بات الوضع الإنساني في اليمن أكثر خطورة من أي وقت مضى وما يزال يواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة، وفق ما أفادت ليزا دوتن المسؤولة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).
وقالت خلال إحاطة في مجلس الأمن الخميس “خلال هذا العام 2026 سيحتاج 22.3 مليون شخص -أي نصف السكان- إلى مساعدات إنسانية، بزيادة قدرها 2.8 مليون شخص عن العام الماضي”.
وذكرت أن اليمن لا يزال يواجه أسوأ أزمة جوع في المنطقة، ويتعرض النظام الصحي لضغوط متزايدة، محذرة من أن “هذا يؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، إذ يصبح الوصول إلى خدمات صحة الأم والطفل الأساسية أكثر صعوبة”.
وقالت “أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم 570 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم (الهزال الشديد).
يُعاني ما يقرب من نصف أطفال اليمن من التقزم، كما أن 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مُعرضات لخطر الإصابة بسوء التغذية هذا العام، أي في عام 2026.
وتعد اليمن الدولة التي تضم أكبر عدد من السكان (5.5 مليون نسمة) يعانون من ظروف انعدام الأمن الغذائي الطارئة من المرحلة الرابعة أو ما فوقها وفقًا للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
واستطردت قائلة: “يجب علينا العمل معا الآن لمنع عودة مستويات الجوع والمرض المدمرة التي شهدناها قبل بضع سنوات فقط، حين أثقل سوء التغذية والكوليرا كاهل النظام الصحي الهش وألحقا دمارا هائلا بالمجتمعات في جميع أنحاء البلاد”.
النظام الصحي
يتعرض النظام الصحي لضغوط متزايدة، حوالي 40% من المرافق الصحية إما متوقفة عن العمل أو معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل وتقليص شركائنا لعملياتهم.
وهذا يؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، حيث يصبح الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية الأساسية للأمهات أكثر تقييداً.
تتفاقم هذه الأزمة وسط ارتفاع في تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها وانخفاض معدلات التغطية بالتطعيم. أقل من ثلثي الأطفال فقط تلقوا التطعيم الكامل. وفق المسؤولة الأممية.
سجلت اليمن بين يناير وسبتمبر من العام الماضي أكثر من 18600 حالة إصابة بالحصبة و188 حالة وفاة، وهو من أعلى المعدلات في العالم.
كما سجلت اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا على مستوى العالم بين مارس 2024 ونوفمبر 2025، حيث بلغ عدد حالات الاشتباه بالكوليرا والإسهال المائي الحاد 350 ألف حالة، وبلغ عدد الوفيات المرتبطة بها 1100 حالة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
يجب العمل الآن
أكدت المسؤولة الأممية أنه رغم التحديات الشديدة، واصل العاملون في المجال الإنساني إنقاذ الأرواح في عام 2025، حيث قدم الشركاء مساعدات غذائية لأكثر من 5 ملايين شخص، ووفروا 3.3 مليون استشارة طبية، وعالجوا أكثر من 330 ألف طفل من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وأضافت: “تحقق هذا بتمويل لم يتجاوز 28.5% من النداء الإنساني، مما أجبرنا على اتخاذ خيارات صعبة”.
واستطردت قائلة: “يجب علينا العمل معا الآن لمنع عودة مستويات الجوع والمرض المدمرة التي شهدناها قبل بضع سنوات فقط، حين أثقل سوء التغذية والكوليرا كاهل النظام الصحي الهش وألحقا دمارا هائلا بالمجتمعات في جميع أنحاء البلاد”.
تواجه الزراعة في اليمن تحديات متعددة، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات للتوسع الزراعي، يتكبد المزارعون خسائر كبيرة في كل موسم بدلا من جني الأرباح، ويصطدمون بواقع مرير يفتقر لأدنى مقومات الحماية والنمو، لا سيما في ظل غياب رؤية وطنية لاستيعاب فائض الإنتاج وتحويله إلى صناعات تحويلية مستدامة.
المزارع “جهلان الحاشدي (27 عاماً)” رغم وفرة محصول الطماطم الذي جادت به أرضه هذا الموسم، اصطدم بواقع السوق المتردي، عقب انخفاض الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث أصبح سعر الكيلوجرام الواحد أقل من تكلفة إنتاجه الفعلية.
لم تتوقف معاناة الحاشدي عند انهيار الأسعار فحسب، بل امتدت لتكشف عجز البنية التحتية، إذ يوضح لـ “ريف اليمن” أنه حاول إنقاذ محصوله عبر التخزين، لكن مساعيه خابت نتيجة انعدام المصانع أو المنشآت التحويلية القريبة التي تضمن حفظ المنتج أو معالجته.
يقول الحاشدي: “كنت متفائلاً بهذا الموسم، وكان الإنتاج وفيراً، وتوقعت دخلاً مجزياً يغطي احتياجات عائلتي، لكنني اضطررت في نهاية المطاف لبيع المحصول بخسارة فادحة، وهو ما ألقى بظلاله القاسية على استقرارنا المعيشي”.
يرى الدكتور “أحمد محرن”، أستاذ قسم البساتين بجامعة لحج، أن ضعف البنية التحتية، وغياب الحوافز، وانعدام التخطيط القائم على البيانات، عوامل تكرّس حالة الكساد؛ مما يُكبد المزارعين خسائر مباشرة تتراوح بين 25% و45% من قيمة الإنتاج.
ويؤكد أن العائق الحاسم ليس فنياً أو تمويلياً، بل يكمن في غياب سياسة “صناعية زراعية” موحدة وتضارب الصلاحيات بين الجهات المعنية.
ويلفت إلى أن السياسات الزراعية ركزت تاريخياً على التوسع الأفقي وزيادة الإنتاج، مع إغفال الربط الاستراتيجي بعمليات التخزين والتصنيع والتسويق، مشيراً إلى أن إدارة القطاع الزراعي تتم بمعزل عن وزارة الصناعة وهيئات الاستثمار؛ مما يترك الفائض عرضة للتلف السريع أو البيع بأسعار زهيدة.
من جانبه، أكد المهندس “عبد الرؤوف الصبري”، مدير المواصفات وضبط الجودة بالإدارة العامة للتسويق الزراعي أن اليمن يفتقر لمنظومة وطنية لاستيعاب الفائض، وهو ما يترجم إلى خسائر بمليارات الريالات سنوياً. ويعزو الصبري هذا الإخفاق إلى هشاشة البيئة الاستثمارية وتراجع القوة الشرائية.
وفي حديث لـ “ريف اليمن”، قدر الصبري حجم الفاقد في محاصيل الخضروات والفواكه بأكثر من 40%، مشيراً إلى أن المصانع المحلية تعمل دون طاقتها القصوى، وتقتصر أنشطتها على المواسم فقط، في ظل نقص حاد في وحدات التجفيف والتحويل التي يمكنها تقديم منتجات وطنية منافسة.
معضلة التسويق
المهندس الزراعي “صديق جبريل” يطرح سؤالاً جوهرياً: “لمن نزرع ولمن ننتج؟” في إشارة واضحة إلى الفجوة بين وفرة التنوع النباتي وغياب الأسواق المنظمة، وهو ما يعزز الارتهان للاستيراد ويستنزف العملة الصعبة.
ويرى أن المواسم الزراعية تعيش صراعاً مستمراً بين زيادة الإنتاج وكساد السوق نتيجة غياب الكيانات المعنية بالتصنيع؛ ما يحرم المزارع من الدخل المستدام ويعيق تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وأوضح جبريل لـ “ريف اليمن” أن المخرج الحقيقي يكمن في إنشاء وحدات تصنيع ومعامل لتحويل الفائض إلى سلع استهلاكية؛ مما يضمن استقرار الأسعار وتعزيز الأمن الغذائي، مشددا على ضرورة الدعم الحكومي لتوسيع الرقعة الزراعية المخططة.
ويلفت إلى أن مناطق استراتيجية مثل تهامة والجوف، التي تُعد “سلة اليمن الغذائية”، لا تتجاوز المساحة المستغلة فيها 5% فقط، داعياً إلى تفعيل التصنيع لتقليل معدلات البطالة والهجرة.
“عبد الرحمن فتيني”، أحد كبار مزارعي الحديدة، يؤكد أن اتساع الهوة بين الإنتاج وتراجع القوة الشرائية ألحق ضرراً مباشراً بالمزارعين. ويختصر فتيني الحل في الزراعة التعاقدية لخلق بيئة تكاملية بين المزارع والمستثمر، وتطوير آليات التسويق عبر إزالة العوائق وتسهيل النقل.
