توفي خمسة أطفال بسبب مضاعفات الإصابة بمرض الحصبة في وادي حضرموت شرقي اليمن لأول مرة منذ 38 عاماً، وفق ما أعلن مكتب الصحة الذي أطلق نداء عاجل للأسر لتطعيم أبناءهم فورا.
وقال مكتب الصحة في وادي حضرموت -في بيان- ‹تم تسجيل خمس حالات وفاة هي الأولى منذ عام 1988 في مؤشر مقلق يستدعي التدخل العاجل›، وأطلق نداءً عاجلًا للأسر بتطعيم أطفالهم لارتفاع إصابات مرض الحصبة.
وتم تسجيل أكثر من ألف حالة إصابة بمرض الحصبة بينهم 150 حالة استدعت الترقيد في المستشفيات بسبب مضاعفات خطيرة قد تهدد الحياة، حتى منتصف أبريل 2026. وفق مكتب الصحة الذي لم يذكر الفترة الزمنية للإصابة.
صحة وادي حضرموت: أكثر من 90% من الأطفال الذين أصيبوا بمرض الحصبة لم يكونوا مطعمين من قبل
وأوضح المكتب الحكومي ‹أن أكثر من 90% من الأطفال الذين أصيبوا لم يكونوا مطعمين ضد الحصبة›، محذرا من أن المرض يشهد انتشارا واسعا في المنطقة ويشكل تهديدا مباشرا لحياة الأطفال.
تم تسجيل أكثر من ألف حالة إصابة بمرض الحصبة بينهم 150 حالة استدعت الترقيد في المستشفيات في وادي حضرموت
ودعا مكتب الصحة، جميع الأسر إلى الإسراع بتطعيم أطفالهم فورا في أقرب مركز صحي، مشددا على ‹أن اللقاح مجاني ومتوفر في جميع المراكز والوحدات الصحية›.
وحثّ الأهالي لسرعة تلقيح أبنائهم من أجل ‹تفادي المضاعفات الخطيرة كالتهاب الرئة أو الدماغ›. وقال: عليكم مراجعة المراكز الطبية عند ظهور أعراض الحصبة التالية:
• ارتفاع الحرارة
• الطفح الجلدي
• السعال والزكام
• احمرار العينين
وقال مكتب الصحة ‹إن الحصبة ليست مرضًا بسيطًا وأن التأخر في التطعيم قد يكلف حياة الأطفال› ودعا الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم لحماية أبنائهم. وأكد ‹جاهزية المرافق الصحية لاستقبال الحالات وتقديم خدمات التطعيم بشكل يومي›.
مطلع فبراير الماضي، أصدرت وزارة التجارة والصناعة في اليمن تعميمًا يقضي بحظر صناعة وتداول واستيراد الأكياس البلاستيكية خفيفة الوزن غير القابلة للتحلّل، والتي تحتوي على مادة بولي إيثيلين منخفضة الكثافة (LDPE)، في خطوة تهدف إلى الحد من التلوث وحماية البيئة، خاصة في المناطق الريفية والزراعية التي تتأثر بشكل مباشر بهذه المخلفات.
تُعد هذه المادة من أبرز المكونات المستخدمة في صناعة الأكياس البلاستيكية، إذ تشكّل نحو 80% من المواد الداخلة في تصنيعها، ما يجعلها أحد أهم مصادر التلوث البيئي وتأثيرًا على التربة والإنسان وخصوصا في المناطق الزراعية.
يقول المهندس محمد صالح، المختص في صناعة الأكياس البلاستيكية، إن هذه المادة لا تقتصر على صناعة الأكياس فقط، بل تدخل في معظم الصناعات البلاستيكية، مشيرا إلى أن مخلفاتها تتراكم في التربة، خاصة في الأراضي الزراعية؛ ما يفاقم من تدهور البيئة.
يضيف صالح لـ”ريف اليمن”، أن هذه المادة تؤثر سلبًا على البيئة والتربة والمياه وكذلك الإنسان، إذ ينتهي الحال بمخلفات الأكياس البلاستيكية المصنوعة من هذه المادة متكدسة في التربة والأراضي الزراعية بدرجة أساسية.
من جانبه، يوضح أستاذ الكيمياء غير العضوية بجامعة تعز، منصور الخليدي، أن خطورة هذه المادة تكمن في كونها غير قابلة للتحلل العضوي؛ ما يؤدي إلى تراكمها في التربة وفقدان خصوبتها وتلوثها بشكل عام.
ويضيف الخليدي لـ”ريف اليمن”، أن تعرضها لأشعة الشمس أو حرقها يؤدي إلى إطلاق مواد كيميائية سامة تنتشر في الهواء، مسببة تلوثًا بيئيًا واسع النطاق.
ولا تقف أضرار هذه المادة عند البيئة، بل تمتد إلى الإنسان، إذ يؤكد الخليدي أن استنشاق الدخان الناتج عن حرق الأكياس البلاستيكية التي تحتوي على هذه المادة قد يسبب اضطرابات هرمونية وأمراضًا في الجهاز التنفسي لدى المواطنين.
ويلفت إلى أن نقل وحفظ الأطعمة الساخنة في الأكياس البلاستيكية التي تحتوي على هذه المادة يؤدي إلى تسرب مواد سامة إليها وانتقالها إلى تلك الأطعمة؛ ما يشكل خطرًا مباشرًا على صحة المستهلكين.
قانون بلا تطبيق
في ظل غياب آليات فعالة للتخلص من هذه المخلفات، تتراكم الأكياس البلاستيكية في التربة، لا سيما في المناطق الزراعية، التي تمثل نحو 44% من إجمالي مساحة الأراضي في اليمن، وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2023.
رغم أن القانون اليمني يحظر صناعة واستيراد الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل منذ عام 1999، إلا أن هذا النشاط لا يزال مستمرًا حتى اليوم، في ظل غياب الرقابة، وبحسب الهيئة العامة لحماية البيئة، بلغ عدد مصانع الأكياس البلاستيكية نحو 30 مصنعا مرخصا في عام 2024.
وتشير بيانات كتاب الإحصاء السنوي الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في عام 2019 إلى أنّ الكمية المستوردة من مادة بولي إيثيلين منخفضة الكثافة بلغت 36 مليون 972 ألف و 635 طنًا عام 2018، فيما وصل إجمالي قيمة إنتاج المنتجات البلاستيكية في القطاعين العام والخاص في عام 2019 إلى 90 مليارًا و439 مليون ريال، بحسب المصدر ذاته.
حلول ممكنة
يمكن الحد من أضرار هذه الأكياس عبر استخدام مجموعة من الحلول العملية المُجرّبة، ويرى خبير البيئة منير العشملي أن الحد من أضرار هذه الأكياس يتطلب حلولًا تدريجية، تبدأ بإعادة التدوير، إلى جانب استخدام مواد مضافة مثل (D2W) التي تسرّع عملية التحلل.
ويوضح العشملي لـ”ريف اليمن” أن “إضافة مادة D2W للمواد الخام عند الصناعة يسرّع عملية تحلّل الأكياس البلاستيكية التي تحتوي على مادة بولي إيثيلين؛ وبالتالي تخفيف أضرارها على البيئة والتربة”.
ويشدد على أهمية تعزيز ثقافة تقليل استخدام الأكياس البلاستيكية للتخفيف من أضرار هذه المعضلة، إضافة إلى استخدام أكياس بلاستيكية مصنوعة من بلاستيك مُعاد تدويره، للمساهمة في الحد من التأثيرات السلبية لاستخدام الأكياس المصنوعة من هذه المادة.
وحول قرار الصناعة والتجارة بحظر صناعة واستيراد الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلّل، يخشى العشملي أن يظل هذا القرار حبرا على ورق خصوصًا وأنّه قد سبقه إصدار قرارات مماثلة من قبل، ولم تطبق، ما يضع مصير البيئة أمام اختبار حقيقي بين التشريع والتطبيق.
