الإثنين, مارس 2, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 3

ما أسباب إصابة الحيوان بالصرع؟

حليب الأبقار.. طوق نجاة للأسر الريفية في الحديدة
حليب الأبقار.. طوق نجاة للأسر الريفية في الحديدة

ورد إلى بريد منصة “ريف اليمن” سؤال من أحد المتابعين يقول: ما أسباب إصابة الحيوان بما يُعرف شعبياً بـ”الصرع”؟

وللإجابة على هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن النوبات العصبية التي تظهر أحياناً لدى الأبقار والأغنام والماعز لا تُعد في معظم الحالات مرضاً مستقلاً، بل تكون عرضاً لاضطرابات بكتيرية أو تغذوية أو طفيلية تصيب الجهاز العصبي، ومن هنا تبرز أهمية التشخيص البيطري المبكر، إذ إن بعض هذه الحالات قد تتفاقم خلال 24–48 ساعة، ما يجعل فرص العلاج محدودة عند التأخر في التدخل.

في هذا التقرير الإرشادي نستعرض أبرز الأسباب العصبية المرتبطة بهذه النوبات، مع توضيح العلامات المميزة لكل حالة، وآليات التشخيص والعلاج المتاحة، إضافةً إلى أهم الإجراءات الوقائية التي تساعد مربّي الماشية على الحد من المخاطر وحماية قطعانهم من المضاعفات المحتملة.

الأسباب الرئيسية

1) داء الليستيريا (Listeriosis) – “مرض الدوران”
مرض بكتيري يصيب جذع الدماغ مسبباً التهاب السحايا والدماغ.
طرق العدوى: غالباً عبر أعلاف ملوثة، خاصة السيلاج رديء التخزين أو الأعلاف المتعفنة، وقد توجد البكتيريا في التربة والمياه الراكدة.
الأعراض الأبرز:
– دوران قسري أو ميلان لجانب واحد.
– شلل جزئي غير متماثل في عضلات الوجه (تدلي الأذن أو الشفة أو الجفن)، وسيلان اللعاب.
– فقدان شهية وحمى في بعض الحالات.
– إجهاض في أواخر الحمل: خلال الشهرين الأخيرين في الأغنام والماعز، وبين الشهر الخامس والثامن في الأبقار، وقد يعقبه احتباس للمشيمة.
تنبيه صحي: المرض مشترك بين الإنسان والحيوان، وقد ينتقل عبر منتجات ألبان غير مبسترة أو ملامسة الأجنة المجهضة.


مواد ذات صلة


2) Thiamine deficiency (نقص فيتامين B1 – الثيامين)
اضطراب استقلابي يمنع الدماغ من الاستفادة من الجلوكوز لغياب الثيامين، ما يؤدي إلى تلف خلايا المخ، ويُعرف مرضياً باسم تلين الدماغ الرخوي (Polioencephalomalacia).
العوامل المساعدة:
– تغذية غير متزنة والإفراط في المركزات مع نقص الألياف.
– اضطراب بكتيريا الكرش المنتجة للثيامين.
– ارتفاع الكبريت في العلف أو الماء.
– تناول نباتات تحتوي عوامل مضادة للثيامين.
– صغر العمر وعدم اكتمال نمو الكرش.
الأعراض:
– عمى وظيفي مع سلامة العين ظاهرياً، ورفع الرأس أو الضغط به على الجدار.
– ترنح وارتعاش في عضلات الوجه.
– في المراحل المتقدمة: استلقاء وتشنجات تشبه الصرع.

3) الأكياس المائية (الكيسة العداريّة) – Hydatid cyst
مرض طفيلي تسببه Echinococcus granulosus. الكلاب (وأحياناً الذئاب والثعالب) هي العائل النهائي، وتطرح البيوض مع البراز فتلوّث المراعي.
مسار العدوى: تبتلع المجترات البيوض أثناء الرعي، فتنتقل اليرقات عبر الدم إلى أعضاء مختلفة (الكبد والرئتين وأحياناً الدماغ)، حيث تتكون أكياس تنمو تدريجياً وتضغط على أنسجة المخ.
الأعراض: تظهر ببطء مع زيادة حجم الكيس وتشمل الدوران، رفع الرأس، اختلال التوازن، وأحياناً تشنجات.

اتدخل العلاجي

– لا يُنصح بأي علاج قبل الفحص السريري والتشخيص المخبري عند الإمكان.
– عند ملاحظة الأعراض العصبية، يجب التواصل فوراً مع طبيب أو مركز بيطري لتحديد السبب الدقيق قبل بدء العلاج.
– قد يُستخدم المضاد الحيوي المناسب، ويُعد البنسلين من الخيارات المتداولة في حالات العدوى البكتيرية.
– إعطاء فيتامين B1 في حالات الاشتباه بالنقص.
– استخدام الإيفرمكتين في حالات الإصابة الطفيلية، وفق الجرعات المقررة بيطرياً.

إجراءات وقائية

الإدارة الغذائية:
– تجنب تقديم سيلاج فاسد أو أعلاف متعفنة، والحفاظ على نظافة المعالف.
– تقديم علائق متوازنة غنية بالألياف والحد من الإفراط في المركزات.
– توفير مكملات فيتامينات وأملاح معدنية دورياً، مع الاهتمام بفيتامين B1.

مكافحة الطفيليات:
– تطبيق برنامج دوري كل 3–4 أشهر لمضادات الطفيليات الداخلية المناسبة.
– عدم إطعام الكلاب أحشاءً نيئة للحيوانات المذبوحة.
– تجريع كلاب المزرعة دورياً بمستحضرات تحتوي على البرازيكوانتيل.

الرعاية العامة:
– متابعة يومية للقطيع وعزل أي حيوان تظهر عليه أعراض.
– توفير مساكن نظيفة وجافة مع رش دوري لمكافحة الحشرات وفق التعليمات.

إذاً تظل الوقاية والكشف المبكر الركيزتين الأساسيتين للحد من الخسائر، إذ يرفع التدخل السريع فرص الشفاء، بينما يؤدي التأخر إلى مضاعفات قد تكون غير قابلة للعلاج.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

نساء بلا سند: حكايات المهمشات في ريف اليمن

تحت طربال متهالك في أطراف ريف حجة غربي اليمن، تجلس “سعاد” (اسم مستعار) من فئة النساء المهمشات، تتأمل يديها اللتين حفرت فيهما سنوات الشقاء أخاديد عميقة، لم تصبغهما الشمس وحدها بذلك السواد الداكن، بل مجتمع قرر مسبقا أن يحبسها في خانة “الدونية”.

سعاد ليست مجرد امرأة فقيرة فحسب؛ بل تعاني من تحديات كثيرة بسبب انتمائها لـ”فئة المهمشين”، فبينما تتزاحم النساء للحصول على المساعدات، تقف عاجزة، لا يمنعها الجوع بل غياب البطاقة الشخصية؛ تلك القطعة البلاستيكية الصغيرة التي تمثل للآخرين إجراء روتينيا، لكنها بالنسبة لها جدار يفصلها عن العلاج والتعليم وحتى الاعتراف بإنسانيتها.

من ريف حجة تروي الخمسينية “أم صحيح”، المصابة بالفشل الكلوي، فصولا من معاناة مزدوجة المرض والتمييز، وتقول: “مشكلتي ليست في البطاقة، بل في لوني الذي يعتبرونه تهمة”.


مواضيع مقترحة


وتضيف: “عند نقطة تفتيش أمنية، وأثناء توجهي للعلاج، أنزلني أحد الجنود من المركبة قائلا: “انزلي يا خالة، هذه نقطة تفتيش مش مكان للتسول”، بحجة عدم حملها هوية.

في مكتب الأحوال المدنية، واجهت إذلالا آخر؛ سخر الموظف من ملابسها وطالبها برسوم تعجيزية: “ادفعي خمسين ألفا”، في إشارة غير مباشرة إلى رشوة لا تملكها، وحتى المساعدات الإغاثية حرمت منها بذريعة عدم امتلاك الوثائق، تختصر أم صحيح مأساتها بعبارة موجعة: “أنا يمنية، لكن في نظرهم مجرد لون لا يستحق ورقة تثبت آدميته”.

الخبز مقابل التعليم

نادية (15 عاما)، تجلس في أحد مخيمات النزوح بريف حجة، وهي في الصف الخامس الابتدائي، بعد سنوات دراسية ضاعت بين النزوح وتحمل المسؤولية المبكرة، تقول: “كنت أترك المدرسة لأجمع الخبز لإخوتي، واليوم أبلغ الخامسة عشرة وما زلت في الابتدائية”.

