شهد اليمن خلال شهر مارس/ آذار 2026 بداية قوية لموسم الأمطار خلال فصل الصيف، حيث ارتفعت معدلات الهطول بشكل غير مسبوق في أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات.
ووفق نشرة المناخ الزراعي، شهد مارس ارتفاعاً ملحوظاً في معدل هطول الأمطار، وسجلت مقاييس الأمطار 120 ملم في إب، وفي أواخر الشهر بلغت 140 ملغم في المرتفعات الجبلية الوسطى والجنوبية.
وبلغت تقديرات الأقمار الصناعية هطول أمطار تجاوزت 120 ملم في عمران وذمار والضالع والبيضاء. ووفق النشرة “ارتفعت كمية الأمطار بشكل حاد وأدت حدوث فيضانات مفاجئة في أجزاء من المرتفعات الجنوبية”.
وتشهد اليمن سنوياً في شهر مارس الانتقال من فصل الشتاء الجاف إلى موسم الأمطار في فصل الصيف، والذي يبلغ ذروته في شهري أبريل ومايو، وكانت الظروف المناخية أعلى من المعدل الطبيعي بشكل عام.
كمية أمطار قياسية
مقارنة بالمتوسط المناخي على مدى الثلاثين عاماً الماضية -وفق الفاو- تجاوزت كمية الأمطار في مارس 2026 المعدل الطبيعي بأكثر من 80% في معظم أنحاء اليمن، باستثناء أقصى شمال حجة والجوف، بينما شهدت سقطرى جفافاً استثنائياً.
وبالمقارنة مع مارس 2025، كانت الكميات الإجمالية أعلى عموماً، حيث تجاوز الفائض 25 ملم -أي ما يعادل أربعة أضعاف- في اليمن، وكان متوسط هطول الأمطار هو الأعلى منذ خمس سنوات، وفق نشرة المناخ الزراعي الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة «الفاو».
وهذا يشير إلى غزارة الأمطار غير المسبوقة. ووفق الفاو “هذا التحول المناخي المفاجئ حمل معه فرصاً زراعية واعدة، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة البنية التحتية الزراعية والريفية أمام الفيضانات والتعرية”.
سيول وادي مور في تهامة غربي اليمن، الأحد 12 إبريل 2026 (أحمد حلقي)
الغطاء النباتي
أظهرت المؤشرات أن 82% من المناطق المزروعة سجلت أداءً جيداً، مع استقرار ملحوظ في معظم المناطق الزراعية، فيما اقتصر الإجهاد النباتي بمناطق صغيرة في تعز وحضرموت والمهرة وسقطرى، وأثر على 2٪ من إجمالي المساحة المزروعة.
وصنفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، مؤشر الإجهاد النباتي لشهر مارس 2026 كثاني أقوى عام على مدى خمس سنوات، على الرغم من انخفاض طفيف مقارنة بالعام الماضي.
وأشارت بيانات نظام معلومات الزراعة المستدامة لشهر مارس 2026 إلى عدم وجود إجهاد مائي كبير للمحاصيل، كما ارتفعت درجات الحرارة مقارنة بشهر فبراير، حيث تراوحت بين 15-20 درجة مئوية في المرتفعات و25-30 درجة مئوية على السواحل.
كيف أثر على سبل العيش؟
وساعدت الظروف المناخية في نمو المحاصيل والمراعي ودعمت نشاط مصايد الأسماك، غير أن الفيضانات المفاجئة ومخاطر أمراض الماشية أدت إلى تعطيل سبل العيش وتفاقم انعدام الأمن الغذائي بين الفئات الأكثر ضعفاً.
ووفق نشرة الفاو “تحسنت ظروف زراعة الذرة والدخن في المرتفعات، كما دعمت الأمطار إنتاج الخضروات في السواحل، خاصة في أبين، والمراعي شهدت تجديداً ملحوظاً، ما حسن من توافر المياه للماشية، فيما ساعدت الظروف الجوية على نشاط الصيد”.
مقارنة بالمتوسط المناخي على مدى 30 سنة تجاوزت كمية الأمطار في مارس 2026 المعدل الطبيعي بأكثر من 80% في اليمن (الفاو)
في المقابل، ألحقت الفيضانات أضراراً جسيمة بالمزارع والبنية التحتية، وزادت من خطر انتشار أمراض الماشية والطفيليات، كما عطلت العواصف بعض أنشطة الصيد، وألحقت أضراراً بالمعدات.
تشير التوقعات إلى استمرار الأمطار الغزيرة خلال النصف الأول من أبريل، مع احتمالية وصولها إلى 150 ملم؛ ما يزيد من خطر الفيضانات، بحسب نشرة المناخ الزراعي.
ورغم أن هذه الظروف قد تعزز الإنتاج الزراعي، إلا أن المخاطر المرتبطة بتآكل التربة وأمراض المحاصيل تبقى قائمة؛ مما يهدد الغلة الزراعية، ويزيد من ضعف الفئات الأكثر هشاشة.
رغم التحسن الزراعي، فإن الفيضانات فاقمت من أزمة الأمن الغذائي، ويأتي ذلك في وقت يحتاج فيه أكثر من 23 مليون شخص في اليمن إلى مساعدات إنسانية منقذة للحياة، بحسب برنامج الأغذية العالمي.
وأسفرت الفيضانات نهاية مارس الماضي عن وفاة 30 شخصاً على الأقل و47 إصابة، وأضرار مادية واسعة في المساكن لحقت نحو 83,713 شخصاً (11,959 أسرة). وفق اتحاد جمعيات الصليب الهلال الأحمر في اليمن.
تُعرف وزيرة الثقافة السابقة، أروى عثمان، الأمثال الشعبية بأنها خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، مؤكدة أنها ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل “أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه”، تختزل قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة.
مع تسارع التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن، يواجه التراث الشعبي، وفي مقدمته الأمثال الشعبية، تحديات متزايدة تهدد حضوره في الحياة اليومية، خاصة في الأرياف التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الأساسية لهذا الموروث.
وفي حوار مع ‹ريف اليمن› تحدثت رئيسة بيت الموروث الشعبي، عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية العميقة للأمثال الشعبية، ودورها في توثيق حياة الريف اليمني، محذّرة من مخاطر تراجعها في ظل تغير أنماط الحياة وغياب التوثيق المؤسسي.
ولفتت أروى عثمان، إلى الدور المحوري الذي لعبته المرأة الريفية في حفظ هذا التراث، معتبرة إياها “الحارس الأمين” للأمثال الشعبية، إذ لم تكن مجرد ناقل لها، بل البيئة التي تنمو فيها وتستخدم.
مقتطفات من حوار الأديبة ووزير الثقافة سابقا أروى عثمان
نترككم مع نص الحوار
• بداية، كيف تعرّفين الأمثال الشعبية اليمنية؟ ولماذا تُعدّ جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي؟
الأمثال الشعبية هي خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه، تختزل في كلمات موجزة قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة، وأنا أعدّها جزءًا أساسيًا من التراث لأنها بمثابة “الدستور الشفهي” الذي حكم علاقات الناس ونظّم حياتهم، وهي تعبير صادق عن علاقة الإنسان اليمني بأرضه ومجتمعه وزمانه.
• من خلال عملك الميداني، كيف تعكس الأمثال الشعبية حياة الريف اليمني وقيمه؟
في الريف، تتجلى الأمثال كمرآة صافية لنمط الحياة، إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأرض والمواسم والمطر والزراعة، فالأمثال التي تتحدث عن البذر والحصاد أو الصبر في انتظار الغيث تعكس قيم الكد والترقب والاعتماد على الطبيعة، كما توثّق علاقة الفلاح بأرضه، وتعبّر عن منظومة قيم قائمة على العمل الجماعي والتوكل والرضا.
• بحكم نزولك الميداني، ما الدور الذي لعبته المرأة في حفظ الأمثال الشعبية ونقلها؟
المرأة هي الحارس الأمين لهذا الموروث، لم تكن مجرد ناقل، بل كانت البيئة الحاضنة التي تنمو فيها الأمثال وتُستخدم، كنا نسمعها في الحقول، وعند طحن الحبوب على الرحى، وفي جلسات السمر، وحتى في تربية الأبناء، استخدمتها الجدات والأمهات لتقديم النصح والعبرة والترفيه، وبذلك ضمِنَّ استمراريتها عبر الأجيال بشكل عفوي وتلقائي.
