انطلقت مساء السبت في العاصمة المؤقتة عدن فعاليات المعرض الوطني للبن والتمر، الذي تنظمه وزارة الزراعة والري والثروة السمكية بدعم وتمويل بنك التسليف التعاوني والزراعي (كاك بنك)، تحت شعار “ثروة وطن”.
ويهدف المعرض، الذي يستمر ثلاثة أيام، للترويج لمنتجات البن والتمر اليمنية وتسويقها، وإبراز ما تتميز به من جودة عالية، إضافة إلى دعم المزارعين وخلق فرص اقتصادية لواحدة من أهم المحاصيل النقدية في البلاد.
وأكد وزير الزراعة والري والثروة السمكية سالم السقطري أهمية المعرض في دعم المزارعين والتعريف بالمنتجات الزراعية اليمنية، مشيرًا إلى أن نحو 75 في المائة من السكان في اليمن يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
من جانبه، أوضح وزير الدولة محافظ عدن عبدالرحمن شيخ أن احتضان عدن لمثل هذه المعارض الاقتصادية والثقافية يعكس مكانتها التاريخية ودورها كمركز اقتصادي وتجاري، مشيرا إلى أن هذه الفعاليات تمثل مؤشرًا على عودة النشاط الاقتصادي والثقافي إلى المدينة.
بدوره، قال وكيل وزارة الزراعة والري المهندس عبدالملك ناجي إن المعرض يهدف إلى الترويج للبن اليمني الذي ذاع صيته عالميًا، باعتباره محصولًا نقديًا ارتبط بتاريخ وثقافة اليمن منذ قرون، إضافة إلى إبراز جودة التمور اليمنية وإمكاناتها التسويقية.
وأكد القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة بنك التسليف التعاوني الزراعي حاشد الهمداني أن دعم البنك للمعرض يأتي في إطار تشجيع القطاع الزراعي وتعزيز إنتاج البن اليمني الذي يمثل أحد أبرز الرموز الاقتصادية والتاريخية للبلاد.
كما أشار القائم بأعمال الممثل المقيم لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في اليمن إلى استمرار التعاون مع وزارة الزراعة لدعم إنتاج البن وتطوير سلاسل تسويقه، والعمل على فتح أسواق خارجية جديدة لتصديره.
وعقب التدشين، طاف الوزراء والضيوف بأجنحة المعرض واطلعوا على المنتجات المعروضة من البن والتمر اليمني، واستمعوا إلى شرح حول جهود دعم سلاسل الإنتاج والتسويق لهذه المحاصيل، بحسب وكالة الأنباء الحكومية.
بعد صلاة الظهر مباشرة، تدخل الأربعينية أم محمد مطبخها في ريف الحداء بمحافظة ذمار، وتهمس في نفسها: “الآن يبدأ الشوط الثاني من العمل”، حيث تتحول مطابخ الريف اليمني في رمضان إلى ساحات عمل مضاعفة، تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام رغم مشقة الصيام وقسوة الحياة الريفية.
في الأرياف، يتقاطع الصيام مع قسوة الحياة اليومية ويكشف الأدوار النسوية الشاقة التي غالبا ما تبقى طي الكتمان وبعيدة عن الأضواء، فالمرأة الريفية في اليمن لا ترى رمضان مجرد طقس تعبدي، بل اختبارا يوميا لصبرها وتنظيمها وقدرتها على العطاء وسط شح الموارد وتراكم المسؤوليات.
تقول أم محمد: “من بعد صلاة الظهر، وأحيانًا قبلها، تبدأ رحلة الطبخ اليومية التي غالبًا ما تنتهي الساعة التاسعة مساء، مع غسل الصحون”، وتشير إلى أن “الأدوار تتوزع بين نساء البيت، وكل واحدة تتولى مهمتها على أكمل وجه، من غسل الصحون وتجهيز الأواني إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وصولا إلى بقية الأطباق التقليدية”.
وتضيف: “من غسل الصحون وتجهيز الأواني، إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وإعداد بقية الأطباق التقليدية، يتحول المطبخ إلى ساحة عمل تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام، وصناعة لحظات العائلة قبل الأذان”.
تتوزع المهام بين النساء، إذ تقول سامية من ريف إب: “أنا عليَّ الطبخ الرئيسي، أختي تتولى الخبز واللحوح، وبنتي الصغيرة مسؤولة عن السلطة وترتيب السفرة والحلويات، العمل يتقاسم، لكن التعب لا يختفي، فقط يتوزع بلطف”.
وتضيف لـ” ريف اليمن”: “أيام العزائم يتضاعف كل شيء، الكمية، الوقت، وحتى الجيران يشاركوننا في إنجاز المهام، أحيانًا أدخل المطبخ قبل الموعد بساعتين وأظل واقفة حتى بعد أذان المغرب”، مشيرة إلى أن “أكثر الوجبات حضورا هي الأطباق التي تطهى بكميات كبيرة لتكفي الجميع هي الأرز باللحم أو الدجاج، الشوربة، الفتّة، الشفوت، والخبز البلدي”.
أعباء مضاعفة
تؤكد “إقبال حسن”، مديرة إدارة تنمية المرأة الريفية بمكتب الزراعة والري بمحافظة أبين، أن النساء يتحملن أعباء مضاعفة خلال رمضان، في دورة يومية تبدأ من السحر وحتى الإفطار، وتوضح أن بعض النساء يبدأن نشاطهن مباشرة بعد السحور دون نوم، بين الأعمال المنزلية وتنظيف الحظائر، والتوجه للحقول لجلب أعلاف الماشية في رحلة شاقة قبل العودة لأخذ قسط وجيز من الراحة.
وجبات يمنية متنوعة (انترنت)
وتضيف: “تواصل المرأة بعد ذلك مهامها في تحضير متطلبات المائدة الرمضانية، مع رحلات لجلب الحطب مرتين أسبوعيا، معتمدة على المواقد التقليدية والتنانير الطينية، مما يضاعف الجهد البدني في ظل الصيام”.
وعن التحضيرات الاستباقية، أشارت إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ قبل حلوله؛ إذ تتولى المرأة ترميم وتجهيز المنزل عبر جلب الطين على ظهور الحيوانات لدهن الأرضيات والمطابخ، وإصلاح التنور والموقد باستخدام “الخَلْفَة” التقليدية، كما تشمل الاستعدادات تنقية الحبوب والقمح وتجهيزها للمطاحن، لتأمين الوجبات الرمضانية الأساسية.
أما رئيسة مؤسسة إنسان التنموية (HDF) “أندى الصلاحي”، فتقول إن النساء في الريف يعشن خلال الشهر الفضيل ضغطا مضاعفا، إذ لا يقتصر دورهن على العمل في الحقول ورعاية الأسرة، بل يمتد ليشمل إعداد وجبات رمضانية طويلة ومعقدة، في ظل أزمات خانقة تتعلق بالغاز وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.
وتوضح الصلاحي لـ “ريف اليمن”، أن هذا الجهد اليومي يستنزف طاقة النساء بشكل كبير، ويحول المطبخ الريفي إلى مساحة إضافية للمعاناة، حيث يتقاطع العمل المنزلي مع قسوة الظروف المعيشية في الريف، من شح الموارد إلى صعوبة الوصول للخدمات الأساسية.
الصلاحي: عمل النساء في المطبخ جزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق
وحول نظرة المجتمع لهذا الجهد، تشير الصلاحي إلى أن العمل الذي تقوم به النساء في المطبخ الريفي ما يزال في كثير من الأحيان، يختزل في كونه “دورا تقليديا”، رغم أنه جهد إنتاجي واجتماعي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق ويتطلب دعما حقيقيا وتخفيفا فعليا.
وتشير الصلاحي إلى أن المجتمع لا يدرك حجم المعاناة الكامنة خلف إعداد الطعام في ظل الغلاء، وانقطاع الغاز، وصعوبة الحصول على الوقود والمياه، مؤكدة أن هذا العمل يجب أن يُعترف به كجزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي، وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق.
وفي ما يتعلق بالحلول، تشدد رئيسة مؤسسة إنسان على الحاجة الملحة لإطلاق مبادرات إنسانية تستهدف تخفيف العبء عن النساء الريفيات خلال رمضان، من خلال توفير أدوات منزلية موفرة للوقت والجهد، وإنشاء مطابخ جماعية، أو اعتماد برامج تبادل الأطباق بين الأسر لتقليل الضغط اليومي.
