لم يكن “محمد الشعيبي (38 عاما)” يتوقع أن آلته الزراعية اليدوية التي اشتراها لحراثة أرضه في قرية ضراس بمديرية السياني بمحافظة إب، ستتحول يوما ما إلى مشروع ابتكاري يخدم المزارعين في ريف المحافظة، إذ كان يعتقد أنه فقط يحقق حلمه الذي ظل يراوده من طفولته.
بعد نحو عامين من اقتنائه للآلة، اصطدم الشعيبي بواقع مختلف عما كان يأمل؛ إذ رفض كثير من المزارعين استخدامها بسبب صعوبة التعامل معها، وما تتطلبه من جهد بدني مضاعف، ما اضطره إلى التوقف عن تشغيلها مؤقتا، من أجل تطويرها بشكل أفضل.
يقول الشعبي لـ”ريف اليمن”، إن التوقف لم يكن نهاية الفكرة، بل شكل نقطة تحول أعادت إحياء شغفه القديم بالابتكار، وفتحت أمامه باب تحقيق حلم رافقه منذ الطفولة.
ويضيف: “كانت لعبتي المفضلة هي محاكاة حرث الأرض عبر تركيب أعواد حديدية وربطها ببعضها، كبرت وكبر معي هذا الحلم، حتى حانت اللحظة التي قررت فيها تحويل الفكرة إلى حقيقة ملموسة”.
مواضيع مقترحة
- الزراعة المائية.. خيار المزارعين لمواجهة شحة المياه
- البطاطا الحلوة: محصول واعد يواجه غياب الدعم والتسويق
- تعاون المزارعين.. شراكة الأرض والعمل لمواجهة الصعاب
بعد سنوات من إهمال الحراثة اليدوية وتسلل الإحباط إليه، وجد الشعيبي الدعم والتحفيز من أهله وأصدقائه، ليقرر حينها خوض التحدي وتحويل تلك الآلة اليدوية المتعبة إلى حراثة مريحة تسير على أربع عجلات، ومزودة بمقود ومقعد، تدار وتقاد بسهولة تماما كالسيارات.
من الرسم إلى التنفيذ
بدأت الخطوات الأولى بالرسم والتخطيط على الورق، حيث وضع الشعيبي عدة مخططات أولية، وناقشها مع المقربين لاختيار الأنسب منها، ومع الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، واجه تحديات كبيرة، أبرزها ضيق الوقت نتيجة انشغاله بأعمال أخرى، ما اضطره للعمل ليلا، إلى جانب ندرة قطع الغيار وارتفاع تكاليف الورش والمخارط.
يروي الشعيبي إحدى العقبات التقنية التي واجهته قائلًا: “استغرق مني تحدي فصل الإطارات الأمامية لزيادة العزم ومنع انغراسها في التربة الرطبة قرابة عشرة أيام، استخدمت خلالها التروس والسلاسل الحديدية، لكن التجربة الأولى فشلت بسبب حسابات غير دقيقة واختلاف بين المخطط الورقي والتطبيق الواقعي”.
“لا أحمل شهادة جامعية، فقد أكملت دراستي الثانوية عام 2006 وتوقفت بعدها، ولا أملك مهنة محددة؛ فأنا مزارع، وتاجر، وأعمل محاسبا ماليا في أحد القطاعات، والابتكار جاء من هواية قديمة وخبرة سابقة وحالية في الميكانيكا، إلى جانب رغبتي في الاستفادة من آلة الحراثة المتوقفة”، يوضح الشعيبي.

إرادة لا تنكسر
خلال رحلة تطوير الحراثة، واجه محمد الشعيبي معوقات وتحديات كبيرة، إلا أن الفشل لم يكن بالنسبة له نهاية الطريق، بل دافعا لتقديم تصميم جديد، إذ لجأ إلى شراء نظام دفع رباعي (ديفريشن) للأمام والخلف، لتتكلل جهوده بنجاح مبدئي لافت.
يقول الشعيبي: “كان لشغفي بالهندسة الدور الأكبر في مواصلة العمل، واستعنت ببعض الأفكار والمخططات من الإنترنت لإنضاج الفكرة”، كما أشاد بدور صديقه المهندس ومنفذ اللحام، بشير عبدالله علي عبده، الذي كان له دور محوري في تنفيذ التصميم وتعديله.
يؤكد الشعيبي أن تكلفة تجهيز آلات الحراثة تتراوح ما بين 400 إلى 500 ألف ريال يمني، (نحو 900 دولار )في ظل تحديات جسيمة، أبرزها غياب الدعم المؤسسي والأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فضلاً عن الأصوات المثبطة التي واجهها في محيطه.
الشعيبي: كان لشغفي بالهندسة الدور الأكبر في مواصلة العمل، واستعنت ببعض الأفكار والمخططات من الإنترنت لإنضاج الفكرة
في حديثه لـ “ريف اليمن”، أوضح قائلاً: “لم ألتفت للمحبطين، بل كنت أحفز نفسي بالإصرار على إتمام المشروع، واليوم، بفضل الله، نملك ابتكارا محلي الصنع، يتسم بسهولة القيادة والأمان، فهو مزود بنظام مكابح متكامل (مكبح يدوي وقدمي)، ويتمتع بمتانة عالية مقارنة بتكلفته الزهيدة”.
ويضيف: “بفضل هذه التجربة، أصبح فهم الميكانيكا وصناعتها أمرا يسيرا في نظري. قد يكون الواقع حجر عثرة، لكن بالإصرار والعزيمة يتبدد المستحيل”.
تجربة ميدانية
المزارع “عارف عبد الله (45 عامًا)”، من ريف مديرية السياني بمحافظة إب، استخدم الحراثة التي ابتكرها الشعيبي في حرث أرضه، وأشاد بالتجربة التي تكللت بالنجاح بعد جهود ومحاولات لم تعترف بالاستسلام.
ويقول عبدالله لـ”ريف اليمن”: “تعد هذه الحراثة ابتكارا يستحق الإشادة، كونها صناعة محلية وبإمكانات محدودة، وفي ظل غياب أي دعم رسمي لمبتكرها، إذ أُنجزت بالكامل بجهود ذاتية”.

يضيف: “من خلال تجربتي في حرث الأرض بها، وجدتها منافسة لما هو موجود في السوق، وإن كانت تحتاج إلى بعض الإضافات مثل نظام الهيدروليك للسحب بشكل أسهل، وهو ما حال دون تنفيذه ضعف الإمكانات”.
ويأمل المزارع عارف، أن يحظى هذا الابتكار بالتعريف والدعم اللازمين، ليخرج إلى النور ويستفيد منه عدد أكبر من المزارعين، ويتم نقل التجربة إلى محافظات أخرى.
ورغم النجاح الذي حققه الشعيبي، لا يزال ابتكاره محصورا في نطاق قريته الصغيرة غير أنه يحدوه الأمل في أن يجد هذا الاختراع طريقه إلى الجهات المعنية ورجال الأعمال لتبنيه، بما يضمن تطويره ودعم مسيرته، وفتح المجال أمام الكفاءات الشبابية المبتكرة في مختلف مناطق اليمن.






