• كيف كانت الأمثال تُتداول قديمًا في القرى؟ وفي أي سياقات اجتماعية كانت تُستخدم؟
قديما، كانت الأمثال تمثل القانون الاجتماعي غير المكتوب. كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة، في مجالس الرجال لحل الخلافات، وفي الأسواق أثناء البيع والشراء، وفي البيوت لتقييم السلوك أو وصف الأحوال، وكانت تستخدم لتعزيز الحجة، أو اختصار نقاش طويل، أو إيصال فكرة معقدة بكلمات بسيطة ومؤثرة، ولم تكن للتسلية فقط، بل أداة تواصل فعالة.
أروى عثمان: الأمثال الشعبية ليس مجرد عبارات متوارثة بل خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، وتمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع
• هل يمكن القول إن كل مثل شعبي يحمل قصة أو حادثة اجتماعية؟
إلى حد كبير، نعم، كل مثل هو لقطة تاريخية مكثفة أو خلاصة تجربة إنسانية متكررة، بعض الأمثال نشأت من حوادث حقيقية، وأخرى من تراكم تجارب وملاحظات تحولت إلى حكمة جماعية، وحتى إذا ضاعت القصة الأصلية، يبقى المثل شاهدًا على تلك التجربة.
• ما أبرز الأمثال التي لفتت انتباهك خلال جمعك للموروث الشعبي؟ ولماذا؟
هناك أمثال كثيرة تحمل عمقًا فلسفيًا، من بينها مثل “في النار وبيتحاقروا”، الذي يعبّر عن مأزق الإنسان بين خيارين صعبين، ويعكس قسوة الظروف، كما لفتتني الأمثال المرتبطة بشخصيات وقصص تاريخية، مثل قصة “سعيد اليهودي” في عمران، لما تحمله من دلالات اجتماعية وتاريخية معقدة.
• كيف تغيّر حضور الأمثال الشعبية اليوم مقارنة بالماضي؟
تغيّر بشكل كبير، في الماضي، كانت الأمثال جزءًا عضويًا من الحديث اليومي ومنطق التفكير، أما اليوم، فقد تحولت إلى ما يشبه التحف الفلكلورية التي تُستدعى في سياقات محددة، هذا التحول أفقدها الكثير من حيويتها، بعدما انتقلت من كونها أداة حياة إلى مجرد رمز ثقافي.
• هل ساهمت وسائل التواصل الحديثة في حفظ الأمثال أم أضعفتها؟
هي سلاح ذو حدين، من جهة، ساهمت في نشرها ووصولها إلى الشباب، وهذا جانب إيجابي، لكن من جهة أخرى، يتم تداولها أحيانًا بشكل سطحي أو خارج سياقها، وقد تُحرّف أو تُستخدم للتفاخر، مما يفرغها من عمقها الثقافي.
• ما أبرز المخاطر التي تهدد الأمثال الشعبية اليمنية اليوم؟
الخطر الأكبر هو النسيان نتيجة الفجوة بين الأجيال، خاصة مع رحيل كبار السن الذين يمثلون ذاكرة حية، إلى جانب ذلك، هناك تغير نمط الحياة وتراجع الثقافة الشفهية، وغياب التوثيق العلمي والمؤسسي الذي يحفظ هذا التراث ويقدمه بشكل مناسب للأجيال الجديدة.
أروى عثمان: يمكن للمنصات أن تلعب دورًا محوريًا عبر تكوين أرشيف رقمي يوثق الأمثال صوتيا ونصيا، مع شرح سياقاتها وقصصها
• ما مسؤولية الأسرة والمجتمع في نقل هذا التراث؟
المسؤولية تبدأ من الأسرة، فهي المدرسة الأولى، يجب على الآباء والأجداد استخدام الأمثال في حواراتهم اليومية لترسيخها في أذهان الأبناء، أما المجتمع، فعليه خلق مساحات ثقافية تحتفي بهذا الموروث عبر التعليم والإعلام والفعاليات، ليُدرك الجيل الجديد أن هذه الأمثال جزء من هويته.
• كيف يمكن للمنصات الثقافية مثل “ريف اليمن” الإسهام في حماية هذا الموروث؟
هذه المنصات يمكن أن تلعب دورًا محوريًا، عبر أن تكون أرشيفًا رقميًا حديثًا يوثق الأمثال صوتيًا ونصيًا، مع شرح سياقاتها وقصصها، كما يمكنها بناء جسر بين الباحثين وكبار السن في القرى، وتقديم هذا المحتوى للشباب بأساليب جذابة، مثل الفيديوهات والوسائط الحديثة، لتحويل التراث من مادة جامدة إلى ثقافة حية متجددة.
تسببت انهيارات صخرية من سور قلعة القاهرة في تعز بإصابة امرأة وأضرار مادية، بعد أسبوع من تحذيرات الدفاع المدني من كارثة محتملة تهدد منازل في أحياء مديرية المظفر.
وسقطت أحجارا كبيرة أمس الجمعة على حي المؤيد بعد هطول أمطار غزيرة وأدت إلى إصابة امرأة بكسور وأضرار كبيرة لحقت في منازل المواطنين، وفق ما تداول ناشطون على وسائل التواصل.
مازال الخطر يهدد عشرات الأسر. وقال عبد الراجحي “المصيبة الكبرى أن الخطر ما زال قائما، مئات البيوت والأُسر مهددة بسقوط الأحجار الكبيرة فوق رؤوسهم، بأي لحظة”.
ونشر الراجحي -على فيسبوك- فيديو يوثق انهيار الصخور وكتب “هذا نداء عاجل إلى السطلة المحلية، ومديرية المظفر، بسرعة التحرك، وتدارك الأمر قبل أن يتحول إلى كارثة حقيقية”.
صخور سقطت على إحدى سيارات المواطنين في تعز (وسائل التواصل)
صيانة سور قلعة القاهرة
ويحتاج سور قلعة القاهرة التأريخية إلى صيانة عاجلة، ودعا مدير عام الآثار في تعز محبوب الجرادي السلطة المحلية القيام بحلول عاجلة للاماكن المهترئة من سور القلعة التي أصبحت تهدد المساكن.
ووجه الجرادي، الفرق العاملة في القلعة بعمل صيانة طارئة لعبارات تصاريف مياه الأمطار في قلعة القاهرة، تفادياً لاحتقان مياه الأمطار في جميع ساحات القلعة. جاء ذلك خلال زيارته اليوم السبت.
وشدد المسؤول على أهمية، تظافر الجهود والتنسيق مع السلطة المحلية في المحافظة وعمل حلول عاجلة للاماكن المهترئة من سور قلعة القاهرة والذي أصبحت تهدد حياة المواطنين الساكنين.
وأصبح سور قلعة القاهر من الجهتين الجنوبية والغربية مهدد بالانهيار. ودعا الجرادي مدير عام الآثار، المواطنين “بتوخي الحيطة والحذر من تساقط الاحجار أثناء هطول الأمطار وبعدها حفاظاً على سلامتهم”.
جانب من سور قلعة القاهرة التأريخية في تعز المهدد بالإنهيار، 11 إبريل 2026 (هيئة الآثار)
123 من السكان مهددين
ويأتي هذا بعد تحذير الدفاع المدني في 1 إبريل/ نيسان 2026، من كارثة انهيارات صخرية تهدد 15 منزلاً، بمديرية المظفر، بسبب تدهور أجزاء من السور الغربي لقلعة القاهرة جراء الأمطار الغزيرة.
وقال -في بلاغ- “يوجد نحو 15 منزلاً تضم 123 نسمة، تقع ضمن نطاق الخطر المباشر لاحتمالية سقوط بقايا السور الصخري، مع استمرار هطول الأمطار”، لافتا “إن طبيعة الموقع في مرتفع جبلي وتآكل التربة وتشققات السور تُضاعف من خطر الانهيارات”.
وقال نائب مدير مصلحة الدفاع المدني عبد الحكيم الرياشي “إن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة من احتمالية الانهيارات الصخرية بما يشكل تهديداً مباشراً على الأرواح والممتلكات”.
وكانت الهيئة الجيولوجية في عدن، حذرت من ارتفاع مخاطر الانهيارات الأرضية والصخرية في عدد من المحافظات نتيجة الأمطار الغزيرة، خاصة في ظل تأثيرات التغير المناخي والتدخلات البشرية غير المدروسة.
شهدت مزارع محافظة الحديدة غربي اليمن حصاد محصول الصويا، خلال الأسابيع الماضية، حيث توسعت زراعة البقوليات في تهامة ضمن مساعي تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الجانب الزراعي.