في القرى اليمنية البعيدة، حيث تعانق الجبال السحب، ثمة حكاية رياضية تروى بالشغف، حيث لا يحتاج شباب الريف هناك إلى عشب اصطناعي أو صالات مغطاة؛ فالملاعب الترابية هي مسرح الأحلام من أجل لعب كرة القدم.
يتجلى هذا الشغف في مديرية بعدان بمحافظة إب وسط اليمن، التي أثبتت أن الرياضة تتنفس من رئة الحواري والقرى الريفية النائية، بعيداً عن صخب الموازنات الضخمة، معتمدة على إرادة لا تنكسر.
ورغم شحة الإمكانيات يصنع الأهالي والشباب فرحتهم بأيديهم؛ حيث يتقد الشغف فوق الملاعب الترابية، وتحتشد الجماهير لساعات تحت الشمس لمؤازرة فرقها، في مشهد يؤكد أن حب كرة القدم في اليمن لا يعترف بالمعوقات.
سنويا تتصدر صور وفيديوهات كأس بعدان مواقع التواصل الاجتماعي بشكل لافت، حيث توج نادي صقور بعدان في آخر نسخة من البطولة هذا العام في المباراة التي أقيمت في 6 فبراير/ شباط الماضي في ملعب الفتح بمنطقة المحشاش التي تعد معقل البطولة.
الحضور الجماهير في المباراة النهائية في ملعب الفتح بمنطقة المحشاش بعدان (أبو عابد)
بدأت رحلة البطولة في عام 2008، بفكرة بسيطة من شباب المنطقة بمجموعة من القرى في ذلك الحين، كان الهدف جمع قرى المنطقة في تنافس رياضي، لكن كرة الثلج كبرت بسرعة، وانتشرت خلال السنوات الماضية بشكل لافت.
تطورت البطولة الريفية التي اختتمت هذا العام نسختها الثامنة عشر، وشملت 33 فريقاً يمثلون قرى مختلفة في مديرية بعدان ومناطق أخرى، وقبل عامين في نسختها السادسة عشر كانت البطولة مكونة من 16 فريقاً.
يتم دعم التنظيم المتواضع للبطولة من قبل شخصيات اجتماعية ورجال أعمال يمنيين ومغتربين، هذه الرعاية بدافع دعم شغف شباب الريف بكرة القدم؛ حيث أدركوا أن الاستثمار في فرحة الشباب هو إنجاز في ظل تراكم المعاناة بسبب الحرب في البلاد.
واستطاع المصور ‹عصام الكمالي› أن ينقل سحر هذه البطولة للعالم، بعد أن فاز بالمركز الأول عالمياً لأفضل صورة فوتوغرافية ضمن جوائز الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية للعام 2024.
وقال المصور عصام، إن الصورة التقطها من نهائي كأس بعدان في دورته السادسة عشر في 11 يناير 2024، ووثقت لحظة شغف يمنية بتزاحم المشجعين من القرى الريفية، وبرزت هذه اللقطات في أهم محفل للإعلام الرياضي في العالم.
هذه الجائزة وضعت “كأس بعدان” وملاعبه الترابية وجماهيره الوفية في واجهة الإعلام الرياضي العالمي. وقال الكمالي إن “الصورة عكست شغف اليمنيين بكرة القدم، وتظهر كيف يمكن للرياضة أن تكون مساحة أمل وسط المعاناة اليومية”.
لقطة من نهائي 2026 الذي جمع صقور بعدان و 22 مايو (فيسبوك)
محاكاة الدوريات الاحترافية
يحاكي منظمو كأس بعدان الريفي الدوريات الاحترافية، وبرز ذلك من خلال نهائي الدورة الأخيرة، حيث شهد تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة في افتتاح المباراة النهائية، بالإضافة إلى التغطية الموسعة للبطولة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما منحها شهرة واسعة.
لم تكتف البطولة بالشهرة، بل رفعت البطولة الريفية من مستواها الفني خلال السنوات الماضية، وتحديداً من الدورة 13 وحتى الدورة 18، حيث شهدت مشاركة واسعة لأبرز نجوم المنتخبات الوطنية اليمنية.
وشارك في بطولة “كأس بعدان” لاعبون محترفون من الأندية المحلية، حيث سمحت لائحة البطولة لكل فريق بإشراك خمسة لاعبين محترفين؛ مما رفع من حدة المنافسة والمتعة الكروية.
أحد ذوي الاحتياجات الخاصة أثناء تكريمه في نهائي بطولة كأس بعدان الريفية
ويحاول داعمو البطولة من رجال الأعمال تطوير البنية التحتية والتنظيمية للبطولة بما هو متوفر في مناطق ريفية نائية، حيث شهد ملعب الفتح، أكبر الملاعب في مديرية بعدان، إنشاء مدرجات بالحجارة للجماهير الغفيرة التي تحضر المباريات.
أما على مستوى التحكيم، فتدار المباريات باحترافية تحت مظلة لجنة الحكام بالمحافظة برئاسة الكابتن عادل عمر، وبقيادة حكام دوليين على المستوى الوطني في اليمن ويعدون حكام درجة أولى من المحافظة.
ورغم الإمكانيات البسيطة، تم تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)؛ حيث تم تجهيز كبينة خاصة، وشاشات، ونظام تصوير، وتواجد حكم مختص داخل الكابينة لضمان العدالة في المباريات.
وتبث المباريات عبر خدمات البث المباشر في وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام عدة كاميرات هدفها إتاحة متابعة المغتربين ومحبي الرياضة من القرى المختلفة للحدث لحظة بلحظة، وتشجيع شباب قراهم الشغوفين بكرة القدم.
غرفة الفار والبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمباراة النهائية في كأس بعدان – 6 فبراير 2026 (فيسبوك)
زخم جماهيري
ويعتقد سكان مديرية بعدان أن الزخم الجماهيري لبطولتهم وصل لمرحلة تستوجب على السلطات تقديم الرعاية والدعم، وتوسيع الفكرة لتشمل مناطق مختلفة وتطوير بطولة كأس بعدان بشكل خاص.
حمزة إسماعيل البعداني -أحد المهتمين بالرياضة في بعدان- يقول إن “بطولة كأس بعدان أصبحت اليوم ذات صيت واسع على مستوى الجمهورية، وباتت المديرية تمثل قبلة الرياضة في المحافظة، ومع مرور الوقت أعتقد أنها ستصبح وجهة لجميع المحافظات اليمنية”.
يرى حمزة في حديث لـ”ريف اليمن” أن “البطولة تحتاج حالياً إلى دعم أوسع وتغطية إعلامية شاملة، والأهم من ذلك البدء بتعشيب الملعب لاستيعاب مهارات اللاعبين، وتوسعة المدرجات لاحتواء الحشود الجماهيرية الكبيرة التي لم تعد المدرجات الحالية تكفيها”.
وتعتمد البطولة على ملعب ترابي واحد. وقال حمزة: “نحتاج توفير ملعب آخر بجوار الملعب الحالي لتمكين إقامة أكثر من مباراة في نفس اليوم”، مضيفا “نأمل من الوزارة (الشباب والرياضة) الاهتمام بهذا العرس الرياضي”.
وتابع البعداني: “كرة القدم هي المتنفس الوحيد الذي يجمع كل اليمنيين بمختلف انتماءاتهم، وتطوير كأس بعدان هو انتصار للرياضة اليمنية ككل”.
أحد مصوري المباراة في مرتفع وبجانبه معلق المباراة في تغطية البطولة
مونديال شعبي
من جانبه رأى الصحافي الرياضي سمير القاسمي، أن “كأس بعدان” أعاد صياغة مفهوم الرياضة المجتمعية في اليمن. وقال: “ما يحدث في بعدان هو “مونديال شعبي” كسر كل القواعد البيروقراطية للرياضة الرسمية”.