لم تواجه عنفا جسديا، لكن الكلمات كانت أكثر قسوة “كانوا ينادونني شحاتة، وأنا أشقى لأجل أسرتي”، وجدت نفسها زوجة وهي قاصر، في قرار تقول إنها اتخذته بدافع البحث عن الاستقرار، ورغم الفقر المدقع وعمل زوجها بالأجر اليومي، تؤكد أنه متفهم لوضعها الصحي، ويؤجل الإنجاب حتى تبلغ السن القانوني.

مهمشو الأرياف:تعايش مجتمعي رغم التحديات

أما صباح فلا يفصل بين “طربالها” في ريف صنعاء ومنزل جارتها الطيني سوى شارع ضيق، لكن توزيع المساعدات كشف عن فجوة اجتماعية سحيقة بينهما، إذ تروي صباح (أم لتسعة أطفال)، كيف تحول طلب كيس دقيق إلى رحلة إذلال بسبب لون بشرتها ونظرة المجتمع.

لا تزاحمي المتعففين

وتقول لـ”ريف اليمن”: “دفعني العاقل بعصاه صائحاً: ارجعي وراء يا خادمة، لا تزاحمي المتعففين، أنتم متعودون على الشحاذة”؛ وقفتُ منكسرة، بينما حين نودي على جارتي (أم ناصر) انشق لها الصف احتراما لنسبها، وتسابق الشباب لحمل حصتها إلى دارها قائلين: عيب تتعب البنت”.

المفارقة المؤلمة لم تكن في الحصة الغذائية فحسب، بل في طريقة الوصول إليها؛ فبينما عادت الجارة مكرمة، عادت صباح بنصف كيس وقلب مكسور، تختصر مأساتها قائلة: “عدنا بنفس الدقيق؛ هي بكرامة محفوظة وأنا بالذل.. الفقر واحد، لكن الوجع ليس واحداً..”.

تشير “نزيهة زايد”، موظفة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى وجود فجوة ديموغرافية هائلة في بيانات رصد فئة “المهمشين”، حيث تتراوح التقديرات لأعدادهم ما بين 500 ألف إلى 3.5 مليون نسمة، يتركز ثقلهم السكاني في محافظات الحديدة، صنعاء، ذمار، حجة، تعز، إب، لحج، المحويت، وحضرموت.

المهمشين في اليمن
المهمشون في اليمن (ريف اليمن)

وتؤكد زايد لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفئة تُعد “الحلقة الأضعف”؛ إذ تشكل النساء والأطفال ما نسبته 76% من النازحين، لافتةً إلى أن حياتهم كانت مبنية على عدم الاستقرار والنزوح حتى ما قبل الصراع، لتزداد أوضاعهم سوءاً مع الحرب، وهو ما ساهم في تصنيف اليمن رابعاً عالمياً في معدلات النزوح الداخلي.

وفي هذا السياق توضح زايد أن المهمشين يواجهون ما وصفته بـ “النزوح المركب”؛ فهم يسقطون من شبكات الأمان الإغاثي نتيجة عدم امتلاكهم وثائق الهوية، الأمر الذي يحرمهم من مساعدات المفوضية وبرنامج الأغذية العالمي، مشيرة إلى تفاقم مأساتهم في ظل معدلات أمية تتجاوز 90%، وعيشهم في مساكن عشوائية تفتقر لأدنى الخدمات؛ مما يجعلهم مجرد “أرقام منسية” في معادلة الاستجابة الإنسانية.

صناعة الأمل

ليست كل القصص انكسارا كاملا، فسارة” (25 عاما) نزحت من عدن إلى أحد مخيمات ريف حجة بعد أن كانت تعيش حياة مستقرة، وتقول: “حين دخلنا المخيم فكرنا بالعودة إلى الموت تحت القصف بدل العيش هنا”.

لكنها رفضت الاستسلام، أكملت تعليمها حتى تخرجت “مساعد طبيب”، وكانت تساعد أسرتها بضرب الإبر للجيران مقابل مبالغ بسيطة، واليوم تعمل في مستشفى خارج المحافظة، وتعيل أسرتها بالكامل. “سأبني لهم بيتا يعوضهم عن كل ما فقدناه”، تقول سارة بثقة.

رصد معد التقرير، حالات اعتداء على فتيات في أرياف صنعاء وحجة، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، كـ”نجيبة” (29 عامًا) التي تروي مأساة بدأت بعد تعرضها لاعتداء جنسي، لتجد نفسها متهمة بدل أن تُعامل كضحية.

تقول: “أهل المنطقة يرونني مذنبة، نسوا المجرم وجعلوني أنا المدانة”، تعرضت لتعنيف أسري قاس، وأُجبرت على الخروج للتسول بطفلها الرضيع، كل ما تحلم به اليوم أن تعيش في مكان لا يعرفها فيه أحد “أريد فقط أن أحمي ابني مما عشته”.

يرى أستاذ علم الاجتماع، “د. منصور العنسي”، أن جذور التمييز تاريخية ومرتبطة بالبنية القبلية، مما جعل غالبيتهم يعيشون في أحياء فقيرة بضواحي المدن والأرياف، ويفتقرون فيها لفرص العمل والخدمات الأساسية كالمياه والتعليم”.

مفارقة قانونية

ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن النزوح فاقم الأزمة، مشيرا إلى أن النزوح ضاعف من مأساة النساء؛ فإحدى النساء التي كانت تعيل أسرتها من تنظيف المنازل، باتت اليوم عاجزة عن توفير مبلغ (12 ألف ريال) لتأمين المستلزمات المدرسية لأطفالها بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد.

المهمشات في اليمن: بين الفقر والنزوح والتهميش الاجتماعي
المهمشات في اليمن: بين الفقر والنزوح والتهميش الاجتماعي

المحامية “تيسير حمود” تشير إلى وجود مفارقة قانونية صارخة في اليمن؛ فبينما كفل الدستور نظريا المساواة التامة، تأتي الممارسات الواقعية والتشريعية لتفرغ هذه النصوص من محتواها؛ مما يضاعف مأساة النساء وتحديدا “المهمشات” وذلك عبر انعدام الحماية الجنائية.

وتضيف لـ”ريف اليمن”: “إذا كانت المرأة القبلية تعاني من هذا القصور، فإن معاناة “المهمشة” أشد قسوة، حيث يستباح جسدها وحقوقها بصمت مطبق لافتقارها للسند الاجتماعي والقانوني، كمآسي الأحوال الشخصية المتمثل بزواج القاصرات فهو يمثل حكماً بـ”الإعدام البطيء” للفتيات المهمشات، ويوقعهن في دوامة صحية وقانونية مهلكة”.

تؤكد حمود أن العادات والتقاليد تمارس دورا أقوى من القانون، حيث يمارس العرف “عنصرية” تحرم المهمشة من حقوقها الدستورية، لتصبح في النهاية ضحية لجلادي قصور القانون، وقسوة الأعراف الاجتماعية، مشيرة أن غياب الحماية القانونية يطال النساء عموما، لكنه يكون أكثر قسوة على “المهمشات” لافتقارهن للسند القبلي والاجتماعي.

الملاريا في تعز: قاتل يفتك بالآلاف

كشف المسؤول الإعلامي بمكتب الصحة في تعز، تيسير السامعي، عن أرقام مقلقة تعكس حجم الأزمة الصحية في المحافظة، قائلاً إن السلطات سجلت 14,349 حالة مصابة بملاريا خلال عام 2025، إضافة إلى عشرات الآلاف من الحالات المشتبه بها.

وأوضح السامعي في منشور له على فيسبوك، أن الملاريا ما تزال من أخطر المشكلات الصحية في اليمن؛ حيث يتعرّض نحو 60% من السكان لخطر الإصابة. وقال إن البلاد تشهد سنوياً بين 2 و3 ملايين حالة إصابة بالملاريا مع معدل وفيات يقارب 1%.

وحذّر من تداعيات المرض في المناطق الريفية والنائية المحرومة من الخدمات الطبية، مشيراً إلى أن الأطفال والنساء يموتون أحياناً دون أن يصل إليهم الرعاية المناسبة بسبب شح الأدوية وندرة الفحوصات التشخيصية التي وصفها بأنها “باهظة الثمن” ومتاحة لعدد قليل فقط.

وأشار السامعي إلى أن “البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا” حقق قبل الانقلاب إنجازات مهمة في الحد من انتشار المرض، لكن الحرب أدت إلى تراجع هذه الجهود وتدمير جزء من المكاسب، ما سهّل انتشار الوباء مجدداً وبوتيرة أعلى.

الملاريا في تعز: قاتل يفتك بالآلاف

ونبّه أيضاً إلى أن كثيراً من المنظمات الإنسانية المحلية أو ودولية لم تولِ وباء الملاريا الاهتمام الكافي، مُنصرفة إلى قضايا أخرى رغم خطورة المرض وأولوية الحاجة للتعامل معه.

