الخميس, مارس 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن
الرئيسية بلوق الصفحة 3

‹طبل السحور› ذكريات رمضان في الريف اليمني

لم يكن الطبل الذي يصدح في ليالي رمضان في الريف اليمني مجرد وسيلة لإيقاظ الناس للسحور، بل كان جزءا من طقوس اجتماعية أصيلة شكلت لسنوات طويلة أحد أبرز ملامح الحياة الرمضانية في القرى، فعلى إيقاع ضرباته كان السكان يستيقظون في توقيت واحد، ويتشاركون لحظة السحور في أجواء يملؤها الأنس والتكافل.

هذا الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة واندثر تدريجيا مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا الحديثة، ليبقى حاضرا فقط في ذاكرة الكبار الذين ما زالوا يستعيدون تلك الأيام بحنين واضح.

الحنين إلى زمن الطبل

يقول “عبدالله أمين (68 عاما)” من قرى مديرية السياني بمحافظة إب إن اندثار بعض مظاهر الموروث الشعبي بات يهدد بفقدان جانب مهم من التراث اليمني، خاصة في الريف الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة بفعل انتشار التكنولوجيا.


مواضيع مقترحة


ويضيف أمين لـ”ريف اليمن”: “ارتبط صوت الطبل في ذاكرتنا منذ الطفولة بأوقات السحور في رمضان، حيث كنا ننتظر صوته في هدوء الليل لنستيقظ ونتناول السحور، كان رمزا للترابط الاجتماعي، وصوتا يمنح ليالي رمضان نكهة خاصة نفتقدها اليوم ونتمنى أن يعود”.

أما “ملوك أحمد (57 عاما)” من قرية نخلان بمحافظة إب، فتتذكر تلك الليالي الرمضانية التي كانت تمتلئ بالحياة والحركة، وكان صوت الطبل من أبرز مظاهرها.

وتتحسر ملوك على غيابه قائلة: “كان بالنسبة لي ولصديقاتي الصوت الجميل الذي كنا نترقبه كل ليلة، كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة، لكنها اليوم اختفت، ولم يعد لرمضان الطعم ذاته الذي كان في السابق”.

عادة ريفية مشتركة

لم تكن هذه العادة مقتصرة على منطقة بعينها، بل كانت حاضرة في معظم قرى الريف اليمني، ففي ريف محافظة البيضاء مثلا كان قرع الطبل ملازما لليالي السحور وجزءا أساسيا من طقوسه، حيث كان أحد أبناء القرية يجوب الطرقات ليلا لإيقاظ السكان.


الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا


وتشير “أم محمد البيضاني (45 عاما)” من قرية الصومعة بمحافظة البيضاء إلى أن هذه العادة كانت تعكس روح التعاون بين أبناء القرية، إذ كان بعض الجيران يتولى إيقاظ من لم يسمع صوت الطبل، في صورة من صور التضامن الاجتماعي التي ميّزت حياة الريف.

وتضيف أن والدتها كثيرا ما كانت تروي لهم قصصا عن تلك الأيام، وكيف كان صوت الطبل جزءا من تفاصيل الحياة الرمضانية اليومية، الأمر الذي جعل غيابه اليوم أكثر وضوحًا لدى من عاشوا تلك المرحلة.

وفي قرية الأبرق بمحافظة عمران، تستذكر “أم أسامة (60 عاما)” الرجل الذي كان يتولى مهمة قرع الطبل في ليالي رمضان، حيث كان يمر بيتًا بيتًا لإيقاظ الناس للسحور.

وتقول لـ”ريف اليمن”: “كان يجوب أزقة القرية ليلا لإيقاظ الناس للسحور، لكن بعد وفاته غابت معه هذه العادة، ومع غيابها فقد السحور نكهته التي اعتدنا عليها، كما فقد شهر رمضان كثيرا من حيويته وأنسه، فقد كان الناس يتسحرون في توقيت واحد، أما اليوم فأصبح لكل بيت طريقته الخاصة في الاستيقاظ للسحور”.

أما “محمد الإبي (65 عاما)” من قرى مديرية السياني، فقد كان من آخر من مارسوا هذه العادة، حيث ورث مهمة قرع الطبل عن والده، ويقول: “كنت أرافق والدي في قرع الطبل لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يسمعه أهل القرية ويستيقظوا للسحور”.

ويضيف الأبي لـ”ريف اليمن”: “لم نكن نتقاضى مقابلا ماديا، بل كنا نعتبرها أمانة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وكان شعورنا بالرضا كبيرا عندما نرى الناس يستيقظون بعد سماع صوت الطبل”، غير أن هذه العادة، بحسب الإبي، اختفت تدريجيا مع تغير نمط الحياة واعتماد الناس على المنبهات الحديثة.


ملوك: كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة


يرى الباحث في الموروث الشعبي “محمد الشهاري” أن قرع الطبل في رمضان، إلى جانب إطلاق المدفع في بعض المناطق، كان من التقاليد الاجتماعية المرتبطة بالحياة الرمضانية في اليمن.

ويقول لـ”ريف اليمن” إن هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف اليمني، حيث كانت التقاليد تنتقل بين الأجيال بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية.

ويشير الشهاري إلى أن التطور التكنولوجي وظهور وسائل التنبيه الحديثة مثل الهواتف المحمولة أسهما في تراجع هذه العادات، إلى جانب تغيّر أنماط الحياة وتراجع الاهتمام بالموروث الشعبي.

ويلفت إلى أن ضعف الاهتمام الرسمي بالحفاظ على التراث الشعبي، إضافة إلى تراجع دور الحكماء والعلماء في المجتمع الريفي، أسهم أيضا في اندثار كثير من التقاليد، داعيا إلى ضرورة إحياء هذا الموروث الشعبي، لأن اندثاره يؤدي إلى فجوة بين الأجيال ويضعف ارتباط الجيل الحاضر بجذوره الثقافية.

عادات رمضانية اندثرت

يستعيد الحاج “محمد الذيفاني (65 عاما)” من قرى مسور بمحافظة عمران جانبا من العادات الرمضانية التي كانت سائدة في الماضي. ويقول: “كنا نستقبل رمضان بإشعال الشعلة من الحطب فوق أسطح المنازل، ثم يجتمع أهل القرية في الساحة قبل مغرب أول يوم من الشهر للتهليل والترحيب بقدوم رمضان”.


الباحث الشهاري: هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف


ويضيف أن الأطفال والشباب كانوا يرددون أهازيج شعبية مثل:”يا رمضان يا بو الحماحم… وأدي لنا قرعه دراهم”، أما موعد ما قبل السحور بنصف ساعة، كان بعض الرجال يقرعون “المرافع”، وهي إحدى أدوات الطبول، لتنبيه الناس بقرب وقت السحور، فتبدأ النساء بإعداد وجبات تقليدية مثل الفطير والقرم مع السمن والحليب والعسل البلدي.

يتابع: “لذلك نحن كبار السن افتقدنا تلك العادات التي اندثرت مع تغيّر الزمن ودخول وسائل حديثة أفقدت رمضان كثيرًا من نكهته وموروثه الشعبي، رغم أنها كانت عنوانًا لترابط المجتمع وتاريخه العريق”.

من جهته، يرى الشاب “ريان المليكي (22 عامًا)” أن قرع الطبل وغيره من العادات الرمضانية القديمة يمثل جزءًا من ذاكرة الجيل السابق، ويقول إن جدته كثيرا ما تحكي لهم عن تلك الأيام وتتحسر على غيابها.

وأشار إلى أن تلك العادات كانت تمنح رمضان أجواء روحانية واجتماعية مختلفة، مضيفا أن لكل زمن عاداته ونكهته الخاصة، غير أن غياب قرع الطبل من ليالي الريف اليمني ترك أثرا في ذاكرة الكبار، الذين يرون فيه رمزا لمرحلة كانت أكثر ترابطا وألفة.

*صورة الغلاف مولدة بالذكاء الاصطناعي

اللغة السقطرية.. إرث لغوي عريق يواجه تحديات البقاء

باللغة السقطرية يقال: “شلاه من مارس شام دمثل دسقطري”، وتعني بالعربية “الثالث من مارس”، وهو اليوم الذي يحييه سكان أرخبيل سقطرى احتفاء بلغتهم الخاصة المسماة “اللغة السقطرية”، والذي يترافق مع فقرات ثقافية وفنية وفلكلورية متنوعة تجسد عمق الثقافة السقطرية وتاريخها العريق، وتعيد تسليط الضوء على واحدة من أقدم اللغات اللغة شفهية سامية في المنطقة.

وتعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق، ولها قواعدها الخاصة وتراثها الشعري والفلكلوري الغني الذي يجسد هوية سكان الأرخبيل، كما تتميز بخصائص لغوية فريدة من بينها ما يعرف بـ”الشين الجانبية” و”السين الثالثة”، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين.

يقول مدير عام مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث، وأستاذ الدراسات السامية والشرقية، الدكتور “نوح العليمي” إن إحياء يوم اللغة السقطرية يعد إحياءً للممارسات الحياتية المرتبطة بها، لافتا إلى أن المركز سيحيي هذه المناسبة بفعاليات مختلفة تستمر من الثالث إلى الثامن من شهر مارس الحالي برعاية السلطة المحلية وتحت إشراف مكتب الثقافة في الأرخبيل.


مواضيع مقترحة


يضيف العليمي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن الفعاليات ستتضمن فلكورا شعبيا سقطريا وأمسيات شعرية وأدبية وفنية متنوعة، منها فنون (هدانة، صمهر، قانونة وغيرها من الفنون السقطرية)، إضافة إلى فعاليات مفتوحة ومحاضرات وندوات للتعريف بهذه اللغة وشرح قواعدها وأسسها وخصائصها.

لغة شفهية

ويؤكد الباحث في التراث والتاريخ السقطري، ومدير مؤسسة سقطرى للتراث، الدكتور “أحمد الرميلي”، أن اللغة السقطرية لغة شفهية غير مكتوبة في الوقت الراهن، وهي اللغة الأصلية الرئيسية لسكان جزيرة سقطرى.

ويضيف الرميلي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن اللغة السقطرية تنتمي إلى عائلة اللغات السامية التي تضم أيضًا لغات حية مثل العربية الفصحى، والعبرية، والمهرية، والشحرية، إلى جانب لغات منقرضة كالعربية الجنوبية القديمة، والآرامية، والسريانية وغيرها.

من جانبه، يرى الناشط الإعلامي في سقطرى “محمد بن طعري” أن تخصيص يوم للاحتفاء باللغة السقطرية يعكس مكانتها الثقافية العميقة، ويجسد الهوية المتجذرة في وجدان المجتمع السقطري.

اللغة السقطرية.. إرث لغوي عريق يواجه تحديات البقاء
من فعاليات الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية الذي سيستمر حتى الـ8 من مارس الجاري

ويشير بن طعري في حديثه لـ”ريف اليمن” إلى أن اللغة السقطرية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء حي للهوية والتاريخ والتراث الشفهي؛ ففي مفرداتها تختبئ حكايات الأجداد، والأمثال الشعبية، والأهازيج البحرية، وقصائد الشعر السقطري القديم التي توثق علاقة الإنسان بأرضه وبالبحر والجبل والصحراء، ما يمنحها قيمة علمية وثقافية كبيرة.

سمات وخصائص

يوضح الرميلي أن من أبرز خصائص اللغة السقطرية وجود أحرف لا تتوافر في كثير من اللغات السامية الأخرى، من بينها حرف “الشين الجانبية” أو ما يسمى “السين الثالثة”، وكذلك “اللام الجانبية”، إضافة إلى خصائص صوتية معقدة يصعب على غير أبناء سقطرى إتقانها.

ويشير إلى أن اللغة السقطرية تعد من أقدم اللغات السامية، بدليل احتفاظها بظواهر لغوية اندثرت في لغات سامية أخرى، ما يعزز أهميتها من الناحية التاريخية واللسانية.

بدوره، يقول الطالب في جامعة أرخبيل سقطرى “سيف السيوفي” إن اللغة السقطرية هي اللغة المتداولة بين أبناء سقطرى أنفسهم، ولها لهجات وتنوعات نطقية تختلف من منطقة إلى أخرى.

ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن مخارج الحروف في المناطق الشرقية من الأرخبيل تختلف عنها في المناطق الغربية، مشيرا إلى قدم اللغة وأصالة ألفاظها.


تعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق ولها قواعدها الخاصة


ويبين السيوفي أن اللغة السقطرية لا تتضمن في بنيتها الأصلية مفردات حديثة أفرزها تطور العصر، مثل السيارة أو بعض المصطلحات المعاصرة، إذ لا توجد لها مقابلات تقليدية في اللغة، لكنها تستخدم يوميًا ضمن سياق تواصلي يجمع بين السقطرية والعربية.

كما يشير إلى أن التعايش والاندماج مع القادمين إلى سقطرى من محافظات أخرى فرض على أبناء الأرخبيل استخدام اللغة العربية، خصوصًا في عاصمة الأرخبيل (حديبو)، إلا أن اللغة السقطرية ما تزال تحافظ على حضورها القوي في القرى والأرياف.

مواجهة الاندثار

يتحدث سكان أرخبيل سقطرى باللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للبلاد، إلى جانب استخدامهم اللغة السقطرية كلغة تواصل فيما بينهم، وكلتا اللغتين حاضرتان في الحياة اليومية، بحسب العليمي.

ويضيف أن الجيل الحاضر أقل ممارسة لهذه اللغة مقارنة بالأجيال السابقة، ويرجع ذلك إلى التطور التقني والتكنولوجي، فضلا عن اندماج الشباب مع من لا يتحدث السقطرية، ما يضطرهم إلى استخدام العربية في كثير من الأحيان.

ويؤكد العليمي أن مركز اللغة السقطرية أنشئ بهدف حفظ اللغة وضمان استمراريتها للأجيال القادمة، مع العمل على مواكبتها للتطورات العصرية الحاصلة، ويشير إلى أن هذه اللغة متوارثة عن الآباء والأجداد إلى جانب اللغة العربية التي ترتبط بالقرآن الكريم والعلم والدين والمعرفة.

ويلفت إلى إلى أن ما يتخوف منه السقطريون على لغتهم هو الضعف والهوان والاندثار، خصوصًا بعد ظهور جيل جديد لم تعد تهمه الهوية والخصوصية التي تتميز بها هذه اللغة.

ويرى الناشط الإعلامي محمد بن طعري أن الحفاظ على اللغة السقطرية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، ويمكن تعزيزها عبر تشجيع استخدامها في المنازل وبين أفراد الأسرة، وتوثيق القصص والأشعار والأمثال كتابةً وتسجيلًا صوتيا، وإدراجها ضمن الأنشطة المدرسية والفعاليات الثقافية، ودعم المبادرات الإعلامية التي تقدم محتوى باللغة السقطرية، وتنظيم مسابقات وبرامج شبابية تعزز حضورها بين الأجيال الجديدة.

اللغة السقطرية.. إرث لغوي عريق يواجه تحديات البقاء

ويشير إلى تأثير التعليم الرسمي باللغة العربية ووسائل الإعلام الحديثة على مستوى تداول اللغة السقطرية، حيث أدى ذلك إلى تراجع نسبي في استخدامها لدى بعض فئات الشباب، لا سيما في المدن، ومع ذلك، يبرز وعي متزايد بين أبناء الجيل الحالي بأهمية الحفاظ عليها، ويتجلى ذلك في تنامي الاهتمام بإحياء التراث والاحتفاء بيوم اللغة السقطرية سنويًا.

يواصل مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث جهوده للحفاظ على هذه اللغة العريقة، لتظل شاهدة على هوية السقطريين وجذورها الحميرية، ولتستمر أجيال الجزيرة في التحدث بلغة تحمل عمق التاريخ وحكمة الأجداد، وتختزن في مفرداتها تفاصيل البحر والجبل والرياح والمواسم والنبات والإنسان.

يؤكد الرميلي أن صمود اللغة السقطرية حتى اليوم يعود إلى حب أبناء سقطرى لها، باعتبارها رمز هويتهم وثقافتهم وتاريخهم وتراثهم، فهي لغة راسخة ذات جذور ممتدة في تاريخ الجزيرة منذ آلاف السنين.

وكان رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر قد وجه في 7 أكتوبر 2017 وزارة الثقافة بإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، بهدف توثيق الكلمات واللسان السقطري كتابة ونطقا، والبحث عما كتب باللغة العربية أو اللغات الأجنبية عن الموروث الثقافي والبيئي لأرخبيل سقطرى، بما يسهم في صون هذا الإرث اللغوي والحضاري للأجيال القادمة.