وقال الإعلام الزراعي -على “فيسيوك”- “إن مديرية الضحي بمحافظة الحديدة شهدت حدثاً استثنائياً مهما في تدشين حصاد محصول فول الصويا لأول مرة في مزارع وادي سردود”.
وننشر تقرير الصور التالي نقلا عن الاعلام الزراعي والسمكي.
يواجه عشرات النازحين في مديرية الشمايتين، جنوبي محافظة تعز، تحديات كبيرة في سبيل الحصول على فرص عمل مستقرة، إذ يمثل العمل الركيزة الأساسية لدعم الأسر اقتصاديًا ونفسيًا، ومساعدتها على التأقلم مع ظروف النزوح القاسية.
وأجبرت الحرب والصراع الدائر في البلاد منذ العام 2015 ملايين اليمنيين على النزوح الداخلي، حيث يوجد نحو 4.5 مليون نازح، يعيش كثيرون منهم في مآوٍ مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.
يقول مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمدينة التربة، أسام المشرقي، إن إحصائيات النازحين في الريف الجنوبي للمحافظة بلغت نحو 1766 أسرة موزعة على قرى مديرية الشمايتين.
وأوضح المشرقي لـ “ريف اليمن” أن عددًا من الأسر تمكنت، بجهود ذاتية، من تجاوز جزء من العقبات المعيشية وتوفير مصادر دخل مكنتها من تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها، وتحسين ظروفها الراهنة في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.
تروي أسماء علي 38 عاما، وهو نازحة من مديرية الوازعية غربا، إلى قرية الأحكوم بمديرية الشمايتين جنوبا، فصول مأساتها التي بدأت عام 2017 حين أجبرتها الحرب على مغادرة منزلها، وتقول: “انتقلنا إلى بيئة غريبة تفتقر لأدنى المقومات الأساسية، ما دفعني لمواجهة مشاق الحياة والبحث عن مصدر رزق أساند به زوجي وأوفر متطلبات أطفالي”.
وخلال حديثها لـ “ريف اليمن”، استعرضت أسماء بداياتها الشاقة، حيث كانت تعمل بالأجر اليومي مع نساء المنطقة من الصباح وحتى الظهيرة مقابل مبالغ زهيدة، وفي عام 2019 استطاعت من خلال ادخار تلك الأجور شراء “رأس ماعز” ليكون نواة لمشروع تربية حيوانات صغير، حتى أصبحت اليوم تمتلك قطيعاً من الأغنام والدجاج والأرانب، تعتمد عليها لتوفير احتياجاتها للبقاء.
وتستذكر أسماء الدوافع التي أجبرتها على الكفاح قائلة: “كان دافعي الوحيد هو حاجة أطفالي؛ فقد كنا نعجز عن توفير لقمة العيش أو الملابس، حتى أن أطفالي كانوا يمشون حفاة الأقدام في ظل منزل يخلو من الأثاث”.
بلغ إجمالي النازحين في الريف الجنوبي لتعز نحو 1766 أسرة موزعة على قرى مديرية الشمايتين (ريف اليمن)
في عام 2020، استطاعت أسماء استئجار قطعة أرض من أحد جيرانها في منطقة النزوح، حيث شرعت في زراعتها للحصول على كميات محدودة من القمح البلدي وتوفير الأعلاف لمواشيها، وتطمح أسماء اليوم في أن يحظى زوجها بفرصة عمل مستقرة تعينهما على تحسين وضعهما المعيشي، وضمان حق أطفالهما في التعليم.
بين قسوة النزوح والأعمال
هاني محمد (56 عاماً) هو الآخر يختزل مأساة آلاف النازحين الذين شردتهم الحرب؛ فمنذ نزوحه عام 2015 من حي حوض الأشرف، شرقي مدينة تعز، إلى منطقة “التربة” جنوباً، وجد نفسه وعائلته في خيمة مهترئة لا تقيهم تقلبات المناخ القاسية، بعد أن كان يعيش حياة مستقرة وميسورة بصفته متعاقداً مع مكتب المالية بالمحافظة.
تحول مسار حياة هاني من موظف إداري إلى سائق دراجة نارية مستأجرة، في رحلة شاقة لتأمين لقمة العيش إذ يقول لـ”ريف اليمن”: “أجبرتني الظروف على صراع الواقع لتوفير الاحتياجات الأساسية، وبعد فترة من العمل المضني، تمكنت من ادخار مبلغ مالي لمساعدة زوجتي في إطلاق مشروعها الخاص لصناعة المعجنات والحلويات”.
وفي عام 2019 بدأ المشروع المنزلي الصغير ببيع المنتجات في الأعراس والمدارس، ليتطور لاحقاً بفضل إصرار زوجته بشرى، التي طورت مهاراتها عبر دورات تدريبية ومنصات الإنترنت، وبحصولها على تمويل عبر برنامج “الادخار والإقراض”، تمكنت من توسيع نشاطها وإدارة مقصف مدرسي خاص بها في المنطقة.
سونيا البركاني: فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات
توضح بشرى لـ”ريف اليمن” أن العائق الأكبر كان يتمثل في توفير رأس المال والموازنة بين أعباء العمل ورعاية الأسرة، مشيدةً بالدور المحوري لزوجها الذي كان الداعم الأول لها.
وأضافت: “لقد أحدث هذا المشروع تحولاً جذرياً في حياتنا، ليس فقط على المستوى المادي وتحسن الدخل، بل على الصعيد النفسي أيضاً؛ فأصبحنا نؤمن وجباتنا الثلاث بانتظام بعد معاناة طويلة”.
وتابعت: “لقد غير النزوح نظرتي للعمل ولذاتي؛ فبالرغم من حصولي سابقاً على شهادة جامعية، إلا أنني لم أشعر بقيمتي الحقيقية إلا حينما صقلتني الظروف الصعبة، وجعلت مني امرأة قوية قادرة على الاعتماد على نفسها وصناعة التغيير”.
غياب المساعدات
لا يختلف المشهد في مخيم الحبيل بعزلة الصافية عن بقية مخيمات النزوح، حيث يواجه نحو 98 نازحاً ونازحة، قدموا من محافظات حجة وصنعاء ومناطق بتعز، تحديات معيشية قاسية في ظل شح المشاريع الخدمية.
وبحسب منسقة المخيم، سونيا البركاني، فإن حياة السكان هناك تتأرجح بين الاعتماد المحدود على مساعدات المنظمات والجمعيات الخيرية، وبين الجهود الذاتية لمعيلي الأسر الذين يمارسون مهناً شاقة بأجور يومية زهيدة، مثل رعاية الأغنام وصيانة الدراجات النارية.
وتوضح البركاني لـ”ريف اليمن” أن قسوة الظروف حوّلت المخيم إلى مساحة للاندماج الاقتصادي الاضطراري؛ إذ ساهمت برامج التدريب وورش تعليم الخياطة، وصناعة الكعك، وصيانة الهواتف، في تعزيز الروابط المجتمعية وتوفير بدائل للدخل.
عينات من مشروع المعجنات والحلويات الذي أنشأتها النازحة بشرى (ريف اليمن)
ومن قلب المعاناة، برزت نماذج للصمود مثل مفيد عبده 42 عاما، الذي حول خيمته المتواضعة في عام 2023 إلى بقالة صغيرة توفر الاحتياجات الأساسية، سعياً للاستقلال المادي وتأمين لقمة العيش لأطفاله الخمسة.
وعلى الرغم من المبادرات، لفتت البركاني إلى أن فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني المتخصص، فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات في الوصول إلى سوق العمل أو الحصول على تسهيلات مالية.
وأكدت المنسقة أن تحقيق الاستقرار الفعلي يتطلب تدخلاً عاجلاً يشمل تحسين المأوى لحماية الأسر من التقلبات الجوية، وتوفير السلع الغذائية بانتظام، إلى جانب تعزيز الإصحاح البيئي وشبكات المياه والصرف الصحي.
وشددت البركاني على أن التقييم الدقيق والمستمر للاحتياجات هو حجر الزاوية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وتحويل حياة النازحين من مرحلة البقاء إلى الاستقرار والكرامة.
كشفت دراسة بحثية، عن حقائق صادمة تضع مدينة عدن جنوبي اليمن، أمام تحدٍ وجودي في مواجهة مخاطر السيول المفاجئة، وأشارت إلى أن التوسع العمراني العشوائي عامل رئيسي في تفاقم الفيضانات في المدن الساحلية.
وحذرت الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين من جامعة عدن وهيئة المساحة الجيولوجية عام 2024، من تحول المناطق السكنية إلى “مصبات مفتوحة” لسيول عارمة تفوق قدرة المدينة على الاحتمال.