كما أشارت إلى ضرورة تعزيز برامج الدعم الغذائي التي تضمن توفير المواد الأساسية مسبقا، خاصة في ظل الغلاء وأزمات الوقود والغاز، إلى جانب تبني حلول مرتبطة بالتكيف مع التغيرات المناخية، مثل دعم الزراعة المستدامة وتوفير مصادر طاقة بديلة، لمساندة النساء في مواجهة التحديات المتزايدة للحياة الريفية.
فطير داخل تنور طيني في إحدى قرى مديرية سامع جنوبي تعز(ريف اليمن)
دور مجتمعي
يشير “شاهر سعد”، مدير الإعلام بمكتب الزراعة بمحافظة تعز، إلى أن إعداد الطعام الرمضاني في الريف ليس نشاطا فرديا فقط، بل طقس جماعي يرتبط بالهوية الاجتماعية والدينية فالمرأة الريفية تستشعر نوعاً من العبادة غير المباشرة، إيمانا بالأجر الديني لإطعام الصائم، كما تعيش حالة من الإنجاز الاجتماعي، حيث جودة المائدة وانضباطها يعكس كرم البيت وحسن إدارته.”
ويضيف لـ”ريف اليمن: “النساء يتشاركن في تحضير المخبوزات التقليدية مثل الملوح واللحوح والخمير، وتبادل الأطباق الأصيلة مثل الشفوت والعصيد والسمبوسة، مما يحول المطبخ إلى مساحة للتعلم والتوريث الثقافي بين الجدات والأمهات والفتيات، ويعزز قيم التكافل الاجتماعي ويمنح المرأة حضورا اجتماعيا فاعلا ومؤثرا من قلب منزلها.
ويلفت سعد إلى أن خبرته التي تمتد لأكثر من عقد في الوسط الريفي كمسؤول إرشاد وإعلامي، مكنته من ملامسة الدور المحوري الذي تضطلع به المرأة الريفية، لاسيما خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يتحول إعداد الطعام من مجرد روتين يومي إلى فعل اجتماعي ونفسي عميق الدلالة.
“ترتبط مكانة المرأة في الثقافة الريفية من خلال قدرتها الفائقة على إدارة الوقت، وتنويع المائدة، وإكرام الضيف؛ إذ يعد نجاحها في هذا “الاختبار الرمضاني” معيارا لنيل تقدير مجتمعي واسع، مما يجعل رأيها سديدا ومحل استشارة لدى قريناتها، وصولا إلى تحولها لمرجع موثوق في فنون الطهي التقليدي”، يقول سعد.
ويشير إلى أن العادات الريفية تفرض اعتمادا كليا على المنتجات المحلية كـ “الذرة، والدخن، واللبن، والسمن البلدي”، مع الحفاظ على أطباق رئيسية أصيلة مثل “السلتة، واللحوم، والحلبة”، ما يبرز الدور المحوري للمرأة بوصفها “حارسة للإرث الغذائي”.
*صورة الغلاف لوحة فنية لإمرأة ريفية أثناء صناعة الطعام باستخدام موقد الحطب(عزيز المعافري)
يُعد التفاح من أهم الأشجار المثمرة التي أثبتت نجاحها في المرتفعات اليمنية، خصوصاً في المناطق ذات المناخ البارد والمعتدل مثل صعدة وعمران وصنعاء وذمار.
ويبدأ نجاح زراعة التفاح بالتخطيط السليم لمرحلة التأسيس، لأن أي خطأ في البداية قد ينعكس سلباً على إنتاجية الأشجار لسنوات طويلة.
في هذا الدليل الإرشادي، تستعرض منصة ريف اليمن أهم الخطوات التي تساعد المزارعين على تأسيس مزرعة تفاح ناجحة وتحقيق إنتاج مستقر، بناءً على ما ذكره الخبير المختص في منصة ريف اليمن محمد الحزمي.
اختيار الموقع (نصف النجاح)
يُعد اختيار الموقع المناسب الخطوة الأهم في نجاح المشروع، إذ تؤثر الظروف البيئية بشكل مباشر على نمو الأشجار وإنتاجيتها، وعند اختيار موقع مزرعة التفاح ينبغي مراعاة ما يلي:
– تجنب الأراضي المكشوفة للرياح الشديدة، أو إنشاء مصدات رياح من الأشجار الدائمة الخضرة.
– اختيار مناطق تتوفر فيها ساعات البرودة الكافية خلال الشتاء بحسب الصنف المزروع.
– التأكد من أن التربة جيدة الصرف وخالية من الملوحة.
– الابتعاد عن الأراضي التي تنتشر فيها الأعشاب المعمرة.
– يفضل تجنب الأراضي التي كانت مزروعة بمحاصيل خضروات تعرضت لأمراض التربة.
– في حال كانت الأرض مزروعة سابقاً، يُنصح بزراعة محاصيل بقولية مثل الفول أو البرسيم لتحسين خصوبة التربة وكسر دورة الأمراض.
– يسهّل القرب من الطرق عملية نقل المدخلات الزراعية وتسويق الإنتاج.
ملاحظة: يُنصح بإجراء تحليل للتربة ومياه الري قبل الزراعة لمعرفة درجة الحموضة ونسبة الملوحة والعناصر الغذائية، وذلك في المختبرات المتخصصة بفحص التربة والمياه.
تُعد الغراس الجيدة أساس المزرعة الناجحة، لذلك يجب الحصول عليها من مصادر موثوقة. ويُوصى بمراعاة ما يلي:
– استخدام غراس مطعمة على أصول بذرية في الزراعات المطرية.
– استخدام أصول خضرية (مقزمة أو نصف مقزمة) في الزراعات المروية.
– اختيار أصناف ملائمة للمنطقة من حيث احتياجاتها من ساعات البرودة.
– اختيار أصناف مرغوبة في السوق لضمان تسويق جيد للمحصول.
– زراعة أصناف متأخرة الإزهار في المناطق المعرضة للصقيع الربيعي.
– زراعة أصناف ملقحة متوافقة في موعد الإزهار لضمان عقد جيد للثمار.
مواصفات الشتلة الجيدة
عند شراء شتلات التفاح يجب التأكد من توفر عدد من المواصفات التي تدل على قوة الشتلة وصحتها، ومن أهمها:
– أن يكون عمر الشتلة بين سنة وسنتين بعد التطعيم.
– أن لا يقل ارتفاعها عن 75 سم فوق منطقة التطعيم.
– أن لا يقل قطر الساق عن 3 سم.
– أن يكون لها مجموع جذري قوي بطول لا يقل عن 25 سم.
– أن تكون ذات رأس واحد وأفرع موزعة بشكل متوازن.
– أن تكون من مصدر موثوق يضمن صحة الأصل والصنف.
تجهيز الأرض للزراعة
يؤثر تجهيز الأرض بشكل كبير على عمر الأشجار وإنتاجيتها، لذلك ينبغي تنفيذ هذه الخطوة بعناية من خلال:
– إزالة الأحجار الكبيرة وبقايا الجذور.
– التخلص من الحشائش المعمرة.
– حراثة الأرض وتقليب التربة بعمق يصل إلى 60–70 سم.
– إضافة سماد عضوي متحلل جيداً بمعدل نحو 2 كجم لكل حفرة زراعة.
– تأمين مصدر ري مناسب، ويفضل استخدام نظام الري بالتنقيط.
مسافات الغرس
تختلف مسافات الزراعة حسب نوع الأصل المستخدم ونظام تربية الأشجار، ومن المسافات الشائعة:
– 4 × 4 متر عند استخدام الأصول القوية.
– 3 × 4 متر أو 2.5 × 4 متر عند استخدام الأصول المقزمة.
طريقة الزراعة الصحيحة:-
– أفضل موعد للغرس هو فترة السكون الشتوي.
– تحفر حفرة بأبعاد 40 × 40 × 40 سم.
– تزرع الشتلة على عمق 20–30 سم.
– يجب أن يكون موضع التطعيم أعلى من سطح التربة بـ 7–10 سم.
– توضع دعامة خشبية بجانب الشتلة وتربط بعقدة مرنة من جهة الرياح.
– يُفضل أن يكون موضع الطعم بعكس اتجاه الرياح السائدة لحمايته من الكسر.
طريقة الزراعة الصحيحة
لضمان نجاح عملية الغرس ينصح باتباع الخطوات التالية:
– أفضل موعد للغرس هو فترة السكون الشتوي.