ويشير فتيني إلى أن مواسم انخفاض الأسعار باتت تمتد لفترات طويلة منذ عام 2019، مما يتطلب تنسيقاً بين وزارات الزراعة والصناعة والنقل لجذب الاستثمارات.
و كانت دراسة ميدانية أجريت عام 2022 قد كشفت عن وجود 470 هيئة ووسيطاً تسويقياً في اليمن، إلا أن النتائج أظهرت ضعفاً حاداً في آليات التسعير ناتجاً عن معوقات إدارية وتعدد الوسطاء.
وفي دراسة متخصصة حول الانتاج الزراعي يشير الدكتور “إسماعيل محرم” إلى أن التسويق هو المحرك الأساسي للإنتاج؛ فرغم التحديات، تذبذبت قيمة الصادرات الزراعية اليمنية لترتفع من 198 مليون دولار عام 2002 إلى ذروتها في 2021 بواقع 614 مليون دولار.
ويرى محرم أن القطاع الزراعي اليمني يمر بتحول تاريخي في “التركيب المحصولي”، منتقلًا من “زراعة الكفاف” إلى “الزراعة من أجل السوق”. هذا التحول يفرض ضرورة ملحة لتطوير منظومة التصنيع والتسويق المنظم، لضمان تحويل الإنتاج إلى دخل مستدام يخدم الاقتصاد الوطني ويحقق الاستقرار للمزارع اليمني.
غياب التخطيط
أما الدكتور “عادل الهجامي”، أستاذ البستنة بجامعة صنعاء، قال إن الدور الحكومي لا يزال حبيس الجانب الإرشادي التقليدي، مع غياب ملموس للتخطيط الزراعي والصناعي الاستراتيجي، إذ يميل القطاع الخاص إلى تحقيق الأرباح السريعة عبر الاستيراد، مفضلا إياه على الاستثمار طويل الأمد في التصنيع الزراعي، رغم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي يضمنها هذا المسار للاقتصاد الوطني.
وأكد الهجامي لـ “ريف اليمن” أن هذا القصور يترجم فعلياً إلى خسائر مادية فادحة تُقدر بالملايين سنوياً نتيجة تلف محاصيل استراتيجية كالطماطم والمانجو والبطاطس. ولا تتوقف الأضرار عند الجانب المالي، بل تمتد لتشمل خسائر استراتيجية تتمثل في إحباط المزارعين وعزوفهم عن الإنتاج؛ مما يدفعهم لهجرة الريف وترك الأراضي، وهو ما يهدد بوضوح الأمن الغذائي القومي.
كما حدد عوائق جوهرية تحول دون نهضة التصنيع الزراعي، أبرزها: تهالك البنية التحتية غياب سلاسل التبريد والطاقة المستدامة، والتحديات التمويلية المرتبطة بارتفاع مخاطر الاستثمار في ظل غياب التسهيلات البنكية، مشيراً إلى العوائق التشريعية المتمثلة في غياب القوانين الحمائية للمنتج المحلي أمام منافسة المستورد، فضلاً عن ضعف ثقافة التصنيع لدى كبار المستثمرين.
وبحسب الهجامي فإن المخرج الحقيقي يكمن في تبني استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على إنشاء شركة مساهمة مجتمعية للتسويق والتصنيع الزراعي، واعتماد سياسة “إحلال الواردات”، مشدداً على ضرورة توطين الصناعات التحويلية في مناطق الإنتاج الرئيسية تهامة والجوف ومأرب وحضرموت؛ لضمان استدامة القطاع وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.
“ما أسباب تشقق ثمار البطيخ (الحبحب)؟” سؤال ورد إلى بريد منصة ريف اليمن ويتكرر بين المزارعين، خصوصاً في مناطق الإنتاج مثل تهامة وأبين وعمران ووادي حضرموت ولحج، حيث تتحول هذه الظاهرة مع اقتراب مرحلة النضج إلى خسارة مباشرة تؤثر على جودة المحصول وقابليته للتسويق.
تشقق ثمار الحبحب مشكلة فسيولوجية ترتبط أساساً بخلل في التوازن المائي والغذائي داخل النبات، إضافة إلى عوامل بيئية وصنفية يمكن الحد منها عبر إدارة زراعية دقيقة، ويُمثل انتظام الري والتغذية المتوازنة حجر الأساس في الوقاية من هذه الظاهرة.
في هذا التقرير الإرشادي نستعرض الأسباب الرئيسية وراء تشقق الثمار والعوامل المرتبطة بها، كما نوضح أبرز الإجراءات الوقائية والتوصيات العملية التي تساعد المزارعين على تقليل نسبة التشقق والحفاظ على المحصول.
أولاً: الأسباب الرئيسية لتشقق الثمار
1) اضطراب الري والامتصاص المفاجئ للماء: يُعد تعطيش النبات ثم ريّه بكميات كبيرة السبب الأكثر شيوعاً. فعند توفر الماء فجأة تمتص الجذور كميات كبيرة، ما يؤدي إلى تضخم سريع في اللب الداخلي يفوق قدرة القشرة على التمدد، فتحدث التشققات، وينطبق الأمر ذاته عند هطول أمطار غزيرة بعد فترة جفاف، خصوصاً في المراحل المتأخرة من النمو.
2) التقلبات المناخية: الفروق الحادة في درجات الحرارة بين الليل والنهار، أو تغير مستويات الرطوبة الجوية، تُحدث إجهاداً للنبات وتضعف مرونة القشرة، خاصة في البيئات الحارة الجافة.
3) الإفراط في التسميد الآزوتي: الزيادة في النيتروجين تعزز النمو الخضري على حساب صلابة الثمار، فتنتج أنسجة أكثر طراوة وأقل تحملاً للضغط الداخلي.
4) نقص الكالسيوم والبورون: الكالسيوم عنصر أساسي في تقوية جدران الخلايا، بينما يسهم البورون في انتظام انقسام الخلايا ونقل السكريات. نقصهما يؤدي إلى ضعف القشرة وسهولة تمزقها.
5) ملوحة التربة وضعف الجذور: ارتفاع الملوحة أو إصابة الجذور بالأمراض الفطرية يضعف كفاءة الامتصاص ويخلّ بالتوازن الغذائي، ما ينعكس سلباً على نمو الثمار وتماسكها.
6) حساسية بعض الأصناف: تختلف الأصناف في سمك القشرة ومرونتها؛ فالأصناف ذات القشرة الرقيقة أو سريعة النمو تكون أكثر عرضة للتشقق.
ايُعدّ تشقق ثمار الحبحب من أبرز المشكلات التي تواجه مزارعي البطيخ في اليمن، حيث يؤدي إلى تلف الثمار وخسائر اقتصادية، خاصة في مراحل النضج
ثانياً: الإجراءات الوقائية والإرشادات العملية
1) تنظيم الري – الحفاظ على انتظام الرطوبة في التربة طوال فترة تكوين الثمار.
– تجنب التعطيش الشديد ثم الري الغزير.
– تقليل كميات المياه تدريجياً عند اقتراب النضج.
– يُفضَّل استخدام الري بالتنقيط لضبط كميات المياه بدقة.
2) التسميد المتوازن – تقليل التسميد الآزوتي بعد عقد الثمار.
– تعزيز البوتاسيوم لتحسين جودة القشرة والصلابة.
– إجراء تحليل للتربة لتحديد الاحتياجات الفعلية بدقة.
3) دعم الكالسيوم والبورون – البدء بالرش الورقي منذ مرحلة الإزهار.
– تكرار الرش وفق التوصيات الفنية وبجرعات معتدلة.
– يمكن إضافة الأحماض الأمينية لتحسين الامتصاص.
4) حماية المجموع الجذري – مكافحة أمراض الجذور مبكراً باستخدام مبيدات موصى بها.
– تحسين الصرف الزراعي لتجنب ركود المياه.
– إضافة المادة العضوية لتحسين بنية التربة وقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة.
5) اختيار الصنف المناسب – اعتماد أصناف معروفة بقدرتها على التحمل في ظروف المنطقة.
– استشارة الجهات الإرشادية أو المشاتل المعتمدة قبل الزراعة.