وحددت الأماكن الأكثر عرضة للفيضانات والانهيارات الصخرية وتقييم المخاطر، مما سيساهم في تطوير خطط إدارة الكوارث في المستقبل، وتوفر معلومات قيمة للمخططين العمرانيين لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستخدام الأمثل للأراضي.
الدراسة قدمت خارطة طريق وتحذيراً لصناع القرار في اليمن أن “التغير المناخي مع التوسع العمراني العشوائي في عدن يجعل المدينة في خطر دائم” مشيرة إلى أن “البنية التحتية غير قادرة على استيعاب الفيضانات الكبرى القادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة”.
وفي أغسطس 2025 شهدت مدينة عدن سيولاً وفيضانات جارفة غمرت منطقتي الحسوة وبئر أحمد، وكانت تلك السيول الأشد منذ عقود، بعد أن وصلت سيول وادي الحسيني، القادمة من مديرية تبن بمحافظة لحج، إلى شاطئ الحسوة للمرة الأولى منذ نحو 60 عاما.
جرافيك ملخص التهديدات الخطيرة لمدينة عدن جراء السيول (ريف اليمن)
30 دقيقة للغرق
أخطر ما كشفت عنه الدراسة هو أن الوقت الذي قد تستغرقه السيول لتصل من قمم الجبال إلى قلب الأحياء السكنية، في مناطق مثل كريتر” و”المعلا”، يتراوح بين 11 و35 دقيقة فقط.
هذا يعني أن سكان مديريات صيرة والمعلا والتواهي لديهم أقل من ساعة واحدة للنجاة من لحظة بدء هطول المطر الغزير حتى وصول ذروة السيل المدمر؛ مما يجعل هامش التحذير أو الإخلاء ضيقاً للغاية ويستوجب وجود أنظمة إنذار مبكر فائقة السرعة.
وشهدت مدينة عدن فيضانات كارثية متكررة، لا سيما في أعوام 1967 و1993 و2008، والكارثة الأخيرة في 21 أبريل 2020، ومازالت المدينة تتعرض لأخطار كبيرة خلال السنوات الماضية.
وتستعرض الدراسة نتائج “النمذجة الهيدرولوجية” لأحواض التصريف بالمحافظة، وتبرز فجوة خطيرة بين بنية تحتية متهالكة وطبيعة بركانية، وتوسع عمراني عشوائي خنق مجاري الأودية الطبيعية، وزاد من هشاشة المدينة أمام الفيضانات.
وتتمتع عدن بتكوين جيولوجي مميز حيث تهيمن على تضاريسها الصخور البركانية، التي تعود إلى أواخر العصر الثالث المتأخر، وتتخذ سلسلة جبال شمسان (ارتفاعها 553 متراً) التواهي والبريقة، شكل “حدوة حصان”، تتركز فيها مياه الأمطار وتوجهها بسرعة كبيرة نحو المناطق السكنية الساحلية المنخفضة.
الأمطار قد تتحول إلى كارثة
الدراسة الهيدرولوجية الحديثة استخدمت أحدث تقنيات النمذجة الرياضية (WMS 11.0) وصور الأقمار الصناعية، لتحويل بيانات الأمطار التاريخية الممتدة لـ 75 عاماً إلى خرائط غمر مكانية.
من خلال تحليل بيانات الدراسة تبين أن هطول الأمطار لمدة 75 عاماً (1948-2023) المسجلة في مطار عدن الدولي، فبينما كان متوسط الأمطار السنوي الأقصى تاريخياً هو 25.3 ملم، أظهرت الإحصائيات تصاعداً متسارعاً في شدة العواصف والأمطار.
وارتفعت كمية الأمطار من 170 ملم خلال 50 عاماً إلى 266 ملم خلال 100سنة، وهذه زيادة تفوق 55%، ما يعكس بوضوح التأثير المباشر لتقلبات المناخ الإقليمية على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.
هذه التقلبات تحول الأمطار الموسمية إلى سيول مدمرة تتجاوز قدرة المصارف والقنوات الحالية، ووفق الدراسة فإن “التغير المناخي زاد من حدة الأمطار المتطرفة، مما يضع البنية التحتية الحالية في مهب الريح”.
التوسع العمراني العشوائي
من خلال تقنيات التحليل المقارن لخرائط استخدام الأراضي، تتبعت الدراسة مسار الكارثة بين عامي 2017 و2023، ورصدت تسارعاً مقلقاً للتوسع العشوائي العمراني على حساب تصريف السيول، وهذا انعكس مباشرة على تصاعد الجريان السطحي للمياه، وتسبب بزيادة ملحوظة في حجم الفيضانات.
وأشارت الدراسة إلى أن الزحف العمراني كان بمثابة إغلاق لمحابس الأرض؛ حيث أدى استبدال التربة بالمباني إلى زيادة تدفق مياه الأمطار، وهو ما يفسر لماذا أصبحت الأمطار المتوسطة تتسبب اليوم في فيضانات كانت لا تحدث سابقاً إلا مع الأمطار الغزيرة جداً.
الوقت الذي تستغرقه السيول للوصول إلى الأحياء السكنية في مدينة عدن يتراوح بين 11 و35 دقيقة
وكشفت الأرقام أن نفاذ المياه إلى الأرض في مديريتي صيرة والمعلا وصل إلى مستوى حرج يصل إلى (85 درجة)، وهو ما يعني تقنياً أن الأرض فقدت قدرتها على امتصاص مياه الأمطار بنسبة كبير، وهذا حول الشوارع والمساحات المفتوحة إلى قنوات سريعة تدفع بالمياه نحو المناطق المنخفضة بكامل قوتها دون أي عائق طبيعي.
ورصدت الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط الغطاء الأرضي بين عامي 2017 و2023، حيث تركز الزحف العمراني بشكل مباشر فوق ممرات التصريف الطبيعية وعند مخارج الأودية.
هذا البناء العشوائي، أدى إلى زيادة حجم السيول، وتعطيل نظام نقل الرواسب الطبيعي، وصفه الباحثون بـ “التضخيم البشري المباشر للمخاطر الهيدرولوجية”، وهذا يعني أن البناء كان له فعل مباشر على زيادة مخاطر الفيضانات.
الوادي الكبير
على الجانب الآخر من المدينة يبرز الوادي الكبير في مديرية البريقة، وهو التهديد الأكبر للمحافظة نظراً لمساحة حوضه الشاسعة التي تبلغ 1874.6 كم²، وبحسب الدراسة، فإن حجم الفيضان المتوقع لهذا الوادي في حال حدوث عاصفة تتكرر كل 100 عام، سيصل إلى 434 مليون متر مكعب، مع تصريف أقصى يبلغ 9272 متراً مكعباً في الثانية.
هذا الكم الهائل من المياه يشكل خطراً وجودياً على المنشآت الصناعية والمناطق السكنية في الحسوة وبئر أحمد. وتؤكد الرسوم البيانية للتدفقات المائية أن استقرار زمن الوصول إلى الذروة يعني وجود تدفق مستمر وضخم يغرق المصبات لفترات طويلة.
وكشفت البيانات أنه في وادي الكبير وحده تُنقل أكثر من 33 ألف متر مكعب من الأحجار والتراب سنوياً، وحذرت الدراسة من أن إهمال تنظيف العبَّارات والقنوات بعد كل فيضان يشكل فخاً قاتلاً؛ إذ تؤدي الانسدادات الصخرية إلى خروج السيول عن مجاريها المخصصة ودخولها إلى منازل السكان، مما يضاعف من القدرة التدميرية للفيضانات.
وحذرت الدراسة من السيول والفيضانات المفاجئة، حيث إن زيادة طفيفة في معدل الأمطار قد تؤدي إلى مضاعفة قوة السيل في وادي الخساف بثلاثة أضعاف، مما يجعل التوقعات التقليدية غير مجدية.
وأوضحت الدراسة، إن أي خطأ في التخطيط الحضري بنسبة 5% قد يؤدي إلى كارثة مضاعفة بنسبة 12%، مما يستوجب إعادة النظر جذرياً في المخططات العمرانية الحالية، ووقف أي بناء جديد في مناطق الحماية المحددة.