– حفر حفرة بأبعاد 40 × 40 × 40 سم.
– زراعة الشتلة على عمق يتراوح بين 20 و30 سم.
– يجب أن يكون موضع التطعيم أعلى من سطح التربة بنحو 7–10 سم.
– وضع دعامة خشبية بجانب الشتلة وربطها بعقدة مرنة لحمايتها من الرياح.
– يفضل أن يكون موضع الطعم بعكس اتجاه الرياح السائدة لتقليل احتمالات الكسر.
الاستثمار في التأسيس الجيد يعني إنتاجاً مستقراً لأكثر من 20 سنة
توصيات
نجاح مزرعة التفاح لا يعتمد فقط على الغرس، بل يتطلب إدارة زراعية مستمرة تشمل:
– الإدارة الجيدة للري.
– التسميد المتوازن وفق احتياجات الأشجار.
– التقليم السنوي الصحيح لتحسين النمو والإنتاج.
– مكافحة الآفات والأمراض في الوقت المناسب.
إذاً يمثل الاستثمار في التأسيس الجيد لمزرعة التفاح خطوة حاسمة لنجاح المشروع على المدى الطويل، إذ تضمن الإدارة الصحيحة منذ البداية نمواً سليماً للأشجار وإنتاجاً مستقراً يمكن أن يستمر لأكثر من 20 عاماً، ما يجعل زراعة التفاح خياراً واعداً ومربحاً للمزارعين.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
لم يكن الطبل الذي يصدح في ليالي رمضان في الريف اليمني مجرد وسيلة لإيقاظ الناس للسحور، بل كان جزءا من طقوس اجتماعية أصيلة شكلت لسنوات طويلة أحد أبرز ملامح الحياة الرمضانية في القرى، فعلى إيقاع ضرباته كان السكان يستيقظون في توقيت واحد، ويتشاركون لحظة السحور في أجواء يملؤها الأنس والتكافل.
هذا الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة واندثر تدريجيا مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا الحديثة، ليبقى حاضرا فقط في ذاكرة الكبار الذين ما زالوا يستعيدون تلك الأيام بحنين واضح.
الحنين إلى زمن الطبل
يقول “عبدالله أمين (68 عاما)” من قرى مديرية السياني بمحافظة إب إن اندثار بعض مظاهر الموروث الشعبي بات يهدد بفقدان جانب مهم من التراث اليمني، خاصة في الريف الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة بفعل انتشار التكنولوجيا.
ويضيف أمين لـ”ريف اليمن”: “ارتبط صوت الطبل في ذاكرتنا منذ الطفولة بأوقات السحور في رمضان، حيث كنا ننتظر صوته في هدوء الليل لنستيقظ ونتناول السحور، كان رمزا للترابط الاجتماعي، وصوتا يمنح ليالي رمضان نكهة خاصة نفتقدها اليوم ونتمنى أن يعود”.
أما “ملوك أحمد (57 عاما)” من قرية نخلان بمحافظة إب، فتتذكر تلك الليالي الرمضانية التي كانت تمتلئ بالحياة والحركة، وكان صوت الطبل من أبرز مظاهرها.
وتتحسر ملوك على غيابه قائلة: “كان بالنسبة لي ولصديقاتي الصوت الجميل الذي كنا نترقبه كل ليلة، كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة، لكنها اليوم اختفت، ولم يعد لرمضان الطعم ذاته الذي كان في السابق”.
عادة ريفية مشتركة
لم تكن هذه العادة مقتصرة على منطقة بعينها، بل كانت حاضرة في معظم قرى الريف اليمني، ففي ريف محافظة البيضاء مثلا كان قرع الطبل ملازما لليالي السحور وجزءا أساسيا من طقوسه، حيث كان أحد أبناء القرية يجوب الطرقات ليلا لإيقاظ السكان.
الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا
وتشير “أم محمد البيضاني (45 عاما)” من قرية الصومعة بمحافظة البيضاء إلى أن هذه العادة كانت تعكس روح التعاون بين أبناء القرية، إذ كان بعض الجيران يتولى إيقاظ من لم يسمع صوت الطبل، في صورة من صور التضامن الاجتماعي التي ميّزت حياة الريف.
وتضيف أن والدتها كثيرا ما كانت تروي لهم قصصا عن تلك الأيام، وكيف كان صوت الطبل جزءا من تفاصيل الحياة الرمضانية اليومية، الأمر الذي جعل غيابه اليوم أكثر وضوحًا لدى من عاشوا تلك المرحلة.
وفي قرية الأبرق بمحافظة عمران، تستذكر “أم أسامة (60 عاما)” الرجل الذي كان يتولى مهمة قرع الطبل في ليالي رمضان، حيث كان يمر بيتًا بيتًا لإيقاظ الناس للسحور.
وتقول لـ”ريف اليمن”: “كان يجوب أزقة القرية ليلا لإيقاظ الناس للسحور، لكن بعد وفاته غابت معه هذه العادة، ومع غيابها فقد السحور نكهته التي اعتدنا عليها، كما فقد شهر رمضان كثيرا من حيويته وأنسه، فقد كان الناس يتسحرون في توقيت واحد، أما اليوم فأصبح لكل بيت طريقته الخاصة في الاستيقاظ للسحور”.
أما “محمد الإبي (65 عاما)” من قرى مديرية السياني، فقد كان من آخر من مارسوا هذه العادة، حيث ورث مهمة قرع الطبل عن والده، ويقول: “كنت أرافق والدي في قرع الطبل لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يسمعه أهل القرية ويستيقظوا للسحور”.
ويضيف الأبي لـ”ريف اليمن”: “لم نكن نتقاضى مقابلا ماديا، بل كنا نعتبرها أمانة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وكان شعورنا بالرضا كبيرا عندما نرى الناس يستيقظون بعد سماع صوت الطبل”، غير أن هذه العادة، بحسب الإبي، اختفت تدريجيا مع تغير نمط الحياة واعتماد الناس على المنبهات الحديثة.
ملوك: كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة
يرى الباحث في الموروث الشعبي “محمد الشهاري” أن قرع الطبل في رمضان، إلى جانب إطلاق المدفع في بعض المناطق، كان من التقاليد الاجتماعية المرتبطة بالحياة الرمضانية في اليمن.
ويقول لـ”ريف اليمن” إن هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف اليمني، حيث كانت التقاليد تنتقل بين الأجيال بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية.
ويشير الشهاري إلى أن التطور التكنولوجي وظهور وسائل التنبيه الحديثة مثل الهواتف المحمولة أسهما في تراجع هذه العادات، إلى جانب تغيّر أنماط الحياة وتراجع الاهتمام بالموروث الشعبي.
ويلفت إلى أن ضعف الاهتمام الرسمي بالحفاظ على التراث الشعبي، إضافة إلى تراجع دور الحكماء والعلماء في المجتمع الريفي، أسهم أيضا في اندثار كثير من التقاليد، داعيا إلى ضرورة إحياء هذا الموروث الشعبي، لأن اندثاره يؤدي إلى فجوة بين الأجيال ويضعف ارتباط الجيل الحاضر بجذوره الثقافية.
عادات رمضانية اندثرت
يستعيد الحاج “محمد الذيفاني (65 عاما)” من قرى مسور بمحافظة عمران جانبا من العادات الرمضانية التي كانت سائدة في الماضي. ويقول: “كنا نستقبل رمضان بإشعال الشعلة من الحطب فوق أسطح المنازل، ثم يجتمع أهل القرية في الساحة قبل مغرب أول يوم من الشهر للتهليل والترحيب بقدوم رمضان”.
الباحث الشهاري: هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف
ويضيف أن الأطفال والشباب كانوا يرددون أهازيج شعبية مثل:”يا رمضان يا بو الحماحم… وأدي لنا قرعه دراهم”، أما موعد ما قبل السحور بنصف ساعة، كان بعض الرجال يقرعون “المرافع”، وهي إحدى أدوات الطبول، لتنبيه الناس بقرب وقت السحور، فتبدأ النساء بإعداد وجبات تقليدية مثل الفطير والقرم مع السمن والحليب والعسل البلدي.
يتابع: “لذلك نحن كبار السن افتقدنا تلك العادات التي اندثرت مع تغيّر الزمن ودخول وسائل حديثة أفقدت رمضان كثيرًا من نكهته وموروثه الشعبي، رغم أنها كانت عنوانًا لترابط المجتمع وتاريخه العريق”.