وطالب السامعي الدولة والمنظمات الإنسانية بتقديم دعم عاجل وجدي للبرنامج الوطني لمكافحة الملاريا، مؤكداً أن البرنامج يواجه حالياً أحد أخطر الأوبئة في البلاد بإمكانيات محدودة جداً.

دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال

في خمسينيات القرن الماضي، كانت آلات “محلج الكود” تدور ليلا ونهارا في محافظة أبين، تحول القطن الأبيض إلى ذهب يصدر إلى بريطانيا، فيما كان الفلاحون يصدحون بالأغاني وهم يجنون البسباس الأحمر الذي يملأ أسواق عدن وصنعاء ويشق طريقه إلى الخارج.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماما، دلتا أبين التي كانت تعرف بـ”سلة الجنوب”، تئن تحت وطأة الجفاف والإهمال؛ صمتت آلات الجني، وغزت أشجار السيسبان مساحات واسعة من الأراضي الخضراء، بينما يراقب المزارعون موت أرضهم ببطء.

القطن طويل التيلة، أو “الذهب الأبيض”، شكل يوما أحد أعمدة اقتصاد الجنوب، في ذروة ازدهاره خلال موسم 1962/1963، تجاوز الإنتاج 30 مليون رطل، وأسهم بأكثر من 27% من اقتصاد جنوب اليمن.


مواضيع مقترحة


يقول “عبد الله سند”، مدير عام التخطيط بوزارة الزراعة، إن القطن كان من أهم المحاصيل النقدية في البلاد، وكان محلج الكود بوابة التصدير إلى العالم، غير أن الحروب المتعاقبة إلى جانب توقف مصانع الغزل والنسيج، أدت إلى انهيار القطاع بشكل شبه كامل.

ويضيف لـ”ريف اليمن”: “لم يتبق اليوم سوى فدان واحد يزرع في محافظة لحج للحفاظ على البذور، بينما لا تتجاوز المساحة المزروعة في أبين 300 فدان”. وبحسب تقديرات زراعية، تراجع الإنتاج من عشرات الملايين من الأرطال إلى بضع مئات من الأطنان سنويًا.

“أحمد هادي”، مزارع من منطقة الطرية بمحافظة ابين ، يقول: “أزرع القطن لأن لدي بذور فقط، وإلا فأنا خاسر، لا أستفيد شيئا”، ويتفق معه المزارع “ناجي سعيد”: “لا يوجد دعم ولا تسعير عادل، ولا مبيدات أو بذور محسنة” متسائلا: “ماذا نفعل؟”.

أما محلج الكود، الذي كان رمزا للازدهار، فيعمل اليوم بطاقة محدودة، بعد أن فقد أسواقه ولم يجد سياسة حكومية تشجع استمرار زراعة هذا المحصول النقدي

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن متوسط التيلة في مزرعه تجريبيه في أبين

المهندس الزراعي “عبد القادر خضر السميطي”، عضو الجمعية الوطنية للبحث العلمي، يوضح أن تدني الأسعار هو السبب الرئيسي للعزوف عن زراعة القطن؛ إذ يبيع المزارع الرطل بـ250 ريالا فقط، في حين أن تكاليف الإنتاج تفوق ذلك بأضعاف.

براثين الانقراض

ليس وحده الذهب الأبيض من يتعرض لخطر الفقد؛ فأيضا الذهب الثاني “الفلفل الأحمر (البسباس)” لدلتا أبين بات معرضا اليوم للانقراض بعد أن كان يغطي السوق المحلي ويصدر إلى الخارج لجودته، بسبب منافسة الفلفل الصيني الرخيص، وتحديات التغير المناخي.

المزارع “سليم فؤاد” من منطقة الخبرة بمحافظة أبين يحكي أن بسبب ارتفاع تكاليف زراعة البسباس وشحة المياه وإصابة المحاصيل بالأمراض اتجه المزارعون لترك أرضهم، والتخلي عن زراعة الفلفل الأحمر بعد أن كان مصدر قوتهم.

ويتفق “أحمد حسين”، مزارع من منطقة الحصن مع سليم، ويضيف: “الفلفل الصيني أغرق السوق وبأسعار منافسو لما نقدمه، وهذا يجعل محصولنا يتكدس ولا أحد يشتريه، وإن بعناه بعنا بخسارة كبيرة عن ما أنفقناه أثناء الإنتاج، إضافة لتغير المناخ الذي أصبح عائقاً أمامنا”.

الضربة القاضية

التغيرات المناخية زادت الطين بلة، فالدلتا تشهد ارتفاعا حادا في درجات الحرارة، وجفافا متكررا وسيولا مفاجئة تجرف التربة. بحسب دراسة ميدانية أعدها مركز المخا للدراسات فقد تدهور القطاع الزراعي في أبين بشكل خطير، وفقد نحو 50% من إنتاجه.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
زراعة القطن في اليمن (منصة ريف اليمن)

وفي دراسة تحليلية حديثة لشبكة بيئة أبوظبي أعدها الباحث البيئي عبد الغني اليوسفي أن دلتا أبين فقدت 30 ألف فدان من أراضيها الزراعية الخصبة؛ ما يعادل 35% من مساحتها. وأرجعت الدراسة الكارثة إلى الزحف العمراني العشوائي، وانهيار البنية التحتية للري منذ 1994، والتغيرات المناخية التي تسببت بعجز مائي يبلغ 2.6 مليار متر مكعب.

وحذرت الدراسة من تحول “سلة غذاء المنطقة” التاريخية التي اشتهرت بالقطن طويل التيلة والمحاصيل المتنوعة  إلى أرض قاحلة ما لم يتم التدخل العاجل لإحياء مشاريع السدود المعطلة وإيقاف التعدي على الأراضي الزراعية.

تلك التغيرات المناخية جعلت المزارع الذي كان يحصد ثلاثة مواسم في السنة أصبح بالكاد يجني موسم واحد المياه الجوفية أصبحت مالحة والرياح الشديدة تدمر المحاصيل وانتشار الآفات والأمراض نتيجة عدم توفر المكافحة العلمية، وارتفاع تكلفة الوقود الذي يعيق حراثة الأرض وضخ المياه، كما يشرح السميطي.

الغازي الأخضر

إلى جانب المناخ، برز خطر آخر، أشجار السيسبان، التي تحولت من حل بيئي إلى ما يسميه المزارعون سرطانا أخضر يلتهم الأراضي الخصبة، ويشرح السميطي أن السيسبان يستنزف المياه الجوفية، ويقلل خصوبة التربة، ويشكل بيئة للآفات والزواحف، وقد حوّل آلاف الأفدنة إلى غابات غير منتجة، في ظل غياب أي حملات رسمية لمكافحته.

الدكتور “نجيب سلام”، أستاذ وقاية النبات بجامعة لحج، يشير إلى أن الفلفل الأحمر من أكثر المحاصيل حساسية للتغيرات المناخية، ويقترح حلولا علمية تشمل تطوير أصناف تتحمل الحرارة والجفاف، واستخدام الري بالتنقيط، والتسميد المتوازن، وتعديل مواعيد الزراعة، لكنه يؤكد أن ذلك يتطلب دعما حكوميا وتمويلا للبحث العلمي.

بسبب الجفاف والإهمال.. دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض
صورة للقطن طويل التيلة في مزرعة البحوث الزراعية بأبين جنوبي اليمن

غياب الدور الحكومي هو العامل الأكثر إيلاما، فالمزارعون يشيرون بأصابع الاتهام إلى السلطات المحلية وإلى الحكومة المركزية لعدم تقديم أي دعم ملموس، ويقول أحد مزارعي القطن بمحافظة أبين: “ننتظر منذ سنوات أن تتدخل الدولة بتقديم البذور والأسمدة المدعومة أو حتى بتوفير سعر مرضي لمحاصيلنا، لكن لا حياة لمن تنادي”.

ويشرح السميطي أن منظمة الفاو وغيرها أطلقت مشاريع، لكن النتائج لم تكن ملموسة؛ إذ لم نر تحسنا في قنوات الري ولا في مقاومة الآفات ولا في زيادة الإنتاج، فهذه المشاريع كانت شكلية ولم تنفذ بالشراكة الحقيقية مع المزارعين.

بدروه يوضح مدير مكتب الزراعة بأبين الدكتور “حسين الهيثمي” أن الحرب أسهمت في دمار البنية التحتية، وقطع الوقود، وارتفاع الأسعار وذلك ما جعل المزارع عاجزا عن شراء مستلزمات الإنتاج، ما جعل المزارعين يعتقدون أن الإدارة نفسها غير جادة في البحث عن حلول.