القهوة اليمنية بمهرجان ثقافي للمغتربين في ماليزيا

القهوة اليمنية بمهرجان ثقافي للمغتربين في ماليزيا

بالتزامن مع احتفالات اليمنيين بيوم القهوة اليمنية، اختتمت في العاصمة الماليزية كوالالمبور مساء الثلاثاء فعاليات مهرجان البن اليمني 2026، والذي استمر من 12 فبراير وحتى 4مارس، مسجلاً حضوراً ثقافياً وتراثياً يربط المغترب اليمني بجذور أرضه المعطاءة.

وقال الدكتور “فيصل علي”، رئيس ومؤسس مؤسسة يمنيون الثقافية إن المهرجان سعى لخلق عادات ثقافية مستمرة لدى اليمنيين في الخارج، وربطهم بأرضهم عبر منتج يمني له حضور عالمي.

وأشار في تصريح لـ”ريف اليمن”، إلى أن اسم «موكا» المرتبط بمدينة المخا، ونوع البن أربيكا ‹Arabica› ارتبط تاريخيًا بالفضاء العربي الذي خرجت منه زراعة البن، واليمن هي قلب هذا التاريخ”.

القهوة اليمنية بمهرجان ثقافي للمغتربين في ماليزيا
عرض كرنفالي للجالية اليمنية في ماليزيا بمناسبة يوم القهوة اليمنية

وحول تفاعل الشعب الماليزي عن مذاق القهوة اليمنية، قال فيصل إنهم تفاجئوا بتوازنها ونكهتها المركبة ووضوح طابعها الجبلي، وسمعنا ملاحظات متكررة عن اختلافها عن القهوة التجارية السريعة، وعن طابعها اليدوي غير الصناعي.

وأكد أن اهتمام الزوار بمعرفة مصدر الحبوب والمنطقة الزراعية، مؤشر اهتمام حقيقي وليس مجرد تجربة عابرة، مضيفاً أن الرسالة التي أراد المهرجان إيصالها هي “العالم اليوم يعرف اليمن عبر صور الصراع وتهديد الملاحة والتدخلات الإقليمية، ونحن نعمل على إعادة تقديم اليمن بوصفه أرض تجارة وثقافة وقهوة، ونتطلع إلى استقرار يعيد له مكانته الطبيعية”.القهوة اليمنية بمهرجان ثقافي للمغتربين في ماليزيا

رجل وامرأة من ماليزيا يتذوقون القهوة اليمنية في مهرجان ثقافي للجالية اليمنيةمن جانبه، أكد سفير اليمن في ماليزيا الدكتور عادل باحميد، أن القهوة اليمنية تمثل أحد أبرز المعالم الثقافية المرتبطة بتاريخ اليمن وحضارته، وأن الاحتفاء بها يحمل دلالة وطنية تتصل مباشرة بالهوية اليمنية المتجذرة.

وأشار خلال الحفل الذي أقيم في كوالالمبور ، إلى الدور التاريخي لميناء المخا في نقل هذه الثقافة إلى العالم.

وتنوعت الفعاليات والأنشطة الثقافية المصاحبة للمهرجان بين التعريف بزراعة البن، وعرض للحلويات اليمنية، ومنقوشات وخزفيات، وأزياء تقليدية.

كما شهد عروض رقص شعبي، وبروشورات وكتيبات تحمل سردية القهوة اليمنية باللغتين العربية والإنجليزية، وكتيب «فنجان حَيْسي».

شجرة الضباية.. ما أهميتها للنحل؟

شجرة الضباية.. ما أهميتها للنحل؟

تُعد شجرة الضباية من أبرز الأشجار الرحيقية في اليمن، إذ يعتمد عليها كثير من النحالين كمصدر رئيسي لإنتاج العسل خلال الموسم الشتوي.

وتنتشر هذه الشجرة في معظم المناطق البلاد، خصوصاً في البيئات الجافة وشبه الجافة، حيث تتميز بقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية القاسية، ما يجعلها مرعىً مهماً للنحل في فترات يقل فيها توفر الأزهار الأخرى.

يهدف هذا الدليل الإرشادي الذي أعده الخبير محمد الحزمي لمنصة ريف اليمن، بناءً على محاضرات عايش الأهدل، إلى تقديم معلومات مبسطة للنحالين حول خصائص شجرة الضباية، وصفات عسلها، وسلوك النحل خلال موسمها، إضافةً إلى أهم الخطوات الفنية لإدارة المنحل بعد انتهاء الموسم.

خصائص شجرة الضباية

تتميز شجرة الضباية بعدد من الخصائص التي تجعلها من أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن، من أبرزها:
– شجرة معمّرة قد يصل ارتفاعها إلى نحو خمسة أمتار.
– تتحمل درجات الحرارة المرتفعة والبرودة نسبياً.
– قادرة على النمو في بيئات متعددة والتكيف مع الظروف القاسية.
– تُعد شجرة رحيقية قوية الجذب للنحل.
– أزهارها ذات رائحة عطرية مميزة تجذب النحل من مسافات بعيدة.
– تُعد غالباً مرعىً أحادي الزهرة في المناطق التي تنتشر فيها بكثافة، إذ يعتمد النحل على أزهارها كمصدر رئيسي للرحيق.

موعد الإزهار

يبدأ موسم إزهار شجرة الضباية عادة من منتصف شهر نوفمبر ويستمر حتى شهر مارس تقريباً، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً للرحيق خلال فصل الشتاء، ومع ذلك، قد تتأثر أزهار الضباية ببعض العوامل الجوية مثل:
– الغبار الشديد.
– الأمطار الغزيرة.
إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تلف الأزهار أو ضعف إفراز الرحيق، مما ينعكس سلباً على كمية العسل المنتج.

خصائص عسل الضباية

يُعد عسل الضباية من الأعسال ذات الجودة العالية، ويمكن التعرف عليه من خلال عدد من الصفات المميزة:
– يكون لونه عند الفرز مائياً شفافاً وخفيف القوام يشبه الزيت.
– يتميز بسرعة الجريان بسبب انخفاض لزوجته في البداية.
– عند حفظه لفترة طويلة وفي درجات حرارة منخفضة يتحول إلى عسل أبيض متبلور عالي الكثافة.
– تبلوره أمر طبيعي ولا يدل على وجود أي غش، بل يُعد من خصائصه المعروفة.
تنبيه: يلاحظ النحالون أن النحل يُقبل على مرعى الضباية بشدة، وقد يترك مراعي أخرى عند وفرة أزهارها.

سلوك النحل خلال موسم الضباية

– يكون التحضين (تربية الحضنة) أخف نسبياً مقارنة ببعض المواسم الأخرى.
– يركز النحل نشاطه على جمع الرحيق بشكل مكثف طوال النهار.
– تمتلئ العيون السداسية بسرعة بسبب غزارة الرحيق.
– عند تزامن الضباية مع مراعي أخرى غالباً ما يفضلها النحل بسبب قوة رائحة أزهارها وجاذبيتها العالية.

إدارة المنحل بعد انتهاء موسم الضباية

تمثل مرحلة ما بعد انتهاء الموسم خطوة حساسة في إدارة المنحل، إذ قد يؤدي أي خطأ في هذه المرحلة إلى خسارة جزء من العسل أو إضعاف الطوائف.

الإجراءات الموصى بها
– إجراء فرز جائر للعسل مباشرة بعد انتهاء الموسم.
– في حال وجود حضنة داخل العاسلات، يتم قطع الجزء المحتوي على الحضنة ثم تعتيبه وإعادته للطائفة.
– تقديم تغذية سكرية مركزة لتعويض الطوائف بعد القطف بنسبة تقريبية: (1 سكر : 1.5 ماء).
– يفضل البدء بعملية القطف قبل غروب الشمس لتقليل السروح واحتمالات السرقة بين الخلايا.
– تقديم تغذية بروتينية عند الحاجة لدعم بناء الطائفة استعداداً للموسم القادم.

شجرة الضباية.. ما أهميتها للنحل؟

تنبيه مهم للنحالين

في حال عدم إجراء الفرز الجائر لعسل الضباية ثم نقل الخلايا مباشرة إلى مراعي أخرى، فقد تحدث عدة مشكلات داخل المنحل، منها:
– انشغال النحل بحراسة الخلية بدلاً من جمع الرحيق.
– زيادة احتمالية السرقة من المناحل المجاورة.
– اختلاط الروائح بين المراعي المختلفة، مما يؤثر على نقاء العسل في الموسم التالي.