من جهته، يرى الشاب “ريان المليكي (22 عامًا)” أن قرع الطبل وغيره من العادات الرمضانية القديمة يمثل جزءًا من ذاكرة الجيل السابق، ويقول إن جدته كثيرا ما تحكي لهم عن تلك الأيام وتتحسر على غيابها.
وأشار إلى أن تلك العادات كانت تمنح رمضان أجواء روحانية واجتماعية مختلفة، مضيفا أن لكل زمن عاداته ونكهته الخاصة، غير أن غياب قرع الطبل من ليالي الريف اليمني ترك أثرا في ذاكرة الكبار، الذين يرون فيه رمزا لمرحلة كانت أكثر ترابطا وألفة.
باللغة السقطرية يقال: “شلاه من مارس شام دمثل دسقطري”، وتعني بالعربية “الثالث من مارس”، وهو اليوم الذي يحييه سكان أرخبيل سقطرى احتفاء بلغتهم الخاصة المسماة “اللغة السقطرية”، والذي يترافق مع فقرات ثقافية وفنية وفلكلورية متنوعة تجسد عمق الثقافة السقطرية وتاريخها العريق، وتعيد تسليط الضوء على واحدة من أقدم اللغات اللغة شفهية سامية في المنطقة.
وتعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق، ولها قواعدها الخاصة وتراثها الشعري والفلكلوري الغني الذي يجسد هوية سكان الأرخبيل، كما تتميز بخصائص لغوية فريدة من بينها ما يعرف بـ”الشين الجانبية” و”السين الثالثة”، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين.
يقول مدير عام مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث، وأستاذ الدراسات السامية والشرقية، الدكتور “نوح العليمي” إن إحياء يوم اللغة السقطرية يعد إحياءً للممارسات الحياتية المرتبطة بها، لافتا إلى أن المركز سيحيي هذه المناسبة بفعاليات مختلفة تستمر من الثالث إلى الثامن من شهر مارس الحالي برعاية السلطة المحلية وتحت إشراف مكتب الثقافة في الأرخبيل.
يضيف العليمي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن الفعاليات ستتضمن فلكورا شعبيا سقطريا وأمسيات شعرية وأدبية وفنية متنوعة، منها فنون (هدانة، صمهر، قانونة وغيرها من الفنون السقطرية)، إضافة إلى فعاليات مفتوحة ومحاضرات وندوات للتعريف بهذه اللغة وشرح قواعدها وأسسها وخصائصها.
لغة شفهية
ويؤكد الباحث في التراث والتاريخ السقطري، ومدير مؤسسة سقطرى للتراث، الدكتور “أحمد الرميلي”، أن اللغة السقطرية لغة شفهية غير مكتوبة في الوقت الراهن، وهي اللغة الأصلية الرئيسية لسكان جزيرة سقطرى.
ويضيف الرميلي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن اللغة السقطرية تنتمي إلى عائلة اللغات السامية التي تضم أيضًا لغات حية مثل العربية الفصحى، والعبرية، والمهرية، والشحرية، إلى جانب لغات منقرضة كالعربية الجنوبية القديمة، والآرامية، والسريانية وغيرها.
من جانبه، يرى الناشط الإعلامي في سقطرى “محمد بن طعري” أن تخصيص يوم للاحتفاء باللغة السقطرية يعكس مكانتها الثقافية العميقة، ويجسد الهوية المتجذرة في وجدان المجتمع السقطري.
من فعاليات الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية الذي سيستمر حتى الـ8 من مارس الجاري
ويشير بن طعري في حديثه لـ”ريف اليمن” إلى أن اللغة السقطرية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء حي للهوية والتاريخ والتراث الشفهي؛ ففي مفرداتها تختبئ حكايات الأجداد، والأمثال الشعبية، والأهازيج البحرية، وقصائد الشعر السقطري القديم التي توثق علاقة الإنسان بأرضه وبالبحر والجبل والصحراء، ما يمنحها قيمة علمية وثقافية كبيرة.
سمات وخصائص
يوضح الرميلي أن من أبرز خصائص اللغة السقطرية وجود أحرف لا تتوافر في كثير من اللغات السامية الأخرى، من بينها حرف “الشين الجانبية” أو ما يسمى “السين الثالثة”، وكذلك “اللام الجانبية”، إضافة إلى خصائص صوتية معقدة يصعب على غير أبناء سقطرى إتقانها.
ويشير إلى أن اللغة السقطرية تعد من أقدم اللغات السامية، بدليل احتفاظها بظواهر لغوية اندثرت في لغات سامية أخرى، ما يعزز أهميتها من الناحية التاريخية واللسانية.
بدوره، يقول الطالب في جامعة أرخبيل سقطرى “سيف السيوفي” إن اللغة السقطرية هي اللغة المتداولة بين أبناء سقطرى أنفسهم، ولها لهجات وتنوعات نطقية تختلف من منطقة إلى أخرى.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن مخارج الحروف في المناطق الشرقية من الأرخبيل تختلف عنها في المناطق الغربية، مشيرا إلى قدم اللغة وأصالة ألفاظها.
تعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق ولها قواعدها الخاصة
ويبين السيوفي أن اللغة السقطرية لا تتضمن في بنيتها الأصلية مفردات حديثة أفرزها تطور العصر، مثل السيارة أو بعض المصطلحات المعاصرة، إذ لا توجد لها مقابلات تقليدية في اللغة، لكنها تستخدم يوميًا ضمن سياق تواصلي يجمع بين السقطرية والعربية.
كما يشير إلى أن التعايش والاندماج مع القادمين إلى سقطرى من محافظات أخرى فرض على أبناء الأرخبيل استخدام اللغة العربية، خصوصًا في عاصمة الأرخبيل (حديبو)، إلا أن اللغة السقطرية ما تزال تحافظ على حضورها القوي في القرى والأرياف.
مواجهة الاندثار
يتحدث سكان أرخبيل سقطرى باللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للبلاد، إلى جانب استخدامهم اللغة السقطرية كلغة تواصل فيما بينهم، وكلتا اللغتين حاضرتان في الحياة اليومية، بحسب العليمي.
ويضيف أن الجيل الحاضر أقل ممارسة لهذه اللغة مقارنة بالأجيال السابقة، ويرجع ذلك إلى التطور التقني والتكنولوجي، فضلا عن اندماج الشباب مع من لا يتحدث السقطرية، ما يضطرهم إلى استخدام العربية في كثير من الأحيان.
ويؤكد العليمي أن مركز اللغة السقطرية أنشئ بهدف حفظ اللغة وضمان استمراريتها للأجيال القادمة، مع العمل على مواكبتها للتطورات العصرية الحاصلة، ويشير إلى أن هذه اللغة متوارثة عن الآباء والأجداد إلى جانب اللغة العربية التي ترتبط بالقرآن الكريم والعلم والدين والمعرفة.
ويلفت إلى إلى أن ما يتخوف منه السقطريون على لغتهم هو الضعف والهوان والاندثار، خصوصًا بعد ظهور جيل جديد لم تعد تهمه الهوية والخصوصية التي تتميز بها هذه اللغة.
ويرى الناشط الإعلامي محمد بن طعري أن الحفاظ على اللغة السقطرية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، ويمكن تعزيزها عبر تشجيع استخدامها في المنازل وبين أفراد الأسرة، وتوثيق القصص والأشعار والأمثال كتابةً وتسجيلًا صوتيا، وإدراجها ضمن الأنشطة المدرسية والفعاليات الثقافية، ودعم المبادرات الإعلامية التي تقدم محتوى باللغة السقطرية، وتنظيم مسابقات وبرامج شبابية تعزز حضورها بين الأجيال الجديدة.
ويشير إلى تأثير التعليم الرسمي باللغة العربية ووسائل الإعلام الحديثة على مستوى تداول اللغة السقطرية، حيث أدى ذلك إلى تراجع نسبي في استخدامها لدى بعض فئات الشباب، لا سيما في المدن، ومع ذلك، يبرز وعي متزايد بين أبناء الجيل الحالي بأهمية الحفاظ عليها، ويتجلى ذلك في تنامي الاهتمام بإحياء التراث والاحتفاء بيوم اللغة السقطرية سنويًا.
يواصل مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث جهوده للحفاظ على هذه اللغة العريقة، لتظل شاهدة على هوية السقطريين وجذورها الحميرية، ولتستمر أجيال الجزيرة في التحدث بلغة تحمل عمق التاريخ وحكمة الأجداد، وتختزن في مفرداتها تفاصيل البحر والجبل والرياح والمواسم والنبات والإنسان.