مما سبق وجدنا أن تشقق ثمار الحبحب ليس ظاهرة عشوائية، بل نتيجة مباشرة لخلل في إدارة الري أو التغذية أو اختيار الصنف، ولهذا يظل انتظام الري، والتسميد المتوازن مع العناية بعنصري الكالسيوم والبورون، ومتابعة الحقول بدقة خلال الأسابيع الأخيرة قبل الحصاد، عوامل حاسمة في تقليل نسبة التشقق والحفاظ على محصول قابل للتسويق.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام
تعد الزراعة في اليمن ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومصدراً رئيساً للأمن الغذائي، فهي تمتلك إمكانات كبيرة حال استثمارها بشكل مدروس ومنظم، لكن اليمنيون لم يستغلون المورد الحيوي بالشكل الأمثل، حيث شهد القطاع الزراعي تدهورا في السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل المركبة.
الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية أدت إلى ضعف التخطيط والإنتاج الزراعي، كما أدى شح المياه وتراجع هطول الأمطار إلى ضغوط إضافية على الأرض والموارد المائية، مما انعكس سلباً على الزراعة والمزارعين.
مع ذلك، يبقى العامل الأكثر خطورة في الوقت الحالي هو تراجع الخبرة والوعي الزراعي لدى الجيل الجديد، حيث أن النقص في الخبرة لا يقتصر أثره على موسم زراعي محدد أو على ظروف محددة، بل يمس جوهر العملية الزراعية ذاتها.
لا يبدو المشهد في الأرياف مطمئنا، إذ أن هجرة الشباب إلى المدن بحثا عن أعمال أخرى، أدت إلى انقطاع السلسلة المعرفية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر، ومع رحيل المزارعين القدامى، تراجعت الخبرة المتراكمة، وتُركت المدرجات الزراعية بلا صيانة، وغابت الممارسات التي كانت تحفظ التربة والماء.
يقول المزارع والناشط الزراعي مروان الجنحي إن عزوف الجيل الحالي عن الزراعة لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج وغلاء المعدات، وتراجع الإرشاد الزراعي.
وأوضح الجنحي لـ “ريف اليمن” أن التغيرات المناخية وقلة الأمطار في السنوات الأخيرة، كل ذلك جعل الزراعة، في نظر كثير من الشباب، “مغامرة خاسرة”.
تشير تقارير أممية إلى أن نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في البلاد تدهورت خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية إلى قرابة 17% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة.
الجنحي: كانت الزراعة قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة
في السياق يذهب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أبعد من ذلك، محذّرا من أن استمرار هذا المسار قد يكلّف البلد نحو 90 مليار دولار من ناتجه المحلي بحلول عام 2040، إضافة إلى تعميق أزمة سوء التغذية، ورغم أن القطاع الزراعي لا يزال يستوعب أكثر من نصف القوى العاملة، ويسهم بنحو 15–20% من الناتج المحلي، إلا أن قدرته على تأمين الغذاء تتراجع عاماً بعد آخر.
زراعة مرهقة
يوضح الجنحي أن الزراعة في اليمن كانت قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة، دون أن يقابل ذلك عائد مشجع.
وأكد أن كثيراً من المزارعين الشباب يقعون في أخطاء متشابهة هي: العمل دون تخطيط أو إرشاد، سواءً في إدارة المياه، واختيار محاصيل لا تناسب البيئة، لكن أخطر ما في الأمر، أن الأثر لم يعد يقتصر على ضعف الإنتاج، بل امتد إلى التربة نفسها.
تشير بيانات رسمية إلى أن الاعتماد المتزايد على الأسمدة الكيميائية والمبيدات خلال السنوات الأخيرة ساهم بشكل كبير في تدهور التربة وتسممها على المدى البعيد، فالاستخدام المفرط وغير المنضبط لهذه المواد يؤدي إلى فقدان العناصر الغذائية الطبيعية في التربة، ويقلل من نشاط الكائنات الدقيقة الضرورية لتحليل المواد العضوية والحفاظ على خصوبة الأرض.
تتسبب بعض المبيدات في تلوث المياه الجوفية والأسطحية، ما يؤثر بدوره على جودة المحاصيل وسلامتها الغذائية حيث أن هذا الواقع يخلق حلقة مفرغة مع تراجع خصوبة الأرض، يلجأ المزارعون لاستخدام كميات أكبر من الأسمدة والمبيدات، وهو ما يزيد من الضغط على التربة ويعجل بفقدان قدرتها على الإنتاج.
كما يؤدي الاعتماد على المواد الكيميائية إلى تآكل الممارسات التقليدية المستدامة، مثل التسميد العضوي وتنويع المحاصيل والحفاظ على المدرجات الزراعية، التي كانت في الماضي وسيلة طبيعية لحماية الأرض وزيادة الإنتاج.
فجوة معرفية
لا يبدو تراجع كفاءة الأداء الزراعي منفصلا عن الفجوة المعرفية المتسعة بين الأجيال، إذ دخل كثير من الشباب إلى العمل الزراعي دون امتلاك الحد الأدنى من الخبرة العملية أو التأهيل الفني، في ظل غياب الإرشاد الزراعي وضعف برامج التدريب والتأهيل.
ومع تغيّر أنماط الحياة وتراجع انتقال الخبرة من الآباء إلى الأبناء، لم تعد الممارسة الزراعية تُبنى على التراكم المعرفي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مجرد محاولات عشوائية تُدار بالاجتهاد والخطأ.
تقارير أممية: نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في اليمن تدهورت خلال السنوات الماضية فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية قرابة 17%
في بيئة زراعية معقدة تتأثر بالمناخ وشح المياه وتقلبات السوق، يتحوّل نقص الخبرة إلى عامل خسارة مباشر، ويجعل المزارع الشاب عاجزاً عن التخطيط السليم للمواسم أو اختيار المحاصيل أو إدارة الموارد بكفاءة.
تشير الدراسات والتقارير الزراعية إلى أن بعض المناطق الزراعية فقدت أكثر من نصف خصوبتها خلال السنوات الماضية، نتيجة تراكم ممارسات زراعية غير مستدامة، مثل الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، إلى جانب ضعف برامج حماية التربة، وسوء إدارة المياه، وتأثير الضغوط المناخية المتزايدة.
ما هو دور المؤسسات؟
يؤكد المهندس عبدالإله أحمد مرشد، رئيس قسم الوقاية في الهيئة العامة للبحوث الزراعية بمحافظة تعز أن هناك جهود تدريب وإرشاد تُنفَّذ بدعم من منظمات دولية، وتشمل دورات حول التغيرات المناخية والزراعة الذكية، وتطبيقات ميدانية في محاصيل الخضروات والحبوب والبن.
لكنه يعترف في حديثه لـ “ريف اليمن” بأن العمل البحثي متوقف إلى حد كبير منذ 2015 بسبب غياب الموازنة والأوضاع العامة، وأن دور الهيئة يقتصر حالياً على الاستشارات والتطبيقات الميدانية بتمويل خارجي.
وأوضح أن غياب الإحصائيات الميدانية الدقيقة، يَزيد المشهد تعقيدا مشيراً أن معظم البيانات المتوفرة حالياً تقديرية ومحدودة، وآخر الإحصاءات الرسمية تعود إلى 2023، في وقت شهد فيه عام 2025 جفافاً شديداً يتوقع أن ينعكس سلباً على إنتاج الحبوب المتنوعة والبن.
حلول مقترحة
يستذكر مروان الجنحي أساليب كان المزارعون يعتمدون عليها لحماية الأرض أبرزها: التسميد العضوي، إراحة التربة، تنويع المحاصيل، تنظيم السقي، وبناء المدرجات الزراعية، مضيفاً لـ “ريف اليمن” إن كثيراً من تلك الممارسات تراجعت اليوم لصالح حلول سريعة قائمة على الإكثار من الكيماويات، بحثاً عن ربح عاجل ولو على حساب الأرض.
تعاني الزراعة من أزمة معرفة وخبرة وإدارة حيث أدى تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد إلى ضعف الانتاج الزراعي
لا تتوقف آثار القصور المعرفي عند حدود موسم زراعي واحد، بل تتراكم عاماً بعد عام، إذ تؤدي الأخطاء المتكررة في الري والتسميد ومكافحة الآفات إلى إنهاك الأرض وتراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الزراعة.
ومع استمرار هذا النمط، تتحوّل الزراعة من مهنة قائمة على المعرفة والخبرة إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، وتزداد الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. وفي ظل غياب التأهيل المنهجي، يصبح التعافي بطيئاً، ويضيع جزء كبير من الجهد والموارد، ليس بسبب شح الإمكانات، بل بسبب ضعف المعرفة وسوء الإدارة.
أزمة الزراعة في البلاد لم تعد مجرد أزمة حرب أو مطر، بل أزمة معرفة وخبرة وإدارة إذ يرى البعض بأنه حتى في حال تحسّنت الظروف، فإن استمرار تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد سيبقي الإنتاج ضعيفاً، والتربة مهددة، والأمن الغذائي في دائرة الخطر.