تنبيه: يُنصح دائماً بإنهاء الموسم بشكل كامل عبر الفرز والتغذية قبل نقل الخلايا إلى أي مرعى جديد.

توصيات إضافية للنحالين

لضمان نجاح الموسم والحفاظ على قوة الطوائف وجودة العسل، يُنصح بما يلي:
– إجراء فرز جائر ومنظم بعد انتهاء موسم الضباية.
– تعويض الطوائف بتغذية سكرية مركزة عند الحاجة.
– توفير تغذية بروتينية لدعم بناء الطائفة واستعدادها للموسم المقبل.
– اختيار مواقع مناسبة للمناحل قريبة من مراعي الضباية مع توفر مصدر مياه نظيف.

مما سبق، يمكننا القول إن شجرة الضباية تمثل أحد أهم المراعي الرحيقية للنحل في اليمن خلال فصل الشتاء، لما توفره من مصدر غني للرحيق يسهم في إنتاج عسل ذي جودة مميزة، كما أن حسن إدارة المنحل خلال موسمها وبعد انتهائه يُعد عاملاً أساسياً في الحفاظ على قوة الطوائف وضمان استمرار الإنتاج في المواسم اللاحقة.

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية

تتميز جزيرة سقطرى بجمال مهيب وسكون لافت يمنح الزائر شعوراً وكأنه عاد إلى عصور ما قبل التاريخ. وبموقعها الفريد الذي يبعد نحو 240 كيلومتراً شرق القرن الأفريقي، تشكل الجزيرة عالماً مستقلاً بذاته، تختلف في تضاريسها الجغرافية وسماتها الثقافية تماماً عن اليابسة.

في عام 2026، لم تعد قيمة الوجهات السياحية تُقاس بمدى تطور بنيتها التحتية، بل بمدى صمود عزلتها وحفاظها على هويتها الفطرية، وفي قلب هذا التحول العالمي نحو السياحة التجريبية، يبرز أرخبيل سقطرى كطليعة لهذا المفهوم، وفق تقرير مجلة «Travel and Tour World».

وبحسب المجلة الأمريكية المتخصصة في مجال السياحة فإنه في الوقت الذي تئن فيه الوجهات السياحية التقليدية تحت وطأة السياحة المفرطة، تبرز سقطرى كخيار مثالي للباحثين عن ملاذ حقيقي، واستراحة عميقة من صخب الحياة الرقمية، وسط مناظر طبيعية بكر حافظت على نقائها لآلاف السنين.


مواضيع مقترحة


تنوع بيولوجي فريد

تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد، حيث يشير الباحثون البيئيون إلى أن ما يقرب من ثلث نباتات الجزيرة مستوطنة، مما يعني أن هذه الأنواع لا توجد في أي بقعة أخرى على وجه الأرض.

ومن أبرز تجليات العزلة البيئية هي شجرة شجرة دم الأخوين، وتنتشر هذه الأشجار الشامخة بتيجانها التي تشبه المظلات فوق هضبة “ديكسام”، مشكلةً لوحةً طبيعيةً خلابة تُصنف ضمن أجمل المشاهد الجيولوجية في العالم.

تاريخياً، كان الراتنج القرمزي الذي تفرزه هذه الأشجار العتيقة يُجمع لاستخدامه في الطب التقليدي وصناعة الأصباغ الحرفية. أما في المشهد السياحي المعاصر، فقد بات يُنظر إلى هذه الغابات من منظور الحفاظ البيئي والتوثيق الفوتوغرافي.

يشير تقرير المجلة إلى أن تجربة التجول في البساتين غالباً ما تُوصف بأنها تجربة مُلهمة؛ إذ تُعد الأشجار بمثابة أحافير حية لعصر نباتي اندثر منذ أمد بعيد في بقاع العالم الأخرى، حيث أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، وهو تصنيف لا يزال يوجه التدابير الوقائية الصارمة المطبقة لحماية الإرث الطبيعي حتى اليوم.

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية
سكان محليون يتجولون في أحد شواطئ سقطرى الرملية البيضاء مع مجموعة من السياح إبريل/ نيسان 2025 (إن بي سي)

سحر السواحل

بينما تهيمن القمم الوعرة والنباتات العتيقة على قلب الجزيرة، يتفرد ساحل سقطرى بجمال طبيعي بكر يقدم تضاداً مذهلاً مع المفاهيم التقليدية للمنتجعات التجارية في “المالديف” أو “سيشل”. ففي شاطئ “عرهر”، تشكل الرياح الموسمية كثباناً رملية بيضاء ناصعة تتكئ على منحدرات جيرية شاهقة، لترسم حداً بصرياً فارقاً بين امتداد الصحراء وزرقة البحر.

كما لا تقل النظم البيئية البحرية المحيطة بهذه الشواطئ روعة؛ إذ تكتنز شعابها المرجانية أنواعاً نادرة من الأسماك، مقدمةً تجربة استثنائية لمن يفضلون متعة الاكتشاف على رفاهية المنتجعات. فهذه المناطق الساحلية ليست محاطة بممرات أسمنتية أو فنادق فاخرة، بل ظلت محفوظة في حالتها الفطرية، مما يمنح الزائر سكينة نادرة الوجود في القرن الحادي والعشرين.

وفي عام 2026، يتجلى التحول العالمي نحو “السياحة التجريبية والمستدامة”، حيث أُعيد صياغة مفهوم السفر ليُعلي من قيمة “الأثر الإيجابي” على حساب “الاستهلاك المفرط”. وتجسد سقطرى هذا النموذج بأبهى صوره؛ إذ صُممت بنيتها التحتية لتعزيز السفر القائم على المعايشة بدلاً من الاستجمام السلبي. وتبرز في مقدمة الأنشطة التي يفضلها المسافر المعاصر رحلات المسير الجبلي عبر “جبال هجير”، حيث تلامس القمم الجرانيتية السحاب، والتخييم تحت سماء تُصنف ضمن الأصفى والأكثر لؤلؤاً بالنجوم على وجه الأرض.

كما تُعد أنظمة الكهوف في الجزيرة، ولا سيما كهف حوق، وجهة مثالية لعشاق الجيولوجيا والآثار؛ ففي أعماقه الممتدة لكيلومترات بين الصواعد والهوابط، توجد نقوش قديمة تروي فصولاً من التاريخ البحري للمحيط الهندي. وتُدار التجارب وفق نموذج صارم للسياحة البيئية يضع “التوازن الفطري” في المقام الأول؛ فمن خلال اعتماد رحلات السفاري بسيارات الدفع الرباعي والتخييم البيئي بدلاً من المنشآت الخرسانية الدائمة، تُصان سلامة هذه المناظر الطبيعية للأجيال القادمة.

أرخبيل سقطرى: التنوع الحيوي الفريد بمواجهة الصدمات المناخية
تتجلى الأهمية العالمية لجزيرة سقطرى من خلال تنوعها البيولوجي الفريد

تحديات المناخ

تواجه جزيرة سقطرى أزمة مناخية متصاعدة تهدد تنوعها الحيوي، وسبل عيش مجتمعات الرعاة، والأمن الغذائي في مختلف أرجاء الأرخبيل. فقد كشف تقييم حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن عامين متتاليين من الجفاف الشديد وضعا الثروة الحيوانية والمراعي الطبيعية تحت ضغط غير مسبوق.
ووفقاً لأحدث تحليلات “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، فإن تدهور مناطق الرعي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الماضي.

وفي ظل هشاشة أنظمتها البيئية واعتمادها الكلي على المراعي المطرية يجعلها عرضةً بشدة لتقلبات المناخ والصدمات البيئية. فمع غياب الهطول المطري الكافي، تآكلت مصادر الدخل والغذاء للمجتمعات الرعوية؛ حيث ذبلت الغطاءات النباتية وشحت موارد المياه، مما ضيق الخيارات المتاحة لإعالة القطيع، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي .

ومنذ عام 2023، تعيش الجزيرة حالة من الجفاف الاستثنائي، حيث انعدمت الأمطار تقريباً وتراجعت مواسم الفيضانات المغذية للخزانات الجوفية، مما حول مساحات شاسعة من المراعي إلى أراضٍ قاحلة. وقد أجبر هذا التدهور البيئي عشرات العائلات الرعوية على هجر قراها بحثاً عن الماء والكلأ، حيث تضطر الأسر لقطع مسافات مضنية يومياً لضمان بقاء مواشيها على قيد الحياة، مما فاقم من ضغوط الهجرة الداخلية وانعدام الاستقرار المعيشي.