يؤكد الرميلي أن صمود اللغة السقطرية حتى اليوم يعود إلى حب أبناء سقطرى لها، باعتبارها رمز هويتهم وثقافتهم وتاريخهم وتراثهم، فهي لغة راسخة ذات جذور ممتدة في تاريخ الجزيرة منذ آلاف السنين.
وكان رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر قد وجه في 7 أكتوبر 2017 وزارة الثقافة بإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، بهدف توثيق الكلمات واللسان السقطري كتابة ونطقا، والبحث عما كتب باللغة العربية أو اللغات الأجنبية عن الموروث الثقافي والبيئي لأرخبيل سقطرى، بما يسهم في صون هذا الإرث اللغوي والحضاري للأجيال القادمة.
بالتزامن مع احتفالات اليمنيين بيوم القهوة اليمنية، اختتمت في العاصمة الماليزية كوالالمبور مساء الثلاثاء فعاليات مهرجان البن اليمني 2026، والذي استمر من 12 فبراير وحتى 4مارس، مسجلاً حضوراً ثقافياً وتراثياً يربط المغترب اليمني بجذور أرضه المعطاءة.
وقال الدكتور “فيصل علي”، رئيس ومؤسس مؤسسة يمنيون الثقافية إن المهرجان سعى لخلق عادات ثقافية مستمرة لدى اليمنيين في الخارج، وربطهم بأرضهم عبر منتج يمني له حضور عالمي.
وأشار في تصريح لـ”ريف اليمن”، إلى أن اسم «موكا» المرتبط بمدينة المخا، ونوع البن أربيكا ‹Arabica› ارتبط تاريخيًا بالفضاء العربي الذي خرجت منه زراعة البن، واليمن هي قلب هذا التاريخ”.
عرض كرنفالي للجالية اليمنية في ماليزيا بمناسبة يوم القهوة اليمنية
وحول تفاعل الشعب الماليزي عن مذاق القهوة اليمنية، قال فيصل إنهم تفاجئوا بتوازنها ونكهتها المركبة ووضوح طابعها الجبلي، وسمعنا ملاحظات متكررة عن اختلافها عن القهوة التجارية السريعة، وعن طابعها اليدوي غير الصناعي.
وأكد أن اهتمام الزوار بمعرفة مصدر الحبوب والمنطقة الزراعية، مؤشر اهتمام حقيقي وليس مجرد تجربة عابرة، مضيفاً أن الرسالة التي أراد المهرجان إيصالها هي “العالم اليوم يعرف اليمن عبر صور الصراع وتهديد الملاحة والتدخلات الإقليمية، ونحن نعمل على إعادة تقديم اليمن بوصفه أرض تجارة وثقافة وقهوة، ونتطلع إلى استقرار يعيد له مكانته الطبيعية”.
رجل وامرأة من ماليزيا يتذوقون القهوة اليمنية في مهرجان ثقافي للجالية اليمنيةمن جانبه، أكد سفير اليمن في ماليزيا الدكتور عادل باحميد، أن القهوة اليمنية تمثل أحد أبرز المعالم الثقافية المرتبطة بتاريخ اليمن وحضارته، وأن الاحتفاء بها يحمل دلالة وطنية تتصل مباشرة بالهوية اليمنية المتجذرة.
وأشار خلال الحفل الذي أقيم في كوالالمبور ، إلى الدور التاريخي لميناء المخا في نقل هذه الثقافة إلى العالم.
وتنوعت الفعاليات والأنشطة الثقافية المصاحبة للمهرجان بين التعريف بزراعة البن، وعرض للحلويات اليمنية، ومنقوشات وخزفيات، وأزياء تقليدية.
كما شهد عروض رقص شعبي، وبروشورات وكتيبات تحمل سردية القهوة اليمنية باللغتين العربية والإنجليزية، وكتيب «فنجان حَيْسي».
تُعد شجرة الضباية من أبرز الأشجار الرحيقية في اليمن، إذ يعتمد عليها كثير من النحالين كمصدر رئيسي لإنتاج العسل خلال الموسم الشتوي.
وتنتشر هذه الشجرة في معظم المناطق البلاد، خصوصاً في البيئات الجافة وشبه الجافة، حيث تتميز بقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، ما يجعلها مرعىً مهماً للنحل في فترات يقل فيها توفر الأزهار الأخرى.
يهدف هذا الدليل الإرشادي الذي أعده الخبير محمد الحزمي لمنصة ريف اليمن، بناءً على محاضرات عايش الأهدل، إلى تقديم معلومات مبسطة للنحالين حول خصائص شجرة الضباية، وصفات عسلها، وسلوك النحل خلال موسمها، إضافةً إلى أهم الخطوات الفنية لإدارة المنحل بعد انتهاء الموسم.
خصائص شجرة الضباية
تتميز شجرة الضباية بعدد من الخصائص التي تجعلها من أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن، من أبرزها:
– شجرة معمّرة قد يصل ارتفاعها إلى نحو خمسة أمتار.
– تتحمل درجات الحرارة المرتفعة والبرودة نسبياً.
– قادرة على النمو في بيئات متعددة والتكيف مع الظروف القاسية.
– تُعد شجرة رحيقية قوية الجذب للنحل.
– أزهارها ذات رائحة عطرية مميزة تجذب النحل من مسافات بعيدة.
– تُعد غالباً مرعىً أحادي الزهرة في المناطق التي تنتشر فيها بكثافة، إذ يعتمد النحل على أزهارها كمصدر رئيسي للرحيق.
موعد الإزهار
يبدأ موسم إزهار شجرة الضباية عادة من منتصف شهر نوفمبر ويستمر حتى شهر مارس تقريباً، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً للرحيق خلال فصل الشتاء، ومع ذلك، قد تتأثر أزهار الضباية ببعض العوامل الجوية مثل:
– الغبار الشديد.
– الأمطار الغزيرة.
إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تلف الأزهار أو ضعف إفراز الرحيق، مما ينعكس سلباً على كمية العسل المنتج.
خصائص عسل الضباية
يُعد عسل الضباية من الأعسال ذات الجودة العالية، ويمكن التعرف عليه من خلال عدد من الصفات المميزة:
– يكون لونه عند الفرز مائياً شفافاً وخفيف القوام يشبه الزيت.
– يتميز بسرعة الجريان بسبب انخفاض لزوجته في البداية.
– عند حفظه لفترة طويلة وفي درجات حرارة منخفضة يتحول إلى عسل أبيض متبلور عالي الكثافة.
– تبلوره أمر طبيعي ولا يدل على وجود أي غش، بل يُعد من خصائصه المعروفة. تنبيه: يلاحظ النحالون أن النحل يُقبل على مرعى الضباية بشدة، وقد يترك مراعي أخرى عند وفرة أزهارها.
سلوك النحل خلال موسم الضباية
– يكون التحضين (تربية الحضنة) أخف نسبياً مقارنة ببعض المواسم الأخرى.
– يركز النحل نشاطه على جمع الرحيق بشكل مكثف طوال النهار.
– تمتلئ العيون السداسية بسرعة بسبب غزارة الرحيق.
– عند تزامن الضباية مع مراعي أخرى غالباً ما يفضلها النحل بسبب قوة رائحة أزهارها وجاذبيتها العالية.
إدارة المنحل بعد انتهاء موسم الضباية
تمثل مرحلة ما بعد انتهاء الموسم خطوة حساسة في إدارة المنحل، إذ قد يؤدي أي خطأ في هذه المرحلة إلى خسارة جزء من العسل أو إضعاف الطوائف.
الإجراءات الموصى بها – إجراء فرز جائر للعسل مباشرة بعد انتهاء الموسم.
– في حال وجود حضنة داخل العاسلات، يتم قطع الجزء المحتوي على الحضنة ثم تعتيبه وإعادته للطائفة.
– تقديم تغذية سكرية مركزة لتعويض الطوائف بعد القطف بنسبة تقريبية: (1 سكر : 1.5 ماء).
– يفضل البدء بعملية القطف قبل غروب الشمس لتقليل السروح واحتمالات السرقة بين الخلايا.
– تقديم تغذية بروتينية عند الحاجة لدعم بناء الطائفة استعداداً للموسم القادم.