ويضيف القاسمي لـ”ريف اليمن”: “استطاع هذا الدوري أن يثبت أن الشغف هو الوقود الحقيقي للإبداع؛ فحين غابت الميزانيات الضخمة، حضرت إرادة أبناء المنطقة لتقدم نموذجاً تنظيمياً مثيراً للإعجاب”.
واعتبر القاسمي أن “مشاركة محترفين رفعت من سقف الطموح الفني لدى المواهب المحلية في القرى، وهذا يجعل من كأس بعدان مختبراً حقيقياً لفرز المواهب”.
ويواجه هذا الشغف الكروي في القرى الريفية تحديات الاستدامة. وقال القاسمي “لا يجب أن يبقى هذا الجهد رهيناً بالمبادرات الفردية فقط، يجب تحويل “كأس بعدان” إلى مؤسسة رياضية لرفد الأندية والمنتخبات الوطنية بدماء جديدة تربت في مدرسة التحدي”.
والبطولة الريفية في بعدان ليست مجرد نشاط رياضي، بل هو إعلان بالتمسك بالحياة والأمل وصناعة الشغف بأقل التكاليف، وتنتشر الدوريات في كثير من أرياف اليمن، وتمثل متنفساً للشباب في ظل غياب كلي لأطر رسمية تنظيمية.
شهد اليمن خلال شهر مارس/ آذار 2026 بداية قوية لموسم الأمطار خلال فصل الصيف، حيث ارتفعت معدلات الهطول بشكل غير مسبوق في أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات.
ووفق نشرة المناخ الزراعي، شهد مارس ارتفاعاً ملحوظاً في معدل هطول الأمطار، وسجلت مقاييس الأمطار 120 ملم في إب، وفي أواخر الشهر بلغت 140 ملغم في المرتفعات الجبلية الوسطى والجنوبية.
وبلغت تقديرات الأقمار الصناعية هطول أمطار تجاوزت 120 ملم في عمران وذمار والضالع والبيضاء. ووفق النشرة “ارتفعت كمية الأمطار بشكل حاد وأدت حدوث فيضانات مفاجئة في أجزاء من المرتفعات الجنوبية”.
وتشهد اليمن سنوياً في شهر مارس الانتقال من فصل الشتاء الجاف إلى موسم الأمطار في فصل الصيف، والذي يبلغ ذروته في شهري أبريل ومايو، وكانت الظروف المناخية أعلى من المعدل الطبيعي بشكل عام.
كمية أمطار قياسية
مقارنة بالمتوسط المناخي على مدى الثلاثين عاماً الماضية -وفق الفاو- تجاوزت كمية الأمطار في مارس 2026 المعدل الطبيعي بأكثر من 80% في معظم أنحاء اليمن، باستثناء أقصى شمال حجة والجوف، بينما شهدت سقطرى جفافاً استثنائياً.
وبالمقارنة مع مارس 2025، كانت الكميات الإجمالية أعلى عموماً، حيث تجاوز الفائض 25 ملم -أي ما يعادل أربعة أضعاف- في اليمن، وكان متوسط هطول الأمطار هو الأعلى منذ خمس سنوات، وفق نشرة المناخ الزراعي الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة «الفاو».
وهذا يشير إلى غزارة الأمطار غير المسبوقة. ووفق الفاو “هذا التحول المناخي المفاجئ حمل معه فرصاً زراعية واعدة، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة البنية التحتية الزراعية والريفية أمام الفيضانات والتعرية”.
سيول وادي مور في تهامة غربي اليمن، الأحد 12 إبريل 2026 (أحمد حلقي)
الغطاء النباتي
أظهرت المؤشرات أن 82% من المناطق المزروعة سجلت أداءً جيداً، مع استقرار ملحوظ في معظم المناطق الزراعية، فيما اقتصر الإجهاد النباتي بمناطق صغيرة في تعز وحضرموت والمهرة وسقطرى، وأثر على 2٪ من إجمالي المساحة المزروعة.
وصنفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، مؤشر الإجهاد النباتي لشهر مارس 2026 كثاني أقوى عام على مدى خمس سنوات، على الرغم من انخفاض طفيف مقارنة بالعام الماضي.
وأشارت بيانات نظام معلومات الزراعة المستدامة لشهر مارس 2026 إلى عدم وجود إجهاد مائي كبير للمحاصيل، كما ارتفعت درجات الحرارة مقارنة بشهر فبراير، حيث تراوحت بين 15-20 درجة مئوية في المرتفعات و25-30 درجة مئوية على السواحل.
كيف أثر على سبل العيش؟
وساعدت الظروف المناخية في نمو المحاصيل والمراعي ودعمت نشاط مصايد الأسماك، غير أن الفيضانات المفاجئة ومخاطر أمراض الماشية أدت إلى تعطيل سبل العيش وتفاقم انعدام الأمن الغذائي بين الفئات الأكثر ضعفاً.
ووفق نشرة الفاو “تحسنت ظروف زراعة الذرة والدخن في المرتفعات، كما دعمت الأمطار إنتاج الخضروات في السواحل، خاصة في أبين، والمراعي شهدت تجديداً ملحوظاً، ما حسن من توافر المياه للماشية، فيما ساعدت الظروف الجوية على نشاط الصيد”.
مقارنة بالمتوسط المناخي على مدى 30 سنة تجاوزت كمية الأمطار في مارس 2026 المعدل الطبيعي بأكثر من 80% في اليمن (الفاو)
في المقابل، ألحقت الفيضانات أضراراً جسيمة بالمزارع والبنية التحتية، وزادت من خطر انتشار أمراض الماشية والطفيليات، كما عطلت العواصف بعض أنشطة الصيد، وألحقت أضراراً بالمعدات.
تشير التوقعات إلى استمرار الأمطار الغزيرة خلال النصف الأول من أبريل، مع احتمالية وصولها إلى 150 ملم؛ ما يزيد من خطر الفيضانات، بحسب نشرة المناخ الزراعي.
ورغم أن هذه الظروف قد تعزز الإنتاج الزراعي، إلا أن المخاطر المرتبطة بتآكل التربة وأمراض المحاصيل تبقى قائمة؛ مما يهدد الغلة الزراعية، ويزيد من ضعف الفئات الأكثر هشاشة.
رغم التحسن الزراعي، فإن الفيضانات فاقمت من أزمة الأمن الغذائي، ويأتي ذلك في وقت يحتاج فيه أكثر من 23 مليون شخص في اليمن إلى مساعدات إنسانية منقذة للحياة، بحسب برنامج الأغذية العالمي.
وأسفرت الفيضانات نهاية مارس الماضي عن وفاة 30 شخصاً على الأقل و47 إصابة، وأضرار مادية واسعة في المساكن لحقت نحو 83,713 شخصاً (11,959 أسرة). وفق اتحاد جمعيات الصليب الهلال الأحمر في اليمن.
تُعرف وزيرة الثقافة السابقة، أروى عثمان، الأمثال الشعبية بأنها خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، مؤكدة أنها ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل “أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه”، تختزل قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة.
مع تسارع التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن، يواجه التراث الشعبي، وفي مقدمته الأمثال الشعبية، تحديات متزايدة تهدد حضوره في الحياة اليومية، خاصة في الأرياف التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الأساسية لهذا الموروث.
وفي حوار مع ‹ريف اليمن› تحدثت رئيسة بيت الموروث الشعبي، عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية العميقة للأمثال الشعبية، ودورها في توثيق حياة الريف اليمني، محذّرة من مخاطر تراجعها في ظل تغير أنماط الحياة وغياب التوثيق المؤسسي.
ولفتت أروى عثمان، إلى الدور المحوري الذي لعبته المرأة الريفية في حفظ هذا التراث، معتبرة إياها “الحارس الأمين” للأمثال الشعبية، إذ لم تكن مجرد ناقل لها، بل البيئة التي تنمو فيها وتستخدم.
