاية الصحية الأساسية، لم يتمكن والد وفاء من تشخيص حالتها في الوقت المناسب أو توفير العلاج اللازم، مما أدى إلى تفاقم حالتها وتقزمها.

يقول والد وفاء: “كانت لحظة صدمة عندما أخبرني الطبيب أن وفاء يجب أن تكون أطول من هذا بكثير. شعرت بالذنب والعجز، فكنتُ أعلم أنه كان بإمكاننا تفادي هذا لو كنا قد حصلنا على المساعدة الطبية في الوقت المناسب”.

سوء التغذية.. تهديد يتربص بأطفال الحديدة
طفلة تتعالج من سوء التغذية في بيت الفقية بمحافظة الحديدة غربي اليمن (يونيسف)

أرقام مقلقة

المسؤول الإعلامي لمنظمة اليونيسيف مكتب اليمن، كمال الوزِّيزة، قال لمنصة ريف اليمن: “إن أحدث المسوحات العنقودية متعددة المؤشرات (MICS) التي أجرتها المنظمة والجهاز المركزي للإحصاء في اليمن التي صدرت في نوفمبر 2023، وجدت أن مستويات الهزال بين الأطفال دون سن الخامسة تبلغ 16.9% بينما بلغت مستويات التقزّم عند الأطفال نسبة 48.6%”.

وأكد الوزّيزة أن هذه الأرقام مثيرة للقلق، كما أن ضعف الأطفال، خاصة في المناطق الريفية حيث الخدمات ضعيفة، يتفاقم بسبب تفشي مرض الحصبة وسوء الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة.

وأضاف: “يُعد سوء التغذية أحد أكبر أسباب وفيات الأطفال دون سن الخامسة، خاصة في المناطق الريفية في اليمن، حيث يسهم في أكثر من 45% من وفيات الأطفال، فالطفل الذي يعاني من سوء التغذية يكون أكثر عرضة لخطر الوفاة بثماني مرات مقارنة بنظيره الذي يتمتع بتغذية جيدة”.

ويفيد الوزيزة قائلا: “ومن المحتمل أن يعاني الطفل المصاب بسوء التغذية (التقزم) من عواقب جسدية أو معرفية سلبية مدى الحياة حتى بعد أفضل علاج. يمنع سوء التغذية في سن مبكرة الطفل من الوصول إلى كامل إمكانات نموه وتطوره”.

وللحد من ذلك، قال مسؤول إعلام مكتب اليونيسيف كمال الوزيزة: “إن استراتيجية الاستجابة المقترحة تشمل اختيار المحافظات والمديريات وتحديد أولوياتها باستخدام خرائط حرمان الأطفال المركبة لتوسيع نطاق التدخلات القطاعية في المناطق المحرومة للغاية، وكذلك الحفاظ على الحد الأدنى من حزمة الخدمات في المواقع الأقل ضعفًا”.

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تلبي زيادة التنبؤات والمشتريات والتجهيز للأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام الطلب المتزايد للأطفال الذين يعانون من الهزال الشديد والمعرضين لخطر الموت.

ويضيف: “نظرًا للدور القيادي الذي تلعبه اليونيسيف، سيتم أيضًا توسيع نطاق القيادة والتنسيق القويين للاستجابة الإنسانية في القطاع الذي تقوده اليونيسيف. ويمكن تحقيق الاستهداف والاستجابة بفعالية ومرونة، بناءً على الاحتياجات الناشئة بالاستخدام الفعال لقاعدة بيانات التغذية لمراقبة، ورصد المزيد من التدهور في الوضع”.

ماهو سوء التغذية

اختصاصية التغذية نعمة العزي بدورها قالت: “إن سوء التغذية الحاد مشكلة تتسبب في نقص العناصر الغذائية الأساسية التي تحتاجها أجساد الأطفال للنمو السليم والتطور العقلي، وبسبب نقص هذه العناصر، يواجه الأطفال تحديات تؤثر بشكل كبير على صحتهم ونموهم”.

وتضيف لمنصة ريف اليمن: “تؤدي سوء التغذية إلى تدهور في الصحة العامة، وقد يتعرض الأطفال المتضررين لمضاعفات صحية خطيرة مثل ضعف المناعة والأمراض المعدية وتأخر النمو والتطور”.

وعبّرت عن أسفها؛ لأن الأطفال في الريف اليمني لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية والعلاج المناسب؛ إذ تضطر كثير من العائلات إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن توجيه الموارد المحدودة نحو الغذاء بدلاً من العناية الطبية.

أما رئيسة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان رجاء المصعبي، فقد قالت: “إن اليمن شهدت أزمة غذائية خانقة تتفاقم يوماً بعد يوم، والضحايا الأبرياء الذين يدفعون الثمن الأكبر هم أطفال الريف.

تعتبر هذه الأزمة نتيجة لعدة عوامل، من بينها الحرب المستمرة، والتدهور الاقتصادي، وتغيرات المناخ، وتدهور البنية التحتية”. وتضيف المصعبي : “أزمة الغذاء في اليمن تُعرّض حياة الأطفال في الريف للخطر وتعرقل فرص نموهم وتطورهم الطبيعي”.

وشدّدت رئيسة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان على ضرورة وقف الحرب لإيجاد حلول فعّالة، فلا يمكن التوصّل إلى حلول دائمة ما لم تتوقف الصراعات؛ لأنها سببت أضرارًا هائلة لليمن وسكانه، لذا من الضروري توحيد الجهود لمواجهة هذا التحدي.

ودعت إلى تحويل المساعدات إلى مشاريع مدرة للدخل لضمان استفادة الجميع وتحقيق التنمية المستدامة، وهذا سيقلل من العبء على الدولة ويمنح الأفراد القدرة على توفير متطلباتهم الأساسية لضمان حياة آمنة لهم ولأطفالهم في الريف اليمني”.