ورغم المشهد القاتم، لا تزال بعض المبادرات الفردية تمنح أملا بإمكانية استعادة جزء من المجد الزراعي المفقود، حيث تبرز تجربة المزارع عامر المعسل الذي نجح في موسم 2019 بزراعة 25 فدانا من القطن و5 أفدنة من القمح باستخدام السماد العضوي وتجنب المبيدات الكيماوية ووصل إنتاج قطنه إلى 40 ألف رطل ليكون بذلك بارقة أمل امام المزارعين الاخرين.

وتأتي اليمن في المرتبة 52 عالمياً في إنتاج القطن، وبلغ الإنتاج حسب رئيس هيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي د. عبدالله علوان 5 مليون و 272 ألف طن من القطن مقابل ما نسبته 27 مليون طن عالمياً، ويعد القطن واحد من أهم خمسة محاصيل زراعية في اليمن منذ السبعينات، إضافة لكونه مصدر اقتصادي يستفاد منه للتصدير سابقاً.

في اليوم العالمي للإذاعة.. كيف شكّل المذياع ذاكرة الريف؟

في قرية معلقة بين الجبل والوادي شمال غرب محافظة حجة، تبدأ صباحات أم داوود، بإشعال موقد الحطب ووضع دلة القهوة على الجمر، ثم تمد يدها إلى مذياع قديم معلق على جدار غرفة إسمنتية عتيقة، تدير الزر، فينساب صوت خافت ودافئ، كهمس جار قديم يروي الحكايات.

لم يكن ذلك الصوت مجرد نشرة أخبار، بل مدرسة غير معلنة، ورفيق وحدة، وجسرا يصل القرية بالعالم الخارجي، في ظل طرق جبلية وعرة، وانقطاع الكهرباء، وضعف شبكات الاتصال. في مثل هذه القرى ظل المذياع لعقود الوسيلة الأكثر حضورا واستقرارا، خصوصا لدى النساء وكبار السن والمزارعين.

يصادف الثالث عشر من فبراير من كل عام اليوم العالمي للإذاعة، تقديرا لدورها في تشكيل وعي المجتمعات. وفي الريف اليمني ما يزال المذياع حاضرا في حياة الفلاح والخياط وبائع الدكان والنجار، بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته، رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية.


مواضيع مقترحة


تقول أم داوود لـ”ريف اليمن”، وهي تضبط الهوائي بحركة اعتادتها:”تعلمت من الإذاعة أشياء كثيرة، كيف أعتني بالمحصول، كيف أقرأ القرآن، وكيف أعرف ما يحدث خارج الريف ولولا هذا الصوت، لبقينا معزولين”.

بدايات مبكرة

لم يكن حضور المذياع في الريف اليمني حدثا عابرا، بل امتدادا لبدايات مبكرة للبث الإذاعي في البلاد، فقد انطلق أول بث إذاعي عام 1940 من مدينة عدن مع إنشاء “إذاعة عدن”، التي عرفت لاحقا بـ”راديو عدن”، كأول إذاعة رسمية في الجزيرة العربية ببث يومي منتظم.

وفي شمال اليمن، بدأ البث عام 1947 بمحتوى ديني وإمكانات محدودة، قبل أن يشق الصوت طريقه تدريجيا إلى القرى، حيث تحول المذياع إلى نافذة للخبر وركن ثابت في الذاكرة الريفية.

ومع الوقت، أصبح الريف جزءا أساسيا من الخارطة البرامجية للإذاعات اليمنية، إذ ركزت العديد من البرامج على الزراعة والمطر والثروة الحيوانية، إلى جانب قضايا الصحة والتعليم والتراث.

يقول مدير إذاعة سيئون الأسبق، “أحمد بن زيدان”، لـ”ريف اليمن”: “تبنى برامج الريف على احتياجات المجتمع ونتائج استبيانات المستمعين، وتشمل مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتراث، إلى جانب البرامج الثقافية والترفيهية والدرامية التي تلامس واقع وآمال المجتمع الريفي”.

يتحدث “محمد يحيى”، وهو مزارع تجاوز الخمسين، قائلا:” قبل عقدين أو ثلاثة من الألفية، كان المذياع الوسيلة الإعلامية الوحيدة تقريبا، لذلك كان أهل القرية يتحلقون حول جهاز واحد، ثم بدأ الناس يشعرون بأهمية امتلاكه مهما كان ثمنه”.

رفيق المطبخ والحقول

كما فعلت أم داوود حين باعت بعض حليّها لشراء جهاز يعوضها عما فاتها من تعليم، وسرعان ما تبعتها نساء القرية، فأصبح المذياع رفيق المطبخ والحقول، يملأ البيوت بأصوات البرامج المختلفة.

الحاج صالح، مزارع حضرمي تجاوز السبعين، يستعيد تلك المرحلة بابتسامة: “كنا نجتمع مساء في الديوان حول المذياع، نسمع الأخبار من صنعاء وعدن، ونتابع البرامج الزراعية؛ تعلمنا مواعيد الأمطار، وأنواع البذور، وطرق مكافحة الآفات”.


بن زيدان: ما تزال الإذاعة قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية


ويضيف لـ”ريف اليمن”: “لم يكن الصوت ناقلا للمعلومة فقط، بل صانعا للوقت والطقوس اليومية، فنشرة الظهيرة تعلن استراحة العمل، وبرنامج المساء يرافق جلسات السمر، وإذاعة القرآن الكريم تلازم الفجر والمغرب”.

تحتفظ القرى بذاكرتها عبر الحكايات والأغاني والأصوات، وجاءت الإذاعة لتضيف أرشيفا سمعيا غير مكتوب: صوت مذيع أعلن حدثا تاريخيا، أو حذر من سيول، أو بشر بموسم زراعي جيد. لحظات لم تُدوَّن في دفاتر، لكنها استقرّت في الوجدان.

تقول “بشرى الغيلي”، مذيعة في إذاعة “أثير إف إم”: “أن يسكن صوتي ذاكرة قرية، يعني أنني أصبحت ابنة لتلك الأرض، وصوتا لمن لا صوت لهم في القرى، الذاكرة ليست رفاهية، بل تاريخ يحفر في الوجدان”.

الإذاعة والعصر الرقمي

“خديجة علي”، معلمة ريفية تقول: “حين أسمع نشيدا قديما من الإذاعة، أعود فورا إلى طفولتي، إلى بيتنا الطيني، وإلى أمي وهي تخبز. الصوت يحمل الذاكرة أقوى من الصورة”.

وتستحضر الغيلي موقفا مؤثرا حين تواصلت معها إحدى المستمعات بعد حلقة تناولت تسرب الفتيات من التعليم، وأخبرتها أنها قررت العودة إلى الدراسة متأثرة بما سمعت. “كانت تلك أعظم مكافأة يمكن أن يمنحها الصوت لإنسان”، تقول الغيلي.

المزراع محمد يحيى والمذياع يلازمه منذ ثلاثة عقود(ريف اليمن)

لم تستطع التكنولوجيا أن تقضي على الراديو، ويقول “عبدالمجيد صالح”، طالب بجامعة سيئون: “أستمع إلى الراديو أحيانا في السيارة أو عند انقطاع الإنترنت، لكنه ليس خياري الأول”. ويضيف: “في العصر الرقمي نلجأ إليه حين لا تتوفر الخيارات الأخرى”.

مع تغيّر علاقة الجيل الجديد بالصوت، إذ أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل المصدر الأول للمعلومة والترفيه ومع ذلك، لا تزال الإذاعة تحتفظ بأهميتها في القرى التي تعاني من ضعف الشبكة وارتفاع كلفة الإنترنت وانقطاع الكهرباء.

مستقبل الصوت

يؤكد مدير إذاعة سيئون أن الإذاعة المحلية ما تزال قادرة على الوصول إلى المناطق النائية، وصناعة ذاكرة جماعية عبر برامجها الإخبارية والثقافية والدرامية، إلى جانب إبراز التراث والفنون الشعبية، ويرى أن مستقبل الصوت الإذاعي واعد، خاصة مع مواكبة الإذاعات المحلية للتطور الرقمي عبر البث التقليدي والتطبيقات والمنصات الإلكترونية.

ما يزال المذياع حاضرا بقوة في الأرياف، كونه الوسيلة الأسهل وصولا والأقل كلفة، ولا يشغل المستمع عن عمله كما تفعل الشاشات، يمكن للفلاح أن يزرع، وللخياط أن يخيط، وللنجار أن يعمل، بينما يرافقهم الصوت.


