حذرت هيئة حكومية يمنية، من ارتفاع مخاطر الانهيارات الأرضية والصخرية في عدد من المحافظات مع توقعات بهطول أمطار غزيرة خلال الأيام القادمة.
وقالت الهيئة الجيولوجية في عدن “إن تشبع التربة بالمياه، إلى جانب وجود تشققات بين الصخور، يزيد من احتمالية حدوث انزلاقات للتربة وسقوط كتل صخرية”.
وحذرت أن هذه الانهيارات قد تسبب خسائر مادية كبيرة تشمل انهيار المنازل، تضرر المزارع، وانقطاع الطرق والخدمات، وقد تتشكل السيول في الوديان الكبيرة وتفيض في مناطق مجاورة.
وأوضحت الهيئة -استنادًا إلى الخرائط والدراسات الجيولوجية- “أن المناطق الجبلية في المرتفعات الغربية والوسطى من اليمن تُعد من أكثر المناطق عرضة لمخاطر الانهيارات”.
وسجلت محافظات مثل تعز، إب، ذمار، وصنعاء معدلات مرتفعة لحوادث الانهيارات الأرضية خلال العقود الماضية، في حين تقل هذه المخاطر نسبيًا في المناطق الشرقية. وفق الهيئة الجيولوجية.
وهذه الظواهر ليست جديدة، فقد شهدت حضرموت وتعز، حوادث مشابهة في أعوام سابقة، كما سُجلت خسائر بشرية في بعض الحالات، من بينها الانهيارات الصخرية في مديريات وكريتر البريقة في العاصمة عدن.
محافظات تعز وإب وذمار وصنعاء سجلت معدلات مرتفعة لحوادث الانهيارات الأرضية خلال العقود الماضية
تقييم المخاطر
وقالت الهيئة إنها نفذت العديد من الدراسات، شملت تحليل مخاطر فيضانات الوديان والانهيارات الأرضية والصخرية، وأنجزت مشاريع تقييم المخاطر في مختلف المحافظات اليمنية.
وأشارت أنها “زودت الجهات المعنية والسلطات المحلية بجزء من هذه المخرجات لدعم جهود التخطيط وإدارة المخاطر”.
ودعت الهيئة إلى أخذ هذه التحذيرات على محمل الجد، خاصة في ظل تأثيرات التغير المناخي والتدخلات البشرية غير المدروسة، وفي مقدمتها أعمال شق الطرق في المناطق الجبلية.
ولفتت إلى أهمية التنسيق مع الهيئة في العاصمة عدن وجميع فروعها في المحافظات للاستفادة من الدراسات والبيانات المتوفرة.
وأكدت على الالتزام بالإرشادات العلمية والتخطيط السليم للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية وحماية الأرواح والممتلكات.
وفي أواخر عام 2024 تسببت الانهيارات الصخرية بوفاة أسرة كاملة مكوّنة من سبعة أشخاص، في قرية وادي القُبي عزلة بني الخياط بمديرية الطويلة التابعة لمحافظة المحويت شمال اليمن.
وسبق أن حدثت سلسلة انهيارات في عدة محافظات، في حين ما يزال كابوس الانهيارات الأرضية يحاصر سكان ‹قرية الخشابي› الواقعة بمديرية بعدان في محافظة إب، وفي العام 2023 تضرر نحو 20 منزلاً منها 4 منازل تدمرت بشكل كلي، بالإضافة إلى انهيار جميع المدرجات الزراعية.
في أطراف محافظة مأرب، شرقي اليمن، حيث تمتد الخيام بدل البيوت، لا يأتي العيد كما يعرفه الناس، بل يمر ثقيلا، محملا بذاكرة مزدحمة بالحنين والفقد والذكريات، فتبدو ملامح العيد باهتة، كأنها فقدت روحها في الطريق، ويتحول العيد من يوم للبهجة إلى ذكرى سنوية مؤلمة.
في مخيم “الرميلة” حيث تفترش الأسر الرمال وتلتحف السماء، يعيش “عبد الكريم صبر (34) عامًا” منذ ثمان سنوات تجربة النزوح بكل تفاصيلها القاسية، ولم يعد العيد بالنسبة له مناسبة للقاء والبهجة، بل تذكيرًا بما كان، ويؤكد أن أكثر ما يؤلمه ليس ضيق العيش، بل غياب الوجوه التي كانت تمنح العيد معناه.