عزيز المعافري.. ريشة فنان تُحاكي حياة الريف

عزيز المعافري.. ريشة فنان تُحاكي حياة الريف

عندما كان “عزير المعافري” طفلا في العاشرة من عمره كانت عصاه لا تفارق يده، يهشّ بها على غنمه كعادة أطفال الريف، وتارة يرسم بها على الأرض أشكالا ورسومات، غير مدرك أنها ستحوله من راعي أغنام إلى رسام محترف يحمل في سيرته قصة نجاح من نوع مختلف.

ولد الرسام التشكيلي عزيز عبد العليم المعافري عام 1993م، بقرية المعافر -مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن، كان وما زال، بحسب قوله، طفل القرية المحبّ الذي ارتوى منها حب الطبيعة والحياة الريفية بكل تفاصيلها وتضاريسها، وقسوة الحياة فيها، وانعكس تمسكه بها جليا في رسوماته وإبداعاته التشكيلية.

يقول لـريف اليمن: “الريف هو عشقي الوحيد وملهمي في كل لوحاتي الفنية، فيه المنازل العتيقة التي أضاءت نور عيني منذ لحظاتي الأولى، وذكرياتي الجميلة منذ طفولتي. جل أعمالي مستوحاة من الواقع والحياة الريفية”.

بدأت موهبة المعافري في الرسم منذ طفولته، حينما رسم وجه أحد أصدقائه بالطين في أثناء رعيه للأغنام في القرية، وقد برزت ملامح الريف اليمني في تفاصيل لوحاته الفنية، وحظي بإعجاب الجمهور، ويؤمن عزيز أن الريف منبع الإنسان اليمني، ومهما طغت المدينة بمعالمها وزخرفتها على حياته، يظل الريف ومعالمه وكل تفاصيله مصدر إلهام له ولرسوماته المتنوعة.

محاكاة حياة الريف

يضيف المعافري قائلا: “الفن التشكيلي يستطيع توصيل رسالة قيمة وهادفة إلى الجمهور، ويمكن أن يعالج قضايا الناس والتعبير عنهم، وقد أردت في رسوماتي أن نقل تفاصيل المجتمع الريفي، تبني قضاياه، عرض همومه ومعاناته، وقسوة ظروفه، لا سيما على المرأة التي تواجه صعوبات كبيرة منها جلب الماء”.

لوحات الريف هي عشق عزيز، ويعتبرها الأقرب إلى قلبه؛ لأنه ابن الريف، ولأنه متأثرا بشكل كبير بالحياة الريفية وبساطتها وعفوية الحياة فيها، ويلفت إلى أن جو الريف هو ما يحرك مشاعره وهوايته التي نقلها عبر لوحات فنية تحاكي الطبيعة.

لوحة فنية للمعافري تجسّد معاناة المرأة الريفية في نقل الماء على ظهر الحمير (عزيز المعافري)

“الريف هو الملهم الأول والأبرز لإنتاج لوحاتي الفنية، ومنها أول لوحة أنتجتها عن معاناة المرأة الريفية وهي تعدّ الطعام، ولوحة أخرى عن امرأة ريفية مسنة تنقل الماء بواسطة الحمار، ولوحة ثالثة لامرأة ريفية تنقّي حبوب الذرة بعد الحصاد”، يقول المعافري.

كانت لوحاته عن المرأة الريفية ومعاناتها أعماله الفنية الأبرز، وقد حققت تفاعلات إيجابية عند المشاهد والجمهور، ونالت الإعجاب والدهشة لجمالها الفريد، وانتشرت بشكل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وحققت مشاركات عدّة في معارض فنية داخلية وخارجية.

الفن بالدبابيس

في مسار فني صعب وحديث النمو في اليمن “الرسم بالدبابيس”، خاض المعافري طريقه، ونظرا لعدم وجود قاعدة تعليمية أو دراسات سابقة، وجد الأمر صعبا، لكنه كان فخورا في حديثه، لا سيما أنه أول من رسم بالدبابيس في اليمن، باستثناء فنان آخر بصنعاء.

وأوضح قائلا: “خلال الدراسة الجامعية، اخترت الرسم بالدبابيس رغم ندرته؛ إذ يتطلب بذل جهد كبير وتركيز بالغ، بالإضافة إلى صعوبة المحاكاة الواقعية لبعض الصور، ويجب أن يكون لكل دبوس مكانه المناسب ووظيفته المعينة، بما يحقق التوازن وتنظيم المساحات بين الدبابيس، وبما يؤدي المهمة المطلوبة”.من أبرز رسوماته بالدبابيس لوحة الفنان اليمني أيوب طارش عبسي، وقد كانت الأكثر انتشارا ورواجا بين الجمهور، وقد لاقت استحسان كثير من اليمنيين الذين تناقلوا الصورة بشكل لافت.

حققت اللوحة، التي أنجزها في عام 2021م، تفاعلا كبيرا، واشتهرت بشكل كبير في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات والمواقع الإلكترونية، ويعد العمل الأبرز الذي جلب له أغلب القنوات الفضائية للتصوير وتوثيق أعماله بشكل عام.

يتابع لريف اليمن: “يشرفني جدا أني قدّمت هذا العمل هدية للهامة الفنية الكبيرة أيوب طارش عبر مكتب الثقافة في يوم المهرجان العيدي لتكريم أيوب طارش، وقد كان سعيدا منبهرا به، قدمتها هدية باسمي، هدية من فنان إلى فنان”.

لوحة للفنان اليمني أيوب طارش تم استخدام 17100 دبوس فيها (عزير المعافري)

أما عن أسباب اختياره رسم الفنان أيوب، فيقول: “اخترت رسم صورة الفنان أيوب طارش؛ لأنه المطرب المفضل بالنسبة لي، كما أنه غنى للحب والوطن والريف والزراعة، وقد استغرق العمل قرابة أربعين ساعة متقطعة، بالإضافة إلى أكثر من 17 ألف دبوس لتنفيذه”.

ومن المؤسف أن عزيزا لم يستطيع أن ينتج لوحات أخرى من الرسم بالدبابيس على الرغم من نجاح أول تجربة له، ويرجع ذلك إلى التكلفة المادية والوقت الذي يتطلبه العمل.