مقتطفات من حوار الأديبة ووزير الثقافة سابقا أروى عثمان
نترككم مع نص الحوار
• بداية، كيف تعرّفين الأمثال الشعبية اليمنية؟ ولماذا تُعدّ جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي؟
الأمثال الشعبية هي خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، ليست مجرد عبارات متوارثة، بل تمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع وتجاربه، تختزل في كلمات موجزة قصصًا ومواقف وقيمًا اجتماعية عميقة، وأنا أعدّها جزءًا أساسيًا من التراث لأنها بمثابة “الدستور الشفهي” الذي حكم علاقات الناس ونظّم حياتهم، وهي تعبير صادق عن علاقة الإنسان اليمني بأرضه ومجتمعه وزمانه.
• من خلال عملك الميداني، كيف تعكس الأمثال الشعبية حياة الريف اليمني وقيمه؟
في الريف، تتجلى الأمثال كمرآة صافية لنمط الحياة، إذ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأرض والمواسم والمطر والزراعة، فالأمثال التي تتحدث عن البذر والحصاد أو الصبر في انتظار الغيث تعكس قيم الكد والترقب والاعتماد على الطبيعة، كما توثّق علاقة الفلاح بأرضه، وتعبّر عن منظومة قيم قائمة على العمل الجماعي والتوكل والرضا.
• بحكم نزولك الميداني، ما الدور الذي لعبته المرأة في حفظ الأمثال الشعبية ونقلها؟
المرأة هي الحارس الأمين لهذا الموروث، لم تكن مجرد ناقل، بل كانت البيئة الحاضنة التي تنمو فيها الأمثال وتُستخدم، كنا نسمعها في الحقول، وعند طحن الحبوب على الرحى، وفي جلسات السمر، وحتى في تربية الأبناء، استخدمتها الجدات والأمهات لتقديم النصح والعبرة والترفيه، وبذلك ضمِنَّ استمراريتها عبر الأجيال بشكل عفوي وتلقائي.
• كيف كانت الأمثال تُتداول قديمًا في القرى؟ وفي أي سياقات اجتماعية كانت تُستخدم؟
قديما، كانت الأمثال تمثل القانون الاجتماعي غير المكتوب. كانت حاضرة في كل تفاصيل الحياة، في مجالس الرجال لحل الخلافات، وفي الأسواق أثناء البيع والشراء، وفي البيوت لتقييم السلوك أو وصف الأحوال، وكانت تستخدم لتعزيز الحجة، أو اختصار نقاش طويل، أو إيصال فكرة معقدة بكلمات بسيطة ومؤثرة، ولم تكن للتسلية فقط، بل أداة تواصل فعالة.
أروى عثمان: الأمثال الشعبية ليس مجرد عبارات متوارثة بل خلاصة حكمة الأجيال وفلسفتها، وتمثل أرشيفًا حيًا لذاكرة المجتمع
• هل يمكن القول إن كل مثل شعبي يحمل قصة أو حادثة اجتماعية؟
إلى حد كبير، نعم، كل مثل هو لقطة تاريخية مكثفة أو خلاصة تجربة إنسانية متكررة، بعض الأمثال نشأت من حوادث حقيقية، وأخرى من تراكم تجارب وملاحظات تحولت إلى حكمة جماعية، وحتى إذا ضاعت القصة الأصلية، يبقى المثل شاهدًا على تلك التجربة.
• ما أبرز الأمثال التي لفتت انتباهك خلال جمعك للموروث الشعبي؟ ولماذا؟
هناك أمثال كثيرة تحمل عمقًا فلسفيًا، من بينها مثل “في النار وبيتحاقروا”، الذي يعبّر عن مأزق الإنسان بين خيارين صعبين، ويعكس قسوة الظروف، كما لفتتني الأمثال المرتبطة بشخصيات وقصص تاريخية، مثل قصة “سعيد اليهودي” في عمران، لما تحمله من دلالات اجتماعية وتاريخية معقدة.
• كيف تغيّر حضور الأمثال الشعبية اليوم مقارنة بالماضي؟
تغيّر بشكل كبير، في الماضي، كانت الأمثال جزءًا عضويًا من الحديث اليومي ومنطق التفكير، أما اليوم، فقد تحولت إلى ما يشبه التحف الفلكلورية التي تُستدعى في سياقات محددة، هذا التحول أفقدها الكثير من حيويتها، بعدما انتقلت من كونها أداة حياة إلى مجرد رمز ثقافي.
• هل ساهمت وسائل التواصل الحديثة في حفظ الأمثال أم أضعفتها؟
هي سلاح ذو حدين، من جهة، ساهمت في نشرها ووصولها إلى الشباب، وهذا جانب إيجابي، لكن من جهة أخرى، يتم تداولها أحيانًا بشكل سطحي أو خارج سياقها، وقد تُحرّف أو تُستخدم للتفاخر، مما يفرغها من عمقها الثقافي.
• ما أبرز المخاطر التي تهدد الأمثال الشعبية اليمنية اليوم؟
الخطر الأكبر هو النسيان نتيجة الفجوة بين الأجيال، خاصة مع رحيل كبار السن الذين يمثلون ذاكرة حية، إلى جانب ذلك، هناك تغير نمط الحياة وتراجع الثقافة الشفهية، وغياب التوثيق العلمي والمؤسسي الذي يحفظ هذا التراث ويقدمه بشكل مناسب للأجيال الجديدة.
أروى عثمان: يمكن للمنصات أن تلعب دورًا محوريًا عبر تكوين أرشيف رقمي يوثق الأمثال صوتيا ونصيا، مع شرح سياقاتها وقصصها
• ما مسؤولية الأسرة والمجتمع في نقل هذا التراث؟
المسؤولية تبدأ من الأسرة، فهي المدرسة الأولى، يجب على الآباء والأجداد استخدام الأمثال في حواراتهم اليومية لترسيخها في أذهان الأبناء، أما المجتمع، فعليه خلق مساحات ثقافية تحتفي بهذا الموروث عبر التعليم والإعلام والفعاليات، ليُدرك الجيل الجديد أن هذه الأمثال جزء من هويته.
• كيف يمكن للمنصات الثقافية مثل “ريف اليمن” الإسهام في حماية هذا الموروث؟
هذه المنصات يمكن أن تلعب دورًا محوريًا، عبر أن تكون أرشيفًا رقميًا حديثًا يوثق الأمثال صوتيًا ونصيًا، مع شرح سياقاتها وقصصها، كما يمكنها بناء جسر بين الباحثين وكبار السن في القرى، وتقديم هذا المحتوى للشباب بأساليب جذابة، مثل الفيديوهات والوسائط الحديثة، لتحويل التراث من مادة جامدة إلى ثقافة حية متجددة.
تسببت انهيارات صخرية من سور قلعة القاهرة في تعز بإصابة امرأة وأضرار مادية، بعد أسبوع من تحذيرات الدفاع المدني من كارثة محتملة تهدد منازل في أحياء مديرية المظفر.
وسقطت أحجارا كبيرة أمس الجمعة على حي المؤيد بعد هطول أمطار غزيرة وأدت إلى إصابة امرأة بكسور وأضرار كبيرة لحقت في منازل المواطنين، وفق ما تداول ناشطون على وسائل التواصل.
مازال الخطر يهدد عشرات الأسر. وقال عبد الراجحي “المصيبة الكبرى أن الخطر ما زال قائما، مئات البيوت والأُسر مهددة بسقوط الأحجار الكبيرة فوق رؤوسهم، بأي لحظة”.
ونشر الراجحي -على فيسبوك- فيديو يوثق انهيار الصخور وكتب “هذا نداء عاجل إلى السطلة المحلية، ومديرية المظفر، بسرعة التحرك، وتدارك الأمر قبل أن يتحول إلى كارثة حقيقية”.
صخور سقطت على إحدى سيارات المواطنين في تعز (وسائل التواصل)
صيانة سور قلعة القاهرة
ويحتاج سور قلعة القاهرة التأريخية إلى صيانة عاجلة، ودعا مدير عام الآثار في تعز محبوب الجرادي السلطة المحلية القيام بحلول عاجلة للاماكن المهترئة من سور القلعة التي أصبحت تهدد المساكن.