يقول صبر لـ”ريف اليمن”: “حياتنا كانت مستقرة قبل تجرع ويلات النزوح، الذي تظهر معالمها جلية في أيام العيد من الوحدة والاغتراب ونحن نازحون من ذات المحافظة”، لافتا إلى أن أكثر ما يؤلمه ليس الفقر أو ضيق الحال، بل غياب الناس الذين كانوا يمنحون العيد معناه.
ويضيف: “في الماضي، كانت الزيارات تمتد من بيت إلى آخر، وتتعالى الضحكات في الأزقة، أما اليوم فلا يتجاوز الأمر مكالمة هاتفية أو رسالة مقتضبة. في المخيم يلتقي الناس للحظات بعد صلاة العيد، ثم يعود كلّ إلى خيمته، وكأن العيد مرّ مرور العابرين”.
ذاكرة الرماد والنار
تتزاحم في ذاكرة عبدالكريم صور قديمة لا تغيب؛ تفاصيل صغيرة، لكنها كانت تصنع العيد، ويقول: “كنا نجمع الرماد مع الوقود ونخلطها ببعض ونصنع من ذلك ناراً مشتعلة ونضعها على سقوف المباني ونطلق المفرقعات ابتهاجا، وأصوات الأطفال وضجيج الشوارع يملأ المكان حياة، أما اليوم لا نمتلك حتى مباني لنشعل عليها ولا نمتلك سوى تلك الخيام”.
يحاول صبر، مثل غيره، أن يصنع شيئاً من الفرح لأطفاله، حتى لو كان بسيطاً؛ قطعة ملابس جديدة، لعبة متواضعة، ألعاب نارية وجعالة العيد، يقول بصوت هادئ: “نحاول أن نزرع الفرح قدر ما نستطيع، وأشعر بأني أفضل من غيري في المخيمات كوني نازح من ذات المحافظة، مقارنة بمن نزحوا من مسافات ومحافظة بعيدة”.
ويقول إن أكثر عادة يفتقدها مقابلة الأهل والأصدقاء، وهو ما يؤلم قلبه حتى الآن منذ ثمانية أعوام، إذ لم يستطع زيارة أحد من أقربائه إلا عبر الاتصال الهاتفي، لكنه يعود وينصح رفقاءه النازحين أن يصنعوا فرحتهم بأنفسهم بالتسامح والتصافح رغم مرارات المسكن والشح المادي الذي يأمل أن يزول قريبا.
أطفال نازحون يلعبون أمام أحد المخيمات بمأرب خلال أيام عيد الفطر 2026م (ريف اليمن)
تعتبر مأرب إحدى أكبر مناطق جذب النازحين داخلياً في اليمن، وتشير التقارير الصادرة في أوائل عام 2025 إلى أن المحافظة تستضيف ما يزيد عن 2.3 مليون نازح، يتوزعون على أكثر من 200 مخيم وتجمع استمرت حركة النزوح إليها، حيث استقبلت نصف النازحين الجدد في اليمن خلال الربع الثالث من 2025، وتفاقمت الاحتياجات مع دخول فصل الشتاء.
مخيمات النزوح: فرحة مؤجلة
“جواهر محمد، 50 عاما”، نازحة منذ ثلاث سنوات من محافظة البيضاء، لم يعد العيد يعنيها كما كان، اختزلت المناسبة كلها في شيء واحد؛ الاهتمام بالأطفال ومحاولة إسعادهم، وتؤكد”: لم نعد نفكر بأنفسنا، فكل ما يشغلنا الشعور بالصغار وصنع شيء من البهجة لهم حتى لو كانت مؤقتة”.
تتذكر جواهر خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، كيف كان العيد قبل النزوح، حين كانت القلوب تمتلئ بالفرح، والبيوت تستعد بالملابس والزيارات، أما اليوم فتقول إن هذه التفاصيل تلاشت، ولم يبق سوى الاهتمام بالأساسيات، أما الكماليات، فتقول: “نسيتها منذ أن وطئت أقدامنا هذه الخيام الممزقة، وأصبحت جزءا من حياة بعيدة”.
