وبحسب تقرير نشرته صحيفة "The Washington Post "، فإن تأثير ظاهرة النينيو يمتد من النطاقات الإقليمية إلى المستوى العالمي
حذرت بيانات مناخية حديثة صادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى «ECMWF» من احتمالية تعرض كوكب الأرض لظاهرة “نينيو” قوية، أو حتى فائقة، في وقت لاحق من هذا العام. ومن المتوقع أن تُنافس الظاهرة أقوى المعدلات المسجلة تاريخياً، مما يضع النظم البيئية والمناخية أمام تحديات جسيمة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست «The Washington Post» فإن تأثير ظاهرة النينيو يمتد من النطاقات الإقليمية إلى المستوى العالمي، حيث تؤدي بقع المياه الدافئة في المحيط الهادئ الاستوائي إلى تغييرات جذرية في أنماط الطقس، تتراوح بين الجفاف الشديد والفيضانات العارمة وموجات الحرارة القاسية.
وتتسم الظواهر “الفائقة” التي تتكرر بمعدل مرة كل 10 إلى 15 عاماً بتأثيرات أكثر استدامة وأوسع انتشاراً من الظواهر الاعتيادية.
ويعود السبب العلمي لهذه القوة إلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المناطق الحيوية من المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين فوق المتوسط العام، مما يُحدث استجابة جوية عميقة تؤثر على تواتر موجات الحر، وتوزيع مناطق الفيضانات، وتغير مسارات الأعاصير المدارية، فضلاً عن تسببها في انخفاض كثافة الجليد البحري.
ويخشى علماء المناخ من أن تؤدي الظاهرة إلى دفع درجات الحرارة العالمية نحو مستويات قياسية غير مسبوقة، خاصة بحلول عام 2027. وفي هذا السياق، علق عالم المناخ دانيال سوين عبر منصة (X) قائلاً: “إن كافة المؤشرات تتجه وبقوة نحو تسجيل حدث مناخي كبير، إن لم يكن فائق القوة”.
طقس متطرف
تُشير المعطيات المناخية الحالية إلى احتمالية متزايدة لتأثيرات واسعة النطاق ستلقي بظلالها على كوكب الأرض جراء ظاهرة “النينيو”. ومع أن الظاهرة لا تزال في مراحل تشكلها الأولى، مما يجعل الجزم بمدى قوتها النهائية أمراً مبكراً، إلا أن مسارها الحالي يحاكي الأنماط المسجلة في الأحداث الكبرى السابقة؛ مدفوعة برياح غربية قياسية في المحيط الهادئ تعمل على دفع المياه الدافئة شرقاً.
وعلى الرغم من عدم تطابق أي حدثين لظاهرة النينيو تماماً، إلا أن الثابت علمياً هو أن الرياح العاتية في الطبقات الوسطى والعليا من الغلاف الجوي، المصاحبة لأحداث النينيو العملاقة، تخلق بيئة غير مواتية لتشكل الأعاصير
يوضح خبير الأرصاد الجوية “آندي هازلتون” أن تطور هذه الظاهرة تزامناً مع ذروة موسم الأعاصير الأطلسية يضعنا أمام سيناريو معقد؛ فبينما قد يقل عدد العواصف، إلا أن ظاهرة النينيو لا تضمن المسارات التي تسلكها؛ إذ يكفي وصول إعصار واحد إلى اليابسة كما حدث مع إعصار “أندرو” في فلوريدا عام 1992 لجعل الموسم كارثياً بامتياز.
فيضانات ضربت محافظة الحديدة في اغسطس 2024 (سبأ)
ارتفاع درجة الحرارة
تاريخياً، ارتبطت أقوى أحداث النينيو بتسجيل درجات حرارة عالمية قياسية؛ حيث تنبعث الحرارة من المحيط الهادئ الاستوائي وتُعاد توزيعها في كافة أنحاء الكوكب. ووفقاً لعالم المناخ “زيك هاوسفاذر”، فإن قدوم النينيو سيرفع التقديرات لدرجات الحرارة العالمية لعام 2026، مع ترجيح أن يكون عام 2027 هو الأكثر دفئاً على الإطلاق في السجلات المناخية، نظراً للفجوة الزمنية بين تطور الظاهرة واستجابة حرارة الهواء لها.
تظهر فترات النينيو القوية كقفزات تصاعدية في الرسوم البيانية طويلة المدى لدرجات الحرارة. ويشير خبير الأرصاد الجوية “إريك ويب” إلى أن التركيز المتزايد للغازات الدفيئة يحول دون قدرة النظام المناخي على التخلص بفعالية من الحرارة المنبعثة خلال حدث “نينيو” كبير قبل وصول الحدث الذي يليه، مما يدفع “خط الأساس” لدرجات الحرارة نحو الأعلى باستمرار.
يتوقع الخبراء أن تنشر ظاهرة “النينيو الفائقة” في الفترة 2026-2027 حرارة تفوق ما سجلته الأحداث القوية السابقة في أعوام 1982، 1997، و2015
وتؤدي ظاهرة النينيو إلى إحداث تغييرات جوهرية واسعة النطاق في أنماط الطقس العالمية؛ حيث تتسبب مصادر الحرارة المتراكمة في المحيطات بعواقب مناخية متفاوتة الشدة من منطقة إلى أخرى عبر الكوكب.
موجات جفاف
تُعزز الظاهرة من احتمالات حدوث موجات جفاف حادة في مناطق متفرقة، تشمل أجزاءً من القارة الأفريقية، والهند، وإندونيسيا، وأستراليا، ومنطقة البحر الكاريبي. كما يرتبط تطور “النينيو” بتشكل موجات حر بحرية قبالة السواحل الغربية، مما ينذر بصيف أشد حرارة من المتوسط في غرب الولايات المتحدة، وهو ما يرفع بدوره مخاطر نشوب حرائق الغابات في ظل استمرار حالة الجفاف.
ابتداءً من منتصف العام الجاري، من المتوقع تزايد وتيرة الأعاصير في غرب المحيط الهادئ، لتطال تأثيراتها الفلبين والصين واليابان. وفي شبه القارة الهندية، يُنتظر أن تتأثر الرياح الموسمية من يونيو إلى سبتمبر سلباً، مما يؤدي إلى معدلات هطول أمطار أدنى من المتوسط العام.
وفي المناطق الاستوائية، من المرجح أن تعاني دول أمريكا الجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى الهند وأستراليا، من موجات حرارة ورطوبة خانقة ناتجة عن ارتفاع حرارة البحار الاستوائية.
وبينما يتفاقم الجفاف في أستراليا وإثيوبيا والصومال، يُتوقع أن تجتاح أمطار غزيرة وفيضانات عارمة كلاً من بيرو والإكوادور وهاواي، على غرار ما حدث في ظاهرة “النينيو العظمى” (2015-2016).
ومع نهاية العام، قد يؤدي اشتداد قوة “التيار النفاث الجنوبي” إلى فيضانات في الولايات الأمريكية الجنوبية مثل فلوريدا وكاليفورنيا. وفي المقابل، قد تساهم الظاهرة في تلطيف برودة الشتاء شمالاً، حيث يندفع الهواء البارد بعيداً عن العمق الأمريكي نتيجة انزياح التيار النفاث شمالاً.
شاطئ وادي الملك في المخا غربي مدينة تعز (ريف اليمن)
رغم أن محافظة تعز غالبية مناطقها جبلية، لكن 35 بالمئة من مساحتها تتركز في مناطق ساحلية في مديريتي المخا وذو باب، وهما الرئة الجغرافية والاقتصادية الأهم بفضل موقعهما المتميز ومواردهما الطبيعية المتنوعة.
ويتكون ما أصبح يعرف بـ ‹الساحل الغربي› من أربع مديريات تتبع محافظة تعز وهي، المخا، وذو باب، وموزع، والوازعية، وتشكل مساحتها 45 بالمئة من مساحة تعز لكن السكان فيها أقل مقارنة ببقية مناطق المحافظة.
لكن هذه المنطقة الواسعة الغنية بالموارد الطبيعة والتاريخ العريق، تنتظر رؤية تنموية شاملة تستثمر مقوماتها السياحية والاقتصادية الهائلة، تعيد دورها الريادي كجسر تواصل بين اليمن والعالم كما كانت عبر العصور.
نستعرض في هذا التقرير الأهمية السياحية والاقتصادية والتأريخية للشريط الساحلي في تعز، وهو الجزء الثاني ضمن سلسلة مقالات ثقافية مكونة من ثلاثة أجزاء تركز على المحافظة الغنية في تنوعها الطبيعي وتأريخيها العريق.
تبدأ رحلة استكشاف ساحل غربي تعز بعد تجاوز مديرية مقبنة، والاستمرار بالاتجاه غربا حتى مدينة المخا التاريخية الواقعة في ساحل البحر الأحمر وتبعد عن مركز مدينة تعز 94 كم، وتشكل هذه المنطقة بمديرياتها الساحلية الممتدة بوابة اليمن الغربية.
تُشكل مديرتي المخا وذو باب الواجهة البحرية لمحافظة تعز بموقعها الاستراتيجي المطل على أهم الممرات المائية في العالم، مما منحها عبر التاريخ أهمية جيوسياسية واقتصادية كبرى لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
ويمتد هذا الشريط الساحلي الطويل من منطقة باب المندب في الجنوب، وصولا حتى شواطئ وادي الملك و الزهاري في الشمال بمسافة مئة كيلو، وهاتان المديريتان تشكلان نسبة 35 بالمئة من إجمالي مساحة محافظة تعز.
تتميز هذه المنطقة الساحلية بأنها الأكثر غنى بالموارد المالية والثروات الطبيعية الكامنة والظاهرة، وتأتي في مقدمة هذه الموارد عوائد الثروة السمكية الكبيرة بأنواعها المختلفة، التي تشكل مصدرا أساسيا للرزق للسكان المحليين ورافدا اقتصاديا للمحافظة.