وتحذر المنظمات الدولية من أن حتى المجتمعات المجهزة بخزانات تجميع مياه الأمطار باتت تعاني من استنزاف شبه كامل لمخزونها؛ إذ لا تصمد سعات التخزين الحالية أمام فترات الجفاف الممتدة.
وفي هذا الصدد، يشدد الخبراء على الحاجة الملحة لتوسيع نطاق البنية التحتية لحصاد المياه، وإعادة تأهيل المراعي المتضررة، كخطوات حاسمة لتحقيق استقرار سبل العيش وحماية النسيج الاجتماعي والرعوي للجزيرة.

وتواجه جزيرة سقطرى تهديدات متكررة تُنذر بتدهور نظامها البيئي الفريد؛ حيث تتفاقم التحديات جراء تزايد المخالفات البشرية، الأمر الذي جعلها مهددة بالإدراج ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).

‹ساروة›.. قرية بلا طريق في قمم جبال الضالع

يواجه سكان قرية ساروة في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع تحديات معيشية متعددة، إذ تفتقر القرية لأدنى الخدمات الأساسية، ويعيش السكان عزلة شبه تامة نتيجة غياب الطرق المعبدة الأمر الذي حول تفاصيل حياتهم اليومية إلى رحلة شاقة، تبدأ وتنتهي بتسلق الجبال الوعرة.

تبدو القرية، التي يقدر عدد سكانها بنحو أربعمائة نسمة، كما لو أنها تتكئ على كتف الجبل، ويعيش أهاليها منذ عقود في عزلة فرضتها التضاريس الجغرافية الوعرة، وكرّسها الإهمال الرسمي المتعاقب.

ويعتمد سكان القرية منذ عقود على مسار جبلي وعر وضيق، عمد الأجداد قديماً إلى شقه من الصخر بأدوات بدائية؛ رغبة منهم في الخلاص وكسر قيود العزلة، إلا أن هذا الطريق الوحيد، الذي يهبطون عبره نحو الوادي السالك في منتصف الجبل، ليس سوى ممر ضيق لا يتجاوز عرضه موضع القدم، محفوف بالمنحدرات السحيقة والانزلاقات الصخرية بالغة الخطورة.


مواضيع مقترحة


طريق العِرْق

تعد طريق القرية بوابة للحياة والموت معا، فهي المنفذ الوحيد والممر الأشد خطورة، ويطلق عليها الأهالي اسم “العِرْق”؛ نسبةً إلى جذور شجرة الأثب التي تمتد كمقابض طبيعية تُسهّل مهمة الصعود والنزول. وهو اسمٌ يستحضره الناس كأنه امتحانٌ يومي، أو معبر أسطوري لا يسلكه أحدٌ إلا وقلبه مشدودٌ ونفسه متوجسة.

وفي حديثهم لـ “ريف اليمن”، يصف الأهالي السير على جذوع الشجرة بأنه أشبه بالسير على صراط دقيق ممدود بين السماء والهاوية، حتى نسجت حوله المخيلة الشعبية حكايات تصفه بأنه “أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، وأسودُ من الليل”، حيث تصبح كل خطوة قدراً معلقاً بصاحبه.

يصف التربوي “حذيفة الساروي”، أحد سكان القرية، هذا الممر بكلمات تختزن الخوف والاعتياد معا: قائلا لـ “ريف اليمن”: “نعيش في قرية تحتضنها الجبال وتحاصرها الصخور الحادة ويغمرها ضباب الفجر البارد، محاصرين بلا سبيل سوى طريق ضيقة معلقة في منتصف الجبل، كأنها خيط رقيق على شفا هاوية سحيقة، حيث السهو لثانية واحدة قد يجعل حياتك رهينة للقدر”.

ويضيف حذيفة: “المأساة لا تتوقف عند ضيق الممر، بل في كون وسيلتنا الوحيدة هي جذع شجرة أثب ضخمة تضرب جذورها في الصخر ويتدلى رأسها في الفراغ. يتشبث بهذا الجذع الرجال والنساء والأطفال يوميا، فهي سبيلهم الوحيد الذي يربطهم بالعالم؛ وهي شريان حياة نعبره بأقدام مرتجفة وسواعد مثقلة بالمرضى والمؤن، لنمنح القرية يوماً إضافياً من البقاء”.

"ساروة"..قرية منسية في قمم الضالع
أحد المواطنين أثناء محاولته المرور في طريق قرية ساورة في الضالع جنوبي اليمن(ريف اليمن)

أما السبعيني “مسعد عايض”، الذي يهبط عبر هذا الجذع كل صباح محملا بأكياس القات والأعلاف، فتعد كلماته شهادة حية على التحدي والإرادة، إذ يقول لـ” ريف اليمن”: “نمشي عليه خطوة بخطوة والرياح تكاد تقتلعنا، لكن لا بديل أمامنا. نمضي كما يمضي الطير، ونوقن أن الله معنا”.

ضحايا ووعود حكومية

يروي “أحمد عايض”، عاقل القرية، مآسي سطرت بدموع الأهالي؛ عن أربعة ضحايا ابتلعهم العرق بصمت، وضاعت صرخاتهم في جوف الجبال، كان أحدهم خاله “سيف محسن أغا”، الذي رحل وهو يطمح لأن يجد الأهالي بعده ممراً آمناً يخلو من الفزع والرهبة، لتصبح قصته درساً تتناقله الأجيال؛ تحذيراً من غدر المسار، وخشية من تكرار الفقد.

وأوضح عايض لـ “ريف اليمن” أن الكثير من السكان تعرضوا لكسور ورضوض جسيمة، تروي القرية حكاياتهم كأنها صافرة إنذار دائمة، ورغم الخوف الذي يسكن الصدور، لا يملك الأهالي خياراً سوى العبور، فالحياة بالنسبة لهم ليست طريقاً معبداً، بل هي جذع شجرة ضيق، يقابله صبرٌ واسع وأملٌ لا ينقطع.

وعن الدور الحكومي، أكد أن محافظ المحافظة زار المنطقة واستمعت الجهات المختصة للمطالب، حيث أُحيلت دراسات أولية لتركيب سلم حديدي كبديل للممرات الهشة والمفتوحة، إلا أن المشروع اصطدم بعائق عملي بحت؛ إذ إن تكاليف نقل المواد وتركيبها في تلك التضاريس الجبلية الوعرة تفوق قدرة السكان المادية، في ظل شح الإمكانيات وضعف مصادر الدخل التي لا تكاد تقيهم شظف العيش ومرارة الحرمان.

معاناة مضاعفة

يشير حذيفة الساروي إلى جانب آخر من المعاناة يتجاوز خطورة الممر الجبلي؛ وهو الطريق المتهالك الذي يربط القرية بمحافظة إب فمن يرغب في الذهاب إلى المستشفى أو شراء الاحتياجات الأساسية، يواجه عبئاً مادياً باهظاً؛ إذ تصل كلفة النقل إلى ثلاثين ألف ريال بحد أدنى، وقد ترتفع إلى أربعين ألفاً في حال استئجار وسيلة نقل خاصة “إنجيز”.


توفي 4 أشخاص من القرية نتيجة حوادث في الطريق الوعرة تعرض الكثير من السكان لكسور وإصابات مختلفة


ويوضح لـ “ريف اليمن”، أن المأساة تكمن في الارتهان للمواعيد، فمن يتأخر عن موعد الرحلة الأسبوعية، يضطر للانتظار يوماً كاملاً أو حتى نهاية الأسبوع، فالسائقون يتوقفون عن العمل يوم الجمعة، بينما “المرض لا يعرف العطلات”، كما يقول بمرارة.

تتفاقم المعاناة مع حلول موسم الأمطار، حيث تتحول الطريق إلى فخ من الصخور المتساقطة، مما يؤدي لانقطاعها لأيام أو أسابيع، بل قد يصل الأمر لشهور؛ كما حدث قبل عامين حين ظلت الطريق مقطوعة لعام كامل، في تلك الفترات، تتحول القرية إلى سجنٍ كبير، ويصبح المرضى سجناء أوجاعهم، والمحتاجون رهائن لعزلةٍ قسرية تفرضها قسوة الطبيعة وغياب الاهتمام.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية، والموارد، والتعليم، وفرص العمل، والإمدادات الغذائية.