خيبة أمل المعافري

ناضل المعافري في سبيل مواصلة تعليمه الجامعي، فهو على غرار مئات الآلاف من طلاب الريف عاش أوضاعا صعبة، وكان يواجه صعوبات كبيرة، فلم يجد السكن في المدينة، وليس لديه أهل هناك.

يقول لمنصة ريف اليمن: “عندما وجدت سكنا خاصا بالطلاب، تقاسمت مع بعض الزملاء غرفة برفقة لوحاتي وفرشي وأدواتي الخاصة. تمنيت لو كان مكانا لي وحدي أستطيع فيه ممارسة شغفي بالرسم من دون الشعور بالإحراج من زملائي بسبب سهري حتى ساعات متأخرة من الليل”.

ثم يضيف: “عملت عدة أعمال من أجل توفير مصاريف دراستي الجامعية، والأدوات اللازمة للرسم. عملت حتى في الأعمال الشاقة مثل البناء، وبرغم ذلك لم تتوفر لدي أبسط الإمكانيات لممارسة حياتي الطبيعية كفنان، وكل أدواتي ومستلزماتي أوفرها بمجهود شخصي”.

ويختم عزيز حديثه لريف اليمن بالقول: “مؤسف جدا أن أعيش بلا مَرسَم لمزاولة عملي الفني، وأن يعجز الفنان عن توفير أدواته البسيطة لإعداد لوحاته، مؤسف أن لا يجد الفنان الاستقرار الفني والأسري ليستطيع مواصلة مشواره الفني، وأن يظل منشغلاً بظروف الحياة ومتطلباتها”.

ويواصل كلامه بحسرة: “أن تموتَ كل أفكارك وطموحاتك في الخيال من دون أن تستطيع تحقيقها على الواقع بسبب عدم الاستقرار أمر غاية في الأسى، لذلك يواجه الفنان، في ظل كل هذه الظروف، المعاناة والتدهور، وينقطع إنتاجه الفني لفترات طويلة، ويظل في صراع بين شغف الفن وتعاسة الحياة، حتى يجبره الوقت على عرض لوحاته للبيع لتلبية أبسط أمور الحياة ليحيا ولو بالقليل”.

إمرأة ريفية أثناء صناعة الطعام باستخدام موقد الحطب الذي يشتهر به الريف اليمني (عزيز المعافري)

ووجه المعافري رسالته إلى الجهات المعنية للالتفات ورعاية المواهب والفنانين بالشكل المطلوب، فالمساندة، من وجه نظره، تجعل الفنان يشعر بالكرامة والاستقرار، وذلك يثمر في استمرار الإنتاج ويعزز من إحياء الفن اليمني وريفه.

مثابرة المعافري في سبيل تحصيله العلمي وإبداعه في الفن التشكيلي لم تشفع له أمام الجهات المسؤولة للحصول على فرصة للعمل، فهو اليوم يقبع داخل منزله في قريته الريفية من دون عمل أو راتب شهري يمكن أن يوفر له احتياجاته الأساسية، بالإضافة إلى عدم مقدرته على توفير أدوات الرسم ليستمر في شغفه الطفولي علّه يتمكن من بيع لوحات فنية تمكنه من تأمين متطلبات الحياة.

التعليم أولاً في قرية “الباركة” حَزْم العُدين

التعليم أولاً في قرية "الباركة" حَزْم العُدين
الصورة: طفل يمني يكتب في دفتر خارج المدرسة التي تدمرت بسبب الحرب في الحديدة غربي اليمن (أ ف ب/ خالد زياد)

يقطع الطفل محمد الصوفي (15 عاما) نحو 4 كيلومتر مشياً على الأقدام، كل يوم للوصول من قرية الباركة، إلى المدرسة الحكومية الوحيدة التي يتلقى فيها تعليمه الدراسي، بمنطقة بني يوسف بحزم العدين بمحافظة إب وسط اليمن.

يضطر الصوفي للمرور بأودية ومنحدرات خطيرة تحت أشعة الشمس الحارقة، ويخشى أثناء ذهابه من الدراجات النارية والسيارات والكلاب الضالة، وهذا حال معظم الطلاب الذين يفتقرون إلى وجود مدرسة حكومية في قريته.

محمد الصوفي واحد من عشرات الطلاب في عزلة بني يوسف الذين يقطعون منذ سنوات طويلة كل هذه المسافة إلى المدرسة الوحيدة، ويواجهون كثيرا من الصعوبات في سبيل مواصلة التعليم.

وبحسب تقارير أممية، فإن قطاع التعليم هو القطاع الأكبر تضررًا في اليمن، وقد خَلَّف نسبًا عالية من الأمية، وكان للريف النصيب الأكبر من هذا التدهو، ووصل عدد الطلاب المتسربين من المدارس نحو مليوني طالب بجميع المراحل التعليمية، فيما بلغ عدد المتضررين من الحرب قرابة 4 ملايين طالب، بإجمالي 6 ملايين طالب بين متسرب ومتضرر.

التعليم في قرية الباركة

يقول والد الصوفي: “إن كثيرا من زملاء نجله تركوا دراستهم، وذهبوا للبحث عن أعمال أخرى، وذلك بسبب ضعف تحصيلهم العلمي، وقد أصبحت المدرسة ممتلئة تماما، ومن يصل في أوقات متأخرة لا يجد مقعدا للجلوس إلا بمشقة، وبعض الطلاب يظل واقفا بسبب الازدحام”.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “بعض الأمهات مجبرات على مرافقة أولادهن لمسافة تقدر بنحو 2 كيلومتر خوفا عليهم من المنحدرات الخطيرة التي قد تودي بحياتهم، خصوصًا الذين ما زالوا في المرحلة الابتدائية، وهذا يعتبر كفاحا يضاف إلى رصيد المرأة، إلى جانب الأعمال الشاقة التي تنتظرها كل صباح، ويظل همّ أولادهن يؤرقهن خوفًا من أن يصابوا بأي مكروه”.

وتابع: “بالإضافة إلى المخاطر التي يواجهها الطلاب أثناء الذهاب للمدرسة، يُحرمون من الحصص الدراسية الأولى، وهذا يقلل من نسبة الاستيعاب لديهم”.