قوارب صيد في ساحل مدينة المخا غربي مدينة تعز اليمنية، ديسمبر 2025 (ريف اليمن)
أيضاً عوائد إيرادات ميناء المخا الذي يعد مركز النشاط التجاري والاقتصادي والمنفذ البحري الرسمي والوحيد لمحافظة تعز، هذا التكامل بين الموارد البحرية والنشاط التجاري يمنح المنطقة ثقلا اقتصاديا لا يضاهى مقارنة ببقية المديريات الداخلية.
ويكتسب الساحل الغربي أهمية إستراتيجية القصوى كونها تمثل نقطة التقاء حيوي بين قارتي آسيا وأفريقيا، وتقع مباشرة أمام خط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، الذي يعد بوابة عبور السفن التجارية الدولية بين الشرق والغرب.
أكدت الدراسات والمسوحات الجيولوجية التي تمت بمناطق الساحل، مؤشرات واعدة، آخرها المسح الجيولوجي الأمريكي عام ٢٠٠٢، الذي أظهر أن المنطقة غنية بالثروات الطبيعية، وبالذات الثروة النفطية التي لم تستغل بعد.
مدينة المخا وأطلال المجد
كانت هذه المنطقة الساحلية، قبل اندلاع الصراع في اليمن، وجهة سياحية دولية مفضلة لعشاق السياحة البيئية ومتابعة هجرات الطيور، وتعد أهم موئل طبيعي لهجرات الطيور العابرة من قارة آسيا إلى قارة أفريقيا والعكس.
وكانت المنظمات الدولية المتخصصة، ومعاهد الأبحاث، والعلماء المهتمون بمتابعة هجرات الطيور، يجدون في هذه المنطقة المكان الأفضل والأنسب لإنجاز دراساتهم العلمية المتعلقة برصد وتتبع حركة الطيور بين القارات، وكانوا يحرصون على تحديث بيانات هذه الدراسات سنويا نظرا لأهمية الموقع البيئية العالمية.
بالعودة إلى التاريخ، كانت المخا من المدن التاريخية العريقة التي ذاع صيتها قبل الميلاد وبعده، وذكرتها النقوش المسندية القديمة، ولكن شهرتها الحقيقية ارتبطت بفترة ازدهار تصدير البن اليمني. ارتبط اسم المخا بشهرة جودة البن اليمني عالميا، حيث كانت السفن تنقل هذا المنتج الثمين إلى كافة أصقاع الأرض.
السواحل في مدينة المخا بلا أي بنية تحتية في بعض الشواطئ توجد عشش تقليدية فقط (ريف اليمن)
لكن اليوم صارت المدينة القديمة عبارة عن خرائب وأطلال صامتة، لم يبقَ من ذكرها العطر سوى الشواهد التاريخية التي تحكي مجدا تجاريا مضى وانقضى، تاركة خلفها ذكريات مدينة كانت ملء السمع والبصر.
ويقع ميناء المخا القديم بالجهة الغربية من مدينة المخا، وهو الشاهد الأبرز على تلك الحقبة الذهبية، ولم يتبقَ من معالمه سوى أساسات لأحجار كبيرة الحجم مطمورة بماء البحر، تقاوم الأمواج والنسيان وحولها بقايا آثار مباني قديمة، وبقايا آثار فنار مهدم كان يستخدم في الماضي لإرشاد السفن القادمة إلى الميناء ليلا.
شهد ميناء المخا أحداثا تاريخية عاصفة، حيث تعرض للاحتلال من قبل البرتغاليين، والإيطاليين، والبريطانيين، للسيطرة عليه، وخلال فترة حكم العثمانيين الأولى لليمن، ازدهرت زراعة وتجارة البن بشكل غير مسبوق، ونشطت حركة تصديره بكثافة.
ومن خلال النشاط التجاري المكثف حصلت مدينة المخا ومينائها على شهرة عالمية واسعة كمركز تجاري هام، وارتبط اسم المدينة بالعلامة التجارية العالمية للقهوة موكا كافية «Mocka Coffee»، التي أصبحت مرادفا للجودة والمذاق الرفيع، ولكن بعد الاحتلال البريطاني لمدينة عدن عام ١٨٣٩م، بدأ يخفت بريق الميناء تدريجياً لصالح ميناء عدن.
إرث الشاذلي: الروحانية والقهوة
رغم تراجع الدور التجاري، بقي مسجد الشاذلي شاهدا تاريخيا يحكي مجد المدينة، حيث بناه الشيخ أبو الحسن الشاذلي المتوفى عام ٨٢١هـ، ويعد من أجمل المعالم التاريخية والسياحية في مدينة المخا، وما يزال قائما بكل مرافقه يؤدي وظيفته الدينية والتعليمية لليوم.
ويتميز جامع الشاذلي بمئذنته العالية ونمطها المعماري المميز تجذب الأنظار من كل اتجاهات مدينة المخا، كمنارة روحية تتوسط المدينة ويلاصق المسجد من الجهة الجنوبية ضريح الشيخ أبو الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الصوفية الشاذلية في اليمن.
ما يزال أتباع الشيخ الشاذلي ومريدوه يقصدون الضريح للزيارة والتبرك، ويقومون بصيانة المسجد وترميمه مع مرافقه بصورة دورية، ويتم الإنفاق ماليا على القائمين على المسجد شهريا وفقا لنظام خاص ومتوارث يتبعه مشايخ الطريقة الصوفية الشاذلية.
ومن العادات الجميلة التي لا تزال عامرة في المكان تقديم القهوة المخاوية و”الحياسي” كتقليد متوارث، يشرب كل زائر حساء القهوة كنوع من التبرك بالكرامات التي يعتقدون أن الشيخ أبو الحسن الشاذلي يجود بها على زواره ومحبيه.
جامع الشاذلي التاريخي في مدينة المخا الساحلية غربي اليمن، إبريل 2022 (أنور الشريف)
عندما كانت حركة البرامج السياحية قائمة ونشطة قبل الحرب، كان مسجد الشاذلي ومرافقه يمثل إحدى الوجهات الرئيسية في تلك البرامج السياحية، نظرا للاهتمام الكبير فيه وتسامح القائمين عليه، وترحابهم الكبير بالزوار والسياح.
يقدم القائمون على المسجد أكواز القهوة للضيوف وكأنهم يعيدون إلى الذاكرة بطريقة عفوية ثقافة وتصدير القهوة اليمنية، ويسمحون للسياح بحرية الحركة لزيارة المسجد ومرافقه، والتقاط الصور للمشاهد المعمارية الفنية دون أي قيود، مما يترك انطباعا إيجابيا عميقا لدى الزوار ويتم توديعهم بنفس الحفاوة والترحاب التي استقبلوهم بها.
كان السياح يظنون أن تلك الحفاوة مفتعلة ومخطط لها مسبقا من الجهة السياحية المنظمة، ولم يخطر على بالهم أنها من “كرامات” وبركات الشيخ الشاذلي، وحالة تراثية فطرية نابعة من ثقافة صوفية أصيلة، وكانت صورة مسجد الشاذلي ومنارته الرائعة تتصدر حينها واجهات كثير من المطبوعات السياحية الخارجية، مما يؤكد أهمية نمط السياحة الدينية في الترويج لليمن.
السياحة الشاطئية
في العصر الحديث، بدأ ميناء المخا يستعيد أهميته كمنفذ بحري حيوي لمحافظة تعز، وتم إعادة تأهيله وتعميقه لاستقبال سفن الحاويات الكبيرة، ليعود شريانا للحياة الاقتصادية، وفي الجهة الجنوبية للميناء البحري الحديث، تم إنشاء “مطار المخا الدولي” لاستقبال الرحلات الجوية، مما يعزز من ربط المنطقة بالعالم الخارجي.
هذه المشاريع البنيوية الحديثة تؤسس لمرحلة جديدة تعيد للمخا أهميتها التأريخية والاقتصادية، وتجعلها مركزا لوجستيا يجمع بين النقل البحري والجوي، ويخدم التنمية في المحافظة وكافة مناطق الساحل الغربي.
إلى الشمال من مدينة المخا، تمتد مواقع السياحة البحرية والشاطئية المشهورة بشواطئها الجميلة والنقية، وتتميز هذه الشواطئ بأنها مظللة بأشجار النخيل وأشجار متشابكة أخرى، حيث تشكل تلك الشواطئ الجاذبة بيئة ملائمة لنمو الأشجار فيها لأنها تمثل مصبات لمياه وادي رسيان وفروعه.
“عُشش” من القصب في شاطئ وادي الملك في المخاء غربي مدينة تعز ديسمبر 2025 (ريف اليمن)
وتشكل هذه المناطق أهم وجهات السياحة البحرية والشاطئية لمحافظة تعز والمناطق المجاورة، حيث يقصدها الزوار للاستمتاع بجمال الطبيعة البكر والهدوء الذي توفره هذه السواحل البعيدة عن صخب المدن المزدحمة.
ومن أهم تلك المواقع الساحرة بجمالها البيئي ورمالها المدهشة شواطئ مناطق، يختل، والرويس، والزهاري، والكديحية، ويبرز “شاطئ وادي الملك” كواحد من أجمل تلك الشواطئ برماله البيضاء الناعمة ونقاء وصفاء مياهه الفيروزية.
كما توجد شواطئ مميزة في “ذو باب” والتي لا تقل جمالا بالإضافة إلى “جزيرة ميون” الاستراتيجية الواقعة في مدخل باب المندب، والتي تقسم المضيق إلى ممرين، شرقي يسمى باب الإسكندر، وغربي يسمى ميون، وتبلغ مساحتها ثلاثة عشر كيلومترا مربعا.