الأطفال والتعليم المؤجل

قبل أشهر بدأ مشروع بناء فصول دراسية بجهود مجتمعية، فبشّر الأهالي أطفالهم بأن زمن الخطر قد شارف على الانتهاء، وأن عهد المسافات الطويلة لن يعود. إلا أن المشروع تعثر فجأة، لتبقى الجدران نصف مكتملة، تشبه ركناً من حلمٍ مبتور سقط كحجرٍ آخر من أعلى الجبل.

"ساروة"..قرية منسية في قمم الضالع
توفي أربعة من سكان القرية نتيجة سقوطهم في هذا الطريق في حين تعرض آخرون لكسور (ريف اليمن)

ونتيجة لذلك، لا يزال الأطفال يقطعون مسافات شاقة في الطرق الوعرة ذاتها التي يخشاها الكبار؛ يتحدون برد الفجر القارس وصخور الصيف المتساقطة، في مشهد يملأ قلوب الأهالي حزناً على فلذات أكبادهم.

ورغم قسوة الواقع المحيط بـ ساروة، تظل القرية أكثر من مجرد معاناة متراكمة؛ فهي بيئة زراعية حية، ورئة خضراء تمارس الزراعة بأصالةٍ موروثة. إذ يزرع أهلها القمح والحبوب والبقوليات بأساليب تقليدية ما زالت محفوظة في ذاكرة الكبار، وتُلقّن للصغار كجزء من هوية تأبى الاندثار.

ويتمسك السكان بالأرض كتمسكهم بالحياة، فلا يزال صوت المحراث يتردد في أوديتها، كأنه صدى لنبض القرية وذاكرتها الممتدة عبر السنين، مؤكداً أن إرادة البقاء في ساروة أقوى من عزلتها الجغرافية.

المهمشون في رمضان.. معاناة مستمرة وحرمان مضاعف

“رمضان شهر كريم، نستقبله مثل بقية الناس، لكنه يحل علينا ونحن لا نملك شيئا، ونعيش على باب الله؛ البعض يرحمنا، والبعض قلوبهم قاسية، ومع ذلك نعيش تحت أي ظرف فالحياة قسمة ونصيب”.

بهذه الكلمات تختصر حدة ربيع (37 عاما)”، وهي مواطنة من ذوي البشرة السمراء، واقعها مع حلول شهر رمضان، وتقول إن الشهر الذي ينتظره الناس للراحة والطمأنينة، يأتي على المهمشين محملا بأعباء إضافية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية ونقص في أبسط المواد الغذائية.

وتضيف لـ “ريف اليمن”: “الناس جميعا يرتاحون في رمضان، إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون”، وتوضح أنها تضطر أحيانا للعمل في البيوت بالأجر اليومي لتأمين احتياجات أسرتها، وتجمع ما تيسر من المال لشراء نصف كيس دقيق، وقليل من الأرز والسكر بالكيلو.


مواضيع مقترحة


تشير ربيع إلى أن بعض الأسر، خاصة من يمتلكون رواتب وإن كانت قليلة، قد تتمكن من ادخار مؤونة بسيطة، لكن الغالبية تعيش يومها بيومها، معتمدة على ما يجود به الآخرون، أو ما تتيحه فرص العمل المحدودة.

في ريف تعز، تسرد “فائزة (30 عاما)” جانبا آخر من معاناة الاستعداد لرمضان، وتقول إنها تبدأ مع أسرتها التحضير للشهر منذ رجب وشعبان، عبر استئجار قطعة أرض صغيرة لزراعة الكراث والبقل (الفجل)، على أمل حصادها وبيعها في الأسواق خلال رمضان.

“نعتمد على هذا الموسم لتغطية مصاريفنا”، تقول فائزة، موضحة أن العمل لا يتوقف طوال الشهر، وتشرح طبيعة يومها قائلة: “ننام خمس ساعات فقط، من بعد صلاة الفجر حتى قبل الظهر، ثم نذهب إلى السوق لتجهيز المفارش وبيع الخضروات حتى أذان المغرب”.

وتنوه أنها بعد الإفطار تعود لقطف الكراث وقلع البقل وغسله وتحضيره للبيع في اليوم التالي، وهكذا يمضي الشهر بين جهد متواصل وأمل محدود بعائد يسد جزءًا من الاحتياج.


فاطمة: وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل 


أما “محمد هادي (48 عاما)” من مدينة تعز فيرى أن الأوضاع قبل اندلاع الحرب في مارس 2015 كانت أكثر استقرارا، بفضل ثبات العملة وتوفر فرص العمل.

ويقول: “كنا نستطيع تغطية مصاريف الأسرة وشراء احتياجات رمضان، ومع الحرب انعدمت فرص العمل وازداد الفقر بين جميع الفئات، لكننا نحن المهمشين كنا الأكثر تضررًا”.

ويضيف هادي أن الفقر يلازمهم طوال العام، ويأتي رمضان ليضاعف التحديات، فيضطرون إلى التقشف الشديد والتخلي عن كثير من المتطلبات التي تعد أساسية لغيرهم.

في مخيم الجفينة بمحافظة مأرب، يتحدث “محمد سعيد (62 عاما)”، وهو نازح يعاني مرض القلب، عن معاناة مضاعفة، ويقول: “أعتمد في رمضان على ما تحصل عليه النساء والأطفال من الأسواق، يخرجون بعد الظهر حتى الليل بحثا عن الرزق؛ أحيانا يجدون شيئا، وأحيانا يعودون بلا شيء”. ويشير إلى أن المرض والعجز عن العمل جعلاه أكثر هشاشة أمام تقلبات الحياة.

أما سعاد، من مدينة تعز، فتقول إن رمضان بالنسبة لها موسم بحث يومي عن صدقات: “أخرج مع أطفالي الخمسة إلى الرصيف في شارع جمال من بعد الظهر حتى ساعات متأخرة من الليل”، مشيرة إلى أن “البعض يعطينا ألف ريال أو 200 ريال، والبعض يحتقرنا ويتلفظ بألفاظ مؤذية”.

وتضيف: “كل ما نحلم به هو شراء ملابس العيد لأطفالنا فنحن نقضي الشهر في الشوارع والأسواق تحت الشمس والبرد من أجل الحصول على زكاة الفطر، ونفطر أحيانا أمام المطاعم أو المساجد، ثم نعود إلى مكاننا على الرصيف”.


تشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات


من جانبه، يؤكد “عبد الرحمن محمد (27 عاما)” أن راتبه البالغ ستين ألف ريال لا يغطي حتى تكاليف المواصلات والمياه، ويقول: “نعمل ثلاث ورديات في رمضان كما في بقية الأشهر. البعض يعمل نهارا تحت الشمس وهو صائم، والبعض حتى وقت السحور في الشارع، دون وجبة إفطار أو سحور مضمونة أوضاعنا صعبة ولا نجد من يقدّر جهودنا”.

في السياق ذاته، تشير رئيسة مؤسسة رنين المستقبل الحقوقية “حنان النوبي”، إلى أن مخيمات النازحين في مأرب تضم أكبر تجمعات للمهمشين، موزعين على نحو 25 مخيمًا وتجمعًا سكنيا، مؤكدة أنهم يعانون ظروفا معيشية قاسية طوال العام، وتتفاقم في رمضان.

مساعدات غير منتظمة

توضح “فاطمة علي” أن وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل، كما أن السلال الغذائية التي تقدمها بعض المنظمات في بداية الشهر لا تكفي الأسر الكبيرة.

وتقول: “نطلق مناشدات مستمرة لفاعلي الخير والمنظمات لدعم النازحين، بعضهم يستجيب وآخرون يتغاضون، نحن لا نملك مالا ولا علاقات، وننتظر ما يصلنا من مساعدات، قليلًا كان أو كثيرا”.


ربيع: الناس يرتاحون في رمضان إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون


بدوره يقول “عبده سعيد”، القائم بأعمال رئيس الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا (المهمشين) – فرع تعز، إن أيام وليالي رمضان تمر على المهمشين بمرارة شديدة، رغم ما يتحلون به من صبر وقناعة.

ويضيف أنهم تواصلوا مع عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم هذه الفئة خلال رمضان، إلا أن بعضها اعتذر بسبب انقطاع التمويل، فيما وعد آخرون بتقديم المساعدة عند توفرها.