ويعلق التربوي حمود علي على ذلك قائلاً : “نحن اليوم بحاجة إلى عدد من المدارس في عزلة بني يوسف التي تضم أكثر من 10 قرى جميعها مكتظة بالسكان. نحن نتحدث عن عزلة تضم كثيرا من القرى بمسافات متفاوتة في البعد وتعداد سكاني هائل، ومدرسة العزلة أصبحت عاجزة تماما عن استقبال المزيد من الطلاب”.

وقال علي لمنصة ريف اليمن: “معظم الطلاب يأتون في أوقات متأخرة إلى المدرسة بسبب طول المسافة التي يقطعونها من قرى مختلفة مشيا على الأقدام، ونحن نقدر جهودهم ونعفو عن تأخرهم، لكن العفو وحده ليس له جدوى إذا حُرموا من بعض الحصص الدراسية؛ لأن التأخر يؤثر على تحصيلهم العلمي بشكل كبير”.

وبحسب وزير التربية اليمني السابق الدكتور عبد الله لملس، لم تبنَ أي مدرسة جديدة في اليمن منذ عام 2011، ولم يوظّف معلّم واحد منذ ذلك العام، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، أهمها أن ما تخصصه الدولة من موازنة لقطاع التعليم لا يلبي الاحتياجات اللازمة لتشييد المدارس، ولا يتناسب مع طلبات الالتحاق بالتعليم.

مبادرة بناء مدرسة

المعاناة والمخاوف التي يواجهها الطلاب والطالبات بقرية الباركة دفعت أولياء الأمور إلى إطلاق مبادرة تعاونية لبناء مدرسة لتعليم أطفالهم، فقد أنشؤوا جمعية خيرية لبناء المدرسة.

مسؤول المبادرة يونس الطويل قال لمنصة ريف اليمن: “بدأنا بإطلاق المبادرة مع مجموعة من شباب القرية، وشكلنا مجموعة في برنامج التواصل الاجتماعي (الواتس اب)، وقمنا بإضافة كثير من الشخصيات التي لها ثقلها في المجتمع، وناشدنا المغتربين وفاعلي الخير والتجار، وقد لاقت هذه المناشدة استجابة واسعة”.

ويضيف الطويل لـمنصة ريف اليمن: “جُمعت المبالغ الأولية للمبادرة، واقتُرحت أرض تتوسط قرية الباركة والقرى المجاورة لها، وتبرع أحد الأهالي بقطعة أرض بمساحة 90 لبنة بتنازل رسمي في المحكمة، وتم البدء في 2020 بالعمل ببناء ثلاثة فصول كمرحلة أولى لطلاب الابتدائية الذين نخشى عليهم من مسافة الطريق”.

وتابع: “في 2023 بدأنا بالمرحلة الثانية ببناء ثلاثة فصول أخرى. الآن أصبحت مدرسة ابتدائية بستة فصول”، ويلفت إلى أن العمل تأخر بسبب الظروف الاقتصادية، فقد كان البعض يعِد بمبالغ ويتأخر في تسديدها نتيجة للأوضاع، ولكن العمل اكتمل، وهذا إنجاز ليس هيّنا.

ويقول التربوي حمود علي: “نثمن الجهود التي يقوم بها أهالي قرية الباركة. هذه المبادرة عظيمة في سبيل تذليل الصعوبات لأبنائهم والصعود بهم إلى مستقبل مشرق، وتضمن للوطن العيش الكريم، والخروج به من براثن الجهل والتخلف”.

وأشاد الطويل بجهود المبادرة، واعتبرها نقلة نوعية لأبناء قرية الباركة نحو تأمين مستقبل أطفالهم، مؤكدا أن نجاح المبادرة سيسهم في رفع مستوى التعليم في المناطق الريفية التي حُرمت من أبسط حقوقها، وستساعد الأطفال كثيرًا في الإقبال على العملية التعليمية، داعيا فاعلي الخير ورجال الأعمال والمغتربين إلى إكمال ما تبقى من صفوف دراسية.


الصورة: طفل يمني يكتب في دفتر خارج المدرسة التي تدمرت بسبب الحرب في الحديدة غربي اليمن (أ ف ب/ خالد زياد)

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى

يتخوف المواطن علي عبد الحفيظ (26 عاما) من عودة انتشار وباء الكوليرا، ويخشى أن يُصاب به هو أو أحد أفراد عائلته، وذلك مع استمرار إغلاق المركز الصحي الوحيد في منطقته الواقعة في ريف محافظة تعز، وتحويله إلى ثكنة عسكرية.

وكان عبد الحفيظ ومعه آلاف من سكان عُزلة اليمن مديرية مَقبنة، يعتمدون على مركز الكويحة الصحي الوحيد في منطقتهم، وبعد أن حُوّل إلى ثكنة عسكرية، زاد الأمر تعقيداً، وباتوا يفتقدون أبسط الخدمات، ويجبرون على قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي.

يقول عبد الحفيظ لمنصة ريف اليمن: “كنا نقطع مسافات قليلة للحصول على الخدمات الصحية، أما الآن ونتيجة لاستمرار إغلاق المركز، فالمواطنون مجبرون على السفر لمسافة 10 كيلومتر عبر طرق وعرة، للوصول إلى مركز الأشروح الطبي الذي يُعد أقرب مركز للمنطقة.

سكان مقبنة تعز

ويتذكر عبد الحفيظ معاناته مع إصابة شقيقه، فيقول: “أُصيب شقيقي بحمى فيروسية، ولأن المركز بعيد لم نتمكن من إسعافه، ومكث في المنزل قرابة أربعة أيام من دون حصول على علاج، وعندما ساءت حالته، اضطررنا إلى الذهاب به إلى مركز مناقل الطبي في عزلة بني بكاري لتلقي العلاج”.

ويضيف: “عاش شقيقي مع الألم طوال أربعة أيام، ولم يكن عدم إسعافه تهاونا، بل لانعدام الإمكانيات المالية، وحينما تمكّنتُ من اقتراض المبلغ المطلوب، ذهبنا به للعلاج”، ويذكر أن حياته المادية صعبة، وأنه يعتمد على رعي الأغنام لتوفير القوت اليومي لأسرته.

مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرضى
نقالة مرضى متهالكة داخل مركز الكويحة الطبي عقب توقفه في مقبنة غربي مدينة تعز  (ريف اليمن/ سهيل الشارحي)

وبحسب منظمة اليونيسيف، يقف النظام الصحي في اليمن على شفير الانهيار بسبب النقص الحاد في الأدوية والمعدات والموظفين، وإذا لم يُوفر الدعم اللازم، فسيصبح الأمر كارثياً.

ووفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن 46٪ من إجمالي المرافق الصحية في اليمن، تعمل جزئيًّا، أو قد تكون خارجة عن الخدمة بشكل كلي.

قال مدير مكتب الصحة بمديرية مقبنة الدكتور توفيق الخليدي: “إن الحرب تسببت بإغلاق كثير من المراكز والوحدات الصحية في الأرياف، ما جعل حياة كثير من المواطنين أكثر تعقيدًا”.

وأضاف لمنصة ريف اليمن “أن المرافق الصحية، التي لا تزال تعمل، لا تقدم الخدمات الطبية للمواطنين بالمستوى المطلوب، وتعاني من نقص كبير في الكادر والمستلزمات”.

غياب دعم المراكز الصحية

إلى ذلك أرجع، نائب مدير مركز الأشروح الطبي، الدكتور جهاد التاج، سبب تراجع مستوى المراكز الصحية في تقديم الخدمات الطبية للمواطنين لغياب الدعم من قبل المنظمات والجهات الحكومية.

ويضيف لمنصة ريف اليمن: “المنظمات المتخصصة في المجال الصحي تستهدف المرافق الصحية في المدن بشكل متكرر، أما المراكز في المناطق الريفية، فلها النصيب الأقل من الدعم لوقت محدود”.

تماما مثل عبد الحفيظ ، مرّ المواطن محمود القاحلي (44 عاما) بمعاناة كبيرة، حينما أُصيب نجله بمرض الكوليرا قبل عامين، فقد مكث ليومين من دون علاج، بسبب بُعد المركز الصحي، وانعدام المال المطلوب لإسعافه.

يقول القاحلي لمنصة ريف اليمن: “بعد حصولي على المال، أسفعناه إلى مركز الأشروح لتلقي العلاج، لكن حالته تدهورت بسبب تضاعف المرض نتيجة الإسهال الحاد، وعلى الرغم من افتقار مركز الأشروح للعلاجات والأدوات، لم يكن هناك من خيار أمامنا”.

الطبيب ماهر الكويحي – أحد العاملين في المركز الصحي –  قال: “إن الحياة الصحية لسكان المنطقة ازدادت تدهورًا بعد إغلاق المركز الطبي الذي كان ملاذا للمواطنين للحصول على الخدمات الصحية”، ويلفت النظر إلى أنه قد تحوّل لثكنة عسكرية، وأن ممتلكاته الطبية نُهبت.

ويضيف لمنصة ريف اليمن “سكان المنطقة، خاصةً النساء والأطفال، يعانون ويلات المرض، ومعظم المواطنين لا يملكون المال للذهاب إلى المراكز الأخرى بسبب بعدها عن المنطقة”.

أطفال بدون لقاحات

ولا يحصل الأطفال على التطعيم ضد شلل الأطفال والحصبة والحميات، بحسب ما أفاد الطبيب الكويجي محذرا من أن حرمانهم من ذلك قد يتسبب بكارثة مستقبلية وانتشار الأمراض بما يسبب في ارتفاع نسبة الوفيات.

ويقول مصطفى غليس (أحد سكان المنطقة): “إن إغلاق المركز تسبب بحرمان الأطفال من اللقاحات، وعدد من الأطفال أصيبوا بالشلل والحصبة بسبب حرمانهم من اللقاحات”،

وناشد السكانُ – عبر منصة ريف اليمن – مكتبَ الصحة بالمحافظة والمنظمات بالنظر إلى حالتهم الصحية، والعمل على الحفاظ على حياة أطفالهم، وإعادة تفعيل المركز أو إنشاء مركز بديل للتخفيف من معاناة السكان.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، لم يُحصّن نحو ثلث الأطفال اليمنيين بشكل كامل ضد الأمراض الفتاكة الرئيسية التي يمكن الوقاية منها باللقاحات كالحصبة والحصبة الألمانية، وهذا أدى بالمجمل إلى حقيقة أن اليمن يعاني من أحد أعلى معدلات وفيات الأطفال في العالم.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ثُلثَي سكان اليمن (21.6 مليون شخص) بحاجة ماسة إلى مساعدات وأصبح قرابة 17.8 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات صحية، ونصفهم أطفال، بحسب الصحة العالمية.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
الألواح الشمسية.. طاقة صديقة تغطي معظم الريف اليمني

تلاشى ضجيج مضخّات الآبار الارتوازية والمولدات الكهربائية التي تعمل بالديزل في معظم مناطق الريف اليمني في السنوات الأربع الماضية، وذلك عقب إحلال منظومات الطاقة الشمسية النظيفة والصديقة للبيئة مكانها، لضخ المياه وإضاءة المنازل الريفية، ما أدّى إلى تصفير الاعتماد على الوقود الأحفوري الملوّث للبيئة، بحسب ما ذكره الشاب عثمان المرهبي لريف اليمن.

ونجح المرهبي وعدد من مزارعي 5 قرى بعزلة مرهبة – مديرية ذيبين – محافظة عمران، في شراء منظومات طاقة شمسية، لضخ المياه من الآبار الارتوازية، وريّ مزروعاتهم، بكل يُسر وسهولة، واستغنوا عن الديزل الملوث للبيئة.

وتُعدّ الطاقة الشمسية واحدة من مصادر الطاقة المتجددة في اليمن التي تتّسم بأنها واعدة؛ إذ تتمتع البلاد بأشعة شمس وفيرة، ويبلغ متوسط السطوع الشمسي نحو 3 آلاف ساعة سنويًا، وهذا يجعلها موقعًا مثاليًا لتطوير مشروعات الطاقة الشمسية، وتشجيع الاستدامة البيئية.