ووجه الجرادي، الفرق العاملة في القلعة بعمل صيانة طارئة لعبارات تصاريف مياه الأمطار في قلعة القاهرة، تفادياً لاحتقان مياه الأمطار في جميع ساحات القلعة. جاء ذلك خلال زيارته اليوم السبت.
وشدد المسؤول على أهمية، تظافر الجهود والتنسيق مع السلطة المحلية في المحافظة وعمل حلول عاجلة للاماكن المهترئة من سور قلعة القاهرة والذي أصبحت تهدد حياة المواطنين الساكنين.
وأصبح سور قلعة القاهر من الجهتين الجنوبية والغربية مهدد بالانهيار. ودعا الجرادي مدير عام الآثار، المواطنين “بتوخي الحيطة والحذر من تساقط الاحجار أثناء هطول الأمطار وبعدها حفاظاً على سلامتهم”.
جانب من سور قلعة القاهرة التأريخية في تعز المهدد بالإنهيار، 11 إبريل 2026 (هيئة الآثار)
123 من السكان مهددين
ويأتي هذا بعد تحذير الدفاع المدني في 1 إبريل/ نيسان 2026، من كارثة انهيارات صخرية تهدد 15 منزلاً، بمديرية المظفر، بسبب تدهور أجزاء من السور الغربي لقلعة القاهرة جراء الأمطار الغزيرة.
وقال -في بلاغ- “يوجد نحو 15 منزلاً تضم 123 نسمة، تقع ضمن نطاق الخطر المباشر لاحتمالية سقوط بقايا السور الصخري، مع استمرار هطول الأمطار”، لافتا “إن طبيعة الموقع في مرتفع جبلي وتآكل التربة وتشققات السور تُضاعف من خطر الانهيارات”.
وقال نائب مدير مصلحة الدفاع المدني عبد الحكيم الرياشي “إن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة من احتمالية الانهيارات الصخرية بما يشكل تهديداً مباشراً على الأرواح والممتلكات”.
وكانت الهيئة الجيولوجية في عدن، حذرت من ارتفاع مخاطر الانهيارات الأرضية والصخرية في عدد من المحافظات نتيجة الأمطار الغزيرة، خاصة في ظل تأثيرات التغير المناخي والتدخلات البشرية غير المدروسة.
شهدت مزارع محافظة الحديدة غربي اليمن حصاد محصول الصويا، خلال الأسابيع الماضية، حيث توسعت زراعة البقوليات في تهامة ضمن مساعي تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الجانب الزراعي.
وقال الإعلام الزراعي -على “فيسيوك”- “إن مديرية الضحي بمحافظة الحديدة شهدت حدثاً استثنائياً مهما في تدشين حصاد محصول فول الصويا لأول مرة في مزارع وادي سردود”.
وننشر تقرير الصور التالي نقلا عن الاعلام الزراعي والسمكي.
يواجه عشرات النازحين في مديرية الشمايتين، جنوبي محافظة تعز، تحديات كبيرة في سبيل الحصول على فرص عمل مستقرة، إذ يمثل العمل الركيزة الأساسية لدعم الأسر اقتصاديًا ونفسيًا، ومساعدتها على التأقلم مع ظروف النزوح القاسية.
وأجبرت الحرب والصراع الدائر في البلاد منذ العام 2015 ملايين اليمنيين على النزوح الداخلي، حيث يوجد نحو 4.5 مليون نازح، يعيش كثيرون منهم في مآوٍ مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.
يقول مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمدينة التربة، أسام المشرقي، إن إحصائيات النازحين في الريف الجنوبي للمحافظة بلغت نحو 1766 أسرة موزعة على قرى مديرية الشمايتين.
وأوضح المشرقي لـ “ريف اليمن” أن عددًا من الأسر تمكنت، بجهود ذاتية، من تجاوز جزء من العقبات المعيشية وتوفير مصادر دخل مكنتها من تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها، وتحسين ظروفها الراهنة في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد.
تروي أسماء علي 38 عاما، وهو نازحة من مديرية الوازعية غربا، إلى قرية الأحكوم بمديرية الشمايتين جنوبا، فصول مأساتها التي بدأت عام 2017 حين أجبرتها الحرب على مغادرة منزلها، وتقول: “انتقلنا إلى بيئة غريبة تفتقر لأدنى المقومات الأساسية، ما دفعني لمواجهة مشاق الحياة والبحث عن مصدر رزق أساند به زوجي وأوفر متطلبات أطفالي”.
وخلال حديثها لـ “ريف اليمن”، استعرضت أسماء بداياتها الشاقة، حيث كانت تعمل بالأجر اليومي مع نساء المنطقة من الصباح وحتى الظهيرة مقابل مبالغ زهيدة، وفي عام 2019 استطاعت من خلال ادخار تلك الأجور شراء “رأس ماعز” ليكون نواة لمشروع تربية حيوانات صغير، حتى أصبحت اليوم تمتلك قطيعاً من الأغنام والدجاج والأرانب، تعتمد عليها لتوفير احتياجاتها للبقاء.
وتستذكر أسماء الدوافع التي أجبرتها على الكفاح قائلة: “كان دافعي الوحيد هو حاجة أطفالي؛ فقد كنا نعجز عن توفير لقمة العيش أو الملابس، حتى أن أطفالي كانوا يمشون حفاة الأقدام في ظل منزل يخلو من الأثاث”.
بلغ إجمالي النازحين في الريف الجنوبي لتعز نحو 1766 أسرة موزعة على قرى مديرية الشمايتين (ريف اليمن)
في عام 2020، استطاعت أسماء استئجار قطعة أرض من أحد جيرانها في منطقة النزوح، حيث شرعت في زراعتها للحصول على كميات محدودة من القمح البلدي وتوفير الأعلاف لمواشيها، وتطمح أسماء اليوم في أن يحظى زوجها بفرصة عمل مستقرة تعينهما على تحسين وضعهما المعيشي، وضمان حق أطفالهما في التعليم.
بين قسوة النزوح والأعمال
هاني محمد (56 عاماً) هو الآخر يختزل مأساة آلاف النازحين الذين شردتهم الحرب؛ فمنذ نزوحه عام 2015 من حي حوض الأشرف، شرقي مدينة تعز، إلى منطقة “التربة” جنوباً، وجد نفسه وعائلته في خيمة مهترئة لا تقيهم تقلبات المناخ القاسية، بعد أن كان يعيش حياة مستقرة وميسورة بصفته متعاقداً مع مكتب المالية بالمحافظة.
تحول مسار حياة هاني من موظف إداري إلى سائق دراجة نارية مستأجرة، في رحلة شاقة لتأمين لقمة العيش إذ يقول لـ”ريف اليمن”: “أجبرتني الظروف على صراع الواقع لتوفير الاحتياجات الأساسية، وبعد فترة من العمل المضني، تمكنت من ادخار مبلغ مالي لمساعدة زوجتي في إطلاق مشروعها الخاص لصناعة المعجنات والحلويات”.
وفي عام 2019 بدأ المشروع المنزلي الصغير ببيع المنتجات في الأعراس والمدارس، ليتطور لاحقاً بفضل إصرار زوجته بشرى، التي طورت مهاراتها عبر دورات تدريبية ومنصات الإنترنت، وبحصولها على تمويل عبر برنامج “الادخار والإقراض”، تمكنت من توسيع نشاطها وإدارة مقصف مدرسي خاص بها في المنطقة.
سونيا البركاني: فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات
توضح بشرى لـ”ريف اليمن” أن العائق الأكبر كان يتمثل في توفير رأس المال والموازنة بين أعباء العمل ورعاية الأسرة، مشيدةً بالدور المحوري لزوجها الذي كان الداعم الأول لها.