تنبيه مهم للنحالين
في حال عدم إجراء الفرز الجائر لعسل الضباية ثم نقل الخلايا مباشرة إلى مراعي أخرى، فقد تحدث عدة مشكلات داخل المنحل، منها:
– انشغال النحل بحراسة الخلية بدلاً من جمع الرحيق.
– زيادة احتمالية السرقة من المناحل المجاورة.
– اختلاط الروائح بين المراعي المختلفة، مما يؤثر على نقاء العسل في الموسم التالي.
تنبيه: يُنصح دائماً بإنهاء الموسم بشكل كامل عبر الفرز والتغذية قبل نقل الخلايا إلى أي مرعى جديد.
توصيات إضافية للنحالين
لضمان نجاح الموسم والحفاظ على قوة الطوائف وجودة العسل، يُنصح بما يلي:
– إجراء فرز جائر ومنظم بعد انتهاء موسم الضباية.
– تعويض الطوائف بتغذية سكرية مركزة عند الحاجة.
– توفير تغذية بروتينية لدعم بناء الطائفة واستعدادها للموسم المقبل.
– اختيار مواقع مناسبة للمناحل قريبة من مراعي الضباية مع توفر مصدر مياه نظيف.
مما سبق، يمكننا القول إن شجرة الضباية تمثل أحد أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن خلال فصل الشتاء، لما توفره من مصدر غني للرحيق يسهم في إنتاج عسل ذي جودة مميزة، كما أن حسن إدارة المنحل خلال موسمها وبعد انتهائه يُعد عاملاً أساسياً في الحفاظ على قوة الطوائف وضمان استمرار الإنتاج في المواسم اللاحقة.
تتميز جزيرة سقطرى بجمال مهيب وسكون لافت يمنح الزائر شعوراً وكأنه عاد إلى عصور ما قبل التاريخ. وبموقعها الفريد الذي يبعد نحو 240 كيلومتراً شرق القرن الأفريقي، تشكل الجزيرة عالماً مستقلاً بذاته، تختلف في تضاريسها الجغرافية وسماتها الثقافية تماماً عن اليابسة.
في عام 2026، لم تعد قيمة الوجهات السياحية تُقاس بمدى تطور بنيتها التحتية، بل بمدى صمود عزلتها وحفاظها على هويتها الفطرية، وفي قلب هذا التحول العالمي نحو السياحة التجريبية، يبرز أرخبيل سقطرى كطليعة لهذا المفهوم، وفق تقرير مجلة «Travel and Tour World».
وبحسب المجلة الأمريكية المتخصصة في مجال السياحة فإنه في الوقت الذي تئن فيه الوجهات السياحية التقليدية تحت وطأة السياحة المفرطة، تبرز سقطرى كخيار مثالي للباحثين عن ملاذ حقيقي، واستراحة عميقة من صخب الحياة الرقمية، وسط مناظر طبيعية بكر حافظت على نقائها لآلاف السنين.
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد، حيث يشير الباحثون البيئيون إلى أن ما يقرب من ثلث نباتات الجزيرة مستوطنة، مما يعني أن هذه الأنواع لا توجد في أي بقعة أخرى على وجه الأرض.
ومن أبرز تجليات العزلة البيئية هي شجرة شجرة دم الأخوين، وتنتشر هذه الأشجار الشامخة بتيجانها التي تشبه المظلات فوق هضبة “ديكسام”، مشكلةً لوحةً طبيعيةً خلابة تُصنف ضمن أجمل المشاهد الجيولوجية في العالم.
تاريخياً، كان الراتنج القرمزي الذي تفرزه هذه الأشجار العتيقة يُجمع لاستخدامه في الطب التقليدي وصناعة الأصباغ الحرفية. أما في المشهد السياحي المعاصر، فقد بات يُنظر إلى هذه الغابات من منظور الحفاظ البيئي والتوثيق الفوتوغرافي.
يشير تقرير المجلة إلى أن تجربة التجول في البساتين غالباً ما تُوصف بأنها تجربة مُلهمة؛ إذ تُعد الأشجار بمثابة أحافير حية لعصر نباتي اندثر منذ أمد بعيد في بقاع العالم الأخرى، حيث أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، وهو تصنيف لا يزال يوجه التدابير الوقائية الصارمة المطبقة لحماية الإرث الطبيعي حتى اليوم.
سكان محليون يتجولون في أحد شواطئ سقطرى الرملية البيضاء مع مجموعة من السياح إبريل/ نيسان 2025 (إن بي سي)
سحر السواحل
بينما تهيمن القمم الوعرة والنباتات العتيقة على قلب الجزيرة، يتفرد ساحل سقطرى بجمال طبيعي بكر يقدم تضاداً مذهلاً مع المفاهيم التقليدية للمنتجعات التجارية في “المالديف” أو “سيشل”. ففي شاطئ “عرهر”، تشكل الرياح الموسمية كثباناً رملية بيضاء ناصعة تتكئ على منحدرات جيرية شاهقة، لترسم حداً بصرياً فارقاً بين امتداد الصحراء وزرقة البحر.
كما لا تقل النظم البيئية البحرية المحيطة بهذه الشواطئ روعة؛ إذ تكتنز شعابها المرجانية أنواعاً نادرة من الأسماك، مقدمةً تجربة استثنائية لمن يفضلون متعة الاكتشاف على رفاهية المنتجعات. فهذه المناطق الساحلية ليست محاطة بممرات أسمنتية أو فنادق فاخرة، بل ظلت محفوظة في حالتها الفطرية، مما يمنح الزائر سكينة نادرة الوجود في القرن الحادي والعشرين.
وفي عام 2026، يتجلى التحول العالمي نحو “السياحة التجريبية والمستدامة”، حيث أُعيد صياغة مفهوم السفر ليُعلي من قيمة “الأثر الإيجابي” على حساب “الاستهلاك المفرط”. وتجسد سقطرى هذا النموذج بأبهى صوره؛ إذ صُممت بنيتها التحتية لتعزيز السفر القائم على المعايشة بدلاً من الاستجمام السلبي. وتبرز في مقدمة الأنشطة التي يفضلها المسافر المعاصر رحلات المسير الجبلي عبر “جبال هجير”، حيث تلامس القمم الجرانيتية السحاب، والتخييم تحت سماء تُصنف ضمن الأصفى والأكثر لؤلؤاً بالنجوم على وجه الأرض.
كما تُعد أنظمة الكهوف في الجزيرة، ولا سيما كهف حوق، وجهة مثالية لعشاق الجيولوجيا والآثار؛ ففي أعماقه الممتدة لكيلومترات بين الصواعد والهوابط، توجد نقوش قديمة تروي فصولاً من التاريخ البحري للمحيط الهندي. وتُدار التجارب وفق نموذج صارم للسياحة البيئية يضع “التوازن الفطري” في المقام الأول؛ فمن خلال اعتماد رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي والتخييم البيئي بدلاً من المنشآت الخرسانية الدائمة، تُصان سلامة هذه المناظر الطبيعية للأجيال القادمة.
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد
تحديات المناخ
تواجه جزيرة سقطرى أزمة مناخية متصاعدة تهدد تنوعها الحيوي، وسبل عيش مجتمعات الرعاة، والأمن الغذائي في مختلف أرجاء الأرخبيل. فقد كشف تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن عامين متتاليين من الجفاف الشديد وضعا الثروة الحيوانية والمراعي الطبيعية تحت ضغط غير مسبوق.
ووفقاً لأحدث تحليلات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، فإن تدهور مناطق الرعي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الماضي.
وفي ظل هشاشة أنظمتها البيئية واعتمادها الكلي على المراعي المطرية يجعلها عرضةً بشدة لتقلبات المناخ والصدمات البيئية. فمع غياب الهطول المطري الكافي، تآكلت مصادر الدخل والغذاء للمجتمعات الرعوية؛ حيث ذبلت الغطاءات النباتية وشحت موارد المياه، مما ضيق الخيارات المتاحة لإعالة القطيع، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي .
ومنذ عام 2023، تعيش الجزيرة حالة من الجفاف الاستثنائي، حيث انعدمت الأمطار تقريباً وتراجعت مواسم الفيضانات المغذية للخزانات الجوفية، مما حول مساحات شاسعة من المراعي إلى أراضٍ قاحلة. وقد أجبر هذا التدهور البيئي عشرات العائلات الرعوية على هجر قراها بحثاً عن الماء والكلأ، حيث تضطر الأسر لقطع مسافات مضنية يومياً لضمان بقاء مواشيها على قيد الحياة، مما فاقم من ضغوط الهجرة الداخلية وانعدام الاستقرار المعيشي.