في قصص النازحين، نجد التباين الصارخ؛ فبينما كان العيد سابقاً يكتمل بالكماليات والزينة، صار العيد في مخيمات النزوح يقتصر على “الأساسيات” التي تُبقي المرء على قيد الحياة، فجواهر لا تطلب الرفاهية، بل تحنّ لليوم الذي كانت فيه فرحة العيد تشمل قلبها هي أيضا، وليس فقط قلوب من حولها.
عبد السلام المخلافي: غياب طقوس العيد عند الأطفال قد يزرع لديهم شعوراً بالحرمان ويؤثر على صحتهم النفسية ويترك أثارا عميقة
يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن العيد يفقد معناه الحقيقي حين تغيب طقوسه الاجتماعية، ويقول الطبيب النفسي “عبدالسلام المخلافي” إن العيد ليس مجرد يوم، بل حالة من التفاعل الإنساني، من الزيارات والتواصل والشعور بالانتماء، ويضيف: “عندما تختفي هذه التفاصيل، يتحول العيد إلى يوم عادي، بل وربما أكثر قسوة، حيث يزداد الحنين للوطن والمنزل والذكريات بدلاً من التحضيرات والفرحة”.
معاناة مضاعفة
يوضح المخلافي أن هناك معاناة مضاعفة لتأمين الاحتياجات الأساسية؛ مما يجعل العيد رفاهية لا يمكن التفكير فيها وسط المعاناة اليومية، فيغيب الفرح بدل حضوره، وبدون صلاة العيد في مسجد الحي، وبدون زيارة الأقارب وتبادل التهاني، يفقد العيد معناه الاجتماعي والديني، ما يترك آثارا عميقة في نفوسهم.
أما الأطفال فهم الأكثر تأثراً – بحسب المخلافي – لأن ذاكرتهم العاطفية تتشكل بهذه المناسبات بسبب غياب طقوس مثل شراء الملابس الجديدة، أو تناول الحلويات مع الأقارب، أو اللعب مع أطفال الجيران، يجعل العيد مجرد يوم عادي ومخيب للآمال هذا قد يزرع لديهم شعوراً بالحرمان والحزن والغضب ويؤثر على صحتهم النفسية وتطورهم العاطفي.
وتؤكد الطبيبة النفسية “زمزم محمد” أن للنزوح تأثيراً كبيراً وخاصة في المناسبات مثل الأعراس والأعياد حيث إن كثيراً من النازحين لا يوجد لديهم أي أقارب فتكون فرحة العيد عندهم ناقصة، فالعيد اجتماع الأهل والأقارب وصلة الأرحام والمعايدة عليهم، وبغير ذلك تكون فرحة العيد ناقصة بشكل كبير.
تستضيف مأرب ما يزيد عن 2.3 مليون نازح، يتوزعون على أكثر من 200 مخيم(ريف اليمن)
في مواجهة هذا الواقع، تحاول بعض المبادرات الإنسانية أن تخفف من قسوة المشهد، تقول مديرة مبادرة حمامة السلام الدكتورة “آية العمري” إنهم يسعون إلى إدخال شيء من الفرح على قلوب الأطفال، من خلال توفير ملابس العيد والهدايا، بدعم من فاعلي الخير.
وتؤكد العمري لـ “ريف اليمن”، أن “المبادرة تحاول الاستعداد للعيد قبل وقت كاف من خلال حصر الأسر الأشد احتياجاً داخل المخيمات، خصوصاً الأيتام والأرامل والمرضى، وبعدها نبدأ بالتواصل مع فاعلي الخير لتوفير كسوة العيد للأطفال، والعيديات، والسلال الغذائية”.
صرخة خلف الخيمة
وتضيف:” نقوم أحيانا بأخذ بعض الأطفال أو الأمهات إلى السوق بأنفسهم ليختاروا ملابس العيد، ثم نقوم نحن بدفع المبلغ عند المحاسب. نفعل ذلك حتى يشعروا أنهم هم من اختاروا ملابسهم بفرح، وليس مجرد شيء أُعطي لهم، وهذا يحفظ كرامتهم ويجعل فرحة العيد أكبر في قلوبهم”.