وأضافت: “لقد أحدث هذا المشروع تحولاً جذرياً في حياتنا، ليس فقط على المستوى المادي وتحسن الدخل، بل على الصعيد النفسي أيضاً؛ فأصبحنا نؤمن وجباتنا الثلاث بانتظام بعد معاناة طويلة”.
وتابعت: “لقد غير النزوح نظرتي للعمل ولذاتي؛ فبالرغم من حصولي سابقاً على شهادة جامعية، إلا أنني لم أشعر بقيمتي الحقيقية إلا حينما صقلتني الظروف الصعبة، وجعلت مني امرأة قوية قادرة على الاعتماد على نفسها وصناعة التغيير”.
غياب المساعدات
لا يختلف المشهد في مخيم الحبيل بعزلة الصافية عن بقية مخيمات النزوح، حيث يواجه نحو 98 نازحاً ونازحة، قدموا من محافظات حجة وصنعاء ومناطق بتعز، تحديات معيشية قاسية في ظل شح المشاريع الخدمية.
وبحسب منسقة المخيم، سونيا البركاني، فإن حياة السكان هناك تتأرجح بين الاعتماد المحدود على مساعدات المنظمات والجمعيات الخيرية، وبين الجهود الذاتية لمعيلي الأسر الذين يمارسون مهناً شاقة بأجور يومية زهيدة، مثل رعاية الأغنام وصيانة الدراجات النارية.
وتوضح البركاني لـ”ريف اليمن” أن قسوة الظروف حوّلت المخيم إلى مساحة للاندماج الاقتصادي الاضطراري؛ إذ ساهمت برامج التدريب وورش تعليم الخياطة، وصناعة الكعك، وصيانة الهواتف، في تعزيز الروابط المجتمعية وتوفير بدائل للدخل.
عينات من مشروع المعجنات والحلويات الذي أنشأتها النازحة بشرى (ريف اليمن)
ومن قلب المعاناة، برزت نماذج للصمود مثل مفيد عبده 42 عاما، الذي حول خيمته المتواضعة في عام 2023 إلى بقالة صغيرة توفر الاحتياجات الأساسية، سعياً للاستقلال المادي وتأمين لقمة العيش لأطفاله الخمسة.
وعلى الرغم من المبادرات، لفتت البركاني إلى أن فرص العمل لا تزال ضئيلة نتيجة ضعف التدريب المهني المتخصص، فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه النساء النازحات في الوصول إلى سوق العمل أو الحصول على تسهيلات مالية.
وأكدت المنسقة أن تحقيق الاستقرار الفعلي يتطلب تدخلاً عاجلاً يشمل تحسين المأوى لحماية الأسر من التقلبات الجوية، وتوفير السلع الغذائية بانتظام، إلى جانب تعزيز الإصحاح البيئي وشبكات المياه والصرف الصحي.
وشددت البركاني على أن التقييم الدقيق والمستمر للاحتياجات هو حجر الزاوية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، وتحويل حياة النازحين من مرحلة البقاء إلى الاستقرار والكرامة.
كشفت دراسة بحثية، عن حقائق صادمة تضع مدينة عدن جنوبي اليمن، أمام تحدٍ وجودي في مواجهة مخاطر السيول المفاجئة، وأشارت إلى أن التوسع العمراني العشوائي عامل رئيسي في تفاقم الفيضانات في المدن الساحلية.
وحذرت الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين من جامعة عدن وهيئة المساحة الجيولوجية عام 2024، من تحول المناطق السكنية إلى “مصبات مفتوحة” لسيول عارمة تفوق قدرة المدينة على الاحتمال.
وحددت الأماكن الأكثر عرضة للفيضانات والانهيارات الصخرية وتقييم المخاطر، مما سيساهم في تطوير خطط إدارة الكوارث في المستقبل، وتوفر معلومات قيمة للمخططين العمرانيين لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن الاستخدام الأمثل للأراضي.
الدراسة قدمت خارطة طريق وتحذيراً لصناع القرار في اليمن أن “التغير المناخي مع التوسع العمراني العشوائي في عدن يجعل المدينة في خطر دائم” مشيرة إلى أن “البنية التحتية غير قادرة على استيعاب الفيضانات الكبرى القادمة ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة”.
وفي أغسطس 2025 شهدت مدينة عدن سيولاً وفيضانات جارفة غمرت منطقتي الحسوة وبئر أحمد، وكانت تلك السيول الأشد منذ عقود، بعد أن وصلت سيول وادي الحسيني، القادمة من مديرية تبن بمحافظة لحج، إلى شاطئ الحسوة للمرة الأولى منذ نحو 60 عاما.
جرافيك ملخص التهديدات الخطيرة لمدينة عدن جراء السيول (ريف اليمن)
30 دقيقة للغرق
أخطر ما كشفت عنه الدراسة هو أن الوقت الذي قد تستغرقه السيول لتصل من قمم الجبال إلى قلب الأحياء السكنية، في مناطق مثل كريتر” و”المعلا”، يتراوح بين 11 و35 دقيقة فقط.
هذا يعني أن سكان مديريات صيرة والمعلا والتواهي لديهم أقل من ساعة واحدة للنجاة من لحظة بدء هطول المطر الغزير حتى وصول ذروة السيل المدمر؛ مما يجعل هامش التحذير أو الإخلاء ضيقاً للغاية ويستوجب وجود أنظمة إنذار مبكر فائقة السرعة.
وشهدت مدينة عدن فيضانات كارثية متكررة، لا سيما في أعوام 1967 و1993 و2008، والكارثة الأخيرة في 21 أبريل 2020، ومازالت المدينة تتعرض لأخطار كبيرة خلال السنوات الماضية.
وتستعرض الدراسة نتائج “النمذجة الهيدرولوجية” لأحواض التصريف بالمحافظة، وتبرز فجوة خطيرة بين بنية تحتية متهالكة وطبيعة بركانية، وتوسع عمراني عشوائي خنق مجاري الأودية الطبيعية، وزاد من هشاشة المدينة أمام الفيضانات.
وتتمتع عدن بتكوين جيولوجي مميز حيث تهيمن على تضاريسها الصخور البركانية، التي تعود إلى أواخر العصر الثالث المتأخر، وتتخذ سلسلة جبال شمسان (ارتفاعها 553 متراً) التواهي والبريقة، شكل “حدوة حصان”، تتركز فيها مياه الأمطار وتوجهها بسرعة كبيرة نحو المناطق السكنية الساحلية المنخفضة.
الأمطار قد تتحول إلى كارثة
الدراسة الهيدرولوجية الحديثة استخدمت أحدث تقنيات النمذجة الرياضية (WMS 11.0) وصور الأقمار الصناعية، لتحويل بيانات الأمطار التاريخية الممتدة لـ 75 عاماً إلى خرائط غمر مكانية.
من خلال تحليل بيانات الدراسة تبين أن هطول الأمطار لمدة 75 عاماً (1948-2023) المسجلة في مطار عدن الدولي، فبينما كان متوسط الأمطار السنوي الأقصى تاريخياً هو 25.3 ملم، أظهرت الإحصائيات تصاعداً متسارعاً في شدة العواصف والأمطار.
وارتفعت كمية الأمطار من 170 ملم خلال 50 عاماً إلى 266 ملم خلال 100سنة، وهذه زيادة تفوق 55%، ما يعكس بوضوح التأثير المباشر لتقلبات المناخ الإقليمية على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية.
هذه التقلبات تحول الأمطار الموسمية إلى سيول مدمرة تتجاوز قدرة المصارف والقنوات الحالية، ووفق الدراسة فإن “التغير المناخي زاد من حدة الأمطار المتطرفة، مما يضع البنية التحتية الحالية في مهب الريح”.