ينابيع وادي رسيان
بعيدا عن الساحل قليلا، أظهرت دراسات نفذتها هيئة المساحة الجيولوجية، في وادي رسيان وجود خمسة مواقع عيون المياه الحارة تنبع جميعها من الصخور البركانية التي يعود عمرها الجيولوجي إلى العصر الثلاثي، باستثناء موقع عين “وادي الطوير” الذي تنبع مياهه بشكل فريد من الحجر الرملي الطباشيري.
هذا التنوع الجيولوجي يمنح هذه الينابيع خصائص علاجية وكيميائية متباينة تجذب الباحثين عن الاستشفاء الطبيعي، ويتدرج معدل درجة حرارة مياه هذه العيون الحارة ما بين 40 درجة مئوية في وادي الطوير، ليبلغ ذروته عند 66 درجة مئوية في عيون وادي رسيان.
أشجار نجيل على ضفاف مجرى الماء وسط وادي رسيان غربي تعز (ريف اليمن)
وتعد ينابيع المياه الحارة في وادي رسيان هي الأكثر إقبالا من سكان تعز والمناطق المجاورة بصورة يومية، حيث يقصدونها لغرض الاستشفاء، وساهمت الطبيعة الخلابة في الوادي بجعلة وجهة مفضلة للسياحة العلاجية المحلية والنزهة العائلية.
موزع والوازعية: العمق التاريخي للساحل
بالانتقال إلى مديريتي موزع والوازعية، نجد أن أهم المعالم التاريخية والسياحية فيها هو “ميناء موزع الأثري” الذي يقع جنوب مدينة المخا ويعد أقدم الموانئ البحرية القديمة على ساحل البحر الأحمر، وقد تم ذكره كثيرا في النقوش المسند اليمني تحول الميناء إلى مرفأ بسيط لقوارب الصيادين.
لكن التقسيم الإداري الجديد جعل موزع حالياً مديرية داخلية بدون إطلالة بحرية كما كانت في السابق، لكنها احتفظت بتاريخها، ولا تزال المدينة القديمة عامرة وآهلة بالسكان، تحافظ على نسيجها الاجتماعي والعمراني.
ومن أهم معالم مدينة موزع القديمة “الجامع الكبير”، الذي يتميز بطراز معماري فريد، بُني من الطوب الأحمر والحجر المنحوت اللذين يمتزجان في تناغم وتداخل جذاب. وللمسجد مئذنتان عاليتان، وبوابتان في الجهتين الغربية والشرقية، دُوِّن عليهما تاريخ بناء المسجد الذي يعود إلى عام ٧٧١هـ، مما يجعله تحفة معمارية نادرة.
إحدى اودية الوازعية غربي مدينة تعز (حسام القليعة)
يوجد في موزع أيضا معالم سياحية طبيعية خلابة مثل “وادي الغيل”، الذي تتميز مياهه بأنها جارية على مدار العام دون انقطاع، وتنتشر في ضفتيه مزارع النخيل الفواكه المثمرة، مما يجعله متنفسا طبيعيا لسكان موزع والمناطق المجاورة.
أما مديرية الوازعية، فأهم معالمها التاريخية “حصن عزان” و”حصن الدامغة”، اللذان يقفان كشاهدين على التحصينات الدفاعية القديمة في المنطقة، ويعكسان الطبيعة الجبلية الوعرة التي تميز أجزاء من المديرية.
المصادر:
الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة، ١٩٦٨م.
المجاهد محمد بن محمد، مدينة تعز: غصن نظير في دوحة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
السياغي، أحمد بن الحسين، معالم الآثار اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٨٠م.
الهيئة العامة للسياحة (صنعاء)، وثائق ونتائج المسح السياحي لمحافظة تعز، عام ١٩٩٧م.
أسماك الجمبري ‹الروبيان› نافقة في ساحل "خلف" بمدينة المكلا شرقي اليمن (حسن سميدع)
شهدت شواطئ مدينة المكلا نفوق كميات كبيرة من أسماك الجمبري ‹الروبيان› في محافظة حضرموت شرقي اليمن، وسط دعوات للسلطات للقيام بواجبها لمعرفة أسباب نفوق الأسماك.
وأفاد سكان محليون “إن شواطئ خلف شرقي المكلا شهدت نفوق مقلق لأسماك الجمبري أثارت مخاوف الصيادين من الكميات الكبيرة”، وتسببت في انتشار روائح كريهة مزعجة للسكان الذين يتخذون من الساحل متنفس.
وكتب الصحافي حسن سميدع -على فيسبوك- “على الجهات المختصة توضيح أسابا الكارثة البيئية التي تستهدف الثروات البحرية التي تهدر على شواطئ وإيجاد الحلول العاجلة”، لافتا أنه قبل فتره “نفقت أسماك في سواحل الستين” بمدينة المكلا.
وعن أسباب نفوق الأسماك تساءل “سميدع”، هل بسبب السفن وما تحمله وتفرّغه وسط مياه البحر؟ دون أن يورد مزيد من التفاصيل. في الوقت الذي تزداد المخاوف من كارثة التلوث في البحر الأحمر والعربي نتيجة التلوث النفطي من السفن التجارية.
أسماك الجمبري ‹الروبيان› نافقة في ساحل “خلف” بمدينة المكلا شرقي اليمن (حسن سميدع)
ونشرت قناة “المهرية” فيديو يظهر نفوق كميات كبيرة من أسماك الجمبري ‹الروبيان› على امتداد شاطئ مدينة المكلا، وتعد ظواهر النفوق الجماعي للكائنات البحرية مؤشر خطير على صحة النظم البيئية البحرية.
وفي يناير الماضي شهدت شاطئ محمية ديطوح في أرخبيل سقطرى نفوق أسماك الجمبري ‹الروبيان›، كشف تقرير بيئي حكومي، أنها ظاهرة طبيعية مرتبطة بعوامل بيئية ومناخية مؤقتة ولا تشكل خطرًا بيئيًا أو صحيًا.
لكن الهيئة العامة لأبحاث علوم البحار في سقطرى، أوصت في تقريرها على نفوق أسماك الجمبري على ضرورة “سحب عينات من الأسماك النافقة وإخضاعها لتحاليل مخبرية دقيقة”.
ودعت الهيئة إلى “تكثيف عمليات الرصد والمتابعة لظاهرة النفوق، خصوصًا مع تكرارها في سقطرى والسواحل الشرقية” اليمنية التي تضم حضرموت والمهرة وشبوة بالإضافة إلى أرخبيل سقطرى.
في عزلة وادي الحجاج بريف محافظة إب وسط اليمن، حيث يلف الصمت القرى الجبلية وتبدو فرص العمل نادرة، تبتكر النساء الريفيات طرقا للبقاء، لا تقوم على الوظائف أو الرواتب، بل على ما تمنحه الأرض وما تصنعه الأيدي في كفاح يومي.
في هذا الوادي تتحول الدجاج البلدي إلى معيل للأسرة، ويصبح العجل الصغير أو الخروف مشروع حياة، فأم سامي تقف أمام منزلها تعد بيضات يومها بحساب دقيق، فكل بيضة قد تعني مجازا وجبة لأطفالها، أو دواء، أو ثمن قلم لطفل يذهب إلى المدرسة.
ليست مجرد قصة كفاح يومي، بل حكاية اقتصاد صغير تصنعه النساء في العزلة بصبرهن، بعد أن دفعتهن ظروف الترمل والفقر وغياب المعيل إلى البحث عن وسائل عيش تحفظ الكرامة وتؤمن الحد الأدنى من الاستقرار.
تقول هناء الشويع إنها تتنفس هواء الكفاح منذ شروق الشمس وحتى ساعات المساء، فهي تعيش يومها بين العمل في الأرض ورعاية المواشي، “:الحمل ثقيل، لكن الخيار غير موجود نحن هنا نصنع حياتنا بأيدينا”.
بنوك متنقلة
تضيف الشويع لـ”ريف اليمن”: النساء في وادي الحجاج يعتمدن على الزراعة الموسمية المرتبطة بهطول الأمطار، وفي فترات الجفاف يلجأن إلى أعمال بسيطة أو تربية المواشي لتأمين احتياجات الأسرة، الحياة ليست سلسلة من الأيام المتشابهة، بل هي حلقات متصلة من العمل الدؤوب”.
تتوزع مصادر الدخل بين الزراعة المحدودة وتربية الحيوانات، التي تصفها هيفاء بأنها “بنوك متنقلة” تلجأ إليها الأسر عند الحاجة، وتقول: “كل بيت تقريبا يربي بعض الأغنام أو الدواجن، وهذه الحيوانات هي مدخراتنا، نبيع منها عند الطوارئ أو لتغطية مصاريف الأسرة”.
من بين قصص الصمود في الوادي تبرز تجربة أم محمد، التي تحولت من امرأة تعتمد على معاش ضمان اجتماعي بسيط إلى صاحبة مشروع صغير لتربية الأغنام، فبعد وفاة زوجها، وجدت نفسها مسؤولة عن إعالة أربعة أطفال، ومع محدودية الدخل، قررت استثمار جزء من المبلغ في شراء شاتين فقط، لتبدأ بذلك مشروعا لم تكن تتوقع أنه سيتحول إلى مصدر رزق رئيسي.
تقول أم محمد إنها اتبعت طريقة بسيطة لكنها فعالة في تنمية مشروعها؛ إذ كانت تربي الذكور لفترة قصيرة ثم تبيعها لتغطية المصاريف اليومية، بينما تحتفظ بالإناث لتكاثر القطيع وتوسيعه، مشيرة أنها “استغلت قطعتي أرض لزراعة الأعلاف الطبيعية فيما كانت تشتري الأطعمة التكميلية من السوق، ما ساعدها على تقليل تكاليف التربية”.