سيول جارفة وصلت شاطئ الحسوة في عدن قادمة أغسطس 2025
أحواض صيرة والمعلا
وتواجه مديريات صيرة والمعلا خطراً زمنياً قاتلاً؛ إذ لا يفصل بين سقوط المطر ووصول السيل لقمته التدميرية سوى دقائق معدودة، وبحسب الأرقام في الدراسة فإن شوارع كريتر الضيقة ستكون مسرحاً لتدفقات تصل لـ 440 متراً مكعباً في الثانية، مما يحول المدينة التاريخية إلى مصب مفتوح لطوفان لا يرحم.
على النقيض من الحجم الهائل للوادي الكبير، تواجه أحواض صيرة والمعلا على الرغم من صغر مساحتها وشدة انحدارها مشكلة أخرى، إذ يظهر حوض”كاسترو-3″ أن زمن وصول تركيز السيل لا يتجاوز 11 دقيقة فقط.
بينما يحتاج السيل في “وادي الطويلة” 28 دقيقة فقط ليصل لذروته، هذا التباين يعني أن سكان هذه المناطق يواجهون سيولاً جارفة خاطفة تباغتهم قبل أن يتمكنوا من اتخاذ أي إجراءات وقائية.
سجلت الدراسة أعلى نسب انحدار في وادي الخصاف (0.33) وكاسترو (0.35)، وهي أرقام تعكس طبيعة الجبال البركانية الصلبة المحيطة بعدن، تتحول الأمطار الغزيرة فوراً إلى جريان سطحي بنسبة 100% تقريباً، حيث تفتقر الأحواض لسعة تخزين طبيعية تخفف من حدة التدفق قبل وصوله للمدن.
حددت الدراسة أكثر المناطق عرضة للغرق كالتالي:-
• منطقة القطيع (المرسبة): حيث تستقبل تدفقات من وادي العيدروس، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تشبه الحوض، وصلت إلى 3 أمتار في عام 2020، مما أدى إلى غمر مساحة 31,488 متراً مربعاً.
• سوق الباز والسيلة: تصل إلى هذا السوق التجاري تدفقات من وادي الطويلة، حيث يتوقع وصول إلى 3 أمتار بالقرب من معبر القاضي؛ مما يهدد منطقة تجارية تبلغ مساحتها حوالي 44 ألف متر مربع.
الانفجار العمراني الصامت
وكشفت الأرقام عن قفزات في المساحات المبنية في عدن من 7,1 مليون متر مربع في عام 2017 إلى أكثر من 13 مليون متر مربع في عام 2023، بزيادة مهولة بنسبة 82 بالمئة خلال 6 سنوات فقط.
وتسببت الخرسانة والإسفلت بخنق مساحات شاسعة كانت تمتص مياه الأمطار؛ مما ضاعف حجم الجريان السطحي لمياه الأمطار وحوّل الشوارع إلى مصبات إجبارية للسيول.
وخلصت الدراسة إلى أن المعادلة الطبيعية بين الأمطار والجريان (التوازن الهيدرولوجي) في عدن قد اختل تماماً، فبدلاً من أن تمتص التربة المياه، تحولت الأرض بفعل التوسع العمراني إلى أسطح غير منفذة.
هذا التحول جعل أي هطول مطري يتحول فوراً إلى فيضان جارف وفائض، حيث لم تعد الأرض قادرة على ابتلاع قطرة ماء واحدة؛ مما يجعل المدينة مكشوفة تماماً أمام التغيرات المناخية القادمة.
سيول في مدينة عدن تغمر منازل بنيت بشكل عشوائي خلال السنوات الماضية, أغسطس 2025 (وسائل التواصل)
ماهي الحلول؟
واقترحت الدراسة إنشاء سدود احتجاز جديدة في واديي العيدروس والخساف لخفض سرعة السيول واحتجاز الصخور، وتوسعة جسر مخرج وادي الكبير ليبلغ عرضه نحو 50 متراً لاستيعاب التدفقات التاريخية.
كما أكدت الحاجة إلى إحياء صهاريج الطويلة التاريخية وصيانتها دورياً لإزالة الطمي، مشددةً على أن تحديث قنوات التصريف الحالية بات أمراً عاجلاً لمواجهة ذروة تصريف تتجاوز تسعة آلاف متر مكعب في الثانية.
ودعت الدراسة إلى إنشاء شبكة أرصاد مزودة بمستشعرات في قمم الجبال، قادرة على توفير مهلة إنذار حرجة تتراوح بين 30 و60 دقيقة تسمح بإخلاء المناطق الأكثر عرضة للخطر مثل حي «القطيع».
وأكدت على أهمية ترسيخ نطاق قانوني يمنع تماماً البناء داخل المناطق المحمية المخصصة للأودية، وقالت إن “وقف الزحف العمراني هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الكوارث المتكررة”.
استناداً إلى نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن حماية مدينة عدن وضمان استدامتها يتطلبان تحركاً عاجلاً وفق التوصيات التالية:
• اعتماد خرائط الفيضانات المعدّة في الدراسة، والتي تمتد لفترة مئة عام، كأساس لخطط التنمية المستقبلية.
• الاستثمار في البنية التحتية: إعطاء الأولوية لتنفيذ السدود المقترحة وبناء عبارات ذات سعة تصريف عالية.
• إنشاء هيئة وطنية: تعمل على إدارة محطات الرصد وتشغيل أنظمة الإنذار المبكر وتنسيق خطط مواجهة الفيضانات.
• الرصد المستمر: تعمل الجهات المختصة على تحديث نماذج استخدام الأراضي والأنظمة المائية بشكل دوري لمواكبة التوسع العمراني السريع والتغيرات المناخية المتزايدة.
ويؤكد الباحثون في الدراسة أن “التطبيق المتزامن لهذه الإجراءات هو السبيل الأفضل لتقليل مخاطر الفيضانات وحماية سكان مدينة عدن وبُنيتها التحتية من الفيضانات”.
منذ ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ القرى الريفية في حضرموت على حركة يومها المعتادة، يبدأ محسن الرعود عمله، ويدفع عربته المعدنية القديمة على طريق ترابي ضيق، ممسكًا بمكنسة تآكلت أطرافها من كثرة الاستخدام، ويبدأ في جمع المخلفات المتناثرة على جانبي الطريق، في مشهد يتكرر يوميا منذ أكثر من عشرين عامًا.
يقول الرعود، وهو عامل نظافة في إحدى المناطق الريفية شرقي المحافظة، لـ”ريف اليمن”، إن عمله يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي مع اشتداد الحر، ويضيف: “نخرج قبل الناس ونرجع بعدهم، من أجل تظل القرى نظيفة”.
رغم الإرهاق وبساطة الأدوات وغياب أبسط وسائل الحماية يواصل الرعود عمله مؤمنا بأن ما يقوم به واجب قبل أن يكون وظيفة، ويؤكد لـ”ريف اليمن”، أن العمل شاق جدا، لكنه يحب مهنته ويقدرها، معبرا عن استيائه وحزنه بسبب تعرضه للكثير من المضايقات من بعض أفراد المجتمع، لافتا إلى أن الكثير يحتقرون هذه المهنة ولا يقدّرونها.
يواجه عمال النظافة في حضرموت، وخاصة في المكلا ومديريات الساحل، تحديات كبيرة تشمل تدني الأجور، ونقص المعدات، ومخاطر العمل الصحي، وتأخر المستحقات. تزداد المعاناة بسبب نقص الوعي المجتمعي بأهمية النظافة، مما يضاعف الجهد البدني عليهم.
عمل يومي بدون تقدير
لا يختلف حال الرعود كثيرا عن عشرات من عمال النظافة المنتشرين في أرياف حضرموت، حيث تعتمد القرى على جهودهم الفردية للحفاظ على نظافتها، في ظل شح الإمكانيات وضعف الدعم المؤسسي، ويؤدي هؤلاء العمال مهام شاقة تشمل تنظيف الطرق العامة والأزقة ومواقع تجمّع النفايات، دون قفازات أو كمامات تقيهم مخاطر العمل الصحي والبيئي.
ويشكو عمال نظافة من ضعف الرواتب التي لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات أحيانا وغياب أي تأمين صحي أو رعاية مهنية في وقت يتعرضون فيه لمخاطر يومية من أمراض تنفسية إلى إصابات جسدية.
يحكي الرعود أنه تعرض لعدد من الإصابات أثناء العمل، في دلالة على غياب الرعاية والاهتمام بهذه الفئة، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بخطورة رمي النفايات الحادة أو الخطرة في براميل القمامة.
يعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف أغلبهم، ما بالأجر اليومي (ريف اليمن)
ويقول: “في يوم من الأيام تعرضت لإصابة خطيرة جدا أثناء كنس القمامة، حيث أُصبت بقطع في رجلي، ونُقلت إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، تجاوزت تكلفتها راتبي الشهري بالكامل، وجلست في البيت لمدة شهر ونصف بدون عمل”.