يختصر الجنحي جوهر الحل فيقول: “نحتاج أن نجمع بين خبرة الآباء والأساليب الحديثة المدروسة، مع التخطيط الجيد وإدارة المياه بحكمة، لا البحث عن الربح السريع”،ويختم حديثه قائلاً إما أن نستعيد عقل الأرض أو نواصل خسارتها بصمت.
لم يكن المشهد في سوق مفرق جبل حبشي، غربي محافظة تعز، مجرد حركة بيع وشراء عابرة، بل لوحة ريفية مكتملة جسدها المعرض السنوي الثاني للمنتجات الحيوانية والزراعية والمهارات اليدوية، الهادف إلى دعم سبل العيش وتمكين الأسر المنتجة، وتحفيز الاقتصاد الريفي.
المعرض الذي أقيم الأسبوع الماضي، ولمدة يوم واحد، ضم منتجات محلية متنوعة تشكل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة، وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي في المديرية، من بينها الجبن البلدي، والسمن، والعسل، والبن، إلى جانب المنتجات الحرفية واليدوية، وأدوات التجميل، والأحذية، وغيرها من المنتجات الريفية.
يقول “أحمد ناجي مقبل”، أحد المشاركين في المعرض، إنه شارك من خلال منتجات العسل والزيوت، مشيرا إلى أن الإقبال من الزوار كان كبيرا، مؤكدا أن مثل هذه المعارض تمثل فرصة مهمة لتشجيع الإنتاج المحلي ودعم المشاريع الأسرية المنزلية، لما لها من دور في تحفيز العاملين في هذا المجال.
وأوضح مقبل لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفعاليات تفتح نافذة أمام الداعمين والجهات المهتمة للاطلاع على أنشطة المجتمع الريفي وإنتاجات الأسر، بما يسهم في تعزيز قدرتها على الصمود والاستمرار.
وبحسب ناجي، ضم المعرض عدة أجنحة متنوعة، من بينها جناح العسل والزيوت، وجناح السمن والحبن البلدي، إضافة إلى جناح الأحذية والملابس والإكسسوارات والبخور، إلى جانب جناح المحاصيل الزراعية والبن.
المعرض ضم منتجات محلية متنوعة تشكل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة (ريف اليمن)
مدير الإعلام في المديرية، “صفوان الجبيحي”، قال إن المعرض شهد إقبالا واسعا من المتسوقين، مؤكدا أن تنظيمه يأتي ضمن برنامج “تسهيل ربط السوق من خلال المنتديات التجارية ومعارض السوق”.
وأوضح الجبيحي لـ”ريف اليمن”، أن البرنامج تنفذه منظمة صناع النهضة بتمويل من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية، وبالشراكة مع المجلس النرويجي للاجئين، ويستفيد منه 426 مواطنا من أصحاب المشاريع في القطاعات الزراعية والحيوانية والحرفية.
ولفت إلى أن المعرض لا يقتصر على عرض المنتجات فحسب، بل يهدف إلى تحسين الظروف الاقتصادية للمجتمعات المحلية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المعيشية، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المناطق الريفية.
أدوات تجميل وعطورات من أسر منتجة داخل معرض جبل حبشي الريفي غربي تعز (ريف اليمن)
بدوره أوضح مدير إدارة المشاركة المجتمعية بالمديرية، “عبده سيف الراشدي”، أن أهمية هذه المعارض تكمن في دعم الريفيين عبر توفير منصة مباشرة لعرض وبيع المنتجات الزراعية والحيوانية واليدوية، الأمر الذي يسهم في فتح أسواق جديدة أمام المنتجين المحليين.
وأشار الراشدي خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذه المنتجات تمثل مصدر دخل أساسي للأسر المستفيدة، وتعمل على تحسين أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، إضافة إلى تشجيع الأسر الريفية على الاستمرار في الإنتاج وتطويره من خلال إبراز جهودهم وإنجازاتهم.
وسط الحضور، برزت مشاركة نسوية لافتة، “أم أمين”، إحدى المشاركات، عرضت منتجات الملابس النسائية ذات الإنتاج المنزلي، مؤكدة أنها شاركت في النسختين الحالية والسابقة من المعرض، واللتين شهدتا إقبالا ملحوظا من الزوار، لا سيما من الباحثين عن التخفيضات، حتى وإن كانت بسيطة.
وتشير أم أمين خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، إلى أهمية دعم مثل هذه الأنشطة والفعاليات، خصوصا ما يتعلق بتمكين النساء من خلال دعم مشاريعهن الخاصة، كتمويل مكائن الخياطة والحياكة وغيرها، داعية إلى استمرار إقامة هذه المعارض مع توسيع دائرة المشاركة، والعمل على تمويل المشاريع الأسرية لضمان استدامتها وتحسين مصادر دخل الأسر الريفية.
وتخوض المرأة الريفية معركة يومية للبقاء، وتؤكد تقارير البنك الدولي أن النساء يشكلن نحو 95٪ من القوى العاملة الزراعية في البلاد، وأكثر من 90% في مجال الثروة الحيوانية، ويقمن بأدوار متعددة تشمل الزراعة، والرعي، وإدارة المياه، وحفر القنوات، وتحسين أنظمة الري.
بدوره يرى مدير مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في المديرية، “منصور الحمودي”، أن مثل هذه المعارض تلعب دورا مهما في تعزيز الأمن الغذائي، عبر دعم الإنتاج المحلي من الخضروات والمنتجات الحيوانية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
يستفيد من المعرض 426 مواطنا من أصحاب المشاريع في القطاعات الزراعية والحيوانية والحرفية (ريف اليمن)
ويضيف الحمودي لـ”ريف اليمن”، أن هذه الفعاليات تخلق فرص دخل مستدامة للأسر الريفية، وتساعدها على مواجهة التحديات، مشددًا على أهمية استمرار الدعم المحلي والدولي لمشاريع التنمية الريفية بدلا من الاكتفاء بالدعم الإغاثي الطارئ.
يشار إلى أن هذا المعرض يعد الثاني من نوعه في مديرية جبل حبشي، ويأتي ضمن مشروع بناء القدرة على الصمود من خلال التحول والقيادة المتكاملة للنظم المجتمعية والإنسانية”، بعد نسخة سابقة نفذت خلال العام الماضي.
وبحسب استطلاع أجرته منصة “WINDAP”، أشار أكثر من 92٪ من المشاركين إلى أن النساء اليمنيات يسهمن بشكل فعال في تمكين الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص عمل، وتقليل البطالة، وتحسين معيشة أسرهن.
حقق العسل اليمني إنجازا عالميا جديدا، وحصد جائزتين رفيعتي المستوى في مسابقة باريس الدولية لجودة العسل 2026، تمثلتا في الميدالية البلاتينية والميدالية الذهبية، في استمرار لسلسلة النجاحات المتواصلة التي يحققها العسل اليمني في المحافل العالمية.
وخلال الحفل الذي أقيم في مدينة جدة السعودية، حصد عسل السدر الحضرمي الميدالية البلاتينية، وهي أعلى تصنيف في المسابقة، بعد أن حصل على تقييم عال في معايير الجودة التي تشمل اللون والنقاء والرائحة والملمس والنكهة وجودة الطعم، فيما نال عسل الصورب من محافظة إب، الميدالية الذهبية، مما يؤكد تميز العسل اليمني وتنوعه النوعي.
شارك في المسابقة هذا العام أكثر من 330 عينة من 22 دولة من مختلف أنحاء العالم، حيث خضعت العينات لتحاليل مخبرية دقيقة، قبل أن تعتمد لجنة تحكيم دولية مكونة من 12 خبيرا من دول أوروبية النتائج النهائية.
مثل اليمن في المسابقة شركة شيبا بيز «Sheba Bees» المتخصصة في تسويق العسل اليمني وفق معايير دولية، والتي تسعى لتعزيز حضور المنتج اليمني في الأسواق العالمية وترسيخ مكانته كمنتج عالي الجودة.
وعبر مؤسس الشركة، وليد الحريري، عن فخره بهذا الإنجاز، مؤكدا أن هذا التتويج يعكس جودة العسل اليمني وجهود النحالين المحليين، ويعزز من حضور المنتج اليمني في الأسواق الدولية ويدعم قطاع تربية النحل في اليمن.