ما يزال المذياع حاضرا في الريف اليمني رغم زحف التكنولوجيا وانتشار الهواتف الذكية بفضل سهولة استخدامه وانخفاض تكلفته


ورغم التحولات الرقمية المتسارعة، لا يبدو أن الإذاعة في الريف اليمني تتجه إلى الزوال، لكنها مطالبة بإعادة تعريف دورها، عبر برامج تفاعلية ومحتوى محلي يعكس لهجة الناس وهمومهم، وربط البث التقليدي بالمنصات الرقمية للوصول إلى الأجيال الجديدة.

تؤكد الغيلي أن الخطاب الإذاعي لم يعد رسميا جافا كما كان، بل أصبح أكثر قربا من الناس، إنسانيا وبسيطا، يلامس همومهم اليومية، خصوصا قضايا المجتمع الريفي، إنه ذاكرة جماعية، وصوت لا يشيخ، ونافذة تفتحها بطارية صغيرة على عالم أوسع من الجبال والوديان.

وكانت دراسة لمركز الدراسات والإعلام الاقتصادي أظهرت أن إقبال اليمنيين على الإذاعات تنامى لعوامل كثيرة، أهمها توقف الصحف الورقية وانعدام الكهرباء والتكلفة المالية للإنترنت، إضافة إلى سهولة وصول الإذاعة للمستمعين في كل مكان بوسائل ممكنة ورخيصة.

وأكدت الدراسة أن هذه الطفرة في الإذاعات المحلية لم تكن إلا نتيجة للاستجابة الواسعة من شريحة واسعة في المجتمع والإقبال على سماعها لظروف استثنائية قد تتغير.

اليمن تواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة

اليمن تواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة

بات الوضع الإنساني في اليمن أكثر خطورة من أي وقت مضى وما يزال يواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة، وفق ما أفادت ليزا دوتن المسؤولة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وقالت خلال إحاطة في مجلس الأمن الخميس “خلال هذا العام 2026 سيحتاج 22.3 مليون شخص -أي نصف السكان- إلى مساعدات إنسانية، بزيادة قدرها 2.8 مليون شخص عن العام الماضي”.

وذكرت أن اليمن لا يزال يواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة، ويتعرض النظام الصحي لضغوط متزايدة، محذرة من أن “هذا يؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، إذ يصبح الوصول إلى خدمات صحة الأم والطفل الأساسية أكثر صعوبة”.

وقالت “أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم 570 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم (الهزال الشديد).

يُعاني ما يقرب من نصف أطفال اليمن من التقزم، كما أن 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مُعرضات لخطر الإصابة بسوء التغذية هذا العام، أي في عام 2026.

وتعد اليمن الدولة التي تضم أكبر عدد من السكان (5.5 مليون نسمة) يعانون من ظروف انعدام الأمن الغذائي الطارئة من المرحلة الرابعة أو ما فوقها وفقًا للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

واستطردت قائلة: “يجب علينا العمل معا الآن لمنع عودة مستويات الجوع والمرض المدمرة التي شهدناها قبل بضع سنوات فقط، حين أثقل سوء التغذية والكوليرا كاهل النظام الصحي الهش وألحقا دمارا هائلا بالمجتمعات في جميع أنحاء البلاد”.

اليمن تواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة

النظام الصحي

يتعرض النظام الصحي لضغوط متزايدة، حوالي 40% من المرافق الصحية إما متوقفة عن العمل أو معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل وتقليص شركائنا لعملياتهم.

وهذا يؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، حيث يصبح الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية الأساسية للأمهات أكثر تقييداً.

تتفاقم هذه الأزمة وسط ارتفاع في تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها وانخفاض معدلات التغطية بالتطعيم. أقل من ثلثي الأطفال فقط تلقوا التطعيم الكامل. وفق المسؤولة الأممية.

سجلت اليمن بين يناير وسبتمبر من العام الماضي أكثر من 18600 حالة إصابة بالحصبة و188 حالة وفاة، وهو من أعلى المعدلات في العالم.

كما سجلت اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا على مستوى العالم بين مارس 2024 ونوفمبر 2025، حيث بلغ عدد حالات الاشتباه بالكوليرا والإسهال المائي الحاد 350 ألف حالة، وبلغ عدد الوفيات المرتبطة بها 1100 حالة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

يجب العمل الآن

أكدت المسؤولة الأممية أنه رغم التحديات الشديدة، واصل العاملون في المجال الإنساني إنقاذ الأرواح في عام 2025، حيث قدم الشركاء مساعدات غذائية لأكثر من 5 ملايين شخص، ووفروا 3.3 مليون استشارة طبية، وعالجوا أكثر من 330 ألف طفل من سوء التغذية الحاد الوخيم.

وأضافت: “تحقق هذا بتمويل لم يتجاوز 28.5% من النداء الإنساني، مما أجبرنا على اتخاذ خيارات صعبة”.

واستطردت قائلة: “يجب علينا العمل معا الآن لمنع عودة مستويات الجوع والمرض المدمرة التي شهدناها قبل بضع سنوات فقط، حين أثقل سوء التغذية والكوليرا كاهل النظام الصحي الهش وألحقا دمارا هائلا بالمجتمعات في جميع أنحاء البلاد”.

المزارعون اليمنيون.. حصاد وفير وعائد لا يغطي التكاليف

تواجه الزراعة في اليمن تحديات متعددة، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات للتوسع الزراعي، يتكبد المزارعون خسائر كبيرة في كل موسم بدلا من جني الأرباح، ويصطدمون بواقع مرير يفتقر لأدنى مقومات الحماية والنمو، لا سيما في ظل غياب رؤية وطنية لاستيعاب فائض الإنتاج وتحويله إلى صناعات تحويلية مستدامة.

المزارع “جهلان الحاشدي (27 عاماً)” رغم وفرة محصول الطماطم الذي جادت به أرضه هذا الموسم، اصطدم بواقع السوق المتردي، عقب انخفاض الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث أصبح سعر الكيلوجرام الواحد أقل من تكلفة إنتاجه الفعلية.

لم تتوقف معاناة الحاشدي عند انهيار الأسعار فحسب، بل امتدت لتكشف عجز البنية التحتية، إذ يوضح لـ “ريف اليمن” أنه حاول إنقاذ محصوله عبر التخزين، لكن مساعيه خابت نتيجة انعدام المصانع أو المنشآت التحويلية القريبة التي تضمن حفظ المنتج أو معالجته.


مواضيع مقترحة


فائض وكساد

يقول الحاشدي: “كنت متفائلاً بهذا الموسم، وكان الإنتاج وفيراً، وتوقعت دخلاً مجزياً يغطي احتياجات عائلتي، لكنني اضطررت في نهاية المطاف لبيع المحصول بخسارة فادحة، وهو ما ألقى بظلاله القاسية على استقرارنا المعيشي”.

يرى الدكتور “أحمد محرن”، أستاذ قسم البساتين بجامعة لحج، أن ضعف البنية التحتية، وغياب الحوافز، وانعدام التخطيط القائم على البيانات، عوامل تكرّس حالة الكساد؛ مما يُكبد المزارعين خسائر مباشرة تتراوح بين 25% و45% من قيمة الإنتاج.

ويؤكد أن العائق الحاسم ليس فنياً أو تمويلياً، بل يكمن في غياب سياسة “صناعية زراعية” موحدة وتضارب الصلاحيات بين الجهات المعنية.

ويلفت إلى أن السياسات الزراعية ركزت تاريخياً على التوسع الأفقي وزيادة الإنتاج، مع إغفال الربط الاستراتيجي بعمليات التخزين والتصنيع والتسويق، مشيراً إلى أن إدارة القطاع الزراعي تتم بمعزل عن وزارة الصناعة وهيئات الاستثمار؛ مما يترك الفائض عرضة للتلف السريع أو البيع بأسعار زهيدة.

من جانبه، أكد المهندس “عبد الرؤوف الصبري”، مدير المواصفات وضبط الجودة بالإدارة العامة للتسويق الزراعي أن اليمن يفتقر لمنظومة وطنية لاستيعاب الفائض، وهو ما يترجم إلى خسائر بمليارات الريالات سنوياً. ويعزو الصبري هذا الإخفاق إلى هشاشة البيئة الاستثمارية وتراجع القوة الشرائية.

وفي حديث لـ “ريف اليمن”، قدر الصبري حجم الفاقد في محاصيل الخضروات والفواكه بأكثر من 40%، مشيراً إلى أن المصانع المحلية تعمل دون طاقتها القصوى، وتقتصر أنشطتها على المواسم فقط، في ظل نقص حاد في وحدات التجفيف والتحويل التي يمكنها تقديم منتجات وطنية منافسة.