وتحذر المنظمات الدولية من أن حتى المجتمعات المجهزة بخزانات تجميع مياه الأمطار باتت تعاني من استنزاف شبه كامل لمخزونها؛ إذ لا تصمد سعات التخزين الحالية أمام فترات الجفاف الممتدة.
وفي هذا الصدد، يشدد الخبراء على الحاجة الملحة لتوسيع نطاق البنية التحتية لحصاد المياه، وإعادة تأهيل المراعي المتضررة، كخطوات حاسمة لتحقيق استقرار سبل العيش وحماية النسيج الاجتماعي والرعوي للجزيرة.
وتواجه جزيرة سقطرى تهديدات متكررة تُنذر بتدهور نظامها البيئي الفريد؛ حيث تتفاقم التحديات جراء تزايد المخالفات البشرية، الأمر الذي جعلها مهددة بالإدراج ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
يواجه سكان قرية ساروة في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع تحديات معيشية متعددة، إذ تفتقر القرية لأدنى الخدمات الأساسية، ويعيش السكان عزلة شبه تامة نتيجة غياب الطرق المعبدة الأمر الذي حول تفاصيل حياتهم اليومية إلى رحلة شاقة، تبدأ وتنتهي بتسلق الجبال الوعرة.
تبدو القرية، التي يقدر عدد سكانها بنحو أربعمائة نسمة، كما لو أنها تتكئ على كتف الجبل، ويعيش أهاليها منذ عقود في عزلة فرضتها التضاريس الجغرافية الوعرة، وكرّسها الإهمال الرسمي المتعاقب.
ويعتمد سكان القرية منذ عقود على مسار جبلي وعر وضيق، عمد الأجداد قديماً إلى شقه من الصخر بأدوات بدائية؛ رغبة منهم في الخلاص وكسر قيود العزلة، إلا أن هذا الطريق الوحيد، الذي يهبطون عبره نحو الوادي السالك في منتصف الجبل، ليس سوى ممر ضيق لا يتجاوز عرضه موضع القدم، محفوف بالمنحدرات السحيقة والانزلاقات الصخرية بالغة الخطورة.
تعد طريق القرية بوابة للحياة والموت معا، فهي المنفذ الوحيد والممر الأشد خطورة، ويطلق عليها الأهالي اسم “العِرْق”؛ نسبةً إلى جذور شجرة الأثب التي تمتد كمقابض طبيعية تُسهّل مهمة الصعود والنزول. وهو اسمٌ يستحضره الناس كأنه امتحانٌ يومي، أو معبر أسطوري لا يسلكه أحدٌ إلا وقلبه مشدودٌ ونفسه متوجسة.
وفي حديثهم لـ “ريف اليمن”، يصف الأهالي السير على جذوع الشجرة بأنه أشبه بالسير على صراط دقيق ممدود بين السماء والهاوية، حتى نسجت حوله المخيلة الشعبية حكايات تصفه بأنه “أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، وأسودُ من الليل”، حيث تصبح كل خطوة قدراً معلقاً بصاحبه.
يصف التربوي “حذيفة الساروي”، أحد سكان القرية، هذا الممر بكلمات تختزن الخوف والاعتياد معا: قائلا لـ “ريف اليمن”: “نعيش في قرية تحتضنها الجبال وتحاصرها الصخور الحادة ويغمرها ضباب الفجر البارد، محاصرين بلا سبيل سوى طريق ضيقة معلقة في منتصف الجبل، كأنها خيط رقيق على شفا هاوية سحيقة، حيث السهو لثانية واحدة قد يجعل حياتك رهينة للقدر”.
ويضيف حذيفة: “المأساة لا تتوقف عند ضيق الممر، بل في كون وسيلتنا الوحيدة هي جذع شجرة أثب ضخمة تضرب جذورها في الصخر ويتدلى رأسها في الفراغ. يتشبث بهذا الجذع الرجال والنساء والأطفال يوميا، فهي سبيلهم الوحيد الذي يربطهم بالعالم؛ وهي شريان حياة نعبره بأقدام مرتجفة وسواعد مثقلة بالمرضى والمؤن، لنمنح القرية يوماً إضافياً من البقاء”.
أحد المواطنين أثناء محاولته المرور في طريق قرية ساورة في الضالع جنوبي اليمن(ريف اليمن)
أما السبعيني “مسعد عايض”، الذي يهبط عبر هذا الجذع كل صباح محملا بأكياس القات والأعلاف، فتعد كلماته شهادة حية على التحدي والإرادة، إذ يقول لـ” ريف اليمن”: “نمشي عليه خطوة بخطوة والرياح تكاد تقتلعنا، لكن لا بديل أمامنا. نمضي كما يمضي الطير، ونوقن أن الله معنا”.
ضحايا ووعود حكومية
يروي “أحمد عايض”، عاقل القرية، مآسي سطرت بدموع الأهالي؛ عن أربعة ضحايا ابتلعهم العرق بصمت، وضاعت صرخاتهم في جوف الجبال، كان أحدهم خاله “سيف محسن أغا”، الذي رحل وهو يطمح لأن يجد الأهالي بعده ممراً آمناً يخلو من الفزع والرهبة، لتصبح قصته درساً تتناقله الأجيال؛ تحذيراً من غدر المسار، وخشية من تكرار الفقد.
وأوضح عايض لـ “ريف اليمن” أن الكثير من السكان تعرضوا لكسور ورضوض جسيمة، تروي القرية حكاياتهم كأنها صافرة إنذار دائمة، ورغم الخوف الذي يسكن الصدور، لا يملك الأهالي خياراً سوى العبور، فالحياة بالنسبة لهم ليست طريقاً معبداً، بل هي جذع شجرة ضيق، يقابله صبرٌ واسع وأملٌ لا ينقطع.
وعن الدور الحكومي، أكد أن محافظ المحافظة زار المنطقة واستمعت الجهات المختصة للمطالب، حيث أُحيلت دراسات أولية لتركيب سلم حديدي كبديل للممرات الهشة والمفتوحة، إلا أن المشروع اصطدم بعائق عملي بحت؛ إذ إن تكاليف نقل المواد وتركيبها في تلك التضاريس الجبلية الوعرة تفوق قدرة السكان المادية، في ظل شح الإمكانيات وضعف مصادر الدخل التي لا تكاد تقيهم شظف العيش ومرارة الحرمان.
معاناة مضاعفة
يشير حذيفة الساروي إلى جانب آخر من المعاناة يتجاوز خطورة الممر الجبلي؛ وهو الطريق المتهالك الذي يربط القرية بمحافظة إب فمن يرغب في الذهاب إلى المستشفى أو شراء الاحتياجات الأساسية، يواجه عبئاً مادياً باهظاً؛ إذ تصل كلفة النقل إلى ثلاثين ألف ريال بحد أدنى، وقد ترتفع إلى أربعين ألفاً في حال استئجار وسيلة نقل خاصة “إنجيز”.
توفي 4 أشخاص من القرية نتيجة حوادث في الطريق الوعرة تعرض الكثير من السكان لكسور وإصابات مختلفة
ويوضح لـ “ريف اليمن”، أن المأساة تكمن في الارتهان للمواعيد، فمن يتأخر عن موعد الرحلة الأسبوعية، يضطر للانتظار يوماً كاملاً أو حتى نهاية الأسبوع، فالسائقون يتوقفون عن العمل يوم الجمعة، بينما “المرض لا يعرف العطلات”، كما يقول بمرارة.
تتفاقم المعاناة مع حلول موسم الأمطار، حيث تتحول الطريق إلى فخ من الصخور المتساقطة، مما يؤدي لانقطاعها لأيام أو أسابيع، بل قد يصل الأمر لشهور؛ كما حدث قبل عامين حين ظلت الطريق مقطوعة لعام كامل، في تلك الفترات، تتحول القرية إلى سجنٍ كبير، ويصبح المرضى سجناء أوجاعهم، والمحتاجون رهائن لعزلةٍ قسرية تفرضها قسوة الطبيعة وغياب الاهتمام.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية، والموارد، والتعليم، وفرص العمل، والإمدادات الغذائية.