أم محمد: بفضل تربية المواشي تحولت من امرأة تعتمد على معاش ضمان اجتماعي بسيط إلى صاحبة مشروع صغير لتربية الأغنام
وتضيف لـ”ريف اليمن”: مع مرور الوقت بدأت بتربية بعض الخراف حتى تكبر وتباع في مواسم الأعياد والمناسبات بأسعار أعلى، حيث قد يصل سعر الخروف الواحد إلى ما بين 60 و100 ألف ريال، وخلال نحو عام ونصف فقط، ارتفع عدد القطيع من معزتين إلى 15 رأسا، قبل أن يتضاعف لاحقا ليصل اليوم إلى نحو 25 رأسا من الأغنام”
ويُعد قطاع الثروة الحيوانية ركنا أساسيا في الاقتصاد الريفي، إذ يشكّل مصدرا رئيسيا للاكتفاء الذاتي والدخل لآلاف الأسر، وتشكل الثروة الحيوانية نحو 25 بالمئة من القوى العاملة في الأرياف اليمنية، كما توفر الدخل الرئيسي لأكثر من 3.2 مليون شخص، في جميع أنحاء اليمن، بحسب منظمة الفاو.
لم يعد مشروع تربية الأغنام مجرد مصدر دعم بسيط، بل أصبح المصدر الرئيسي لإعالة أسرة مكونة من خمسة أفراد، بل نجحت أم محمد في تحويل مأساتها إلى فرصة، وبيتها إلى منشأة إنتاجية صغيرة، ومستقبلها من حالة من الاحتياج إلى حالة من العطاء والاستقرار الاقتصادي.
تقول أم محمد بفخر:” الحمد لله.. بدأت بشيء بسيط وصبرت كنت أبيع الخروف وأشتري غيره، والحلال يبارك فيه الله، اليوم أصبح لدي قطيع وأعتمد على نفسي”، وتضيف: “أولادي هم الدافع أريد أن يتعلموا أن العمل والإنتاج هما أساس الحياة”.
تحديات مُرَبِّي الماشية
من جهتها، تقول خولة الشرفي، رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة في محافظة إب، إن المرأة الريفية تواجه تحديات كبيرة في ظل محدودية الموارد وصعوبة وصول الخدمات إلى المناطق النائية خاصة ظل الوضع الراهن.
وتوضح الشرفي خلال حديثها لـ “ريف اليمن”، إلى اهمية البرامج الحكومية التي تدعم المرأة الريفية وتشجيعها على العمل في الحدائق المنزلية والزراعة وتربية الثروة الحيوانية، منوهة أن “هذه المشاريع الصغيرة يمكن أن تساعد النساء على تحسين دخلهن والمساهمة في الاقتصاد المحلي”.
الفاو: توفر الثروة الحيوانية دخل لأكثر من 3.2 مليون شخص ويعمل فيها نحو 25 بالمئة من القوى العاملة
وعن نسبة عدد النساء التي تربي الثروة الحيوانية تشير الشرفي إلى تراجع تربية المواشي في عزلة وادي الحجاج، حيث لا يتجاوز عدد النساء اللواتي يربين الدواجن كمشروع إنتاجي خمس نساء، فيما تمتلك أربع نساء فقط قطعانا صغيرة من الأغنام كمصدر دخل.
موضحة أن تربية الأبقار تواجه تحديات كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار، حيث تصل تكلفة البقرة الواحدة إلى حوالي 400 ألف ريال، مما يجعل هذا النشاط صعب المنال للعديد من الأسر الريفية رغم أهميته الحيوية.
تشير بيانات رسمية صادرة عن إدارة الإحصاء والأرصاد الزراعي إلى تراجع الثروة الحيوانية في اليمن من نحو 21.2 مليون رأس عام 2014 إلى 19.3 مليون رأس عام 2018. وشمل هذا التراجع الأغنام والماعز والأبقار والإبل على حد سواء.
كما تواجه تربية المواشي في اليمن تحديات جسيمة تراكمت خلال السنوات الماضية، أبرزها ندرة الأعلاف، وارتفاع تكاليفها، بالإضافة إلى موجات الجفاف المتكررة التي أدت إلى تدهور المراعي الطبيعية والضغوط الاقتصادية؛ مما أجبر الكثيرين على بيع الماشية لتغطية نفقات المعيشة الضرورية.
لم يتوقع مربو الماشية من الأسر المنتجة في الحديدة غربي اليمن أن تتحول أحلامهم في تحسين مستوى معيشتهم إلى كابوس من الخسائر المتتالية نتيجة التحديات التي يواجهونها، وآخرها تقليص السلطات للدعم المقدم للمزارعين.
ووصل بريد منصة “ريف اليمن” شكاوى من مربّي الماشية بشأن قرار السلطات بخفض جديد في أسعار الحليب الذي تشتريه المصانع من صغار المنتجين في الحديدة، بعد نحو عامين ونصف من إعلان إستراتيجية لتوطين صناعة الحليب وتشجيع المستثمرين وصغار المنتجين.
ماقصة منتجي الحليب في الحديدة؟
في يوليو/ تموز 2023 أعلنت السلطات دعم منتجي الحليب في تهامة بـ130 ريالًا لكل لتر، ما جذب المواطنين والمستثمرين لشراء الأبقار وبدء الإنتاج وبيع الحليب للمصانع، حيث بلغ سعر اللتر 450 ريالًا. لكن بدأت عملية التقليص التدريجي للدعم.
وحددت ثلاثة مصانع لشراء حليب الأبقار من المنتجين في الحديدة بسعر 320 ريالًا، بالإضافة إلى 130 ريالًا مخصصة للدعم تُستقطع من ضريبة المبيعات للمصانع. لكن خلال العام الماضي 2025 أُعلن تخفيض الدعم إلى 80 ريالًا للأسر المنتجة، إضافة إلى 25 ريالًا تدفع للجمعيات الزراعية.
وأثار غضب صغار المنتجين مؤخرًا فرض جباية جديدة تُقدَّر بـ20 ريالًا عن كل لتر، وبررت السلطات -وفق ما ذكر مزارعون- أنها لأجل إنشاء مراكز لتجميع الحليب، وهو ما اعتبره المربون كارثة، إذ سيبلغ سعر اللتر 355 ريالًا فقط.
ويقول “أبو ثابت اليماني”، أحد مربّي الماشية في تهامة، إن القرارات الخاطئة أرهقت المربين وأضعفت الثروة الحيوانية، وهي مصدر رزق لآلاف الأسر، واستمرارها يعني فتح باب الفقر والبطالة.
خسائر في منتصف الطريق
“ماهر الوصابي” -أحد المستثمرين في إنتاج الحليب- قال: استثمرنا بمئات الملايين وبنينا مزارع حديثة، واشترينا أبقارًا بأسعار مرتفعة، وكان هناك دعم واضح يشجع على الإنتاج حيث حُدد سعر اللتر بـ450 ريالًا.
وفي رسالة وصلت “ريف اليمن”، أشار الوصابي إلى أن الإنتاج المحلي ارتفع من 16 ألف لتر يوميًا إلى 120 ألف لتر خلال سنة واحدة فقط، وهذا دليل على أن المربي إذا أُعطي الثقة والدعم يصنع المعجزة.
وأضاف: “تم خفض السعر 50 ريالًا وسكتنا وتحملنا، وفي المقابل ارتفعت أسعار النخالة (أعلاف تكميلية للماشية) من 2500 إلى 5000 ريال، وخسرت خلال سنة واحدة 21 مليون ريال”.
واليوم يتكرر الخفض مرة أخرى بـ20 ريالًا جديدًا، واعتبرها الوصابي “طعنة جديدة للمربين ستؤدي إلى انهيار الثقة في الاستثمار الزراعي، توقف شراء الأبقار، عودة الاعتماد على الاستيراد، وزيادة البطالة والفقر”.
سيكون سعر اللتر الحليب 335 ريال فرض الجبايات وخفض الدعم على المنتجين في الحديدة بعد أن كان قيمته 450 ريال
وقال الوصابي: “الثروة الحيوانية ليست مشروعًا تجاريًا فقط، بل أمن غذائي وطني”، لافتًا إلى أنه “إذا استمر الضغط على المربين فلن يبقى إنتاج محلي”، وناشد السلطات بالقول: “أعيدوا الثقة لمربي الماشية، ثبّتوا السعر، أوقفوا تصدير النخالة، وادعموا الإنتاج الوطني”.
من جانبه قال “عبد اللطيف المقبولي”، وهو أحد المستثمرين العائدين من الغربة بعد خمسة عشر عامًا، إنه وضع كل ما جمعه من غربته في مشروع الأبقار، لكن القرارات الأخيرة أعادته إلى “نقطة الصفر”، حيث لم يعد هناك أي مردود اقتصادي، ما جعله يشعر أن جهوده مهددة بالضياع.
واعتبر أن إفشال المشاريع في منتصف الطريق أمر “مؤسف”، ودعا للنظر بجدية في مشاكل المربين والمستثمرين وحلها، فالثقة -وفق المقبولي- هي أساس التوسع والإنتاج، ووجود المستثمرين والأيدي العاملة نعمة يجب الحفاظ عليها لضمان البناء والتنمية.
في المقابل تشير مصادر في السلطات بمحافظة الحديدة إلى أن الدعم المقدم لمنتجي الحليب بحسب الإستراتيجية موجَّه لصغار المنتجين وليس للمستثمرين، ويرون أن المستثمرين هم من تسببوا بتخفيض الدعم لأنهم كانوا المستفيد الأكبر على حساب صغار المنتجين من مربّي الماشية.