وتتضاعف معاناة المهمشين في رمضان نتيجة الفقر وشح الإمكانات وانخفاض الدخل الناتج عن الأعمال البسيطة التي يمارسونها، مثل النظافة، وحياكة الأحذية، وغسل السيارات، وبيع الخضروات.

وتشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات، يعيش كثير منهم على هامش المجتمع، ويواجهون في رمضان حرمانًا مضاعفًا بين قلة ذات اليد وثقل الاحتياجات.

‹ألعاب رمضان› إرث شعبي يروي حكاية الريف

“نبدأ أنا وأطفال القرية تجهيز ألعابنا منذ يوم الشعبانية لاستقبال شهر رمضان حتى يصل وقد أعددنا كل ألعابنا لوقت العصر وما بعد العشاء وصلاة التراويح”، هكذا استهل الطفل الريفي “مراد صامد (12 عاما)” حديثه عن ألعاب رمضان، وقد بدت على وجهه ملامح الفرح والسعادة.

وتعد الألعاب الرمضانية ذاكرة شعبية تعكس روح الاجتماع والفرح في المجتمع اليمني، حيث يشارك فيها الأطفال والكبار معا، بوصفها جزءا من الموروث الثقافي الغني للريف اليمني، الذي يمتاز بطقوسه الفريدة التي ارتبطت بالشهر الكريم وتحافظ على تقاليد الأجداد وتنقلها إلى الأجيال الجديدة.

يشرح الشاب الريفي “مهيوب الصبري” تفاصيل استقبال شهر رمضان في قريته، ويقول إن الأهالي يستقبلون الشهر الكريم بطقوس عفوية حيث تتزين الحارات بحركة الأطفال وضحكاتهم، وتتعالى أصوات الأناشيد بعد صلاة العشاء، فيما يتشارك الجميع، صغارا وكبارا، أوقات اللعب والسمر.


مواضيع مقترحة


يوضح الصبري لـ”ريف اليمن”، أن الأطفال والكبار يستعدون مبكرا عبر تجهيز ألعاب تقليدية مثل الدريهة، الضمنة، الكيرم، ولعبة الورق(البطة)، إلى جانب تعليق الحبال على الأشجار، وحمل الفوانيس، وترديد الأناشيد الرمضانية في الأحياء بعد صلاة العشاء.

وأشار الصبري إلى أن شهر شعبان يمثل موسم الانتظار والترقب لرمضان، حيث تتصاعد مشاعر الشوق يوما بعد آخر حتى حلول الشهر الكريم، الذي يمتلئ بالأنشطة الجماعية والسهرات الرمضانية واللعب المشترك بين الصغار والكبار.

‹ألعاب رمضان› إرث شعبي يروي حكاية الريف
أطفال يمارس لعبة الكيرم التي تُعد من أشهر الألعاب الشعبية في رمضان بريف اليمن (ريف اليمن)

ويلفت إلى أن الحرب أثرت على ملامح هذه الطقوس، وأضعفت مظاهر الفرح والاستعداد، إذ تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تراجع الألعاب الشعبية والعادات الرمضانية، وأصبح الأطفال يتحملون أعباء تفوق أعمارهم، مع زيادة أعداد الأيتام ومعيلي الأسر؛ ما انعكس سلبا على حقهم في الفرح واستقبال رمضان كما في السابق.

أبرز الألعاب الرمضانية:

فوانيس رمضان

تُعد الفوانيس من أبرز مظاهر استقبال هلال رمضان. ويقول مراد صامد إنه يحمل فانوسه المضيء يوميًا ويتجول بعد العشاء مع أصدقائه في الحارة من بيت إلى بيت، ثم يعودون لشراء الجعالة والبدء بلعبة الورق المعروفة بـ”البطة” حتى منتصف الليل.

لعبة الكيرم

تُعد من أشهر الألعاب الشعبية في رمضان، حيث يلعبها أربعة أشخاص على طاولة خاصة، ويتنافسون للفوز بالعجلات الملونة؛ فالعجلة الصفراء تُحسب عشرة ريالات، والسوداء خمسة ريالات، والحمراء خمسين ريالًا. وتُعتبر هذه اللعبة جزءًا من التراث الرمضاني في الريف اليمني، ويشارك فيها الصغار والكبار.

الدريهة (الأرجوحة)

تُعد من أبرز الطقوس التراثية في الريف اليمني، وترتبط بمواسم الفرحة كالحج أو استقبال رمضان. ويتم تجهيز الأرجوحة بتعليق الحبال على الأشجار القوية وربطها بإحكام لضمان السلامة، ويتأرجح عليها الأطفال والكبار ذهابًا وإيابًا وفق قدرتهم، وغالبًا ما يتم إعدادها قبل أيام من رمضان ليستمتع بها الجميع، بمن فيهم النساء والشباب، لقضاء وقت الصيام.

ريفيون يمارسون لعبة الورق المعروفة محليا بـ”البطة” وهي من الألعاب المرتبطة برمضان (ريف اليمن)

الدومينو أو (الضومنة)

تتكون من أحجار منقوشة بنقاط سوداء، ويشارك فيها أربعة لاعبين، وتمارس في الريف اليمني بعد مجالس الذكر أو في أوقات العصر والليل خلال رمضان، وتُعد جزءًا من الطقوس الاجتماعية التي تجمع بين المتعة وروح المشاركة، وهي أكثر شيوعًا بين كبار السن.

ذاكرة وهوية

تشكل هذه الألعاب فضاء اجتماعيا يلتقي فيه الفرح البسيط بالذاكرة الجماعية، وتتوارثه الأجيال ليصبح جزءا من هوية المكان وروحه الثقافية.

يؤكد الصحفي المهتم بالتراث الشعبي “فهمي الصبري” أن الألعاب الشعبية المرتبطة بشهر رمضان تمثل جزءا أصيلا من الذاكرة الثقافية، مشيرا إلى أن الأطفال يقبلون على شراء لعبة “البطة الورقية” قبل حلول الشهر، ويتشاركون اللعب بها مع أقرانهم والكبار.

وأضاف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن المراجيح تعد من أكثر الألعاب انتشارا بين مختلف الفئات العمرية، حيث يقضي الصائمون أوقاتهم على المراجيح المعلقة على الأشجار، بينما تمارس لعبة الضومنة بعد صلاة العشاء.

لعبة الدومينو (الضمنة )وتمارس في الريف اليمني بعد مجالس الذكر أو في أوقات العصر والليل (ريف اليمن)

كما أشار إلى أن الحكايات الشعبية التي ترويها الجدات للأطفال تمثل جانبا مهما من التراث الرمضاني، إذ يسردن القصص والحزايات التي تنمي خيال الأطفال وترسخ فيهم القيم الاجتماعية.

وشدد الصبري على أن هذه المظاهر ليست مجرد وسائل ترفيه، بل تعبر عن منظومة ثقافية متكاملة تعكس روح المجتمع وقيم التكافل والترابط بين الأجيال، داعيا إلى توثيق هذه الطقوس وإحيائها عبر الإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية، لضمان نقلها إلى الأجيال القادمة وحمايتها من الاندثار.

للنساء نصيب

لم تغب النساء عن هذه الطقوس، إذ تحتفظ نساء الريف اليمني في ليالي رمضان بألعاب شعبية توارثنها جيلا بعد جيل، أبرزها “الأكوار”، و”التباره” (الوقل)، و”الغماية” (الغميضة).

وتقول فاطمة محمد (50 عاما): “كنا ننظم أوقاتنا للعب بعناية؛ من صباح رمضان بالدريهة عبر تعليق الأحبال على الأشجار، إلى عصر التباره، ثم نبدأ بعد العشاء لعبة الغماية، وفي المساء نجتمع في البيت لأداء لعبة الكراكر، وهي ما تعرف بالأكوار في كثير من المناطق”.

وأوضحت أن لعبة الأكوار تعتمد على السرعة وخفة اليد، حيث تنثر خمس أحجار صغيرة على الأرض، وتقوم إحدى الفتيات بقذف حجر إلى الأعلى ثم تلتقط حجرا آخر قبل أن يعود الأول إلى يدها، مع تصعيد مستوى التحدي تدريجيا.