الأطفال والتعليم المؤجل
قبل أشهر بدأ مشروع بناء فصول دراسية بجهود مجتمعية، فبشّر الأهالي أطفالهم بأن زمن الخطر قد شارف على الانتهاء، وأن عهد المسافات الطويلة لن يعود. إلا أن المشروع تعثر فجأة، لتبقى الجدران نصف مكتملة، تشبه ركناً من حلمٍ مبتور سقط كحجرٍ آخر من أعلى الجبل.
توفي أربعة من سكان القرية نتيجة سقوطهم في هذا الطريق في حين تعرض آخرون لكسور (ريف اليمن)
ونتيجة لذلك، لا يزال الأطفال يقطعون مسافات شاقة في الطرق الوعرة ذاتها التي يخشاها الكبار؛ يتحدون برد الفجر القارس وصخور الصيف المتساقطة، في مشهد يملأ قلوب الأهالي حزناً على فلذات أكبادهم.
ورغم قسوة الواقع المحيط بـ ساروة، تظل القرية أكثر من مجرد معاناة متراكمة؛ فهي بيئة زراعية حية، ورئة خضراء تمارس الزراعة بأصالةٍ موروثة. إذ يزرع أهلها القمح والحبوب والبقوليات بأساليب تقليدية ما زالت محفوظة في ذاكرة الكبار، وتُلقّن للصغار كجزء من هوية تأبى الاندثار.
ويتمسك السكان بالأرض كتمسكهم بالحياة، فلا يزال صوت المحراث يتردد في أوديتها، كأنه صدى لنبض القرية وذاكرتها الممتدة عبر السنين، مؤكداً أن إرادة البقاء في ساروة أقوى من عزلتها الجغرافية.
“رمضان شهر كريم، نستقبله مثل بقية الناس، لكنه يحل علينا ونحن لا نملك شيئا، ونعيش على باب الله؛ البعض يرحمنا، والبعض قلوبهم قاسية، ومع ذلك نعيش تحت أي ظرف فالحياة قسمة ونصيب”.
بهذه الكلمات تختصر حدة ربيع (37 عاما)”، وهي مواطنة من ذوي البشرة السمراء، واقعها مع حلول شهر رمضان، وتقول إن الشهر الذي ينتظره الناس للراحة والطمأنينة، يأتي على المهمشين محملا بأعباء إضافية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية ونقص في أبسط المواد الغذائية.
وتضيف لـ “ريف اليمن”: “الناس جميعا يرتاحون في رمضان، إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون”، وتوضح أنها تضطر أحيانا للعمل في البيوت بالأجر اليومي لتأمين احتياجات أسرتها، وتجمع ما تيسر من المال لشراء نصف كيس دقيق، وقليل من الأرز والسكر بالكيلو.
تشير ربيع إلى أن بعض الأسر، خاصة من يمتلكون رواتب وإن كانت قليلة، قد تتمكن من ادخار مؤونة بسيطة، لكن الغالبية تعيش يومها بيومها، معتمدة على ما يجود به الآخرون، أو ما تتيحه فرص العمل المحدودة.
في ريف تعز، تسرد “فائزة (30 عاما)” جانبا آخر من معاناة الاستعداد لرمضان، وتقول إنها تبدأ مع أسرتها التحضير للشهر منذ رجب وشعبان، عبر استئجار قطعة أرض صغيرة لزراعة الكراث والبقل (الفجل)، على أمل حصادها وبيعها في الأسواق خلال رمضان.
“نعتمد على هذا الموسم لتغطية مصاريفنا”، تقول فائزة، موضحة أن العمل لا يتوقف طوال الشهر، وتشرح طبيعة يومها قائلة: “ننام خمس ساعات فقط، من بعد صلاة الفجر حتى قبل الظهر، ثم نذهب إلى السوق لتجهيز المفارش وبيع الخضروات حتى أذان المغرب”.
وتنوه أنها بعد الإفطار تعود لقطف الكراث وقلع البقل وغسله وتحضيره للبيع في اليوم التالي، وهكذا يمضي الشهر بين جهد متواصل وأمل محدود بعائد يسد جزءًا من الاحتياج.
فاطمة: وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل
أما “محمد هادي (48 عاما)” من مدينة تعز فيرى أن الأوضاع قبل اندلاع الحرب في مارس 2015 كانت أكثر استقرارا، بفضل ثبات العملة وتوفر فرص العمل.
ويقول: “كنا نستطيع تغطية مصاريف الأسرة وشراء احتياجات رمضان، ومع الحرب انعدمت فرص العمل وازداد الفقر بين جميع الفئات، لكننا نحن المهمشين كنا الأكثر تضررًا”.
ويضيف هادي أن الفقر يلازمهم طوال العام، ويأتي رمضان ليضاعف التحديات، فيضطرون إلى التقشف الشديد والتخلي عن كثير من المتطلبات التي تعد أساسية لغيرهم.
في مخيم الجفينة بمحافظة مأرب، يتحدث “محمد سعيد (62 عاما)”، وهو نازح يعاني مرض القلب، عن معاناة مضاعفة، ويقول: “أعتمد في رمضان على ما تحصل عليه النساء والأطفال من الأسواق، يخرجون بعد الظهر حتى الليل بحثا عن الرزق؛ أحيانا يجدون شيئا، وأحيانا يعودون بلا شيء”. ويشير إلى أن المرض والعجز عن العمل جعلاه أكثر هشاشة أمام تقلبات الحياة.
أما سعاد، من مدينة تعز، فتقول إن رمضان بالنسبة لها موسم بحث يومي عن صدقات: “أخرج مع أطفالي الخمسة إلى الرصيف في شارع جمال من بعد الظهر حتى ساعات متأخرة من الليل”، مشيرة إلى أن “البعض يعطينا ألف ريال أو 200 ريال، والبعض يحتقرنا ويتلفظ بألفاظ مؤذية”.
وتضيف: “كل ما نحلم به هو شراء ملابس العيد لأطفالنا فنحن نقضي الشهر في الشوارع والأسواق تحت الشمس والبرد من أجل الحصول على زكاة الفطر، ونفطر أحيانا أمام المطاعم أو المساجد، ثم نعود إلى مكاننا على الرصيف”.
تشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات
من جانبه، يؤكد “عبد الرحمن محمد (27 عاما)” أن راتبه البالغ ستين ألف ريال لا يغطي حتى تكاليف المواصلات والمياه، ويقول: “نعمل ثلاث ورديات في رمضان كما في بقية الأشهر. البعض يعمل نهارا تحت الشمس وهو صائم، والبعض حتى وقت السحور في الشارع، دون وجبة إفطار أو سحور مضمونة أوضاعنا صعبة ولا نجد من يقدّر جهودنا”.
في السياق ذاته، تشير رئيسة مؤسسة رنين المستقبل الحقوقية “حنان النوبي”، إلى أن مخيمات النازحين في مأرب تضم أكبر تجمعات للمهمشين، موزعين على نحو 25 مخيمًا وتجمعًا سكنيا، مؤكدة أنهم يعانون ظروفا معيشية قاسية طوال العام، وتتفاقم في رمضان.
مساعدات غير منتظمة
توضح “فاطمة علي” أن وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل، كما أن السلال الغذائية التي تقدمها بعض المنظمات في بداية الشهر لا تكفي الأسر الكبيرة.
وتقول: “نطلق مناشدات مستمرة لفاعلي الخير والمنظمات لدعم النازحين، بعضهم يستجيب وآخرون يتغاضون، نحن لا نملك مالا ولا علاقات، وننتظر ما يصلنا من مساعدات، قليلًا كان أو كثيرا”.
ربيع: الناس يرتاحون في رمضان إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون
بدوره يقول “عبده سعيد”، القائم بأعمال رئيس الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا (المهمشين) – فرع تعز، إن أيام وليالي رمضان تمر على المهمشين بمرارة شديدة، رغم ما يتحلون به من صبر وقناعة.
ويضيف أنهم تواصلوا مع عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم هذه الفئة خلال رمضان، إلا أن بعضها اعتذر بسبب انقطاع التمويل، فيما وعد آخرون بتقديم المساعدة عند توفرها.
وتتضاعف معاناة المهمشين في رمضان نتيجة الفقر وشح الإمكانات وانخفاض الدخل الناتج عن الأعمال البسيطة التي يمارسونها، مثل النظافة، وحياكة الأحذية، وغسل السيارات، وبيع الخضروات.
وتشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات، يعيش كثير منهم على هامش المجتمع، ويواجهون في رمضان حرمانًا مضاعفًا بين قلة ذات اليد وثقل الاحتياجات.