إحدى معامل إستقبال الحليب وفحصة في الحديدة غربي اليمن (الإعلام الزراعي)
قفزة إنتاجية وانتكاسة
كشفت وثيقة رسمية عن قفزة هائلة في الإنتاج، بارتفاع إنتاج الحليب اليومي من 16 ألف لتر إلى 160 ألف لتر، وتوسع عدد المستفيدين من 1,220 إلى 6,400 مستفيد، وزيادة الأبقار المنتجة من 4,186 إلى نحو 20 ألف بقرة.
الوثيقة -التي اطلع عليها “ريف اليمن”- هي رسالة من الجمعيات الزراعية في تهامة، أظهرت تراجعًا ملحوظًا في معدلات النمو السنوي خلال العام 2025، بعد نحو عام ونصف من طفرة إنتاجية هائلة بفعل الدعم المقدم لصغار المنتجين.
وخلال العام 2025 تراجع معدل الإنتاج اليومي من مستوى قياسي بلغ 100 ألف لتر مقارنة بالعام السابق إلى زيادة بنحو 37 ألف لتر فقط. هذا الانخفاض الحاد اعتبرته الجمعيات مؤشرًا خطيرًا على انهيار الثقة بين المربين والسلطات بعد إعلان خفض الدعم.
ووفق بيانات المؤسسة العامة للخدمات الزراعية، بلغ إنتاج الحليب في يناير 2025 نحو 122 ألف لتر، وفي نوفمبر نهاية العام بلغ الإنتاج 159 ألف لتر. ورغم أن الزيادة بنسبة 37%، فإنها أقل بكثير مقارنة بطفرة الإنتاج التي حدثت خلال العام 2024.
هذا التراجع انعكس سلبًا على الأسر المنتجة والمستثمرين، فالكثير منهم أحجم عن شراء أبقار جديدة أو التوسع في الإنتاج، فيما اضطر بعض المربين إلى بيع إناث الأبقار للذبح، وفق رسالة شكوى للجمعيات الزراعية في تهامة بتاريخ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
وأفادت الجمعيات أن “المستثمرين تكبدوا خسائر كبيرة دفعت بعضهم للتفكير بمغادرة البلاد، وهو ما يهدد مستقبل الأمن الغذائي ويضع مشروع توطين الألبان أمام تحديات وجودية”.
الدعم وفاتورة الاستيراد
تستورد اليمن نحو 80% من احتياجاتها السلعية، وتعد من أكثر الدول اعتمادًا على الواردات، حيث جاءت في المرتبة 122 عالميًا من أصل 226 دولة خلال العام 2024، وفق بيانات موقع أوكويو «OEC» المتخصص بالتجارة الدولية.
وأعلنت السلطات في يوليو/ تموز 2023 بدء خطط توطين صناعة الألبان في الحديدة وحددت سنتين لنجاحها، بإستراتيجية تقوم على التنسيق بين شركات الألبان المصنعة والجمعيات التعاونية والاتحادات ذات الصلة، لتشجيع الاستثمار في تربية الماشية وإنتاج الحليب وضمان سعر عادل لهم.
وتهدف الإستراتيجية إلى تقليص استيراد منتجات الألبان وصولًا إلى الاكتفاء الذاتي. وتبلغ فاتورة استيراد الألبان 333 مليون دولار سنويًا، حيث تحتاج اليمن أكثر من مليوني طن سنويًا لتلبية احتياجات السكان من الحليب.
لكن خلال العامين الماضيين لم تنجح خطط توطين إنتاج الحليب في تهامة سوى في تغطية 5% من الاحتياج المحلي رغم طفرة الإنتاج، وما زالت اليمن تستورد 95% من بودرة الألبان. ورغم ذلك -وفق الجمعيات الزراعية في الحديدة- يتم خفض الدعم على منتجي الحليب دون فرض أي قيود على الاستيراد لتشجيع المنتج المحلي.
وكانت السلطات وعدت بدعم الأسر المنتجة بالأعلاف المركزة، ووقف تصدير النخالة، ورفع الجمارك والضرائب على البودرة المستوردة، لكن الجمعيات الزراعية في تهامة قالت: “هذه الوعود لم تُنفذ؛ فلم يُصرف أي كيس مجاني من الأعلاف”.
وأنفقت اليمن خلال خمس سنوات على فاتورة استيراد الألبان (2019-2023) أكثر من 1,155 مليار دولار، وفق بيانات مصلحة الجمارك اليمنية. في المقابل بلغ إجمالي الدعم المقدم لمنتجي الحليب خلال سنتين ونصف 18.7 مليار ريال يمني (ما يعادل 3.5 مليون دولار) وفق تقديرات الجمعيات الزراعية في تهامة، وهذا يمثل 21% من فاتورة استيراد عام 2023 فقط، والتي بلغت نحو 67.8 مليار ريال يمني.
وتؤكد الجمعيات الزراعية ضرورة إعادة صرف مبلغ الدعم كاملًا لمنتجي الحليب في تهامة، وتدعو إلى اعتماد خطة لخمس سنوات تبدأ من العام الجاري 2026، بما يضمن استمرارية الدعم وتنفيذ الوعود بدعم المزارعين بالأعلاف وفرض قيود على الاستيراد.
وترى الجمعيات أن هذه الخطوات هي السبيل الوحيد لاستعادة الثقة بين المربين والسلطات وضمان مستقبل صناعة الألبان في اليمن، مشيرة إلى أن “إستراتيجية توطين صناعة الألبان يجب ألا تعود إلى الوراء”.
في شهر رمضان المبارك من كل عام، تنتشر الزراعة الرمضانية وتتحول المساحات الصغيرة المحيطة بالمنازل الريفية إلى “مجاول” أو “حواكير” (مزارع منزلية مصغرة)، تُزرع فيها الخضروات الخاصة بالشهر الفضيل، مثل الكراث والبقل والكزبرة وغيرها من النباتات الرمضانية.
وتُعد هذه الزراعة طقسا ريفيا سنويا لا يكتفي بمواجهة الارتفاع الموسمي لأسعار الخضروات في الأسواق فحسب، بل ينسج للقرويين أجواء روحانية خاصة، تجعل من الصيام والزراعة طقسين يتعانقان في رحاب الطبيعة.
إرث الأجداد
في منطقة قدس جنوب تعز، يقف الحاج “عبدالسلام حمود (70 عامًا)” بملامحه التي تشبه تجاعيد الأرض، يتأمل حوضه الزراعي الذي تفوح منه روائح البقل والزعتر، يمرر يده الخشنة على أوراق الخضروات الندية ويقول لـ”ريف اليمن”: “منذ خمسين عاما، وما إن نقترب من شهر رمضان، حتى نحول محيط البيت إلى مزرعة رمضانية”.
يتنفس الحاج عبدالسلام بعمق، وكأنه يستنشق ذكريات السنين، ويضيف: “نزرع في هذا المكان الصغير ما يغطي احتياجات الأسرة ويخفف عنا كاهل المصروف، فهنا تجد البقل، والكراث، والثومة، والبسباس (الفلفل الحار)، والبصل الأخضر، والزعتر، والكُبَش (الملفوف)، والنبتة المعروفة محليا بـ”الخوعة” أو “العنصيف”.
ولا يخفي الحاج حمود غصته من تراجع هذه العادة بسبب شح الأمطار وضعف اهتمام الأجيال الشابة بعادات الآباء، متمنيًا أن تحظى هذه الزراعة المنزلية بدعم يجعلها تنبض بالحياة طوال العام، لا أن تذبل برحيل الشهر الفضيل.
في الأرياف، لا يكتمل الجو الرمضاني ولا تتزين مائدة الإفطار إلا برائحة الخوعة النفاذة التي تتسلل من النوافذ، تلك النبتة العطرية التي تعانق الحقين الرائب في طبق الشفوت التراثي.
يتم زراعة الخاصة بالشهر الفضيل، مثل الكراث والبقل والكزبرة وغيرها من النباتات الرمضانية
المزارع “سعد أحمد اليوسفي” يمتلك هو الآخر مساحة صغيرة بجوار منزله، يطلق عليها بحب اسم “المجول”، وهو الحوض المخصص عادة لزراعة النباتات العطرية، لكنه في رمضان يتحول إلى سلة غذاء خضراء مصغرة.
الانتماء للأرض
يقول اليوسفي لـ “ريف اليمن”: “الزراعة اليدوية لها مذاق خاص يجعل رمضان أكثر لطفًا وفرحًا، فهي تعزز شعورنا بالانتماء لهذه الأرض التي تطعمنا وقت الحاجة”، لافتا إلى أنه يزرع في المجول الطماطم والكزبرة والبقدونس والبقل، وقطفها طازجة قبل الأذان.
وفي لوحة تجسد عمق الارتباط بالأرض، يروي اليوسفي كيف يتغلب هو وأسرته على أزمة الجفاف؛ إذ يجمعون مياه غسل الأيدي أو الخضروات في المطبخ ليعيدوا استخدامها في ري المجول، في عملية تدوير عائلية بسيطة تضمن بقاء الخضرة حية في قلب الجفاف.
في جبل صبر، حيث تلامس السحب القرى والمدرجات الزراعية، لا تعد زراعة الخضروات مجرد وسيلة لسد رمق الجوع، بل مهرجانا لاستقبال شهر الصيام، ويرى المزارع “مهيوب الصبري” أن بهجة رمضان تبدأ منذ لحظة تقليب التربة وبذر البذور.
عبدالقادر: نزرع الأرض طوال العام لكن في رمضان نضاعف الاهتمام فالمنتج المحلي أقل تكلفة(ريف اليمن)
يقول الصبري لـ”ريف اليمن”: “كل عام قبل رمضان نجهز مساحة زراعية صغيرة، وهذا ليس مجرد عمل، بل طقس أساسي وجزء من فرحتنا الرمضانية التي لا تكتمل البهجة إلا بها”.