يضيف عثمان لريف اليمن: “استخدام الطاقة الشمسية النظيفة لم يقتصر على ضخ المياه، بل بدأ من استخدامها في إضاءة المنازل الريفية، بعد سنوات من انقطاع الكهرباء العامة وعدم توفر الغاز المنزلي، الأمر الذي حدّ من تلوث البيئة أيضا”.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
منظومة شمسية مصغرة داخل إحدى مزارع محافظة عمران شمال اليمن (ريف اليمن/عبده حسين)

الطاقة الشمسية

ولا تنتج الطاقة الشمسية أي انبعاثات ضارة بالبيئة، مثل غازات الاحتباس الحراري التي تسبب تغير المناخ وتؤدي إلى زيادة درجة حرارة الأرض، وتعتبر مصدرًا نظيفًا ومتجددًا ومستدامًا لتوليد الكهرباء للمنازل والمستشفيات والمراكز والوحدات الصحية الريفية وضخ المياه للمزارع، بحسب ما أكده المهندس يوسف شمسان لريف اليمن.

بالإضافة إلى ذلك، لا تستهلك موارد طبيعية نفطية أو غازية، ومن ثَم تقلّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحد من التلوث البيئي، وفق شمسان. ويرى شمسان أن منظومات الطاقة الشمسية مكلفة وغالية الثمن عند إدخالها لأول مرة، غير أنه في أقل من عام بإمكان المستفيد استعادة رأس المال المدفوع لشراء المنظومات الشمسية.

وقد استهلكت بئر واحد في سنة نحو 27 مليون ريال قيمة محروقات، بمعدل استهلاك يومي 200 لتر، بينما كلفت المنظومة الشمسية للبئر نفسها نحو 13 مليون ريال فقط، ما يؤكد أنها ذات جدوى اقتصادية وبيئية وعائد ممتاز، وفق شمسان.

ووصف شمسان التقدم التقني والأداء المميز والأسعار المناسبة التي تتناقص تدريجيا، لبطاريات الليثيوم التي تعد جزء من المنظومات الشمسية بأنه “ثورة” بالفعل؛ إذ يصل سعر بطاريتين من هذا النوع إلى 3000 دولار أو أقل، بعمر افتراضي طويل نسبيا قد يصل إلى نحو ٢٥ عاما، ويمكنها تغطية احتياجات منزل متكامل مكون من أربع شقق.

أما في المناطق والمرتفعات الجبلية الباردة التي لا تستخدم المكيفات، ستغطي ضعف ذلك الاحتياج، بحسب شمسان الذي نوه بأن المحلات والشركات والفنادق والمستشفيات التي تستخدم هذا النوع من البطاريات، ستوفر نحو 70٪ من قيمة استهلاكها اليومي للمحروقات.

تساعد الطاقة الشمسية في الحد من تغير المناخ وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتوفر فرصا بديلة للحصول على الطاقة، لا سيما في المناطق النائية، وفق صحيفة الوقائع الصادرة عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، بعنوان “الابتكارات والممارسات الخضراء في القطاع الزراعي”.

وعلى الرغم من ذلك، تقول مصادر حكومية: “إن منظومات الطاقة الشمسية توفر 6000 ميغاواط لتشغيل الآبار الجوفية الخاصة بالمزارع في اليمن، وقد غطت كامل الاحتياج الكهربائي للزراعة، لكنها تسببت بكارثة بيئية مدمرة في استنزاف المياه الجوفية بصورة غير مسبوقة”.

تقليل ساعات شفط المياه

البروفيسور مروان ذمرين الأستاذ الجامعي بجامعة أوسكا وكبير اختصاصيي شركة تويو المنيوم ومدير العلاقات الدولية في جمعية الطاقة الشمسية اليابانية، أكد في حديثه لريف اليمن أن الطاقة الشمسية تقلل من ساعات شفط المياه، ولا تستنزفها كما يروج البعض، وتقلل تكاليف الإنتاج، بعد تغطية تكلفة تركيب أنظمتها في أول سنتين، وذلك نفي ضمني للاتهامات التي روّجتها مصادر حكومية.

وأكد ذمرين أنه “لا يوجد تلوث صناعي في اليمن التي لديها رصيد كاف من حصة الكربون، بل تفاوض على بيعها للدول الصناعية التي تعاني من نقص فيها”، داعيا إلى “تقنين استخدام الطاقة الشمسية لضخ المياه، وإعفاء مدخلاتها من الجمارك وتوعية المهندسين بكيفية تركيبها وصيانتها”.

وتتمتع اليمن بظروف مناسبة لحصاد الطاقة الشمسية، ويُقدر إجمالي إمكانات الطاقة الشمسية التقنية بنحو 17 جيجاواط للطاقة الشمسية المركزة على نطاق واسع، و2.2 جيجاواط لأنظمة الطاقة الشمسية المحدودة، وفق دراسة “التحول المستدام لنظام الطاقة اليمني” أعدتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية.

وبحسب الدراسة، يتراوح المتوسط السنوي للتعرض الشمسي في اليمن بين 5.2 إلى 6.8 كيلو واط/ساعة/متر مربع/ يوم، فيما سجلت محافظة عمران إشعاعا بين 6.6 إلى 6.7 كيلو واط/ساعة/متر مربع/ يوم.

الطاقة الشمسية.. صديقة البيئة وسكان الريف
ضخ المياه من إحدى الآبار الارتوازية بعمران باستخدام منظومة طاقة شمسية (ريف اليمن/عبده حسين)

ويرى البروفيسور ذمرين أن “الطاقة الشمسية صديقة للبيئة، والكهرباء الشمسية هي الأرخص عالمياً، ولا تزال أسعارها في تناقص”، مضيفا أن “توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية واستخدام بطاريات الليثيوم للبيوت يجعل المواطنين يستغنون عن الكهرباء التجارية”، وتوقع أن “جميع اليمنيين سيستخدمون الطاقة الشمسية خلال العامين المقبلين، خصوصا مع دخول بطاريات الليثيوم”.