التوسع العمراني العشوائي
من خلال تقنيات التحليل المقارن لخرائط استخدام الأراضي، تتبعت الدراسة مسار الكارثة بين عامي 2017 و2023، ورصدت تسارعاً مقلقاً للتوسع العشوائي العمراني على حساب تصريف السيول، وهذا انعكس مباشرة على تصاعد الجريان السطحي للمياه، وتسبب بزيادة ملحوظة في حجم الفيضانات.
وأشارت الدراسة إلى أن الزحف العمراني كان بمثابة إغلاق لمحابس الأرض؛ حيث أدى استبدال التربة بالمباني إلى زيادة تدفق مياه الأمطار، وهو ما يفسر لماذا أصبحت الأمطار المتوسطة تتسبب اليوم في فيضانات كانت لا تحدث سابقاً إلا مع الأمطار الغزيرة جداً.
الوقت الذي تستغرقه السيول للوصول إلى الأحياء السكنية في مدينة عدن يتراوح بين 11 و35 دقيقة
وكشفت الأرقام أن نفاذ المياه إلى الأرض في مديريتي صيرة والمعلا وصل إلى مستوى حرج يصل إلى (85 درجة)، وهو ما يعني تقنياً أن الأرض فقدت قدرتها على امتصاص مياه الأمطار بنسبة كبير، وهذا حول الشوارع والمساحات المفتوحة إلى قنوات سريعة تدفع بالمياه نحو المناطق المنخفضة بكامل قوتها دون أي عائق طبيعي.
ورصدت الدراسة تحولاً خطيراً في أنماط الغطاء الأرضي بين عامي 2017 و2023، حيث تركز الزحف العمراني بشكل مباشر فوق ممرات التصريف الطبيعية وعند مخارج الأودية.
هذا البناء العشوائي، أدى إلى زيادة حجم السيول، وتعطيل نظام نقل الرواسب الطبيعي، وصفه الباحثون بـ “التضخيم البشري المباشر للمخاطر الهيدرولوجية”، وهذا يعني أن البناء كان له فعل مباشر على زيادة مخاطر الفيضانات.
الوادي الكبير
على الجانب الآخر من المدينة يبرز الوادي الكبير في مديرية البريقة، وهو التهديد الأكبر للمحافظة نظراً لمساحة حوضه الشاسعة التي تبلغ 1874.6 كم²، وبحسب الدراسة، فإن حجم الفيضان المتوقع لهذا الوادي في حال حدوث عاصفة تتكرر كل 100 عام، سيصل إلى 434 مليون متر مكعب، مع تصريف أقصى يبلغ 9272 متراً مكعباً في الثانية.
هذا الكم الهائل من المياه يشكل خطراً وجودياً على المنشآت الصناعية والمناطق السكنية في الحسوة وبئر أحمد. وتؤكد الرسوم البيانية للتدفقات المائية أن استقرار زمن الوصول إلى الذروة يعني وجود تدفق مستمر وضخم يغرق المصبات لفترات طويلة.
وكشفت البيانات أنه في وادي الكبير وحده تُنقل أكثر من 33 ألف متر مكعب من الأحجار والتراب سنوياً، وحذرت الدراسة من أن إهمال تنظيف العبَّارات والقنوات بعد كل فيضان يشكل فخاً قاتلاً؛ إذ تؤدي الانسدادات الصخرية إلى خروج السيول عن مجاريها المخصصة ودخولها إلى منازل السكان، مما يضاعف من القدرة التدميرية للفيضانات.
وحذرت الدراسة من السيول والفيضانات المفاجئة، حيث إن زيادة طفيفة في معدل الأمطار قد تؤدي إلى مضاعفة قوة السيل في وادي الخساف بثلاثة أضعاف، مما يجعل التوقعات التقليدية غير مجدية.
وأوضحت الدراسة، إن أي خطأ في التخطيط الحضري بنسبة 5% قد يؤدي إلى كارثة مضاعفة بنسبة 12%، مما يستوجب إعادة النظر جذرياً في المخططات العمرانية الحالية، ووقف أي بناء جديد في مناطق الحماية المحددة.
سيول جارفة وصلت شاطئ الحسوة في عدن قادمة أغسطس 2025
أحواض صيرة والمعلا
وتواجه مديريات صيرة والمعلا خطراً زمنياً قاتلاً؛ إذ لا يفصل بين سقوط المطر ووصول السيل لقمته التدميرية سوى دقائق معدودة، وبحسب الأرقام في الدراسة فإن شوارع كريتر الضيقة ستكون مسرحاً لتدفقات تصل لـ 440 متراً مكعباً في الثانية، مما يحول المدينة التاريخية إلى مصب مفتوح لطوفان لا يرحم.
على النقيض من الحجم الهائل للوادي الكبير، تواجه أحواض صيرة والمعلا على الرغم من صغر مساحتها وشدة انحدارها مشكلة أخرى، إذ يظهر حوض”كاسترو-3″ أن زمن وصول تركيز السيل لا يتجاوز 11 دقيقة فقط.
بينما يحتاج السيل في “وادي الطويلة” 28 دقيقة فقط ليصل لذروته، هذا التباين يعني أن سكان هذه المناطق يواجهون سيولاً جارفة خاطفة تباغتهم قبل أن يتمكنوا من اتخاذ أي إجراءات وقائية.
سجلت الدراسة أعلى نسب انحدار في وادي الخصاف (0.33) وكاسترو (0.35)، وهي أرقام تعكس طبيعة الجبال البركانية الصلبة المحيطة بعدن، تتحول الأمطار الغزيرة فوراً إلى جريان سطحي بنسبة 100% تقريباً، حيث تفتقر الأحواض لسعة تخزين طبيعية تخفف من حدة التدفق قبل وصوله للمدن.
حددت الدراسة أكثر المناطق عرضة للغرق كالتالي:-
• منطقة القطيع (المرسبة): حيث تستقبل تدفقات من وادي العيدروس، بسبب طبيعتها الجغرافية التي تشبه الحوض، وصلت إلى 3 أمتار في عام 2020، مما أدى إلى غمر مساحة 31,488 متراً مربعاً.
• سوق الباز والسيلة: تصل إلى هذا السوق التجاري تدفقات من وادي الطويلة، حيث يتوقع وصول إلى 3 أمتار بالقرب من معبر القاضي؛ مما يهدد منطقة تجارية تبلغ مساحتها حوالي 44 ألف متر مربع.
الانفجار العمراني الصامت
وكشفت الأرقام عن قفزات في المساحات المبنية في عدن من 7,1 مليون متر مربع في عام 2017 إلى أكثر من 13 مليون متر مربع في عام 2023، بزيادة مهولة بنسبة 82 بالمئة خلال 6 سنوات فقط.
وتسببت الخرسانة والإسفلت بخنق مساحات شاسعة كانت تمتص مياه الأمطار؛ مما ضاعف حجم الجريان السطحي لمياه الأمطار وحوّل الشوارع إلى مصبات إجبارية للسيول.
وخلصت الدراسة إلى أن المعادلة الطبيعية بين الأمطار والجريان (التوازن الهيدرولوجي) في عدن قد اختل تماماً، فبدلاً من أن تمتص التربة المياه، تحولت الأرض بفعل التوسع العمراني إلى أسطح غير منفذة.
هذا التحول جعل أي هطول مطري يتحول فوراً إلى فيضان جارف وفائض، حيث لم تعد الأرض قادرة على ابتلاع قطرة ماء واحدة؛ مما يجعل المدينة مكشوفة تماماً أمام التغيرات المناخية القادمة.
سيول في مدينة عدن تغمر منازل بنيت بشكل عشوائي خلال السنوات الماضية, أغسطس 2025 (وسائل التواصل)
ماهي الحلول؟
واقترحت الدراسة إنشاء سدود احتجاز جديدة في واديي العيدروس والخساف لخفض سرعة السيول واحتجاز الصخور، وتوسعة جسر مخرج وادي الكبير ليبلغ عرضه نحو 50 متراً لاستيعاب التدفقات التاريخية.