معضلة التسويق

المهندس الزراعي “صديق جبريل” يطرح سؤالاً جوهرياً: “لمن نزرع ولمن ننتج؟” في إشارة واضحة إلى الفجوة بين وفرة التنوع النباتي وغياب الأسواق المنظمة، وهو ما يعزز الارتهان للاستيراد ويستنزف العملة الصعبة.

ويرى أن المواسم الزراعية تعيش صراعاً مستمراً بين زيادة الإنتاج وكساد السوق نتيجة غياب الكيانات المعنية بالتصنيع؛ ما يحرم المزارع من الدخل المستدام ويعيق تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وأوضح جبريل لـ “ريف اليمن” أن المخرج الحقيقي يكمن في إنشاء وحدات تصنيع ومعامل لتحويل الفائض إلى سلع استهلاكية؛ مما يضمن استقرار الأسعار وتعزيز الأمن الغذائي، مشددا على ضرورة الدعم الحكومي لتوسيع الرقعة الزراعية المخططة.

ويلفت إلى أن مناطق استراتيجية مثل تهامة والجوف، التي تُعد “سلة اليمن الغذائية”، لا تتجاوز المساحة المستغلة فيها 5% فقط، داعياً إلى تفعيل التصنيع لتقليل معدلات البطالة والهجرة.

“عبد الرحمن فتيني”، أحد كبار مزارعي الحديدة، يؤكد أن اتساع الهوة بين الإنتاج وتراجع القوة الشرائية ألحق ضرراً مباشراً بالمزارعين. ويختصر فتيني الحل في الزراعة التعاقدية لخلق بيئة تكاملية بين المزارع والمستثمر، وتطوير آليات التسويق عبر إزالة العوائق وتسهيل النقل.

ويشير فتيني إلى أن مواسم انخفاض الأسعار باتت تمتد لفترات طويلة منذ عام 2019، مما يتطلب تنسيقاً بين وزارات الزراعة والصناعة والنقل لجذب الاستثمارات.

و كانت دراسة ميدانية أجريت عام 2022 قد كشفت عن وجود 470 هيئة ووسيطاً تسويقياً في اليمن، إلا أن النتائج أظهرت ضعفاً حاداً في آليات التسعير ناتجاً عن معوقات إدارية وتعدد الوسطاء.

وفي دراسة متخصصة حول الانتاج الزراعي يشير الدكتور “إسماعيل محرم” إلى أن التسويق هو المحرك الأساسي للإنتاج؛ فرغم التحديات، تذبذبت قيمة الصادرات الزراعية اليمنية لترتفع من 198 مليون دولار عام 2002 إلى ذروتها في 2021 بواقع 614 مليون دولار.

ويرى محرم أن القطاع الزراعي اليمني يمر بتحول تاريخي في “التركيب المحصولي”، منتقلًا من “زراعة الكفاف” إلى “الزراعة من أجل السوق”. هذا التحول يفرض ضرورة ملحة لتطوير منظومة التصنيع والتسويق المنظم، لضمان تحويل الإنتاج إلى دخل مستدام يخدم الاقتصاد الوطني ويحقق الاستقرار للمزارع اليمني.

غياب التخطيط

أما الدكتور “عادل الهجامي”، أستاذ البستنة بجامعة صنعاء، قال إن الدور الحكومي لا يزال حبيس الجانب الإرشادي التقليدي، مع غياب ملموس للتخطيط الزراعي والصناعي الاستراتيجي، إذ يميل القطاع الخاص إلى تحقيق الأرباح السريعة عبر الاستيراد، مفضلا إياه على الاستثمار طويل الأمد في التصنيع الزراعي، رغم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي يضمنها هذا المسار للاقتصاد الوطني.

وأكد الهجامي لـ “ريف اليمن” أن هذا القصور يترجم فعلياً إلى خسائر مادية فادحة تُقدر بالملايين سنوياً نتيجة تلف محاصيل استراتيجية كالطماطم والمانجو والبطاطس. ولا تتوقف الأضرار عند الجانب المالي، بل تمتد لتشمل خسائر استراتيجية تتمثل في إحباط المزارعين وعزوفهم عن الإنتاج؛ مما يدفعهم لهجرة الريف وترك الأراضي، وهو ما يهدد بوضوح الأمن الغذائي القومي.

كما حدد  عوائق جوهرية تحول دون نهضة التصنيع الزراعي، أبرزها: تهالك البنية التحتية غياب سلاسل التبريد والطاقة المستدامة، والتحديات التمويلية المرتبطة بارتفاع مخاطر الاستثمار في ظل غياب التسهيلات البنكية، مشيراً إلى العوائق التشريعية المتمثلة في غياب القوانين الحمائية للمنتج المحلي أمام منافسة المستورد، فضلاً عن ضعف ثقافة التصنيع لدى كبار المستثمرين.

وبحسب الهجامي فإن المخرج الحقيقي يكمن في تبني استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على إنشاء شركة مساهمة مجتمعية للتسويق والتصنيع الزراعي، واعتماد سياسة “إحلال الواردات”، مشدداً على ضرورة توطين الصناعات التحويلية في مناطق الإنتاج الرئيسية تهامة والجوف ومأرب وحضرموت؛ لضمان استدامة القطاع وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.

أسباب تشقق ثمار البطيخ

“ما أسباب تشقق ثمار البطيخ (الحبحب)؟” سؤال ورد إلى بريد منصة ريف اليمن ويتكرر بين المزارعين، خصوصاً في مناطق الإنتاج مثل تهامة وأبين وعمران ووادي حضرموت ولحج، حيث تتحول هذه الظاهرة مع اقتراب مرحلة النضج إلى خسارة مباشرة تؤثر على جودة المحصول وقابليته للتسويق.

تشقق ثمار الحبحب مشكلة فسيولوجية ترتبط أساساً بخلل في التوازن المائي والغذائي داخل النبات، إضافة إلى عوامل بيئية وصنفية يمكن الحد منها عبر إدارة زراعية دقيقة، ويُمثل انتظام الري والتغذية المتوازنة حجر الأساس في الوقاية من هذه الظاهرة.

في هذا التقرير الإرشادي نستعرض الأسباب الرئيسية وراء تشقق الثمار والعوامل المرتبطة بها، كما نوضح أبرز الإجراءات الوقائية والتوصيات العملية التي تساعد المزارعين على تقليل نسبة التشقق والحفاظ على المحصول.

أولاً: الأسباب الرئيسية لتشقق الثمار

1) اضطراب الري والامتصاص المفاجئ للماء: يُعد تعطيش النبات ثم ريّه بكميات كبيرة السبب الأكثر شيوعاً. فعند توفر الماء فجأة تمتص الجذور كميات كبيرة، ما يؤدي إلى تضخم سريع في اللب الداخلي يفوق قدرة القشرة على التمدد، فتحدث التشققات، وينطبق الأمر ذاته عند هطول أمطار غزيرة بعد فترة جفاف، خصوصاً في المراحل المتأخرة من النمو.

2) التقلبات المناخية: الفروق الحادة في درجات الحرارة بين الليل والنهار، أو تغير مستويات الرطوبة الجوية، تُحدث إجهاداً للنبات وتضعف مرونة القشرة، خاصة في البيئات الحارة الجافة.

3) الإفراط في التسميد الآزوتي: الزيادة في النيتروجين تعزز النمو الخضري على حساب صلابة الثمار، فتنتج أنسجة أكثر طراوة وأقل تحملاً للضغط الداخلي.

4) نقص الكالسيوم والبورون: الكالسيوم عنصر أساسي في تقوية جدران الخلايا، بينما يسهم البورون في انتظام انقسام الخلايا ونقل السكريات. نقصهما يؤدي إلى ضعف القشرة وسهولة تمزقها.

5) ملوحة التربة وضعف الجذور: ارتفاع الملوحة أو إصابة الجذور بالأمراض الفطرية يضعف كفاءة الامتصاص ويخلّ بالتوازن الغذائي، ما ينعكس سلباً على نمو الثمار وتماسكها.

6) حساسية بعض الأصناف: تختلف الأصناف في سمك القشرة ومرونتها؛ فالأصناف ذات القشرة الرقيقة أو سريعة النمو تكون أكثر عرضة للتشقق.

ايُعدّ تشقق ثمار الحبحب من أبرز المشكلات التي تواجه مزارعي البطيخ في اليمن، حيث يؤدي إلى تلف الثمار وخسائر اقتصادية، خاصة في مراحل النضج

ثانياً: الإجراءات الوقائية والإرشادات العملية

1) تنظيم الري
– الحفاظ على انتظام الرطوبة في التربة طوال فترة تكوين الثمار.
– تجنب التعطيش الشديد ثم الري الغزير.
– تقليل كميات المياه تدريجياً عند اقتراب النضج.
– يُفضَّل استخدام الري بالتنقيط لضبط كميات المياه بدقة.