وتشير إلى أن تفاعل فاعلي الخير في موسم العيد يزداد، لأن الناس تحب أن تدخل الفرحة على قلوب المحتاجين في هذه الأيام المباركة، وكثير من المتبرعين يحرصون على أن تكون لهم بصمة في العيد، سواء من خلال كسوة الأطفال أو العيديات أو دعم الأسر المحتاجة، وهذا يعطينا دافعا أكبر للاستمرار في العمل الإنساني.
تحاول بعض المبادرات الإنسانية أن تخفف من قسوة المشهد، وإدخال شيء من الفرح على قلوب الأطفال(ريف اليمن)
من بين القصص التي تختصر عمق الألم الإنساني في المخيمات، تروي آية العمري حكاية طفلٍ صغير تمسّك بالأمل رغم قسوته، ورفض استلام ملابس جديدة، مؤمنًا أن والده سيعود ليشتري له ما يشاء، رغم أن الأب غاب منذ سنوات.
تقول العمري إنها دخلت يومًا إلى إحدى الخيام فوجدت أسرة تفترش الأرض، وأربعة أطفال يلتفون تحت بطانية واحدة اتقاءً للبرد، وما إن دخلت حاملة بعض الملابس حتى التفّ الأطفال حولها بلهفة، كان بينهم طفل في العاشرة من عمره، نادته ليأخذ نصيبه، لكنه رفض قائلاً ببراءة ممزوجة بالوجع: “لا أريد صدقة… أبي سيعود ويشتري لي”.
وتتابع أنها سألت والدته عن الأب، فأخبرتها أنه متوفٍ منذ أربع سنوات، غير أن الطفل لا يزال ينتظره كل يوم، وحين سمع حديثها، انفجر باكيًا وهو يردد بإصرار موجع: “أبي ما مات… أبي بيرجع… أبي بيشتري لي سيكل”.
وتؤكد العمري أن هذا الموقف ظل عالقًا في ذاكرتها، لأنه يجسّد حجم المعاناة التي يعيشها أطفال المخيمات، معاناة لا تتوقف عند حدود الفقر، بل تمتد إلى فقدان الأمان وحنان الأب، وحرمان الطفولة من أبسط حقوقها.
يقطع “صلاح صالح” في كل عيد مسافة 648 كيلومتر سفرا ذهابا وإيابا من العاصمة صنعاء إلى قريته في ريف محافظة تعز، لقضاء إجازة عيد الفطر المبارك، متحملا مشقة السفر وتكاليفه، في عادة سنوية يمارسها الكثير من السكان.
على الرغم من المشقّة التي يتكبدها صلاح، إلا أنه يصر أن يقضي إجازة العيد في قريته الواقعة بأطراف مديرية الشمايتين كغيره من سكان الأرياف، حيث يفضّل الكثير من اليمنيين قضاء الإجازة في القرى التي لاتزال تتمتع بعادات وتقاليد اجتماعية تضفي على العيد بهجة إضافية.
يقول صلاح لـ ريف اليمن” إنّه يحرص على قضاء الإجازة في الريف، موضحا أن “مايُميّز قضاء إجازة العيد في الريف هو لمّة الأسرة والأهل والأولاد، وممارسة العادات والتقاليد الجميلة اللي نعيشها هناك، خاصة اجتماع الأهل والأصدقاء على مائدة الطعام في صباح أول أيام العيد”.
ويضيف لـ “ريف اليمن”، أن “العيد يُشكّل فرصة حقيقية لتعزيز الروابط الاجتماعية بين الناس، ويستغل الكثير من الأشخاص هذه الفرصة لزيارة أقاربهم وأهاليهم في الريف وتوثيق صلتهم بهم أكثر، على خلاف المدن”.
تسبّبت الحرب في تفاقم الوضع الاقتصادي للمواطنين، وانقطاع الطرقات بين عدّة مدن رئيسية؛ ما أدى إلى زيادة ساعات التنقل بين المدن والأرياف، واضطرار المواطنين لعبور طرق فرعية ووعرة للوصول إلى قراهم وأريافهم، ومع ذلك فإنّ هذه الظروف لم تمنع صلاح وغيره الكثير من المواطنين من الاستمرار في قضاء إجازة العيد في الريف.