في المناطق الريفية، تتضاعف معاناة عمال النظافة بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية، وغياب البنية التحتية المناسبة للتعامل مع النفايات؛ فالطرق غير المعبدة، وبُعد مواقع التجميع، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تجعل العمل أكثر مشقة.
يختصر الرعود واقع شريحة واسعة تعمل بصمت، دون أن تحظى بتقدير يوازي دورها الحيوي في حماية الصحة العامة والحفاظ على البيئة، ويقول: “نشتغل في الحر وفي البرد، وما عندنا لا ملابس واقية ولا أدوات حديثة. بس الله يعين”.
وبحسب بيانات إدارة صندوق النظافة والتحسين في مديريات الوادي بمحافظة حضرموت لعام 2024، بلغ إجمالي عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون أيضًا على عدد من المديريات الريفية، ويؤدون مهامهم اليومية في ظروف تشغيلية صعبة، وبإمكانات محدودة، لتغطية مساحات جغرافية واسعة وقرى متناثرة.
النظافة مسؤولية الجميع
إلى جانب معاناة العمال، يؤكد الناشط المجتمعي أحمد باوزير أن هناك ضعفا في الوعي المجتمعي في بعض القرى، حيث لا تزال ظاهرة رمي القمامة عشوائيًا منتشرة، ما يزيد العبء على عمال النظافة ويقوض جهودهم اليومية.
عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون بمناطق الريفية ويؤدون مهامهم في ظروف تشغيلية صعبة
ويقول باوزير: “إن النظافة ليست مسؤولية العامل وحده، بل مسؤولية المجتمع ككل”، داعيا إلى ترسيخ ثقافة احترام العامل، والتعامل المسؤول مع البيئة، والالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها.
في ظل هذا الواقع، تؤكد اللجنة النقابية لعمال مشروع النظافة والتحسين بحضرموت أن الأصوات تتصاعد مطالبة الجهات المعنية بتحسين أوضاع عمال النظافة، من خلال رفع الأجور، وتوفير أدوات السلامة المهنية، وتأمين صحي يضمن لهم حياة كريمة.
وشددت النقابة على أهمية إدماج عمال النظافة ضمن خطط التنمية المحلية، بوصفهم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على البيئة والصحة العامة، ويحملون على عاتقهم عبئًا ثقيلًا في ظل ظروف قاسية وتهميش مستمر.
ويعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف، أغلبهم ما زالوا يعملون بالأجر اليومي من دون تثبيت، ويتكون أغلب هؤلاء العمال من اليمنيين ذوي البشرة السمراء، ويعرفون رسمياً وفي بيانات المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بـ”المهمشين”.
كشفت دراسة حديثة أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة العالمية يؤدي إلى تحولات جوهرية في أنماط هطول الأمطار، مما يضع قطاعي الزراعة والموارد المائية تحت ضغوط متزايدة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «Phys.org» العلمية، فإن تركيز الأبحاث الذي انصبّ سابقاً على إجمالي كميات الأمطار المتوقعة، بدأ يتحول الآن نحو ظاهرة أكثر خطورة، وهي تزايد نسبة الأمطار التي تهطل على شكل زخات غزيرة وشديدة، بدلاً من الهطولات الخفيفة والمستمرة.
و استخدم الباحثون مؤشراً جديداً أطلقوا عليه مؤشر الاعتماد على هطول الأمطار الغزيرة EPDI لقياس هذا التحول، الذي يُتوقع أن يفرض واقعاً جديداً يتطلب إعادة صياغة استراتيجيات إدارة المياه والمحاصيل الزراعية والبنية التحتية، حتى في حال النجاح في تحقيق الأهداف المناخية العالمية.
كما استندت الدراسة التي قادها الباحث محمد أمبادي من جامعة ميشيغان بالولايات المتحدة، إلى فحص دقيق لبيانات هطول الأمطار العالمية المستمدة من الملاحظات الميدانية وتوقعات النماذج المناخية.
وأظهرت النتائج أنه مع تزايد احترار الكوكب، تسهم حالات الهطول الغزير بنسبة أكبر من إجمالي الأمطار السنوية.
و حذرت من أنه حتى في ظل السيناريوهات المتفائلة التي تتوافق مع أهداف الأمم المتحدة للتخفيف من آثار التغير المناخي، فإن نسبة الأمطار الهاطلة في الأيام شديدة الرطوبة قد ترتفع بشكل حاد في مناطق عديدة.
ويمثل هذا التفاقم تهديداً مباشراً للمناطق التي تعاني أصلاً من تقلبات الطقس، حيث تزداد مخاطر الفيضانات، وتتعاظم التحديات التي تواجه قطاعي الزراعة وإدارة الموارد المائية.
فهم الاعتماد على الأمطار الغزيرة
طوّر الباحثون مؤشر الاعتماد على هطول الأمطار الغزيرة EPDI كأداة علمية لتحديد كمية الأمطار السنوية التي تهطل خلال أكثر الأيام مطراً أعلى 5% من الأيام حيث يوفر المؤشر مقياساً دقيقاً لمدى الاعتماد على الظواهر المناخية المتطرفة عبر مقارنة إنتاجية هذه الأحداث بإجمالي الهطول السنوي.
وتشير الملاحظات المرصودة خلال العقود الأخيرة إلى اتجاه العديد من المناطق نحو تسجيل قيم مرتفعة في هذا المؤشر، مما يعكس تزايد الاعتماد على العواصف الشديدة لتأمين الحصيلة المطرية السنوية.
كما تتوقع النماذج المناخية تسارع هذا الاتجاه في ظل سيناريوهات الاحترار العالمي، لا سيما عند تجاوز عتبة 3 درجات مئوية.
ويكتسب هذا التوزيع غير المتكافئ للأمطار أهمية بالغة نظراً لتأثيره المباشر على قدرة الأرض على امتصاص المياه وآليات تخزينها واستخدامها؛ فبينما تتيح الأمطار المنتظمة للتربة إعادة تغذية مخزونها المائي وتضمن نمواً مستداماً للمحاصيل وإدارة كفؤة للخزانات.
تؤدي الأمطار الغزيرة المركزة إلى إغراق شبكات الصرف والتسبب في فيضانات مفاجئة، مع ترك فترات جفاف طويلة بين العواصف.
وتُصنف مناطق الساحل الأفريقي، وجنوب شرق آسيا، وشمال أستراليا، وحوض الأمازون، كأكثر المناطق عرضة لارتفاع قيم مؤشر EPDI حيث تشير النماذج إلى أن نسبة الأمطار الناتجة عن الظواهر المتطرفة قد ترتفع بمعدل يتراوح بين 15% و20% في حال ارتفعت حرارة الكوكب بمقدار 4 درجات مئوية.
والجدير بالذكر أن بيانات الأرصاد الحالية كشفت عن زيادات في بعض المناطق تتجاوز التوقعات، مما يشير إلى أن الواقع المناخي قد يتحرك بوتيرة أسرع مما تنبأت به النماذج.
ووجد الباحثون أنه في الوقت الذي تزداد فيه الأيام الرطبة غزارة، فإن معدلات الهطول الخفيفة والمتوسطة قد تنخفض فعلياً في بعض الأقاليم. ومن الناحية العملية، يضع هذا التحول المزارعين ومديري الموارد المائية أمام تحديات مزدوجة، تتمثل في مواجهة فترات جفاف أطول تتخللها عواصف مطرية عنيفة، مما يعقد عمليات تخطيط الري وخطط الوقاية من الفيضانات على حد سواء.
وادي نخلة
تأثيرات على الزراعة والأمن الغذائي
تُصنف الزراعة المعتمدة على الأمطار كواحدة من أكثر القطاعات حيوية وهشاشة أمام التغيرات المناخية، نظراً لاعتمادها الكلي على الهطولات الطبيعية بدلاً من نظم الري المنظمة.
ووفقاً لتقديرات بحثية استندت إلى بيانات الأقمار الصناعية عالية الدقة، فإن ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.5 إلى 2 درجة مئوية سيؤدي إلى تأثر نسبة محدودة من هذه الأراضي حوالي 4% إلى 15% بزيادات ملموسة في مؤشر هطول الأمطار الغزيرة EPDI.