2) التسميد المتوازن
– تقليل التسميد الآزوتي بعد عقد الثمار.
– تعزيز البوتاسيوم لتحسين جودة القشرة والصلابة.
– إجراء تحليل للتربة لتحديد الاحتياجات الفعلية بدقة.

3) دعم الكالسيوم والبورون
– البدء بالرش الورقي منذ مرحلة الإزهار.
– تكرار الرش وفق التوصيات الفنية وبجرعات معتدلة.
– يمكن إضافة الأحماض الأمينية لتحسين الامتصاص.

4) حماية المجموع الجذري
– مكافحة أمراض الجذور مبكراً باستخدام مبيدات موصى بها.
– تحسين الصرف الزراعي لتجنب ركود المياه.
– إضافة المادة العضوية لتحسين بنية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.

5) اختيار الصنف المناسب
– اعتماد أصناف معروفة بقدرتها على التحمل في ظروف المنطقة.
– استشارة الجهات الإرشادية أو المشاتل المعتمدة قبل الزراعة.

مما سبق وجدنا أن تشقق ثمار الحبحب ليس ظاهرة عشوائية، بل نتيجة مباشرة لخلل في إدارة الري أو التغذية أو اختيار الصنف، ولهذا يظل انتظام الري، والتسميد المتوازن مع العناية بعنصري الكالسيوم والبورون، ومتابعة الحقول بدقة خلال الأسابيع الأخيرة قبل الحصاد، عوامل حاسمة في تقليل نسبة التشقق والحفاظ على محصول قابل للتسويق.


هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: –
فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام

الزراعة اليمنية بين ضعف التأهيل وتراجع الانتاج

الزراعة اليمنية بين ضعف التأهيل وتراجع الانتاج
غياب الخبرة

تعد الزراعة في اليمن ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومصدراً رئيساً للأمن الغذائي، فهي تمتلك إمكانات كبيرة حال استثمارها بشكل مدروس ومنظم، لكن اليمنيون لم يستغلون المورد الحيوي بالشكل الأمثل، حيث شهد القطاع الزراعي تدهورا في السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل المركبة.

الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية أدت إلى ضعف التخطيط والإنتاج الزراعي، كما أدى شح المياه وتراجع هطول الأمطار إلى ضغوط إضافية على الأرض والموارد المائية، مما انعكس سلباً على الزراعة والمزارعين.

مع ذلك، يبقى العامل الأكثر خطورة في الوقت الحالي هو تراجع الخبرة والوعي الزراعي لدى الجيل الجديد، حيث أن النقص في الخبرة لا يقتصر أثره على موسم زراعي محدد أو على ظروف محددة، بل يمس جوهر العملية الزراعية ذاتها.


مواضيع مقترحة


غياب الخبرة

لا يبدو المشهد في الأرياف مطمئنا، إذ أن هجرة الشباب إلى المدن بحثا عن أعمال أخرى، أدت إلى انقطاع السلسلة المعرفية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر، ومع رحيل المزارعين القدامى، تراجعت الخبرة المتراكمة، وتُركت المدرجات الزراعية بلا صيانة، وغابت الممارسات التي كانت تحفظ التربة والماء.

يقول المزارع والناشط الزراعي مروان الجنحي إن عزوف الجيل الحالي عن الزراعة لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج وغلاء المعدات، وتراجع الإرشاد الزراعي.

وأوضح الجنحي لـ “ريف اليمن” أن التغيرات المناخية وقلة الأمطار في السنوات الأخيرة، كل ذلك جعل الزراعة، في نظر كثير من الشباب، “مغامرة خاسرة”.

تشير تقارير أممية إلى أن نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في البلاد تدهورت خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية إلى قرابة 17% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة.


الجنحي: كانت الزراعة قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة


في السياق يذهب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أبعد من ذلك، محذّرا من أن استمرار هذا المسار قد يكلّف البلد نحو 90 مليار دولار من ناتجه المحلي بحلول عام 2040، إضافة إلى تعميق أزمة سوء التغذية، ورغم أن القطاع الزراعي لا يزال يستوعب أكثر من نصف القوى العاملة، ويسهم بنحو 15–20% من الناتج المحلي، إلا أن قدرته على تأمين الغذاء تتراجع عاماً بعد آخر.

الزراعة اليمنية بين ضعف التأهيل وتراجع الانتاج

زراعة مرهقة

يوضح الجنحي أن الزراعة في اليمن كانت قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة، دون أن يقابل ذلك عائد مشجع.

وأكد أن كثيراً من المزارعين الشباب يقعون في أخطاء متشابهة هي: العمل دون تخطيط أو إرشاد، سواءً في إدارة المياه، واختيار محاصيل لا تناسب البيئة، لكن أخطر ما في الأمر، أن الأثر لم يعد يقتصر على ضعف الإنتاج، بل امتد إلى التربة نفسها.

تشير بيانات رسمية إلى أن الاعتماد المتزايد على الأسمدة الكيميائية والمبيدات خلال السنوات الأخيرة ساهم بشكل كبير في تدهور التربة وتسممها على المدى البعيد، فالاستخدام المفرط وغير المنضبط لهذه المواد يؤدي إلى فقدان العناصر الغذائية الطبيعية في التربة، ويقلل من نشاط الكائنات الدقيقة الضرورية لتحليل المواد العضوية والحفاظ على خصوبة الأرض.

تتسبب بعض المبيدات في تلوث المياه الجوفية والأسطحية، ما يؤثر بدوره على جودة المحاصيل وسلامتها الغذائية حيث أن هذا الواقع يخلق حلقة مفرغة مع تراجع خصوبة الأرض، يلجأ المزارعون لاستخدام كميات أكبر من الأسمدة والمبيدات، وهو ما يزيد من الضغط على التربة ويعجل بفقدان قدرتها على الإنتاج.

كما يؤدي الاعتماد على المواد الكيميائية إلى تآكل الممارسات التقليدية المستدامة، مثل التسميد العضوي وتنويع المحاصيل والحفاظ على المدرجات الزراعية، التي كانت في الماضي وسيلة طبيعية لحماية الأرض وزيادة الإنتاج.

فجوة معرفية

لا يبدو تراجع كفاءة الأداء الزراعي منفصلا عن الفجوة المعرفية المتسعة بين الأجيال، إذ دخل كثير من الشباب إلى العمل الزراعي دون امتلاك الحد الأدنى من الخبرة العملية أو التأهيل الفني، في ظل غياب الإرشاد الزراعي وضعف برامج التدريب والتأهيل.

ومع تغيّر أنماط الحياة وتراجع انتقال الخبرة من الآباء إلى الأبناء، لم تعد الممارسة الزراعية تُبنى على التراكم المعرفي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مجرد محاولات عشوائية تُدار بالاجتهاد والخطأ.


تقارير أممية: نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في اليمن تدهورت خلال السنوات الماضية فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية قرابة 17%


في بيئة زراعية معقدة تتأثر بالمناخ وشح المياه وتقلبات السوق، يتحوّل نقص الخبرة إلى عامل خسارة مباشر، ويجعل المزارع الشاب عاجزاً عن التخطيط السليم للمواسم أو اختيار المحاصيل أو إدارة الموارد بكفاءة.

تشير الدراسات والتقارير الزراعية إلى أن بعض المناطق الزراعية فقدت أكثر من نصف خصوبتها خلال السنوات الماضية، نتيجة تراكم ممارسات زراعية غير مستدامة، مثل الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، إلى جانب ضعف برامج حماية التربة، وسوء إدارة المياه، وتأثير الضغوط المناخية المتزايدة.

ما هو دور المؤسسات؟

يؤكد المهندس عبدالإله أحمد مرشد، رئيس قسم الوقاية في الهيئة العامة للبحوث الزراعية بمحافظة تعز أن هناك جهود تدريب وإرشاد تُنفَّذ بدعم من منظمات دولية، وتشمل دورات حول التغيرات المناخية والزراعة الذكية، وتطبيقات ميدانية في محاصيل الخضروات والحبوب والبن.

لكنه يعترف في حديثه لـ “ريف اليمن” بأن العمل البحثي متوقف إلى حد كبير منذ 2015 بسبب غياب الموازنة والأوضاع العامة، وأن دور الهيئة يقتصر حالياً على الاستشارات والتطبيقات الميدانية بتمويل خارجي.

وأوضح أن غياب الإحصائيات الميدانية الدقيقة، يَزيد المشهد تعقيدا مشيراً أن معظم البيانات المتوفرة حالياً تقديرية ومحدودة، وآخر الإحصاءات الرسمية تعود إلى 2023، في وقت شهد فيه عام 2025 جفافاً شديداً يتوقع أن ينعكس سلباً على إنتاج الحبوب المتنوعة والبن.