ورغم شح المياه الذي يعتصر الجبال، يأبى الصبري أن يترك مزرعته للعطش؛ إذ يحمل وعاءه البلاستيكي (الدبة) يوميًا ويجلب الماء من مسافات بعيدة ليسقي شتلاته حتى تثمر.
وحين يحين وقت الحصاد، تتجلى إحدى أجمل صور رمضان الريفية وهي التكافل، فلا تكتفي أسرة الصبري بما تجنيه، بل توزع الخضروات الطازجة على الجيران، لتفوح رائحة المحبة في بيوت الجيران.
محاصيل رمضانية
في عزلة بني يوسف، يتسع المشهد من مجرد اكتفاء منزلي إلى خيرات تفيض على القرى المجاورة، حيث يعكف المزارع “عبدالقادر السيد” على زراعة مساحات واسعة من أرضه بالخضروات، تتصدرها الطماطم والكزبرة والبقدونس والكوسة والبقل.
يقول السيد لـ”ريف اليمن”: “نزرع الأرض طوال العام، لكن في رمضان نضاعف الاهتمام؛ فالمنتج المحلي القادم من أرضنا أقل تكلفة من الخضروات التي تجلب من خارج المنطقة وترتفع أسعارها بسبب أجور النقل”.
لا يكتفي السيد بالزراعة، بل يبتكر آلية رمضانية لتسهيل وصول الخضروات إلى الصائمين؛ إذ يكلّف عمالا يتجولون في القرى حاملين الخضار الطازجة من الساعة الواحدة ظهرا وحتى الخامسة عصرًا، لترويجها وبيعها على المواطنين.
ثابت: الطلب يتضاعف في رمضان، حيث يتوق الأهالي إلى الخضروات الطازجة(ريف اليمن)
ولا يقتصر الأمر على السيد وحده؛ فالمزارع “محمد ثابت” يشاركه الشغف نفسه، مركزا على محاصيل أساسية ولا غنى عنها في مائدة الإفطار مثل الطماطم والكراث والبقل والملفوف.
يؤكد ثابت لـ”ريف اليمن” أن الطلب يتضاعف في رمضان، حيث يتوق الأهالي إلى الخضروات الطازجة، ويصف كيف تُحمل هذه الخضروات على ظهور الحمير لتجوب المنحدرات الجبلية وتصل إلى منازل المواطنين ونقاط تجمعهم.
ويلفت إلى أن ما يفيض عن حاجة القرية يجد طريقه إلى سوق المديرية، بل تصل الحمير المحملة بالخضروات إلى مديرية الصلو المجاورة، في حركة زراعية نشطة تخفف الكثير من الأعباء المعيشية على سكان المنطقة، وتعود بالنفع الاقتصادي على المزارعين.
انطلقت مساء السبت في العاصمة المؤقتة عدن فعاليات المعرض الوطني للبن والتمر، الذي تنظمه وزارة الزراعة والري والثروة السمكية بدعم وتمويل بنك التسليف التعاوني والزراعي (كاك بنك)، تحت شعار “ثروة وطن”.
ويهدف المعرض، الذي يستمر ثلاثة أيام، للترويج لمنتجات البن والتمر اليمنية وتسويقها، وإبراز ما تتميز به من جودة عالية، إضافة إلى دعم المزارعين وخلق فرص اقتصادية لواحدة من أهم المحاصيل النقدية في البلاد.
وأكد وزير الزراعة والري والثروة السمكية سالم السقطري أهمية المعرض في دعم المزارعين والتعريف بالمنتجات الزراعية اليمنية، مشيرًا إلى أن نحو 75 في المائة من السكان في اليمن يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.
من جانبه، أوضح وزير الدولة محافظ عدن عبدالرحمن شيخ أن احتضان عدن لمثل هذه المعارض الاقتصادية والثقافية يعكس مكانتها التاريخية ودورها كمركز اقتصادي وتجاري، مشيرا إلى أن هذه الفعاليات تمثل مؤشرًا على عودة النشاط الاقتصادي والثقافي إلى المدينة.
بدوره، قال وكيل وزارة الزراعة والري المهندس عبدالملك ناجي إن المعرض يهدف إلى الترويج للبن اليمني الذي ذاع صيته عالميًا، باعتباره محصولًا نقديًا ارتبط بتاريخ وثقافة اليمن منذ قرون، إضافة إلى إبراز جودة التمور اليمنية وإمكاناتها التسويقية.
وأكد القائم بأعمال رئيس مجلس إدارة بنك التسليف التعاوني الزراعي حاشد الهمداني أن دعم البنك للمعرض يأتي في إطار تشجيع القطاع الزراعي وتعزيز إنتاج البن اليمني الذي يمثل أحد أبرز الرموز الاقتصادية والتاريخية للبلاد.
كما أشار القائم بأعمال الممثل المقيم لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في اليمن إلى استمرار التعاون مع وزارة الزراعة لدعم إنتاج البن وتطوير سلاسل تسويقه، والعمل على فتح أسواق خارجية جديدة لتصديره.
وعقب التدشين، طاف الوزراء والضيوف بأجنحة المعرض واطلعوا على المنتجات المعروضة من البن والتمر اليمني، واستمعوا إلى شرح حول جهود دعم سلاسل الإنتاج والتسويق لهذه المحاصيل، بحسب وكالة الأنباء الحكومية.
بعد صلاة الظهر مباشرة، تدخل الأربعينية أم محمد مطبخها في ريف الحداء بمحافظة ذمار، وتهمس في نفسها: “الآن يبدأ الشوط الثاني من العمل”، حيث تتحول مطابخ الريف اليمني في رمضان إلى ساحات عمل مضاعفة، تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام رغم مشقة الصيام وقسوة الحياة الريفية.
في الأرياف، يتقاطع الصيام مع قسوة الحياة اليومية ويكشف الأدوار النسوية الشاقة التي غالبا ما تبقى طي الكتمان وبعيدة عن الأضواء، فالمرأة الريفية في اليمن لا ترى رمضان مجرد طقس تعبدي، بل اختبارا يوميا لصبرها وتنظيمها وقدرتها على العطاء وسط شح الموارد وتراكم المسؤوليات.
تقول أم محمد: “من بعد صلاة الظهر، وأحيانًا قبلها، تبدأ رحلة الطبخ اليومية التي غالبًا ما تنتهي الساعة التاسعة مساء، مع غسل الصحون”، وتشير إلى أن “الأدوار تتوزع بين نساء البيت، وكل واحدة تتولى مهمتها على أكمل وجه، من غسل الصحون وتجهيز الأواني إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وصولا إلى بقية الأطباق التقليدية”.
وتضيف: “من غسل الصحون وتجهيز الأواني، إلى الطهي وتحضير الشوربة واللحوح والشفوت، وإعداد بقية الأطباق التقليدية، يتحول المطبخ إلى ساحة عمل تعكس صبر النساء وقدرتهن على إدارة الوقت وتنظيم المهام، وصناعة لحظات العائلة قبل الأذان”.
تتوزع المهام بين النساء، إذ تقول سامية من ريف إب: “أنا عليَّ الطبخ الرئيسي، أختي تتولى الخبز واللحوح، وبنتي الصغيرة مسؤولة عن السلطة وترتيب السفرة والحلويات، العمل يتقاسم، لكن التعب لا يختفي، فقط يتوزع بلطف”.
وتضيف لـ” ريف اليمن”: “أيام العزائم يتضاعف كل شيء، الكمية، الوقت، وحتى الجيران يشاركوننا في إنجاز المهام، أحيانًا أدخل المطبخ قبل الموعد بساعتين وأظل واقفة حتى بعد أذان المغرب”، مشيرة إلى أن “أكثر الوجبات حضورا هي الأطباق التي تطهى بكميات كبيرة لتكفي الجميع هي الأرز باللحم أو الدجاج، الشوربة، الفتّة، الشفوت، والخبز البلدي”.
أعباء مضاعفة
تؤكد “إقبال حسن”، مديرة إدارة تنمية المرأة الريفية بمكتب الزراعة والري بمحافظة أبين، أن النساء يتحملن أعباء مضاعفة خلال رمضان، في دورة يومية تبدأ من السحر وحتى الإفطار، وتوضح أن بعض النساء يبدأن نشاطهن مباشرة بعد السحور دون نوم، بين الأعمال المنزلية وتنظيف الحظائر، والتوجه للحقول لجلب أعلاف الماشية في رحلة شاقة قبل العودة لأخذ قسط وجيز من الراحة.
وجبات يمنية متنوعة (انترنت)
وتضيف: “تواصل المرأة بعد ذلك مهامها في تحضير متطلبات المائدة الرمضانية، مع رحلات لجلب الحطب مرتين أسبوعيا، معتمدة على المواقد التقليدية والتنانير الطينية، مما يضاعف الجهد البدني في ظل الصيام”.
وعن التحضيرات الاستباقية، أشارت إلى أن الاستعداد لرمضان يبدأ قبل حلوله؛ إذ تتولى المرأة ترميم وتجهيز المنزل عبر جلب الطين على ظهور الحيوانات لدهن الأرضيات والمطابخ، وإصلاح التنور والموقد باستخدام “الخَلْفَة” التقليدية، كما تشمل الاستعدادات تنقية الحبوب والقمح وتجهيزها للمطاحن، لتأمين الوجبات الرمضانية الأساسية.
أما رئيسة مؤسسة إنسان التنموية (HDF) “أندى الصلاحي”، فتقول إن النساء في الريف يعشن خلال الشهر الفضيل ضغطا مضاعفا، إذ لا يقتصر دورهن على العمل في الحقول ورعاية الأسرة، بل يمتد ليشمل إعداد وجبات رمضانية طويلة ومعقدة، في ظل أزمات خانقة تتعلق بالغاز وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.