ومع ذلك، ينذر تجاوز عتبات الاحترار هذه بتحولات جذرية؛ إذ يُتوقع أن تواجه 54% من الأراضي الزراعية المطرية زيادات حادة في الهطولات المتطرفة عند بلوغ الاحترار 3 درجات مئوية، لتصل هذه النسبة إلى نحو 96% في حال تسجيل 4 درجات مئوية.
وتواجه المحاصيل التي يتركز معظمها في البلدان منخفضة الدخل عبر إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية مخاطر متفاقمة تشمل انخفاض الإنتاجية، وزيادة القابلية للتضرر من الفيضانات، وما يترتب على ذلك من اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق.
ولا تتوقف الأضرار عند حدود إنتاج الغذاء فحسب، بل تمتد لتشمل تعطيل مواعيد الزراعة الموسمية، وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الريفية، وتفاقم ظاهرة تآكل التربة وفقدان خصوبتها.
وأمام هذا الواقع، بات من الضروري للمناطق التي تعتمد سبل عيشها على الزراعة المطرية إعادة النظر في الخارطة المحصولية، والاستثمار العاجل في تقنيات حصاد المياه وأنظمة الصرف المتطورة، مع تبني ممارسات زراعية تكيفية.
تحديات إدارة المياه
تواجه أنظمة موارد المياه، بدءاً من الخزانات وصولاً إلى شبكات الصرف الصحي الحضرية، تحديات تشغيلية غير مسبوقة جراء التحولات في أنماط المناخ. فمن الناحية الهيكلية، صُممت العديد من الخزانات وفق استراتيجية التحوط ضد الفيضانات، التي تعطي الأولوية لتصريف المياه نحو المصب لمنع الفيضانات بدلاً من تخزين كميات ضخمة منها.
ومع تصاعد حدة الهطولات المطرية الغزيرة، يُتوقع أن تتجاوز هذه الأحمال الحدود التشغيلية للأنظمة الحالية، مما يرفع من تواتر الفيضانات في المناطق الحضرية.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز صعوبات جمة أمام البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار في المدن للتعامل مع التدفقات المفاجئة والعنيفة، في حين قد تتراجع موثوقية إمدادات المياه العامة خلال الفترات الفاصلة بين العواصف.
وتؤكد الدراسة أن التغيرات تتسم بعدم التكافؤ الجغرافي، إذ تشهد بعض المناطق انخفاضاً في إجمالي معدلات الهطول السنوي بالتزامن مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة، حيث أن هذا المزيج المعقد المتمثل في تراجع الحصيلة المطرية الإجمالية مع زيادة الاعتماد على العواصف المتطرفة من شأنه أن يفاقم حالات الإجهاد المائي، ويفرض تعقيدات إضافية على عمليات التخطيط الاستراتيجي لقطاعي الزراعة والاستهلاك البشري.
الحد من الاحتباس الحراري
تؤكد الدراسة على أهمية إبقاء الاحتباس الحراري ضمن النطاق المحدد في اتفاقية باريس، والذي يتراوح بين 1.5 و2 درجة مئوية. فعند تجاوز هذه المستويات، يزداد الاعتماد على الأمطار الغزيرة بشكل حاد، مما يؤدي إلى آثار متتالية على النظم البيئية والزراعة والبنية التحتية للمياه.
وتُقدّم النتائج رؤيةً أكثر دقةً لمخاطر المناخ فالأمر لا يقتصر على زيادة أو نقصان الأمطار فحسب، بل على كيفية هطولها. وكما يُبيّن مؤشر EPDI، فإنّ المخاطر جسيمة بالنسبة للمجتمعات، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل حيث تتأثر أنظمة المياه والغذاء بتوقيت وشدة هطول الأمطار.
ومن خلال تسليط الضوء على التحولات الطفيفة في أنماط هطول الأمطار، تقدم الدراسة رؤى جديدة حول استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ، حيث يحتاج المخططون وصناع السياسات إلى النظر ليس فقط في كمية الأمطار التي تهطل كل عام، بل أيضاً في مدى اعتماد أنظمة المياه على الظواهر المناخية المتطرفة، وما يعنيه ذلك بالنسبة لسلامة المجتمعات واستدامتها وقدرتها على الصمود في جميع أنحاء العالم.
جانب من السيول في وادي تُبن بمحافظة لحج (مواقع التواصل)
أكدت السلطات المحلية في محافظة لحج، وفاة شقيقين غرقاً إثر تدفق سيول الأمطار الغزيرة التي شهدتها المحافظة خلال الساعات الماضية.
وأفادت شرطة مديرية الحبيلين بأن فرق الإنقاذ تمكنت من انتشال جثتي الشقيقين: ماهر جمال محمد أحمد (26 عاماً)، وإبراهيم جمال محمد أحمد (10 سنوات)، من أحد شعاب وادي نَمِرَة مؤكدة أن الوفاة حدثت أثناء محاولتهما السباحة في مياه السيول.
وبيّنت الشرطة أنها سلّمت الجثمانين إلى ذويهما لاستكمال إجراءات الدفن، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية أرجعت أسباب الحادثة إلى عدم إجادة الضحيتين للسباحة، والمخاطرة بالنزول إلى مياه الأمطار الموحلة التي تتسم بتيارات جارفة وكثافة طينية عالية.
وفي سياق متصل، جددت السلطات الأمنية تحذيراتها الصارمة للمواطنين من مخاطر السباحة في البرك والحواجز المائية وممرات السيول. ودعت الأسر إلى منع الأطفال من التوجه إلى تلك المواقع الخطرة، وعدم الاقتراب من مجاري السيول خاصة في المناطق المنحدرة، وتجنب السباحة في المياه العكرة التي تخفي تحتها عوائق طينية أو صخرية قاتلة.
وخلال الأيام الماضية شهدت مناطق ساحل غربي أمطار غزيرة وفيضانات أسفرت عن وفاة 22 شخصاً وخسائر مادية كبيرة، وشملت الخسائر محافظات عدن وأبين، ومأرب، ولحج، والحديدة. وتضرر 9820 أسرة (68740 شخصاً)، بما في ذلك في 49 موقعاً للنازحين. ووفق تقرير أولي للمفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية «ECHO».
تخوض النساء المصابات بالفشل الكلوي في الأرياف اليمنية معركة قاسية من أجل البقاء، في ظل غياب مراكز الغسيل الكلوي حيث يضطررن لقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدن، لتتحول رحلة الشفاء إلى عبء مضاعف بسبب وعورة الطرق، وارتفاع تكاليف النقل، في ظل اتساع رقعة الفقر منذ اندلاع الحرب في البلاد.
أم دعا واحدة من بين مئات النساء اللواتي يتكبدن مشقة المرض، إذ نزحت إلى قريتها في ريف تعز بعد أن واجهت طوابير طويلة وقاسية أمام مركز الغسيل الكلوي في الحديدة، نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الطبية.
تقول أم دعا لـ “ريف اليمن”: “لم يجد إخواني خيارا سوى التكاتف لاستئجار مسكن في مدينة تعز، لضمان قربي من المركز وتجنيبي مشقة التنقل المستمر لإجراء جلسات الغسيل المقررة مرتين أسبوعيا”.
عقب وصول الحرب إلى محافظة الحديدة في العام 2015، أُجبر الآلاف على النزوح فراراً من الموت، وكان مرضى الفشل الكلوي الفئة الأكثر تضرراً وهشاشة، لا سيما أولئك الذين لم يجدوا ملاذاً سوى منازل أقاربهم في المناطق الريفية النائية.
أعباء مضاعفة
على الرغم من قرب أم دعا من مركز الغسيل الكلوي، إلا أنها تواجه أعباءً مادية باهظة فرضتها الأوضاع المعيشية، حيث تضطر للعيش بعيداً عن ديارها لتأمين تكاليف العلاج.
وتكشف عن التكاليف الباهظة التي تدفعها المريضة الريفية عند انتقالها للمدينة، حيث تتراوح كلفة استئجار المسكن بين 100 إلى 300 ألف ريال يمني شهرياً، يضاف إليها نفقات علاجية تتجاوز 50 ألف ريال.
وتمتد قائمة التكاليف لتشمل مصاريف يومية تتخطى 5 آلاف ريال خلال جلسات الغسيل، ومصاريف شهرية عامة تزيد عن 200 ألف ريال، هذا في حال استقرار الحالة الصحية، ناهيك عن تكاليف شراء الأدوية التي يُفترض صرفها مجاناً ولكن تعجز المراكز عن توفيرها بسبب ضعف الدعم.