حلول مقترحة

يستذكر مروان الجنحي أساليب كان المزارعون يعتمدون عليها لحماية الأرض أبرزها: التسميد العضوي، إراحة التربة، تنويع المحاصيل، تنظيم السقي، وبناء المدرجات الزراعية، مضيفاً لـ “ريف اليمن” إن كثيراً من تلك الممارسات تراجعت اليوم لصالح حلول سريعة قائمة على الإكثار من الكيماويات، بحثاً عن ربح عاجل ولو على حساب الأرض.


تعاني الزراعة من أزمة معرفة وخبرة وإدارة حيث أدى تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد إلى ضعف الانتاج الزراعي


لا تتوقف آثار القصور المعرفي عند حدود موسم زراعي واحد، بل تتراكم عاماً بعد عام، إذ تؤدي الأخطاء المتكررة في الري والتسميد ومكافحة الآفات إلى إنهاك الأرض وتراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الزراعة.

ومع استمرار هذا النمط، تتحوّل الزراعة من مهنة قائمة على المعرفة والخبرة إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، وتزداد الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. وفي ظل غياب التأهيل المنهجي، يصبح التعافي بطيئاً، ويضيع جزء كبير من الجهد والموارد، ليس بسبب شح الإمكانات، بل بسبب ضعف المعرفة وسوء الإدارة.

أزمة الزراعة في البلاد لم تعد مجرد أزمة حرب أو مطر، بل أزمة معرفة وخبرة وإدارة إذ يرى البعض بأنه حتى في حال تحسّنت الظروف، فإن استمرار تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد سيبقي الإنتاج ضعيفاً، والتربة مهددة، والأمن الغذائي في دائرة الخطر.

يختصر الجنحي جوهر الحل فيقول: “نحتاج أن نجمع بين خبرة الآباء والأساليب الحديثة المدروسة، مع التخطيط الجيد وإدارة المياه بحكمة، لا البحث عن الربح السريع”،ويختم حديثه قائلاً إما أن نستعيد عقل الأرض أو نواصل خسارتها بصمت.

تعز: معرض ريفي لتمكين الأسر المنتجة وتحفيز الاقتصاد

لم يكن المشهد في سوق مفرق جبل حبشي، غربي محافظة تعز، مجرد حركة بيع وشراء عابرة، بل لوحة ريفية مكتملة جسدها المعرض السنوي الثاني للمنتجات الحيوانية والزراعية والمهارات اليدوية، الهادف إلى دعم سبل العيش وتمكين الأسر المنتجة، وتحفيز الاقتصاد الريفي.

المعرض الذي أقيم الأسبوع الماضي، ولمدة يوم واحد، ضم منتجات محلية متنوعة تشكل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة، وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي في المديرية، من بينها الجبن البلدي، والسمن، والعسل، والبن، إلى جانب المنتجات الحرفية واليدوية، وأدوات التجميل، والأحذية، وغيرها من المنتجات الريفية.


مواضيع مقترحة


يقول “أحمد ناجي مقبل”، أحد المشاركين في المعرض، إنه شارك من خلال منتجات العسل والزيوت، مشيرا إلى أن الإقبال من الزوار كان كبيرا، مؤكدا أن مثل هذه المعارض تمثل فرصة مهمة لتشجيع الإنتاج المحلي ودعم المشاريع الأسرية المنزلية، لما لها من دور في تحفيز العاملين في هذا المجال.

وأوضح مقبل لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفعاليات تفتح نافذة أمام الداعمين والجهات المهتمة للاطلاع على أنشطة المجتمع الريفي وإنتاجات الأسر، بما يسهم في تعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار.

وبحسب ناجي، ضم المعرض عدة أجنحة متنوعة، من بينها جناح العسل والزيوت، وجناح السمن والحبن البلدي، إضافة إلى جناح الأحذية والملابس والإكسسوارات والبخور، إلى جانب جناح المحاصيل الزراعية والبن.

تعز: معرض ريفي لتمكين الأسر المنتجة وتحفيز الاقتصاد
المعرض ضم منتجات محلية متنوعة تشكل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة (ريف اليمن)

مدير الإعلام في المديرية، “صفوان الجبيحي”، قال إن المعرض شهد إقبالا واسعا من المتسوقين، مؤكدا أن تنظيمه يأتي ضمن برنامج “تسهيل ربط السوق من خلال المنتديات التجارية ومعارض السوق”.

وأوضح الجبيحي لـ”ريف اليمن”، أن البرنامج تنفذه منظمة صناع النهضة بتمويل من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، وبالشراكة مع المجلس النرويجي للاجئين، ويستفيد منه 426 مواطنا من أصحاب المشاريع في القطاعات الزراعية والحيوانية والحرفية.

ولفت إلى أن المعرض لا يقتصر على عرض المنتجات فحسب، بل يهدف إلى تحسين الظروف الاقتصادية للمجتمعات المحلية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المعيشية، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المناطق الريفية.

تعز: معرض ريفي لتمكين الأسر المنتجة وتحفيز الاقتصاد
أدوات تجميل وعطورات من أسر منتجة داخل معرض جبل حبشي الريفي غربي تعز (ريف اليمن)

بدوره أوضح مدير إدارة المشاركة المجتمعية بالمديرية، “عبده سيف الراشدي”، أن أهمية هذه المعارض تكمن في دعم الريفيين عبر توفير منصة مباشرة لعرض وبيع المنتجات الزراعية والحيوانية واليدوية، الأمر الذي يسهم في فتح أسواق جديدة أمام المنتجين المحليين.

وأشار الراشدي خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذه المنتجات تمثل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة، وتعمل على تحسين أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، إضافة إلى تشجيع الأسر الريفية على الاستمرار في الإنتاج وتطويره من خلال إبراز جهودهم وإنجازاتهم.

وسط الحضور، برزت مشاركة نسوية لافتة، “أم أمين”، إحدى المشاركات، عرضت منتجات الملابس النسائية ذات الإنتاج المنزلي، مؤكدة أنها شاركت في النسختين الحالية والسابقة من المعرض، واللتين شهدتا إقبالا ملحوظا من الزوار، لا سيما من الباحثين عن التخفيضات، حتى وإن كانت بسيطة.

تعز: معرض ريفي لتمكين الأسر المنتجة وتحفيز الاقتصاد

وتشير أم أمين خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، إلى أهمية دعم مثل هذه الأنشطة والفعاليات، خصوصا ما يتعلق بتمكين النساء من خلال دعم مشاريعهن الخاصة، كتمويل مكائن الخياطة والحياكة وغيرها، داعية إلى استمرار إقامة هذه المعارض مع توسيع دائرة المشاركة، والعمل على تمويل المشاريع الأسرية لضمان استدامتها وتحسين مصادر دخل الأسر الريفية.

وتخوض المرأة الريفية معركة يومية للبقاء، وتؤكد تقارير البنك الدولي أن النساء يشكلن نحو 95٪ من القوى العاملة الزراعية في البلاد، وأكثر من 90% في مجال الثروة الحيوانية، ويقمن بأدوار متعددة تشمل الزراعة، والرعي، وإدارة المياه، وحفر القنوات، وتحسين أنظمة الري.

بدوره يرى مدير مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في المديرية، “منصور الحمودي”، أن مثل هذه المعارض تلعب دورا مهما في تعزيز الأمن الغذائي، عبر دعم الإنتاج المحلي من الخضروات والمنتجات الحيوانية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

تعز: معرض ريفي لتمكين الأسر المنتجة وتحفيز الاقتصاد
يستفيد من المعرض 426 مواطنا من أصحاب المشاريع في القطاعات الزراعية والحيوانية والحرفية (ريف اليمن)

ويضيف الحمودي لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفعاليات تخلق فرص دخل مستدامة للأسر الريفية، وتساعدها على مواجهة التحديات، مشددًا على أهمية استمرار الدعم المحلي والدولي لمشاريع التنمية الريفية بدلا من الاكتفاء بالدعم الإغاثي الطارئ.

يشار إلى أن هذا المعرض يعد الثاني من نوعه في مديرية جبل حبشي، ويأتي ضمن مشروع بناء القدرة على الصمود من خلال التحول والقيادة المتكاملة للنظم المجتمعية والإنسانية”، بعد نسخة سابقة نفذت خلال العام الماضي.

وبحسب استطلاع أجرته منصة “WINDAP”، أشار أكثر من 92٪ من المشاركين إلى أن النساء اليمنيات يسهمن بشكل فعال في تمكين الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص عمل، وتقليل البطالة، وتحسين معيشة أسرهن.