تأسست شركة “شيبا بييز” عام 2023 وأطلقت رسميًا في مدينة نيويورك عام 2024 كمشروع تجاري، وتقول إنها تسعى إلى تمكين النحّالين اليمنيين من خلال برامج إنتاج مستدامة، وتوسيع حضور المنتج في الأسواق العالمية، وتتعاون مع نخبة من النحّالين اليمنيين المحترفين في مختلف المحافظات.
يمثل هذا الإنجاز تتويجا لمسيرة حافلة من النجاحات التي حققها العسل اليمني في مسابقات جودة العسل العالمية، حيث سبق وأن نال في السنوات الماضية جوائز في مسابقات مشابهة مثل مسابقة لندن الدولية لجودة العسل، في إنجازات عززت من مكانة العسل اليمني في خارطة الإنتاج العالمي.
يعد العسل اليمني، ولا سيما عسل السدر، من بين أجود أنواع العسل الطبيعي في العالم لما يتمتع به من نكهة مميزة وقيمة غذائية عالية، وقد اكتسب شهرة واسعة على مدى قرون باعتباره ذهبا سائلا.
وتعزى جودة العسل اليمني إلى تنوع المناخ والارتفاعات الجغرافية التي تنمو فيها أشجار السدر والنباتات الرعوية التي يتغذى عليها النحل، إضافة إلى الطرق التقليدية في تربية النحل وجمع العسل.
وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع تربية النحل في اليمن، جراء الحرب وتدهور البيئة وتأثيراتها على النحل والمرعى، يستمر العسل اليمني في تحقيق حضور لافت في المحافل الدولية، ما يعكس جودة الإنتاج وقدرة المزارعين على المنافسة في الأسواق العالمية.
يندرج العسل اليمني ضمن المحاصيل الاستراتيجية التي يهتم اليمنيون بتنميتها وتطويرها حيث يُعد تجارة مربحة لليمنيين، إذ صُنف العسل عام 2003 كأحد السلع الاستراتيجية الخمس التي أعلنت عنها الحكومة اليمنية لأهميتها في رفد اقتصاد البلاد.
وفي عام 2002، قدرت الإحصائيات الرسمية لوزارة الزراعة اليمنية عدد النحالين اليمنيين بـ 81,734 نحالا بمختلف مناطق البلاد، لكن نسبة العاملين في تربية النحل تزايدت بشكل لافت خلال السنوات الماضية.
يُعد فرز العسل مرحلة محورية في سلسلة تربية النحل وإنتاج العسل، إذ ترتبط بها جودة المنتج النهائي ونقاؤه وسلامته، إلى جانب الحفاظ على الأقراص الشمعية وإطالة عمرها الإنتاجي.
ومع تطور أدوات النحالة، انتقلت عملية الفرز من وسائل بدائية إلى فرازات حديثة تعتمد على مبدأ علمي دقيق، يهدف إلى استخلاص العسل بكفاءة عالية دون الإضرار ببنية الأقراص الشمعية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية واستدامة الطائفة.
في هذا التقرير الإرشادي تتناول منصة ريف اليمن مفهوم فرز العسل وأهميته في تحسين جودة المنتج، ومعايير نضج العسل وجاهزيته للفرز، إضافة إلى الخطوات العلمية الصحيحة لاستخدام فرازات العسل الحديثة، وأبرز الممارسات المثلى والنصائح العملية للنحالين، بما يسهم في الحفاظ على الأقراص الشمعية وتعزيز كفاءة الإنتاج وجودته.
ما هو فرز العسل؟
فرز العسل هو عملية استخلاص العسل من الأقراص الشمعية باستخدام جهاز خاص يُعرف بـ”الفراز”، يعمل بمبدأ القوة الطاردة المركزية، وذلك بعد إزالة الأغطية الشمعية التي تغلق العيون السداسية، وتكمن أهمية هذه العملية في الحفاظ على سلامة الأقراص الشمعية لإعادتها إلى الخلية، ما يوفّر على النحال وقتاً وجهداً وتكاليف إضافية، ويساعد النحل على استئناف الإنتاج بسرعة.
يصبح العسل ناضجاً وجاهزاً للفرز عندما تكون نسبة 70–80٪ من العيون السداسية مختومة بالشمع، وهي علامة واضحة تدل على اكتمال نضجه وانخفاض نسبة الرطوبة فيه، التي يُفترض أن تكون أقل من 20٪.
ويؤدي فرز العسل قبل اكتمال هذه المؤشرات إلى ارتفاع نسبة الرطوبة، ما يزيد من احتمالية التخمر ويؤثر سلباً على جودة العسل وقابليته للتخزين.
خطوات عملية الفرز الصحيحة
تمر عملية فرز العسل بعدة مراحل أساسية ينبغي الالتزام بها لضمان أفضل النتائج: – التحضير واختيار الوقت المناسب: يُفضَّل أن تتم عملية الفرز في جو دافئ نسبياً، بدرجة حرارة تتراوح بين 25–30 درجة مئوية، لتسهيل انسياب العسل، مع التأكد من جاهزية الأدوات ونظافتها. – إزالة الأغطية الشمعية: يتم ذلك باستخدام شوكة القشط أو السكين المخصص، وبحذر لتجنّب إتلاف القرص الشمعي. – تحميل الفراز: توضع الإطارات داخل الفراز بشكل متوازن لتفادي الاهتزاز أو اختلال الجهاز أثناء التشغيل. – تشغيل الفراز: يبدأ التشغيل بسرعة منخفضة تُزاد تدريجياً، لاستخراج العسل من الوجه الأول جزئياً، ثم تُقلب الإطارات لاستخراج العسل من الوجه الثاني، قبل العودة لاستخراج المتبقي من الوجه الأول بسرعة أقل حفاظاً على سلامة القرص. – التجميع والمعالجة اللاحقة: يُجمع العسل ويُصفّى لإزالة الشوائب، ثم يُحفظ في أوعية نظيفة ومحكمة الإغلاق، فيما تُعاد الأقراص الشمعية السليمة إلى الخلية لإعادة استخدامها.
مميزات استخدام فرازات العسل الحديثة
يوفّر استخدام الفرازات الحديثة عدداً من المزايا المهمة، أبرزها الحفاظ على الأقراص الشمعية وإمكانية إعادتها للطائفة، وزيادة كمية العسل المستخلص مقارنة بالطرق التقليدية، وتقليل الفاقد من العسل والشمع، إلى جانب تحسين جودة ونقاء المنتج النهائي، وتخفيف الجهد البدني والزمن اللازم لعملية الفرز.
مميزات استخدام فرازات العسل الحديثة
يوفّر استخدام الفرازات الحديثة عدداً من المزايا المهمة، أبرزها الحفاظ على الأقراص الشمعية وإمكانية إعادتها للطائفة، وزيادة كمية العسل المستخلص مقارنة بالطرق التقليدية، وتقليل الفاقد من العسل والشمع، إلى جانب تحسين جودة ونقاء المنتج النهائي، وتخفيف الجهد البدني والزمن اللازم لعملية الفرز.
يُعدّ العسل ناضجاً وجاهزاً للفرز عندما تكون نسبة 70–80٪ من العيون السداسية مختومة بالشمع، إذ يشير ذلك إلى أن النحل أنهى عملية تبخير الرطوبة من الرحيق وحوّله إلى عسل ناضج
إرشادات عملية للنحالين في اليمن
– يُنصح بتجنّب فرز العسل غير المختوم تفادياً للتخمر.
– التحكم في سرعة الفراز وعدم تشغيله بسرعات عالية أو مفاجئة قد تؤدي إلى تمزق الأقراص.
– تُعد النظافة الدقيقة للأدوات والمعدات أساساً للحفاظ على جودة العسل.
– تخزين العسل في أوعية محكمة الغلق بعيداً عن الرطوبة والحرارة وأشعة الشمس.
– لتقليل التكاليف، يمكن الاستثمار في فراز جيد الجودة أو اللجوء إلى نظام الفراز الجماعي بين عدة نحالين.
تحذير
لا يُنصح بفرز الأقراص الشمعية الحديثة أو الضعيفة جداً لكونها أكثر عرضة للتمزق داخل الفراز، كما يجب تجنّب فرز الأقراص التي تحتوي على حضنة أو تلك التي خضعت لمعالجات دوائية خلال موسم الإنتاج، مع مراعاة عدم إضعاف الطائفة بسحب جميع الأقراص في وقت واحد.