واعتبر أن “إغراق السوق بألواح شمسية رديئة أدى لإيجاد صورة قاتمة لسوق الطاقة الشمسية، تسبب بها بعض التجار وسوء الاستخدام وغياب الضمانات”، ولفت إلى أن “دخول الطاقة الشمسية في قطاع الزراعة عام 2018، أعاد الثقة فيها، نتيجة استيراد ألواح ومنظومات شمسية ذات كفاءة، إضافة إلى منح ضمانات للمستهلكين”.

ونوه البروفيسور ذمرين إلى أنَّ “ضعف المحطات الكبيرة والشبكات الكهربائية الوطنية في تقديم خدمتها بالشكل المناسب للمواطنين، جعل من عملية التفكير بالاستفادة من الطاقة الشمسية ضرورة من قبل كثير من المواطنين في اليمن؛ لأنها الملاذ الوحيد على مستوى المنازل والمصانع التي كانت تُشغَّل اعتمادا على مصادر أخرى كالبطاريات ومحولات الديزل”.

طاقة صديقة للبئية

ونظراً لامتلاك اليمن مستويات عالية من الإشعاع الشمسي ولمتوسط عالٍ من ساعات السطوع الشمسي اليومي على مدار السنة، تُعدّ الطاقة الشمسية بديلًا مناسبا ومجدیا من جهة التكلفة مقارنة بإمدادات الكهرباء السائدة التي تعتمد على الوقود الأحفوري، بحسب ما أكدته دراسة “توسيع نطاق استثمارات الطاقة الشمسية في اليمن“، وبينت الدراسة أنه یمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دورا حاسما في توسيع نطاق توليد الطاقة الشمسية في اليمن، لا سیما في تنفيذ المشاريع الكبيرة والشبكات الصغيرة.

ومنذ عام 2016 حصلت غالبية الأسر اليمنية على منظومة لتوليد الطاقة الشمسية، وبلغت نسبة الأسر التي تمتلك منظومات شمسية منزلية في ريف محافظة عمران 78% خلال العام الجاري 2024م، مقابل 22% لا تمتلك منظومات إضاءة شمسية، و80% لديها منظومات شمسية للآبار، مقابل 20% ليس لديها منظومات للآبار، ممن استُطلعت آراؤهم، بحسب استبيان إلكتروني أجرته منصة ريف اليمن، على 150 مواطنا من أبرز المستفيدين من خدمات الطاقة الشمسية في مديريات ذيبين وخمر وريدة وبني صريم وحوث وحرف سفيان والقفلة والعشة وصوير والسودة.

ويوجد في اليمن فرص ممكنة لتنفيذ ثلاث فئات من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية هي مشاريع الطاقة الشمسية الكبيرة، وشبكات الطاقة الشمسية الصغيرة، وأنظمة الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة، وفق دراسة “توسيع نطاق استثمارات الطاقة الشمسية في اليمن”، الصادرة عن مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه
مانجو يمني يسمى "قلب الثور" بسوق ذهبان المركزي للفاكهة في صنعاء (الإعلام الزراعي)

يتحسّر المزارع محمد سعدان (37 عاما) بشدة، وهو ينظر إلى محاصيله من ثمار المانجو مكدّسة داخل مزرعته، نتيجة قلة الطلب، وتراجع نسبة التصدير، فضلا عن الشائعات وحملات التشويه التي استهدفت المحصول، الأمر الذي تسبب له كغيره من المزراعين بخسائر مالية كبيرة.

وانتشرت شائعات التشويه التي روجت لإصابة ثمار المانجو بالديدان كالنار في الهشيم، وتداول كثيرٌ من رواد التواصل الاجتماعي صورا تُظهر بعض حبات فاكهة المانجو التي تعرّضت لسوء تخزين، وهي مصابة بالديدان، محذرين من شراء المانجو، الأمر الذي يُعتقد أنه أسهم في ارتفاع نسبة الكساد.

تشويه المانجو اليمني

يقول سعدان لمنصة ريف اليمن إنه زرع ما يزيد عن 15 معادا (المعاد = 4.400م²) بأشجار المانجو قبل عشر سنوات، بعد أن باع جزءا من أراضي مزرعته من أجل حفر الآبار، وشراء الشتلات، وتوفير منظومة شمسية تساعده في حال غلاء المشتقات النفطية، متفائلا بالمواسم القادمة.

ومنذ سنوات ارتبطت علاقة سعدان، المنحدِر من ريف مديرية الضَحي -محافظة الحديدة، بتجار محليين يقومون بشراء وتصدير المانجو إلى المملكة العربية السعودية وغيرها، أما هذا الموسم فكان الإقبال ضعيفا، مما رفع نسبة الكساد، ولم يتمكن من إعادة خسارته التي تزيد عن 16 مليون ريال يمني (الدولار 530 ريالا).

ولا يُخفي سعدان خيبة الأمل، نتيجة الكساد الذي شهده الموسم الحالي، لا سيما بعد خسارته مبالغ مالية لشراء مبيدات وأسمدة، بهدف الحفاظ على منتجه من الآفات الزراعية، وللحصول على ثمار ذات جودة عالية من أجل بيعها وتصديرها للخارج.

يقول المهندس الزراعي عبد الرحمن شوقي: “إن ظهور الديدان في بعض ثمار المانجو، ناتج عن سوء التخزين بدرجة أساسية، وتعرض الثمار للذبابة البيضاء التي تضع بيضها لتفقسَ بعدها على شكل يرقات (ديدان)”.

وأضاف شوقي لمنصة ريف اليمن أن من الأسباب كذلك بعض المبيدات الحشرية التي لا تقضي على الحشرات والآفات الزراعية، بل قد يتسبّب خلطها مع مبيدات أخرى، بإنتاج مادة جديدة لا علاقة لها بمكافح بالحشرات والفطريات، بل تعمل على تسميم النباتات. ويحذر من استخدام المبيدات المحظورة مثل كابتافول، ديكلورفوس، دي دي، ميثيوكارب، ميثو ميل، وغيرها، لما تمثله من خطورة على الأرض والنباتات والحيوانات والإنسان.