كما أكدت الحاجة إلى إحياء صهاريج الطويلة التاريخية وصيانتها دورياً لإزالة الطمي، مشددةً على أن تحديث قنوات التصريف الحالية بات أمراً عاجلاً لمواجهة ذروة تصريف تتجاوز تسعة آلاف متر مكعب في الثانية.
ودعت الدراسة إلى إنشاء شبكة أرصاد مزودة بمستشعرات في قمم الجبال، قادرة على توفير مهلة إنذار حرجة تتراوح بين 30 و60 دقيقة تسمح بإخلاء المناطق الأكثر عرضة للخطر مثل حي «القطيع».
وأكدت على أهمية ترسيخ نطاق قانوني يمنع تماماً البناء داخل المناطق المحمية المخصصة للأودية، وقالت إن “وقف الزحف العمراني هو السبيل الوحيد لكسر حلقة الكوارث المتكررة”.
استناداً إلى نتائج الدراسة، يرى الباحثون أن حماية مدينة عدن وضمان استدامتها يتطلبان تحركاً عاجلاً وفق التوصيات التالية:
• اعتماد خرائط الفيضانات المعدّة في الدراسة، والتي تمتد لفترة مئة عام، كأساس لخطط التنمية المستقبلية.
• الاستثمار في البنية التحتية: إعطاء الأولوية لتنفيذ السدود المقترحة وبناء عبارات ذات سعة تصريف عالية.
• إنشاء هيئة وطنية: تعمل على إدارة محطات الرصد وتشغيل أنظمة الإنذار المبكر وتنسيق خطط مواجهة الفيضانات.
• الرصد المستمر: تعمل الجهات المختصة على تحديث نماذج استخدام الأراضي والأنظمة المائية بشكل دوري لمواكبة التوسع العمراني السريع والتغيرات المناخية المتزايدة.
ويؤكد الباحثون في الدراسة أن “التطبيق المتزامن لهذه الإجراءات هو السبيل الأفضل لتقليل مخاطر الفيضانات وحماية سكان مدينة عدن وبُنيتها التحتية من الفيضانات”.
منذ ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ القرى الريفية في حضرموت على حركة يومها المعتادة، يبدأ محسن الرعود عمله، ويدفع عربته المعدنية القديمة على طريق ترابي ضيق، ممسكًا بمكنسة تآكلت أطرافها من كثرة الاستخدام، ويبدأ في جمع المخلفات المتناثرة على جانبي الطريق، في مشهد يتكرر يوميا منذ أكثر من عشرين عامًا.
يقول الرعود، وهو عامل نظافة في إحدى المناطق الريفية شرقي المحافظة، لـ”ريف اليمن”، إن عمله يبدأ قبل شروق الشمس وينتهي مع اشتداد الحر، ويضيف: “نخرج قبل الناس ونرجع بعدهم، من أجل تظل القرى نظيفة”.
رغم الإرهاق وبساطة الأدوات وغياب أبسط وسائل الحماية يواصل الرعود عمله مؤمنا بأن ما يقوم به واجب قبل أن يكون وظيفة، ويؤكد لـ”ريف اليمن”، أن العمل شاق جدا، لكنه يحب مهنته ويقدرها، معبرا عن استيائه وحزنه بسبب تعرضه للكثير من المضايقات من بعض أفراد المجتمع، لافتا إلى أن الكثير يحتقرون هذه المهنة ولا يقدّرونها.
يواجه عمال النظافة في حضرموت، وخاصة في المكلا ومديريات الساحل، تحديات كبيرة تشمل تدني الأجور، ونقص المعدات، ومخاطر العمل الصحي، وتأخر المستحقات. تزداد المعاناة بسبب نقص الوعي المجتمعي بأهمية النظافة، مما يضاعف الجهد البدني عليهم.
عمل يومي بدون تقدير
لا يختلف حال الرعود كثيرا عن عشرات من عمال النظافة المنتشرين في أرياف حضرموت، حيث تعتمد القرى على جهودهم الفردية للحفاظ على نظافتها، في ظل شح الإمكانيات وضعف الدعم المؤسسي، ويؤدي هؤلاء العمال مهام شاقة تشمل تنظيف الطرق العامة والأزقة ومواقع تجمّع النفايات، دون قفازات أو كمامات تقيهم مخاطر العمل الصحي والبيئي.
ويشكو عمال نظافة من ضعف الرواتب التي لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات أحيانا وغياب أي تأمين صحي أو رعاية مهنية في وقت يتعرضون فيه لمخاطر يومية من أمراض تنفسية إلى إصابات جسدية.
يحكي الرعود أنه تعرض لعدد من الإصابات أثناء العمل، في دلالة على غياب الرعاية والاهتمام بهذه الفئة، إلى جانب ضعف الوعي المجتمعي بخطورة رمي النفايات الحادة أو الخطرة في براميل القمامة.
يعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف أغلبهم، ما بالأجر اليومي (ريف اليمن)
ويقول: “في يوم من الأيام تعرضت لإصابة خطيرة جدا أثناء كنس القمامة، حيث أُصبت بقطع في رجلي، ونُقلت إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، تجاوزت تكلفتها راتبي الشهري بالكامل، وجلست في البيت لمدة شهر ونصف بدون عمل”.
في المناطق الريفية، تتضاعف معاناة عمال النظافة بسبب الطبيعة الجغرافية القاسية، وغياب البنية التحتية المناسبة للتعامل مع النفايات؛ فالطرق غير المعبدة، وبُعد مواقع التجميع، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تجعل العمل أكثر مشقة.
يختصر الرعود واقع شريحة واسعة تعمل بصمت، دون أن تحظى بتقدير يوازي دورها الحيوي في حماية الصحة العامة والحفاظ على البيئة، ويقول: “نشتغل في الحر وفي البرد، وما عندنا لا ملابس واقية ولا أدوات حديثة. بس الله يعين”.
وبحسب بيانات إدارة صندوق النظافة والتحسين في مديريات الوادي بمحافظة حضرموت لعام 2024، بلغ إجمالي عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون أيضًا على عدد من المديريات الريفية، ويؤدون مهامهم اليومية في ظروف تشغيلية صعبة، وبإمكانات محدودة، لتغطية مساحات جغرافية واسعة وقرى متناثرة.
النظافة مسؤولية الجميع
إلى جانب معاناة العمال، يؤكد الناشط المجتمعي أحمد باوزير أن هناك ضعفا في الوعي المجتمعي في بعض القرى، حيث لا تزال ظاهرة رمي القمامة عشوائيًا منتشرة، ما يزيد العبء على عمال النظافة ويقوض جهودهم اليومية.
عدد عمال النظافة في مديريات وادي حضرموت نحو 871 عاملا، يتوزعون بمناطق الريفية ويؤدون مهامهم في ظروف تشغيلية صعبة
ويقول باوزير: “إن النظافة ليست مسؤولية العامل وحده، بل مسؤولية المجتمع ككل”، داعيا إلى ترسيخ ثقافة احترام العامل، والتعامل المسؤول مع البيئة، والالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة لها.
في ظل هذا الواقع، تؤكد اللجنة النقابية لعمال مشروع النظافة والتحسين بحضرموت أن الأصوات تتصاعد مطالبة الجهات المعنية بتحسين أوضاع عمال النظافة، من خلال رفع الأجور، وتوفير أدوات السلامة المهنية، وتأمين صحي يضمن لهم حياة كريمة.
وشددت النقابة على أهمية إدماج عمال النظافة ضمن خطط التنمية المحلية، بوصفهم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على البيئة والصحة العامة، ويحملون على عاتقهم عبئًا ثقيلًا في ظل ظروف قاسية وتهميش مستمر.
ويعمل في قطاع النظافة في اليمن نحو 50 ألف عامل وموظف، أغلبهم ما زالوا يعملون بالأجر اليومي من دون تثبيت، ويتكون أغلب هؤلاء العمال من اليمنيين ذوي البشرة السمراء، ويعرفون رسمياً وفي بيانات المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بـ”المهمشين”.