لعبة الوقل (التباره) تمارسها الفتيات خلال نهار رمضان في بعض الأرياف اليمنية (فيسبوك)

أما لعبة الوقل (التباره) فتقوم على رسم مربعات متلاصقة مرقمة على الأرض، تقفز خلالها اللاعبات على قدم واحدة وفق ترتيب الأرقام مع رمي حجر، دون ملامسة الخطوط الفاصلة. وفي ما يتعلق بالغماية، فهي لعبة يقوم فيها أحد اللاعبين بإغماض عينيه والعد حتى رقم معين، بينما يختبئ الآخرون، ومن يكتشف يخرج من اللعبة، أما من يصل إلى نقطة الأمان فيعد فائزا.

بدورها، قالت الصحفية المهتمة بالشؤون الاجتماعية “سامية الصامتي” إن الألعاب الشعبية في رمضان تمثل مساحة اجتماعية مهمة لإحياء الروابط بين أفراد المجتمع، خصوصا بين النساء والفتيات في الأحياء القديمة والأرياف اليمنية.

وأضافت لـ”ريف اليمن”، أن شهر رمضان يشكل فرصة لاستعادة الموروث الشعبي، حيث تعود الألعاب التقليدية للظهور في الساحات والحارات بعد صلاة التراويح، في أجواء يغلب عليها الطابع الأسري وروح المشاركة.

وأكدت أن هذه الألعاب تسهم في تعزيز قيم التعاون والصبر وروح الفريق، وتشكل بديلا صحيا عن الانشغال المفرط بالأجهزة الحديثة، مشيرة إلى أن الحفاظ عليها هو حفاظ على جزء من الهوية الثقافية المحلية، داعية إلى توثيقها وتنظيم فعاليات مجتمعية تضمن استمراريتها كجزء من الذاكرة الاجتماعية.

غابة المحجر: لوحة خضراء تعانق الضباب

غابة المحجر: لوحة خضراء تعانق الضباب

تقع غابة المحجر في عزلة القابل الأعلى بمديرية الشعر، محافظة إب، على سفح جبل قبلان، وعلى ارتفاع يزيد عن 2500 متر فوق مستوى سطح البحر، لتُعد واحدة من أبرز الوجهات الطبيعية في اليمن بما تتميز به من غطاء نباتي كثيف وأجواء باردة وهواء نقي يلفه الضباب معظم أيام العام.

تمتد الغابة على مساحة تتجاوز كيلومترين مربعين، وتغطيها الأشجار الحراجية والحشائش، وتتخللها جداول مياه موسمية تنشط مع هطول الأمطار. وتزدان بتنوع نباتي لافت، من أشجار العتم والأثل والشوحط والصبر، إلى النباتات العطرية الطبيعية كالزعتر والحضر، كما تحتضن عدداً من الطيور والحيوانات البرية، بينها طيور الحجل والقرود وبعض الجوارح.

وتشرف غابة المحجر من مرتفعاتها على وديان الخراف والمحرور والمعدات وعدن والدخلة، فيما تبدو للناظر قمم وجبال مديريات مجاورة مثل العود وجبال بعدان ويريم وعمار وقعطبة، في مشهد بانورامي يجمع بين المدرجات الزراعية الخضراء والقرى المعلقة على السفوح الصخرية.

ومع امتداد الطريق الإسفلتي المتصل بمركز المديرية عبر قرى ذي هرم والحرف، تزايد إقبال الزوار من مختلف العزل والمديريات المجاورة، حيث يقصدها الشباب والأسر للتنزه والتخييم والاستمتاع بهدوء المكان، ولا تزال مطالب محلية قائمة بإدراجها ضمن المحميات الطبيعية، حفاظاً على تنوعها البيئي وموقعها الفريد.

وفيما يلي تستعرض منصة ريف اليمن الصور التي وثقها مروان البعداني، والتي تعكس جانباً من جمال الغابة وتنوع تضاريسها وثراء غطائها النباتي.

غابة المحجر ليست مجرد مساحة خضراء، بل ذاكرة طبيعية نابضة في قلب إب الخضراء، وملاذ لكل من يبحث عن صفاء الجبل وسكينة الطبيعة بعيداً عن صخب المدن.

دليل نجاح مشروع تسمين الماشية

يُعد مشروع تسمين الماشية أحد أبرز مصادر الدخل للأسر الريفية، غير أن نجاحه لا يرتبط بكثرة العلف بقدر ما يعتمد على الإدارة الصحيحة والالتزام بالأسس الصحية والتغذوية السليمة.

في هذا الدليل الإرشادي الذي أعدّه الخبير المختص محمد الحزمي، تستعرض منصة ريف اليمن أهم الخطوات العملية التي تساعد المربي على تحسين معدلات النمو وتحقيق أفضل وزن بأقل تكلفة، استجابةً لأسئلة واستفسارات متعددة من المربين.

أهم الأسس لنجاح مشروع التسمين

مكافحة الطفيليات الداخلية والخارجية

– اعتماد برنامج تجريع دوري كل 3 أشهر.
– التبديل بين المواد الفعالة لتجنب مقاومة الطفيليات، مثل: الألبندازول، الليفاميزول، الفينبندازول.
– استخدام الإيفرمكتين بالجرعة الصحيحة وفق وزن الحيوان.
– رش الحيوانات والحظائر عند الحاجة ضد الطفيليات الخارجية.
– الالتزام بفترة السحب لكل علاج قبل البيع أو الاستهلاك.

اختيار حيوانات التسمين بعناية

نجاح المشروع يبدأ من اختيار الحيوان المناسب؛ فالحيوان الجيد وراثياً يختصر نصف طريق النجاح.

معايير الاختيار:
– اختيار مواليد سريعة النمو ونشطة.
– استبعاد الحيوانات الضعيفة أو كثيرة الإصابة بالأمراض.
– التأكد من أن الأمهات ذات إنتاج حليب جيد في مرحلة الرضاعة.
– بيع الحيوان عند وزن وعمر اقتصاديين، وتجنب إطالة فترة التسمين دون جدوى إنتاجية.

تقليل الإجهاد
الإجهاد يقلل النمو ويزيد استهلاك الطاقة دون زيادة وزن مقابلة.
نصائح عملية:
– تجنب المشي لمسافات طويلة بحثاً عن المرعى.
– توفير الظل والمسكن الملائم.
– تقليل التغيرات المفاجئة في البيئة أو النظام الغذائي.

  • الإدارة السليمة للأعلاف المركزة والحبوب
    عند استخدام الأعلاف المركزة، يجب إدخالها تدريجياً لمدة لا تقل عن 10 أيام، وتجنب تغيير العليقة بشكل مفاجئ.
    بخصوص الحبوب:
    – عدم تقديمها كاملة.
    – جرشها جرشاً خشناً.
    – تجنب الطحن الناعم جداً.
    توضيح: في حال استخدام الشعير، يُفضل جرشه أو نقعه لمدة 24 ساعة نقعاً خفيفاً قبل التقديم.

الحذر من مخلفات المخابز
يجب التأكد من خلو مخلفات المخابز من التعفن، إذ قد تؤدي السموم الفطرية إلى ضعف النمو أو النفوق المفاجئ.

توفير الأملاح المعدنية
– تقديم مخلوط الأملاح والفيتامينات عند عدم استخدام أعلاف مركزة.
– توفير مكعب ملحي دائم أمام الحيوان.
– نقص المعادن يؤدي إلى ضعف المناعة وبطء النمو.

الماء أساس النمو
الماء النظيف والمتجدد شرط أساسي للنمو؛ إذ أن نقصه يقلل استهلاك العلف مباشرة ويؤثر على الزيادة الوزنية.

تقسيم الحيوانات حسب الوزن
– عدم خلط الصغير مع الكبير.
– تقليل التنافس على العلف.
– تحقيق نمو متجانس وربحية أفضل.

متابعة الوزن والحساب الدوري
– قياس معدل الزيادة كل أسبوعين.
– استبعاد الحيوانات ذات النمو الضعيف اقتصادياً.
– حساب كلفة الكيلوغرام المكتسب لتحديد جدوى الاستمرار.

توفير مسكن مناسب
– تهوية جيدة.
– أرضية جافة.
– مساحة كافية لكل رأس.
– حماية من الأمطار والحرارة الشديدة.

إذا نجاح مشروع التسمين لا يتحقق بزيادة كمية العلف فقط، بل بالإدارة المتكاملة التي تبدأ بالوقاية الصحية، وتمر بحسن اختيار الحيوان، وتنتهي بحسابات دقيقة للوزن والتكلفة، التزام المربي بهذه الأسس يرفع معدلات النمو، ويقلل الهدر، ويعزز دخل الأسرة الريفية بشكل مستدام.