إذاً يمثل اختيار الفراز المناسب والالتزام بالطريقة العلمية الصحيحة في فرز العسل ركيزة أساسية لإنتاج عسل يمني عالي الجودة، يحافظ على قيمته الغذائية والتجارية، ويعكس خبرة النحال ووعيه بأسس التربية الحديثة، كما يُسهم ذلك في استدامة تربية النحل وتعزيز سمعة العسل اليمني محلياً وخارجياً، ورفع مستوى العائد الاقتصادي للنحالين.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت مناطق يمنية واسعة موجة متصاعدة من التغيرات المناخية، لا سيما في المناطق الريفية، تمثلت في هطول أمطار غزيرة وتدفق سيول جارفة، أسفرت عن أضرار وخسائر بشرية ومادية جسيمة في أوساط السكان، وكان الأطفال من بين الفئات الأكثر تضررا، خصوصا في ريف اليمن.
آثار التغيرات المناخية تجلت بأقسى صورها في المخيمات التي تأوي آلاف النازحين، إذ تحول البرد القارس والأمطار الموسمية إلى تهديد يومي لحياة الأسر، ووجد النازحون أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع الطبيعة، دون مأوى آمن أو إمكانات تخفف من وطأة الظروف القاسية.
يقول سالم، وهو أحد النازحين في مخيم الحجب بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، إن موجة الصقيع الشديدة وتساقط الأمطار جعلتهم يعيشون أوضاعا مرعبة، خوفا من إصابة أطفالهم بأمراض معدية أو وبائية، خاصة أنهم يعيشون في مخيمات متهالكة لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.
يضيف لـ “ريف اليمن” أن طفله مجد البالغ عشر سنوات أصيب بالتهاب حاد نتيجة تعرضه لموجة صقيع شديدة، لم يستطع حينها إسعافه أو توفير الدواء له، لكنه اضطرت في اليوم التالي إلى إسعافه بعد أن تضاعفت صحته.
لم تكن الإصابة الأولى للطفل مجد، بل أصيب بالإسهالات المائية والكوليرا خلال موسم الأمطار التي شهدتها محافظة تعز خلال العام 2025، “كان على وشك الموت لو لم يأتِ أحد الجيران لإنقاذه وإعطائه الدواء” يقول والده سالم.
تعكس شهادة سالم جانبًا من معاناة واسعة يعيشها نازحو تعز ومناطق يمنية أخرى، حيث أسهمت موجات البرد والأمطار في تفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية داخل المخيمات، في ظل شح المساعدات وغياب التدخلات الطارئة.
أوضاع صعبة
مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، “جمال فرحان”، قال إن المديرية شهدت خلال العام 2025 تغيرات مناخية متسارعة، تمثلت في تساقط أمطار غزيرة وسيول جارفة، وكذلك ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، ما انعكس سلبا على حياة الأطفال، لا سيما في مخيمات النزوح.
وأوضح فرحان لـ “ريف اليمن” أن هذه التغيرات تسببت في جرف الخيام، وتلف المواد الغذائية، وتلوث مصادر المياه، الأمر الذي أدى إلى تفشي أمراض الإسهالات الحادة والملاريا، وأمراض الطفح الجلدي والعيون، مع تسجيل مؤشرات مقلقة في معدلات الإصابة بين الأطفال، لا سيما دون سن الخامسة.
التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة (ريف اليمن)
وسجل مخيم الحجب خلال العام 2025، (252) حالة إصابة، بينما سجل مخيم الحصبري والشط 209 حالات إصابة، حيث سجل مخيم حجيج 237 حالة إصابة، توزعت بين الإسهالات الحادة، وحمى الضنك والملاريا والتهابات في الجهاز التنفسي والطفح الجلدي والعيون، وتصدر مخيما الحجب وحجيج أعلى معدلات الإصابة، وفقا لفرحان.
مديرية مقبنة هي الأخرى بلغ إجمالي إصابات الأطفال في مخيماتها (698) حالة إصابة خلال العام 2025، تقسمت على أربعة مخيمات، جراء التغيرات المناخية.
ويؤكد فرحان أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية، مطالبًا السلطات والمنظمات الإنسانية بتوفير الدعم الصحي، وتحسين خدمات المياه، وتوفير مستلزمات إيواء مقاومة للأمطار والحر، إلى جانب دعم المراكز الصحية وتنفيذ برامج توعية صحية للأسر النازحة.
أطفال بلا إيواء
لم يقتصر تأثير التغيرات المناخية على أطفال تعز النازحين فحسب؛ بل امتد ليشمل محافظة مأرب التي تحتضن أكثر من 2.2 مليون نازح، وهو ما يعادل 60% من إجمالي النازحين داخليا؛ مما جعلهم جميعا في مواجهة مباشرة مع هذه التقلبات المناخية.
مدير الوحدة التنفيذية للنازحين في محافظة مأرب “سيف مثنى” أكد أن التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025، وتسببت في أضرار مادية وبشرية بالغة، نتيجة قلة الدعم الكافي.
تعد اليمن من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير المناخ وفيها نحو 4.8 مليون نازح يعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات
وأضاف مثنى لـ “ريف اليمن” أن الأمطار الغزيرة تسببت في أضرار كبيرة وغرق الخيام، و فاقمت من معاناة الأطفال؛ ما تسببت في زيادة حالات الإسهالات المائية والأمراض المنقولة عبر المياه وغيرة من الأوبئة.
وأكد أن الوحدة التنفيذية تواجه تحديات جمة، أبرزها ضعف التمويل المخصص للاستجابة المناخية، وتزايد أعداد النازحين، وسوء البنية التحتية الغير مهيأة لمواجهة السيول، ونقص المراكز الصحية وأنظمة الإنذار المبكر.
وأشار إلى أن إجمالي الأسر المتضررة كليا وجزئيا من تأثيرات الأمطار الغزيرة والسيول والأعاصير الأخيرة بلغت 8,684 أسرة من مديريات المحافظة، موضحا أن من بين هذه الأسر 1,246 أسرة تضررت كليًا بخسارة مساكنها وممتلكاتها، فيما بلغ عدد الأسر المتضررة جزئيًا 7,438 أسرة.
خيام متهالكة
يروي المواطن “أحمد سراح” وهو نازح في مخيم السويداء بمديرية المدينة بمحافظة مأرب، فصولا موجعة من المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون نتيجة التغيرات المناخية القاسية التي شهدتها المحافظة خلال العام المنصرم وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات.
يقول سراح لـ “ريف اليمن” إن العام المنصرم 2025 مر عليهم ثقيلا محملا بموجات من البرد القارس والأمطار الغزيرة، زادت من قسوة النزوح، لا سيما على الأطفال، ويتساءل سراح بحسرة: “كيف لأب أن يحمي أطفاله داخل مخيم متهالك لا يقيهم من برد الشتاء ولا حرارة الشمس والأمطار الموسمية؟
ويضيف، وهو يستعيد مشهدا مؤلما: “موجع أنْ ترى اثنين من أطفالك يسقطون مرضى أمام عينيك دون أن تمتلك القدرة على توفير أبسط سبل العلاج”، ويصف المشهد بأقسى ما يمكن أن يمر به أب، خاصة أن حالتهم كانت تنذر بالخطر قبل أن يتم إسعافهم نتيجة إصابتهم بمرض وبائي من الزكام والحمى الشديدة.
عشرات الأطفال النازحين في المخيمات أصيبوا بالحمى والسعال، والإسهالات جراء تغير الجو وتكدس النفايات (ريف اليمن)
لا تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ يشير سراح إلى حادثة مأساوية لطفل من جيرانه توفي في ديسمبر الماضي 2025، بعد إصابته بمرض جلدي خطير يعرف محليا بـ “الطفح الجلدي” أو “الحبوب المتقيحة” والذي يؤدي إلى الوفاة بعد أيام من إصابة الشخص فيه، بحسب ما تحدث بعض الأطباء لسراح.
ويشهد المخيم معاناة جمة، من انعدام شبه تام لمساكن الإيواء الآمنة والخيام الصالحة للعيش، إلى غياب وسائل تدفئة تقي الأطفال من شدة البرودة، خاصة أن التدخلات الإنسانية تراجعت بشكل كبير، وأصبحت حد وصف سراح لا تغطي سوى 1% من احتياجات النازحين، حسب قوله.
ويزيد الوضع سوءًا؛ انتشار الصرف الصحي المكشوف والذي يتجمع على سطح الأرض والأودية إلى جانب تكدس النفايات، ما يجعل المخيم بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض، ويشكل تهديدا مباشرا على صحة الأطفال، وفق حديث سراح لـ ريف اليمن.
وأشار إلى أن العشرات من الأطفال أصيبوا بالحمى والسعال والإسهالات جراء تغير الجو في المخيم، وتتكرر زيارتهم للمستشفى الميداني داخل المخيم، إلا أن المشفى يظل عاجزا عن تلبية الاحتياجات بسبب نقص الأدوية وغياب الدعم الصحي.