وتوضح الصلاحي لـ “ريف اليمن”، أن هذا الجهد اليومي يستنزف طاقة النساء بشكل كبير، ويحول المطبخ الريفي إلى مساحة إضافية للمعاناة، حيث يتقاطع العمل المنزلي مع قسوة الظروف المعيشية في الريف، من شح الموارد إلى صعوبة الوصول للخدمات الأساسية.
الصلاحي: عمل النساء في المطبخ جزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق
وحول نظرة المجتمع لهذا الجهد، تشير الصلاحي إلى أن العمل الذي تقوم به النساء في المطبخ الريفي ما يزال في كثير من الأحيان، يختزل في كونه “دورا تقليديا”، رغم أنه جهد إنتاجي واجتماعي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق ويتطلب دعما حقيقيا وتخفيفا فعليا.
وتشير الصلاحي إلى أن المجتمع لا يدرك حجم المعاناة الكامنة خلف إعداد الطعام في ظل الغلاء، وانقطاع الغاز، وصعوبة الحصول على الوقود والمياه، مؤكدة أن هذا العمل يجب أن يُعترف به كجزء أساسي من الاقتصاد المنزلي والمجتمعي، وجهد إنتاجي لا يقل أهمية عن العمل في الحقل أو السوق.
وفي ما يتعلق بالحلول، تشدد رئيسة مؤسسة إنسان على الحاجة الملحة لإطلاق مبادرات إنسانية تستهدف تخفيف العبء عن النساء الريفيات خلال رمضان، من خلال توفير أدوات منزلية موفرة للوقت والجهد، وإنشاء مطابخ جماعية، أو اعتماد برامج تبادل الأطباق بين الأسر لتقليل الضغط اليومي.
كما أشارت إلى ضرورة تعزيز برامج الدعم الغذائي التي تضمن توفير المواد الأساسية مسبقا، خاصة في ظل الغلاء وأزمات الوقود والغاز، إلى جانب تبني حلول مرتبطة بالتكيف مع التغيرات المناخية، مثل دعم الزراعة المستدامة وتوفير مصادر طاقة بديلة، لمساندة النساء في مواجهة التحديات المتزايدة للحياة الريفية.
فطير داخل تنور طيني في إحدى قرى مديرية سامع جنوبي تعز(ريف اليمن)
دور مجتمعي
يشير “شاهر سعد”، مدير الإعلام بمكتب الزراعة بمحافظة تعز، إلى أن إعداد الطعام الرمضاني في الريف ليس نشاطا فرديا فقط، بل طقس جماعي يرتبط بالهوية الاجتماعية والدينية فالمرأة الريفية تستشعر نوعاً من العبادة غير المباشرة، إيمانا بالأجر الديني لإطعام الصائم، كما تعيش حالة من الإنجاز الاجتماعي، حيث جودة المائدة وانضباطها يعكس كرم البيت وحسن إدارته.”
ويضيف لـ”ريف اليمن: “النساء يتشاركن في تحضير المخبوزات التقليدية مثل الملوح واللحوح والخمير، وتبادل الأطباق الأصيلة مثل الشفوت والعصيد والسمبوسة، مما يحول المطبخ إلى مساحة للتعلم والتوريث الثقافي بين الجدات والأمهات والفتيات، ويعزز قيم التكافل الاجتماعي ويمنح المرأة حضورا اجتماعيا فاعلا ومؤثرا من قلب منزلها.
ويلفت سعد إلى أن خبرته التي تمتد لأكثر من عقد في الوسط الريفي كمسؤول إرشاد وإعلامي، مكنته من ملامسة الدور المحوري الذي تضطلع به المرأة الريفية، لاسيما خلال شهر رمضان المبارك؛ حيث يتحول إعداد الطعام من مجرد روتين يومي إلى فعل اجتماعي ونفسي عميق الدلالة.
“ترتبط مكانة المرأة في الثقافة الريفية من خلال قدرتها الفائقة على إدارة الوقت، وتنويع المائدة، وإكرام الضيف؛ إذ يعد نجاحها في هذا “الاختبار الرمضاني” معيارا لنيل تقدير مجتمعي واسع، مما يجعل رأيها سديدا ومحل استشارة لدى قريناتها، وصولا إلى تحولها لمرجع موثوق في فنون الطهي التقليدي”، يقول سعد.
ويشير إلى أن العادات الريفية تفرض اعتمادا كليا على المنتجات المحلية كـ “الذرة، والدخن، واللبن، والسمن البلدي”، مع الحفاظ على أطباق رئيسية أصيلة مثل “السلتة، واللحوم، والحلبة”، ما يبرز الدور المحوري للمرأة بوصفها “حارسة للإرث الغذائي”.
*صورة الغلاف لوحة فنية لإمرأة ريفية أثناء صناعة الطعام باستخدام موقد الحطب(عزيز المعافري)
يُعد التفاح من أهم الأشجار المثمرة التي أثبتت نجاحها في المرتفعات اليمنية، خصوصاً في المناطق ذات المناخ البارد والمعتدل مثل صعدة وعمران وصنعاء وذمار.
ويبدأ نجاح زراعة التفاح بالتخطيط السليم لمرحلة التأسيس، لأن أي خطأ في البداية قد ينعكس سلباً على إنتاجية الأشجار لسنوات طويلة.
في هذا الدليل الإرشادي، تستعرض منصة ريف اليمن أهم الخطوات التي تساعد المزارعين على تأسيس مزرعة تفاح ناجحة وتحقيق إنتاج مستقر، بناءً على ما ذكره الخبير المختص في منصة ريف اليمن محمد الحزمي.
اختيار الموقع (نصف النجاح)
يُعد اختيار الموقع المناسب الخطوة الأهم في نجاح المشروع، إذ تؤثر الظروف البيئية بشكل مباشر على نمو الأشجار وإنتاجيتها، وعند اختيار موقع مزرعة التفاح ينبغي مراعاة ما يلي:
– تجنب الأراضي المكشوفة للرياح الشديدة، أو إنشاء مصدات رياح من الأشجار الدائمة الخضرة.
– اختيار مناطق تتوفر فيها ساعات البرودة الكافية خلال الشتاء بحسب الصنف المزروع.
– التأكد من أن التربة جيدة الصرف وخالية من الملوحة.
– الابتعاد عن الأراضي التي تنتشر فيها الأعشاب المعمرة.
– يفضل تجنب الأراضي التي كانت مزروعة بمحاصيل خضروات تعرضت لأمراض التربة.
– في حال كانت الأرض مزروعة سابقاً، يُنصح بزراعة محاصيل بقولية مثل الفول أو البرسيم لتحسين خصوبة التربة وكسر دورة الأمراض.
– يسهّل القرب من الطرق عملية نقل المدخلات الزراعية وتسويق الإنتاج.
ملاحظة: يُنصح بإجراء تحليل للتربة ومياه الري قبل الزراعة لمعرفة درجة الحموضة ونسبة الملوحة والعناصر الغذائية، وذلك في المختبرات المتخصصة بفحص التربة والمياه.
تُعد الغراس الجيدة أساس المزرعة الناجحة، لذلك يجب الحصول عليها من مصادر موثوقة. ويُوصى بمراعاة ما يلي:
– استخدام غراس مطعمة على أصول بذرية في الزراعات المطرية.
– استخدام أصول خضرية (مقزمة أو نصف مقزمة) في الزراعات المروية.
– اختيار أصناف ملائمة للمنطقة من حيث احتياجاتها من ساعات البرودة.
– اختيار أصناف مرغوبة في السوق لضمان تسويق جيد للمحصول.
– زراعة أصناف متأخرة الإزهار في المناطق المعرضة للصقيع الربيعي.
– زراعة أصناف ملقحة متوافقة في موعد الإزهار لضمان عقد جيد للثمار.
مواصفات الشتلة الجيدة
عند شراء شتلات التفاح يجب التأكد من توفر عدد من المواصفات التي تدل على قوة الشتلة وصحتها، ومن أهمها:
– أن يكون عمر الشتلة بين سنة وسنتين بعد التطعيم.
– أن لا يقل ارتفاعها عن 75 سم فوق منطقة التطعيم.
– أن لا يقل قطر الساق عن 3 سم.
– أن يكون لها مجموع جذري قوي بطول لا يقل عن 25 سم.
– أن تكون ذات رأس واحد وأفرع موزعة بشكل متوازن.
– أن تكون من مصدر موثوق يضمن صحة الأصل والصنف.
تجهيز الأرض للزراعة
يؤثر تجهيز الأرض بشكل كبير على عمر الأشجار وإنتاجيتها، لذلك ينبغي تنفيذ هذه الخطوة بعناية من خلال:
– إزالة الأحجار الكبيرة وبقايا الجذور.
– التخلص من الحشائش المعمرة.
– حراثة الأرض وتقليب التربة بعمق يصل إلى 60–70 سم.
– إضافة سماد عضوي متحلل جيداً بمعدل نحو 2 كجم لكل حفرة زراعة.
– تأمين مصدر ري مناسب، ويفضل استخدام نظام الري بالتنقيط.
مسافات الغرس
تختلف مسافات الزراعة حسب نوع الأصل المستخدم ونظام تربية الأشجار، ومن المسافات الشائعة:
– 4 × 4 متر عند استخدام الأصول القوية.
– 3 × 4 متر أو 2.5 × 4 متر عند استخدام الأصول المقزمة.
طريقة الزراعة الصحيحة:-
– أفضل موعد للغرس هو فترة السكون الشتوي.
– تحفر حفرة بأبعاد 40 × 40 × 40 سم.
– تزرع الشتلة على عمق 20–30 سم.
– يجب أن يكون موضع التطعيم أعلى من سطح التربة بـ 7–10 سم.
– توضع دعامة خشبية بجانب الشتلة وتربط بعقدة مرنة من جهة الرياح.
– يُفضل أن يكون موضع الطعم بعكس اتجاه الرياح السائدة لحمايته من الكسر.