يلفت صلاح إلى أنه “وبالرغم من ارتفاع قيمة المواصلات التي تصل إلى 15 ألف ريال (27 دولارا) للراكب الواحد من صنعاء إلى تعز، وكذا مشقة الطريق الطويل وانقطاعها، وفترة الانتظار الطويلة التي نقضيها أمام النقاط الأمنية إلّا أنّ كل ذلك يصبح هينًا أمام فرحة العيد بين الأهل، فالعيد في الريف له طعم آخر، وأجواؤه لا تعوض”.
تعزيز الروابط الاجتماعية
يرى الباحث الاجتماعي “وضاح فرحان” أنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُعزز الروابط الاجتماعية من خلال التواصل واللقاءات وتبادل الزيارات والهدايا بين الناس، وكذا المشاركة في الاحتفالات والأعراس.
ويضيف فرحان” لـ “ريف اليمن”: “يقوم الناس في الريف بإخراج عسب العيد أو ماتسمى “العوّادة” للأطفال أثناء الزيارات العيدية، وهو تقليد اجتماعي معروف يساهم في تقوية الروابط بين الأسر”.
لا يمكن النظر إلى قضاء إجازة العيد في الريف باعتبارها عادة روتينية بقدر ما تُعدُّ جزءاً من الموروث الذي يتميز به اليمنيون، إذ يتخلّل هذه المناسبة ممارسة مجموعة من العادات والتقاليد في مختلف مناطق البلاد؛ كتناول وجبة الإفطار بشكل جماعي في أول أيام العيد، وكذا إقامة الأعراس، وممارسة مجموعة من الطقوس التقليدية المتوارثة.
يقول القاص والباحث في التراث الشفاهي “عمران الحمادي” إنّ “قضاء العيد في الريف يعكس رغبة الإنسان اليمني في إعادة التواصل مع الأرض والمجتمع، وأنّ العيد ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل محطة لاستعادة الروابط الثقافية والاجتماعية”.
العيد وإحياء الموروث
يضيف الحمادي لـ “ريف اليمن”، يساهم قضاء العيد في الريف في ممارسة الطقوس التقليدية وإحياء الموروث الغنائي الشعبي خصوصًا أثناء الأعراس، إضافة إلى أنّه يمثّل محطة لعقد اللقاءات الأسرية وعرض القصص والحكايات القديمة التي تحفظ هوية وثقافة المجتمع.
يحظى الريف بمكانة خاصة لدى معظم اليمنيين حيث يرتبط بالعديد من الذكريات (ريف اليمن)
ويلفت الحمادي إلى أن قضاء العيد في الريف أضحى جزءاً من الموروث الثقافي للمجتمع اليمني، يربط بين الماضي والحاضر، ويُعيد إنتاج القيم الأسرية والاجتماعية التي تشكل صميم الحياة الريفية، موضحا أنّ العودة إلى القرى في العيد ليست مجرد رحلة موسمية، بل استعادة للهوية، وتجديداً للعلاقات الإنسانية، وإحياء لتراث يتوارثه الأجيال.
يحظى الريف بمكانة خاصة لدى معظم اليمنيين حيث يرتبط بالعديد من الذكريات خصوصًا لأولئك الذين عاشوا فترة من حياتهم هناك، وزيادة على ذلك، فإنّ قضاء العيد في الريف يُعبّر عن انتماء وولاء اليمني لأرضه وموطنه الأصلي، وبحسب إحصائية للبنك الدولي فإنّ 61% من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية.
الريف ذكريات الشجن
“أبرار مصطفى” امرأة تسكن في مدينة تعز، تقول إنها تحرص على قضاء إجازة العيد في قريتها “الخيامي” بريف المحافظة حيث عاشت طفولتها، وتقول أبرار: “لا أستطيع قضاء العيد إلا في الريف، في قريتي التي تربّيتُ فيها، عندما أذهب إلى هناك استرجع ذكرياتي القديمة، وأستحضر قصصي التي عشتها في طفولتي”.
وتضيف أبرار لـ “ريف اليمن” أن قضاء العيد في القرية يرسم الفرحة في وجوه الأهل والأقارب والناس خصوصا عند زيارتهم، وعلاوة على تقوية الروابط الاجتماعية بين الناس فإنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُعزز الصحة النفسية.