ويواجه مزارعو تهامة عدة صعوبات، منها تلاعب كبار المصدّرين بأسعار المنتجات، وزيادة نسبة العرض على الطلب، وغياب التسويق والدعم الحكومي، مما يُثقل كاهلهم ويعيق قدرتهم على الاستمرار في الزراعة.

ومنذ سنوات تعاني مناطق تهامة من كساد للمنتجات المتنوعة سواء الفواكه أم الخضروات، الأمر الذي انعكس سلبا على الأوضاع المعيشية لسكان تهامة الذي يعتمد غالبيتهم على الزراعة، وسط مطالبات للجهات الحكومية والمنظمات المهتمة بالزراعة إلى الالتفات إلى قطاع وتحديد أسعار المنتجات وفقا للطلب والأسعار العالمية.

المانجو اليمني: جوهرة ثمينة يستهدفها التشويه
فاكهة المانجو نوع “تيمور” معروض للبيع في سوق ذهبان بالعاصمة صنعاء (الإعلام الزراعي)

ويبدأ موسم المانجو في آذار/ مارس وتنتهي أواخر حزيران /يونيو من كل عام، في عدد من المحافظات، وتتصدر محافظات حجة والحديدة نسبة الإنتاج، يليها محافظة لحج وتعز وحضرموت، بالإضافة إلى بعض المناطق الأخرى.

تهامة وزراعة المانجو

وتعتبر فاكهة المانجو من أكثر المنتجات الزراعية جودة في تهامة ومن أهم أصنافها: تيمور، قلب الثور، السمك السوداني، وقد بلغ صادرات مانجو التيمور 51090 طنا، و12260 طنا من قلب الثور، فيما وصل إنتاجها من صنف السمكة 3189 طنا، و893 طنا من المانجو السوداني، وفقا لتقرير قسم التسويق بالمنطقة الزراعية الوسطى بالهيئة العامة لتطوير تهامة.

أما المزارع مشهور (42 عاما) فقد رسم صورة قاتمة لمحصول فاكهة المانجو الذي يعتبر من أهم المحاصيل الزراعية في تهامة، فقال لـمنصة ريف اليمن: “إن الموسم الحالي هو الأسوأ على الإطلاق”.

وأضاف: “شهد الموسم الحالي سلسلة من الصعوبات التي جابهت المزارعين، بداية بارتفاع معدل الإنتاج عن الأعوام الماضية، ومثّل انتشار شائعات إصابة المانجو بالديدان ضربة كبيرة للمزارعين، مما زاد من تكدّس كميات كبير داخل المزارع، واستغلال تجار الجملة للمزارعين”.

ورغم تفاوت أسعار المانجو في كل موسم، لم تشهد تدنيّا مثل هذا العام، فقد هبط سعر السلة التي تزن 20 كيلوجراما من المانجو التيمور إلى 5 ألف ريال يمني، فيما وصل سعر السلة المانجو الأقل جودة إلى ثلاثة آلاف ريال (أقل من 6 دولار)، وبعض أصناف المانجو لا تُباع بتكاليف جنيها.

ويعتقد المزارع أنور فاضل أن الحملة التي استهدفت المانجو هي منظمة لتشويه سمعة وزراعة المنتج الذي يغطي الأسواق المحلية وتصدر كميات كبيرة منه إلى الخارج.

وأضاف: “عندما رأينا أن تهامة تحصد أفضل المانجو الطبيعي، شعرنا بالفخر والإلهام. نحن فخورون بأن نكون جزءًا من هذه الزراعة المزدهرة، ونحن ملتزمون بالحفاظ على معاييرنا العالية، رغم كل الحملات التي تستهدف المنتج”.

مخاوف وحلول

المواطن عبدالرحمن زُريقي أبدى مخاوف كبيرة من أن يعزف المزارعون عن زراعة المانجو مستقبلا، مخافة تكبدهم خسائر فادحة كما حصل هذا الموسم.

ويعجز غالبية المزارعين عن شراء المبيدات الزراعية المحددة ورشّها في الأوقات المناسبة، مما يضاعف من احتمالية تكاثر وانتشار الآفات الزراعية وقلة الإنتاج، ويلجأ الغالبية منهم إلى الاقتراض من أجل شراء المعدات الزراعية، وتوفير البذور لبعض المحاصيل، وتُسدّد عند الحصاد، وهو ما عجز عنه مزارعو المانجو هذا العام، كما هو الحال بالنسبة للمزارع محمد مشهور.

الكاتب الاقتصادي محمد الجماعي قال: “إن الكساد الحاصل في كثير من المنتجات الزراعية يترتب عليه خسائر كبيرة على المزارعين وصغار التجار، وسيؤثر على الأيادي العاملة في القطاع الزراعي وخاصة في المناطق التهامية الأكثر فقرا في البلاد”.

وأضاف  لمنصة ريف اليمن: “ما يحدث من كساد هو نتيجة متوقعة للأسف في ظل غياب القانون والجهات المعنية بالتسويق والمواصفات والمقاييس، الأمر الذي فتح المجال أمام كبار التجار والمصدرين للتلاعب بأسعار المنتجات المحلية، إضافة إلى ضعف القوة الشرائية لدى المواطن اليمني، مما ساعد على زيادة كساد المنتج ومنها المانجو”.

واقترح الجماعي، حزمة من الحلول لتفادي الخسارة في المواسم القادمة، أهمها فتح المنافذ والطرقات، وإنشاء جمعيات تدعم القطاع الزراعي بتوفير البذور والمعدات الزراعية، وشراء المنتج المحلي بأسعار ثابتة تساعد المزارع على الاستمرارية في المستقبل.

وأدى إغلاق منفذ حرض البري الذي كان يعتمد عليه المزارعون والتجار في تهامة لتصدير المنتجات، أدّى إلى شل حركة القطاع الزراعي وفرض تكاليف مضاعفة نتيجة المسافات الكبيرة، مما تسبب في كساد المحصول وخسارة المزارع بشكل مباشر.