كوارث مناخية
وفقًا لدراسة ميدانية صادرة عن مؤسسة حلمأخضر للدراسات والاستشارات البيئية، فقد بلغت نسبة النازحين المتضررين في محافظة مأرب وحجة 95.5% و 90% على التوالي.
يعيش النازحون تحت خيام مهترئة لا توفر الحماية من البرد القارس أو الأمطار الغزيرة (ريف اليمن)
وأشار الدراسة إلى أنه خلال الفترة بين يناير 2020 ويونيو 2024، شهدت مخيمات مأرب وقوع 636 حالة حريق في الخيام، مما أسفر عن مقتل 36 شخص، وإصابة 89 آخرين، بمن فيهم الأطفال والنساء.
وقالت شبكةبيئةأبوظبي في دراسة لها إن الصراع الطويل، إلى جانب الكوارث المرتبطة بالمناخ مثل الجفاف والفيضانات المفاجئة، والنقص الحاد في المياه، أدى إلى تفاقم الهجرة القسرية والنزوح الداخلي داخل اليمن بشكل كبير.
وأضافت الشبكة: “يُقدر أن 4.5 مليون شخص، يمثلون 14% من إجمالي السكان، نازحون حاليًا داخل اليمن، وقد تعرض عدد كبير منهم لعمليات نزوح متعددة على مدى عدة سنوات، وهذا يضع اليمن ضمن أكبر ست أزمات نزوح داخلي على مستوى العالم”.
وتعد اليمن واحدة من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير أزمة المناخ، لكنها الأقل استعدادا لمواجهتها أو التكيف معها، كما تُصنف كإحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وهناك نحو 4.8 مليون شخص نازح في اليمن، ويعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.
تتصاعد التحذيرات من الجفاف الذي يهدد آبار المياه الجوفية في اليمن، ويبرز التغير المناخي سوء إدارة المواد المائية من أبرز الأسباب، وخلال السنوات الماضية زادت حدة النزاعات والعنف بسبب المياه في العالم.
وبحسب تقرير نشرته مجلة فير بلانيت «Fair Planet» الألمانية، مع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، بات جمع المياه مسؤولية يومية تتحملها الأسر،فما كان يتدفق عبر الصنابير العامة أصبح يُحمل على الأكتاف بعبوات بلاستيكية ورحلات متكررة إلى ينابيع بعيدة، وكل عبوة تضيف عبئًا يسحب الفتبات من المدارس لمساندة أسرهن.
وفي شرق اليمن تقف مضخات الديزل معطلة فوق آبار جافة خراطيمها متشققة بفعل الحرارة الشديدة، وإلى جانب أزمتي الوقود والكهرباء، تبرز معضلة شح المياه الجوفية في الكثير من القرى الريفية، وفق التقرير الذي نشر بعنوان ‹آبار اليمن المتلاشية›.
يُصنف اليمن ضمن أكثر دول العالم معاناةً من ندرة المياه، حيث تراجع نصيب الفرد السنوي إلى نحو 83 متراً مكعباً، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بخط الفقر المائي الدولي المحدد بـ 500 متر مكعب. وفي بعض المناطق، يشهد منسوب المياه الجوفية انخفاضاً حاداً يتراوح بين متر وثمانية أمتار سنوياً، مما أدى إلى تحول الآبار التي كانت تروي مجتمعات بأكملها إلى مصادر للمياه المالحة، أو نضوبها تماماً.
تُشير التقارير إلى أن ما يتراوح بين 70% و80% من النزاعات في الريف اليمني تتمحور حول الموارد المائية والأراضي. ووفقاً لتقديرات المركز الدولي المعني بتأثير الصراعات على المدنيين CIVIC، يلقى نحو أربعة آلاف شخص حتفهم سنوياً في اليمن جراء هذه النزاعات.
تجدر الإشارة إلى أن نزاعات المياه في اليمن ليست سوى صورة مصغرة لاتجاه عالمي متصاعد، إذ يحذر الخبراء من تضاعف وتيرة العنف المرتبط بالمياه منذ عام 2022 وفقا تقرير صحيفة الغارديان «The Guardian» البريطانية الذي رصد خارطة الصراعات المائية حول العالم.
يقول الدكتور بيتر جليك، المؤسس المشارك في CIVIC “تتعدد أسباب تزايد النزاعات وإلى جانب أزمة المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، تلعب عوامل مثل فشل الدول، والفساد الحكومي، وتهالك البنية التحتية دوراً محورياً”. ومن جانبها، أكدت جوانا تريفور، مسؤولة الأمن المائي في منظمة “أوكسفام”، رصد زيادة ملحوظة في النزاعات المحلية الناجمة عن انعدام الأمن المائي.
وفقاً لتقارير صحيفة “الغارديان”، تتشكل ملامح أزمة المياه العالمية اليوم كواحدة من أعقد القضايا الأمنية؛ ففي الشرق الأوسط، تحولت المياه إلى سلاح مباشر من خلال الاستهداف الممنهج لشبكات التوزيع ومحطات التحلية في قطاع غزة، مما أسفر عن انهيار البنية التحتية للصرف الصحي وتلوث مياه الشرب.
وبالانتقال إلى جنوب آسيا، يتصاعد النزاع الدبلوماسي بين الهند وباكستان حول بنود “معاهدة مياه نهر السند”، بالتزامن مع ما تشهده أوروبا من استهداف متعمد للسدود الكهرومائية في أوكرانيا ضمن العمليات العسكرية الجارية.
في أفريقيا أدت ندرة الموارد في شرق أفريقيا ومنطقة الساحل إلى تأجيج المنافسة التي دفعت السكان للنزوح والاصطدام بمجتمعات محلية أخرى، وهو صراع على الموارد يجد صداه في الأمريكتين، حيث تحول نهرا “كولورادو” و”ريو غراندي” إلى مادة للجدل السياسي الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، مما أدى لسقوط ضحايا خلال احتجاجات المزارعين.
كما تبرز آسيا الوسطى كبؤرة توتر محتملة بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان؛ نتيجة شروع أفغانستان في بناء قناة “قوش تيبا” التي تهدد بتقليص الحصص المائية لجيرانها من نهر “جيحون”، مما يضع المنطقة أمام تحديات وجودية تتجاوز الحدود السياسية.
انهيار المؤسسات
يشير تقرير مجلة “فير بلانيت” الألمانية إلى أن الأزمة اليمنية ليست مجرد حالة معزولة، بل هي انعكاس لنمط عالمي أوسع؛ فمع تصاعد الضغوط المناخية يخطو العالم نحو حقبة من “الإفلاس المائي”، حيث يواجه قرابة أربعة مليارات شخص نقصاً حاداً في المياه سنوياً.
ومع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، تحولت عملية جلب المياه إلى عبء منزلي شاق؛ فبدلاً من تدفق المياه عبر الأنابيب، باتت تُحمل يدوياً وتُقاس بالعبوات البلاستيكية عبر رحلات يومية منهكة إلى ينابيع وخزانات بعيدة. الأمر الذي أجبر الفتيات ترك مقاعد الدراسة لتأمين احتياجات أسرهم.
يوجد في اليمن أكثر من 4.8 مليون نازح داخلياً، يتمركز أغلبهم في مناطق تفتقر إلى أدنى مقومات شبكات المياه
وتستهلك الزراعة في اليمن أكثر من 90% من موارد البلاد المائية إذ تسيطر زراعة القات على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومع غياب الرقابة الحكومية، تفشت ظاهرة الآبار غير المرخصة، مما أدى إلى استنزاف الأحواض الجوفية وهو ما ينذر بكارثة بيئية واجتماعية طويلة الأمد.
يؤكد التقرير أن أزمة المياه في اليمن ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الحرب، إلا أن الصراع الذي اندلع عام 2015 سرّع من وتيرة الانهيار بشكل حاد؛ حيث تضرر أو دُمر ما يقارب نصف البنية التحتية للمياه بما في ذلك المضخات، الأنابيب، الخزانات، ومحطات المعالجة.
بالإضافة إلى ذلك تأتي أزمة تغير المناخ ليزيد المشهد تعقيداً إذ تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بمعدل يتراوح بين 1.2 و 3.3 درجة مئوية بحلول عام 2060 سيؤدي إلى تسارع وتيرة استنزاف المياه الجوفية وتوسع ظاهرة التصحر.