طريقة الزراعة الصحيحة
لضمان نجاح عملية الغرس ينصح باتباع الخطوات التالية:
– أفضل موعد للغرس هو فترة السكون الشتوي.
– حفر حفرة بأبعاد 40 × 40 × 40 سم.
– زراعة الشتلة على عمق يتراوح بين 20 و30 سم.
– يجب أن يكون موضع التطعيم أعلى من سطح التربة بنحو 7–10 سم.
– وضع دعامة خشبية بجانب الشتلة وربطها بعقدة مرنة لحمايتها من الرياح.
– يفضل أن يكون موضع الطعم بعكس اتجاه الرياح السائدة لتقليل احتمالات الكسر.
الاستثمار في التأسيس الجيد يعني إنتاجاً مستقراً لأكثر من 20 سنة
توصيات
نجاح مزرعة التفاح لا يعتمد فقط على الغرس، بل يتطلب إدارة زراعية مستمرة تشمل:
– الإدارة الجيدة للري.
– التسميد المتوازن وفق احتياجات الأشجار.
– التقليم السنوي الصحيح لتحسين النمو والإنتاج.
– مكافحة الآفات والأمراض في الوقت المناسب.
إذاً يمثل الاستثمار في التأسيس الجيد لمزرعة التفاح خطوة حاسمة لنجاح المشروع على المدى الطويل، إذ تضمن الإدارة الصحيحة منذ البداية نمواً سليماً للأشجار وإنتاجاً مستقراً يمكن أن يستمر لأكثر من 20 عاماً، ما يجعل زراعة التفاح خياراً واعداً ومربحاً للمزارعين.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
لم يكن الطبل الذي يصدح في ليالي رمضان في الريف اليمني مجرد وسيلة لإيقاظ الناس للسحور، بل كان جزءا من طقوس اجتماعية أصيلة شكلت لسنوات طويلة أحد أبرز ملامح الحياة الرمضانية في القرى، فعلى إيقاع ضرباته كان السكان يستيقظون في توقيت واحد، ويتشاركون لحظة السحور في أجواء يملؤها الأنس والتكافل.
هذا الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة واندثر تدريجيا مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا الحديثة، ليبقى حاضرا فقط في ذاكرة الكبار الذين ما زالوا يستعيدون تلك الأيام بحنين واضح.
الحنين إلى زمن الطبل
يقول “عبدالله أمين (68 عاما)” من قرى مديرية السياني بمحافظة إب إن اندثار بعض مظاهر الموروث الشعبي بات يهدد بفقدان جانب مهم من التراث اليمني، خاصة في الريف الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة بفعل انتشار التكنولوجيا.
ويضيف أمين لـ”ريف اليمن”: “ارتبط صوت الطبل في ذاكرتنا منذ الطفولة بأوقات السحور في رمضان، حيث كنا ننتظر صوته في هدوء الليل لنستيقظ ونتناول السحور، كان رمزا للترابط الاجتماعي، وصوتا يمنح ليالي رمضان نكهة خاصة نفتقدها اليوم ونتمنى أن يعود”.
أما “ملوك أحمد (57 عاما)” من قرية نخلان بمحافظة إب، فتتذكر تلك الليالي الرمضانية التي كانت تمتلئ بالحياة والحركة، وكان صوت الطبل من أبرز مظاهرها.
وتتحسر ملوك على غيابه قائلة: “كان بالنسبة لي ولصديقاتي الصوت الجميل الذي كنا نترقبه كل ليلة، كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة، لكنها اليوم اختفت، ولم يعد لرمضان الطعم ذاته الذي كان في السابق”.
عادة ريفية مشتركة
لم تكن هذه العادة مقتصرة على منطقة بعينها، بل كانت حاضرة في معظم قرى الريف اليمني، ففي ريف محافظة البيضاء مثلا كان قرع الطبل ملازما لليالي السحور وجزءا أساسيا من طقوسه، حيث كان أحد أبناء القرية يجوب الطرقات ليلا لإيقاظ السكان.
الصوت الذي اعتادته القرى الريفية في محافظات مختلفة لعقود طويلة غاب في السنوات الأخيرة مع تغيّر أنماط الحياة ودخول وسائل التكنولوجيا
وتشير “أم محمد البيضاني (45 عاما)” من قرية الصومعة بمحافظة البيضاء إلى أن هذه العادة كانت تعكس روح التعاون بين أبناء القرية، إذ كان بعض الجيران يتولى إيقاظ من لم يسمع صوت الطبل، في صورة من صور التضامن الاجتماعي التي ميّزت حياة الريف.
وتضيف أن والدتها كثيرا ما كانت تروي لهم قصصا عن تلك الأيام، وكيف كان صوت الطبل جزءا من تفاصيل الحياة الرمضانية اليومية، الأمر الذي جعل غيابه اليوم أكثر وضوحًا لدى من عاشوا تلك المرحلة.
وفي قرية الأبرق بمحافظة عمران، تستذكر “أم أسامة (60 عاما)” الرجل الذي كان يتولى مهمة قرع الطبل في ليالي رمضان، حيث كان يمر بيتًا بيتًا لإيقاظ الناس للسحور.
وتقول لـ”ريف اليمن”: “كان يجوب أزقة القرية ليلا لإيقاظ الناس للسحور، لكن بعد وفاته غابت معه هذه العادة، ومع غيابها فقد السحور نكهته التي اعتدنا عليها، كما فقد شهر رمضان كثيرا من حيويته وأنسه، فقد كان الناس يتسحرون في توقيت واحد، أما اليوم فأصبح لكل بيت طريقته الخاصة في الاستيقاظ للسحور”.
أما “محمد الإبي (65 عاما)” من قرى مديرية السياني، فقد كان من آخر من مارسوا هذه العادة، حيث ورث مهمة قرع الطبل عن والده، ويقول: “كنت أرافق والدي في قرع الطبل لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يسمعه أهل القرية ويستيقظوا للسحور”.
ويضيف الأبي لـ”ريف اليمن”: “لم نكن نتقاضى مقابلا ماديا، بل كنا نعتبرها أمانة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وكان شعورنا بالرضا كبيرا عندما نرى الناس يستيقظون بعد سماع صوت الطبل”، غير أن هذه العادة، بحسب الإبي، اختفت تدريجيا مع تغير نمط الحياة واعتماد الناس على المنبهات الحديثة.
ملوك: كنا ننتظر رمضان بفارغ الصبر لنسمع صوت الطبل في وقت السحور، إلى جانب عادات أخرى كانت تمنح الشهر روحا مختلفة
يرى الباحث في الموروث الشعبي “محمد الشهاري” أن قرع الطبل في رمضان، إلى جانب إطلاق المدفع في بعض المناطق، كان من التقاليد الاجتماعية المرتبطة بالحياة الرمضانية في اليمن.
ويقول لـ”ريف اليمن” إن هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف اليمني، حيث كانت التقاليد تنتقل بين الأجيال بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية.
ويشير الشهاري إلى أن التطور التكنولوجي وظهور وسائل التنبيه الحديثة مثل الهواتف المحمولة أسهما في تراجع هذه العادات، إلى جانب تغيّر أنماط الحياة وتراجع الاهتمام بالموروث الشعبي.
ويلفت إلى أن ضعف الاهتمام الرسمي بالحفاظ على التراث الشعبي، إضافة إلى تراجع دور الحكماء والعلماء في المجتمع الريفي، أسهم أيضا في اندثار كثير من التقاليد، داعيا إلى ضرورة إحياء هذا الموروث الشعبي، لأن اندثاره يؤدي إلى فجوة بين الأجيال ويضعف ارتباط الجيل الحاضر بجذوره الثقافية.
عادات رمضانية اندثرت
يستعيد الحاج “محمد الذيفاني (65 عاما)” من قرى مسور بمحافظة عمران جانبا من العادات الرمضانية التي كانت سائدة في الماضي. ويقول: “كنا نستقبل رمضان بإشعال الشعلة من الحطب فوق أسطح المنازل، ثم يجتمع أهل القرية في الساحة قبل مغرب أول يوم من الشهر للتهليل والترحيب بقدوم رمضان”.
الباحث الشهاري: هذه العادة كانت تحمل دلالات دينية واجتماعية، وتعكس خصوصية الحياة في الريف
ويضيف أن الأطفال والشباب كانوا يرددون أهازيج شعبية مثل:”يا رمضان يا بو الحماحم… وأدي لنا قرعه دراهم”، أما موعد ما قبل السحور بنصف ساعة، كان بعض الرجال يقرعون “المرافع”، وهي إحدى أدوات الطبول، لتنبيه الناس بقرب وقت السحور، فتبدأ النساء بإعداد وجبات تقليدية مثل الفطير والقرم مع السمن والحليب والعسل البلدي.
يتابع: “لذلك نحن كبار السن افتقدنا تلك العادات التي اندثرت مع تغيّر الزمن ودخول وسائل حديثة أفقدت رمضان كثيرًا من نكهته وموروثه الشعبي، رغم أنها كانت عنوانًا لترابط المجتمع وتاريخه العريق”.
من جهته، يرى الشاب “ريان المليكي (22 عامًا)” أن قرع الطبل وغيره من العادات الرمضانية القديمة يمثل جزءًا من ذاكرة الجيل السابق، ويقول إن جدته كثيرا ما تحكي لهم عن تلك الأيام وتتحسر على غيابها.
وأشار إلى أن تلك العادات كانت تمنح رمضان أجواء روحانية واجتماعية مختلفة، مضيفا أن لكل زمن عاداته ونكهته الخاصة، غير أن غياب قرع الطبل من ليالي الريف اليمني ترك أثرا في ذاكرة الكبار، الذين يرون فيه رمزا لمرحلة كانت أكثر ترابطا وألفة.