ومن العلاجات التي يفترض صرفها مجانا، إبر الدم التي يصل سعرها إلى 7 آلاف ريال، وعلاجات الكالسيوم والفيتامينات، وأدوية الضغط التي قد تصل كلفتها إلى 20 ألف ريال، وصولاً إلى المحاليل الوريدية، وتتفاقم المعاناة مع الأمراض الأخرى.
تروي أم دعاء تجربتها مع فيروس الكبد الذي كلفها فحصُه 120 ألف ريال، بينما تبلغ كلفة الجرعة الواحدة من علاجه 180 ألف ريال بواقع ثلاث جرعات شهرياً، ولا تختلف معاناة أم دعا عن أم ريان، التي تقطع مسافات بعيده مرتين أسبوعياً من محافظة الضالع إلى مدينة إب، في رحلة سفر تكلفها 60 ألف ريال ذهاباً وإياباً في كل جلسة، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة المرتبطة بفترات الانتظار الطويلة وحالتها الصحية المجهدة بعد الغسيل.
تشير الإحصائيات التي حصل عليها “ريف اليمن” من مصادر طبية عن حجم الظاهرة، ففي محافظة تعز وحدها، تتردد 55 امرأة من مختلف المناطق الريفية مثل شرعب، وجبل حبشي، والصلو، وماوية، والمعافر، وغيرها على مراكز الغسيل.
وفي الضالع، تتردد 22 امرأة من مناطق نائية كقعطبة والأزارق والفاخر، أما في شبوة، فتتوزع المريضات على أربعة مراكز، منها مركز عسيلان الذي ترتاده 11 امرأة، بينما سجل مركز مستشفى الشحر العام 18 حالة، ومركز الغيضة في المهرة 12 حالة من مديريات حوف والمسيلة وسيحوت وغيرها، مما يعكس اتساع المأساة واتساع رقعتها التي بدورها تنعكس سلباً حتى على الصحة النفسية.
تأثيرات نفسية
يؤكد أستاذ علم النفس بجامعة تعز، الدكتور جمهور الحميدي، أن الفشل الكلوي من الأمراض المزمنة ذات التأثير الحاد على حياة المصاب؛ إذ لا تقتصر تداعياته على المرض الجسدي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة.
ويرى الحميدي أن الآثار تزداد حدة لدى المرأة الريفية في اليمن، نظراً لتردي الظروف المعيشية، وهشاشة البنية الصحية، والأزمات المتراكمة التي أفرزتها الحرب.
وأوضح في حديثه لـ “ريف اليمن” أن المريضة الريفية تواجه صدمة نفسية مضاعفة؛ فالتشخيص غالباً ما يأتي متأخراً نتيجة ندرة المرافق المتخصصة وبعدها الجغرافي، فضلاً عن محدودية الوعي الصحي، هذا التأخير يجعل الصدمة أشد وقعاً، إذ تجد المرأة نفسها فجأة أمام مرض يتطلب بروتوكولاً علاجياً مرهقاً في بيئة تفتقر للإمكانات، مما يولد مشاعر الخوف، والإنكار، والقلق من المصير المجهول.
وأضاف الحميدي أن المريضات يعانين من مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب نتيجة تقاطع المرض مع ضغوط الحياة اليومية، فعدم الاستقرار المادي وارتفاع كلفة العلاج يفاقمان الإحساس بالعجز واليأس، كما أن خوف المرأة من فقدان دورها التقليدي كركيزة أساسية للأسرة يزيد من وطأة حالتها النفسية.
الصليب الأحمر: عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن نحو 4,4 ألف ونسبة الوفيات نحو 25% منذ العام 2015
وأكد على أنه لا يمكن فصل الآثار عن السياق الإنساني العام؛ فالحرب وانعدام الأمن وصعوبة التنقل، إضافة إلى خطر انقطاع الأدوية أو توقف جلسات الغسيل، عوامل تحوّل القلق اليومي إلى ضغط نفسي مزمن يلازم المريضة، ويجعل من صراعها مع المرض معركة نفسية لا تقل ضراوة عن الألم الجسدي.
غياب الدعم
ويؤكد مدير مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري في تعز عصام المحيا أن مركز الغسيل الكلوي بمستشفى الجمهوري، يُعدُّ منشأة خيرية تقدم خدماتها مجانًا لكافة المرضى، كاشفاً عن استمرار عمل المركز دون ميزانية تشغيلية حكومية منذ عام 2014 وحتى اليوم.
وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، أوضح المحيا أنه رغم الارتفاع المستمر في أعداد المرضى، إلا أن المركز ما يزال صامداً بفضل الله ثم بدعم فاعلي الخير، وأشار إلى أن غياب الميزانية التشغيلية يمثل التحدي الأكبر؛ إذ إن توفرها سيمكن المركز من تأمين المحاليل والأدوات الطبية، وصيانة المعدات الحالية، وتحديث الأجهزة المتهالكة التي انتهى عمرها الافتراضية.
وأضاف: “لقد نجحنا في الحصول على ستة أجهزة بدعم خيري، لكنها لا تزال غير كافية، حيث يمتلك المركز حالياً 23 جهازاً لا تفي بحجم الاحتياج الفعلي، ونحن بحاجة ماسة إلى عشرة أجهزة إضافية على الأقل لتغطية العجز”.
من جانبه شدد مسؤول مركز الكلى الصناعية بمستشفى الشحر العام في محافظة حضرموت، علي بامؤمن، على غياب أي دعم رسمي للمركز، مؤكداً أن استمرارية الخدمة تعتمد كلياً على مبادرات فاعلين الخير.
وأعرب بامؤمن لـ “ريف اليمن” عن مخاوف حقيقية من توقف الخدمات الطبية نتيجة انقطاع جزء كبير من الدعم بنهاية عام 2024، مشيراً إلى أن إدارة المركز تبذل جهوداً استثنائية لتوفير الاحتياجات الأساسية لضمان عدم حرمان المرضى من الرعاية الصحية الضرورية.
أزمة مستمرة
يؤكد الباحث الاقتصادي نبيل الشرعبي أن معاناة مرضى الفشل الكلوي في اليمن لا تزال تراوح مكانها، في ظل الندرة الحادة لمراكز الغسيل، لا سيما في المناطق الريفية، خاصة مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية، مما يضطر سكان الأرياف إلى تحمل تكاليف سفر باهظة للوصول إلى المدن، وهي أعباء تفوق قدراتهم المعيشية، ودفعت بكثيرين منهم إلى بيع ممتلكاتهم أو الغرق في ديون لا تنتهي.
ويرى الشرعبي أن تداعيات الحرب أسهمت في تعقيد عملية التنقل وزيادة مخاطرها وتكاليفها، سواء بين المحافظات أو داخل المدن ذاتها، وقد ترافق ذلك مع تراجع ملحوظ في المساعدات الإنسانية؛ مما أدى إلى انعكاسات كارثية؛ أولها على المستوى المعيشي للمرضى، وثانيها على الاستقرار الأسري، حيث اضطر الكثير من المرضى إلى حرمان أبنائهم من التعليم لعدم القدرة على تحمل التكاليف.
ويشدد الشرعبي لـ “ريف اليمن” على أن الحل يكمن في افتتاح مراكز غسيل كلى ريفية مجهزة بالكامل تقدم خدماتها مجانًا؛ إذ من شأن هذه الخطوة أن تخفف عبء السفر، وتعزز الاستقرار الأسري، وتتيح للأسر توجيه مواردها المحدودة نحو التعليم والتحسين المعيشي، كما أشار إلى أن هذه المعاناة تتضاعف لدى النساء الريفيات، خاصة من يعشن بمفردهن أو يعلن أنفسهن.
من جانبه أكد عصام المحيا، أن مرضى الريف هم الفئة الأكثر احتياجا للسكن المجاني ووسائل المواصلات الآمنة، إلى جانب الدعم المادي والنفسي، وأكد في حديثه لـ “ريف اليمن” أن المريضات بحاجة ماسة إلى برامج التثقيف الصحي والإرشاد المستمر، بما يسهم في تحسين جودة حياتهن وتعزيز قدرتهن على التعايش مع المرض في ظل الظروف القاسية.
وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بلغ عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن نحو 4,400 مصاب، فيما وصلت نسبة الوفيات منذ عام 2015 إلى ما يقارب 25% من إجمالي الحالات.
كما أسهمت الحرب في إغلاق العديد من مراكز غسيل الكلى، التي يبلغ عددها 32 مركزًا موزعة على عدة محافظات يمنية، الأمر الذي زاد من العبء على المراكز التي لا تزال تعمل، وفاقم معاناة الكثير من مرضى الفشل الكلوي.