استدامة الموارد المائية
يضاعف تراجع اهتمام المانحين في اليمن من تعقيد الأزمة فبعد عقد من الحرب باتت البلاد تتنافس بصعوبة على لفت الأنظار وسط أزمات دولية متصاعدة في أوكرانيا وغزة، لكن مع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه المأساة ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تجاوزها عبر تبني حلول عملية قائمة.
من الممكن إعادة إحياء نظم تجميع مياه الأمطار التي شكلت ركيزة الحضارات اليمنية القديمة، وذلك عبر ترميم المدرجات الزراعية وإنشاء السدود الصغيرة التي تعمل على تغذية الأحواض الجوفية. تاريخياً، بنى اليمنيون قدرة هائلة على الصمود من خلال الحواجز الحجرية التي تحجز المياه وتحمي التربة من الانجراف.
يشدد خبراء على ضرورة صياغة معاهدات مائية عابرة للحدود تتسم بالشفافية والمساءلة، وتضمن الحق الإنساني الأصيل في الوصول إلى الماء
واليوم، بدأت بعض المجتمعات الجبلية بالفعل في استعادة هذه النظم التقليدية، ورغم أن المكاسب لا تزال أولية، إلا أنها تراكمية ومبشرة؛ إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تبني استراتيجيات مناخية شاملة قد يجنّب البلاد خسائر اقتصادية تصل إلى 93 مليار دولار بحلول عام 2060.
وعلى امتداد الشريط الساحلي، تبرز محطات تحلية المياه كخيار استراتيجي لتزويد المدن الحضرية باحتياجاتها، شريطة تجاوز العقبات السياسية والتمويلية. كما تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات زراعية جريئة، لاسيما في ملف تقليص زراعة “القات”، وهو ما سيؤدي إلى تحرير كميات هائلة من المياه المستنزفة في محصول غير مستدام.
ومازالت أن الحلول الحالية لأزمة المياه في اليمن التي يحاول السكان التكييف عليها تعتمد بشكل كبير على “الصمود الفردي”، لكن هذه المشكلة المعقدة تحتاج لخطة إستراتيجية طويلة الأمد وهذا يتطلب إيقاف الحرب واستثمارات ضخمة في البنية التحتية وتغييراً جذرياً في السياسات الزراعية.
تُعدّ الثروة الحيوانية، وفي مقدمتها الأبقار البلدية، من الركائز الأساسية للاقتصاد الريفي في اليمن، إذ توفّر الحليب واللحوم والعمل الزراعي، وتمثل مصدر دخل مباشر لآلاف الأسر الريفية، غير أن هذه الثروة واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متصاعدة، أبرزها ظاهرة تقزم الأبقار، التي تنعكس على ضعف النمو وتدني الإنتاجية، بما يفاقم الأعباء المعيشية ويؤثر سلباً على الأمن الغذائي المحلي.
في هذه المادة الإرشادية، تسلّط منصة “ريف اليمن” الضوء على ظاهرة تقزم الأبقار البلدية في اليمن، من خلال توضيح مفهومها وأبرز أسبابها المرتبطة بالعوامل الوراثية والغذائية والصحية والإدارية والبيئية، إلى جانب استعراض حزمة من الحلول والتوصيات العملية التي من شأنها مساعدة المربين على تحسين نمو أبقارهم ورفع إنتاجيتها، بما يسهم في تعزيز استدامة الثروة الحيوانية ودعم سبل العيش في الريف اليمني.
ما المقصود بتقزم الأبقار؟
تقزم الأبقار هو عدم وصول الحيوان إلى الحجم والوزن الطبيعيين المتوقَّعين قياساً بعمره الزمني، ما يؤدي إلى أبقار بالغة صغيرة الحجم وضعيفة الكفاءة الإنتاجية، وهذه الحالة تنتج عن تداخل عوامل وراثية وغذائية وصحية وإدارية وبيئية.
ترجع هذه الظاهرة إلى مجموعة من الأسباب المتشابكة، يمكن تلخيصها في الآتي:
– العوامل الوراثية: رغم أن الأبقار المحلية معروفة بصغر حجمها نسبياً مقارنة بالسلالات المحسنة، إلا أن سوء اختيار الأمهات والذكور الطلوقة، والتزاوج العشوائي أو بين الأقارب، أدى إلى تثبيت صفات غير مرغوبة، من بينها التقزم، كما ساهم غياب برامج التحسين الوراثي وعدم الاستفادة من التلقيح الاصطناعي في تفاقم المشكلة.
– الأسباب الغذائية: تُعدّ التغذية العامل الأكثر تأثيراً في نمو الأبقار. ويعاني مربو الماشية من عدة اختلالات غذائية، من بينها:
1 – نقص كميات الأعلاف المقدمة للحيوان.
2 – الاعتماد على مخلفات زراعية ضعيفة القيمة الغذائية.
3 – قلة الأعلاف الخضراء.
4 – محدودية استخدام الأعلاف المركزة.
5 – ضعف التغذية في مرحلة ما بعد الفطام، وهي مرحلة حاسمة في النمو.
6 – نقص العناصر المعدنية والفيتامينات الأساسية مثل الكالسيوم، الفوسفور، النحاس، الزنك، السيلينيوم، وفيتامينات A وD3 وE، ما يؤدي إلى ضعف نمو العظام وتراجع الشهية والمناعة.
– الأمراض والطفيليات: تلعب الطفيليات الداخلية والخارجية، إضافة إلى الأمراض البكتيرية والفيروسية المزمنة، دوراً مباشراً في التقزم عبر استنزاف العناصر الغذائية وإضعاف مناعة الحيوان، وتقليل قدرته على الاستفادة من الغذاء المقدم له.
– الأخطاء الإدارية والرعوية: تشمل التأخر في إعطاء السرسوب بعد الولادة، والفطام المبكر دون تعويض غذائي مناسب، وعدم توفير كميات كافية من الحليب خلال فترة الرضاعة، إلى جانب سوء بيئة الإيواء، ونقص مياه الشرب أو عدم انتظام توفيرها.
– العوامل البيئية والاقتصادية: أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتغيرات المناخية في تعميق الظاهرة، نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف مقابل انخفاض أسعار الحيوانات، وتدهور المراعي الطبيعية بسبب الجفاف وقلة الأمطار، إضافة إلى ضعف الخدمات البيطرية والإرشادية.
التقزم هو عدم وصول الحيوان إلى الحجم والوزن الطبيعيين مقارنةً بعمره
الحلول والتوصيات
للحد من تقزم الأبقار وتحسين إنتاجيتها، يمكنك القيام بما يلي:
– تحسين برامج التغذية عبر توفير علائق متزنة من البروتين والطاقة والمعادن والفيتامينات، بما يتناسب مع عمر الحيوان وحالته الإنتاجية.
– الاهتمام بمرحلة الرضاعة والفطام، وضمان إعطاء السرسوب خلال أول نصف ساعة بعد الولادة، والاستمرار في تقديم الحليب الكافي حتى عمر ثلاثة أشهر، مع فطام تدريجي مدروس.
– تطبيق برامج تحسين وراثي، واختيار ذكور وإناث تربية ذات صفات جيدة، وتجنب التزاوج العشوائي أو بين الأقارب، مع التوسع في استخدام التلقيح الاصطناعي.
– تنفيذ برامج وقائية منتظمة لمكافحة الأمراض والطفيليات، والالتزام بالتحصينات الدورية.
– تحسين ظروف الإيواء وتوفير مساكن مناسبة تحمي الحيوانات من الحرارة والبرودة، وتضمن النظافة والتهوية الجيدة، إلى جانب توفير مياه شرب نظيفة وبكميات كافية.
– تشجيع إقامة المعارض والمهرجانات الحيوانية لعرض السلالات الجيدة وتحفيز المربين على التطوير، وتعزيز دور الإرشاد الزراعي والبيطري في الريف.
رسالة إلى المربي
إن تقزم الأبقار ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة ممارسات قابلة للتصحيح. فالاستثمار في التغذية السليمة، والاختيار الوراثي الجيد، والرعاية الصحية المتكاملة، هو استثمار مباشر في مستقبل القطيع، وضمان لزيادة الدخل وتحسين الاستدامة على المدى البعيد.
هذه النصائح لكم/ن
إذا كان لديكم/ن أي استفسار أو تحتاجون إرشاداً بشأن الزراعة أو الماشية، أو النحل، أو الصيد البحري، من المهندس الزراعي في منصة “ريف اليمن”، بإمكانكم التواصل معنا عبر البريد الالكتروني – info@reefyemen.net. أو التواصل معنا عبر الواتساب على الرقم: 777651011.
تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي التالية: – فيسبوك . تويتر . واتساب . تلغرام . إنستغرام