وبحسب المختصة في علم النفس والإرشاد النفسي “رقية الذُبحاني”، فإنّ قضاء العيد في الريف يخفف من مستويات الضغط والقلق والتوتر، ويعمل على تهدئة الجهاز العصبي وتحسين المزاج، وذلك بسبب الطبيعة المفتوحة والهواء النقي وعدم وجود الضوضاء في المناطق الريفية.
وتضيف الذُبحاني لـ “ريف اليمن”: “إنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُخفّف ضغوط العمل ويجدّد النشاط خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعملون في المدن، إضافة إلى أنّه يُعزّز مستويات الشعور بالانتماء والأمان العاطفي والنفسي”.
وتوضح أن قضاء إجازة العيد في الريف لا تُعدّ رحلة موسمية بقدر ما تُعتبر فرصة لتقوية العلاقات الاجتماعية بين الناس، وتعزيز الانتماء للريف وطقسًا مرتبطا بالموروث الثقافي والاجتماعي لليمنيين.
“أصل إلى البيت وأنا منهك من العطش، وعندما يأتي المغرب لا أريد شيئا بقدر ما أريد شربة ماء فقط”، بهذه الكلمات يلخص المزارع “جلال عبده سنحان” يوما طويلا من العمل في رمضان تحت شمس ريف إب، حيث يتقاطع الصيام مع العمل الزراعي الشاق في مشهد يومي يعيشه آلاف المزارعين في القرى الجبلية.
في الأرياف لا يبدأ الصائمون بالراحة بعد السحور كما هو الحال في المدن، فمع بزوغ الفجر يخرج الرجال والنساء إلى أعمالهم المعتادة، بين الحقول والجبال والآبار، في سباق يومي مع الشمس وندرة المياه، ولا تملك معظم الأسر رفاهية التوقف عن العمل، حتى في أكثر الأيام حرارة.
تزداد المعاناة في كثير من قرى المحافظة مع أزمة المياه، حيث يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة يوميا للوصول إلى الآبار وجلب الماء إلى منازلهم، ورغم أن شح المياه لا يستمر طوال العام، إلا أن العديد من القرى تستقبل رمضان غالبا في فترات الجفاف؛ ما يجعل الصيام أكثر قسوة ويحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى مهمة شاقة.
قرى عديدة بمديرية العدين ومناطق أخرى من ريف إب، يصبح فيها الحصول على الماء جزءا من الروتين اليومي للسكان، فلا توجد شبكات مياه منتظمة، ولا مشاريع خدمية قادرة على تخفيف العبء عن الأهالي، ما يدفع الرجال والنساء إلى التوجه نحو الآبار أو منابع المياه حاملين الجوالين في رحلة تبدأ غالبا مع الفجر حتى قبل أن تشتد حرارة الشمس.
لا تتوقف معاناة جلال عند العمل اليومي فقط، فهو يعاني أيضا من مرض السكري، ما يجعل الصيام والعمل تحت حرارة الشمس أكثر صعوبة، ومع ذلك يواصل يومه المعتاد، لأن توقفه عن العمل يعني نقصا في احتياجات أسرته.
بعد السحور تخرج “نور سعيد (40 عاما)” على صوت العصافير لتبدأ يوما جديدا من العمل المتواصل، تجمع أغنامها وتتجه نحو جبل يدعى “القاهر”، حيث تقضي ساعات طويلة في رعيها بين الصخور والمنحدرات.
في الأرياف لا يبدأ الصائمون بالراحة بعد السحور فمع بزوغ الفجر يخرج الرجال والنساء إلى أعمالهم المعتادة في الحقول
المسافة بين منزلها والجبل طويلة، والطريق إليه وعر ومتعرج، ما يجعل الرحلة شاقة حتى في الأيام العادية، فكيف وهي تسيرها في نهار رمضان، وتقول نور لـ”ريف اليمن”: “أخرج بدري قبل ما تشرق الشمس، لأنه في رمضان لو خرجت والشمس طالعة أتعب وأعطش بسرعة، خاصة أن الطريق للجبل بعيد ومتعب”.
تقضي نور ساعات طويلة في الجبل تراقب أغنامها وهي ترعى، قبل أن تبدأ رحلة العودة نحو المنزل، لكن العودة لا تكون خفيفة؛ إذ تحمل معها حزمة من الحطب الذي تجمعه أثناء الرعي لاستخدامه في الطهي، وتضيف: “أرجع الظهر وعلى رأسي حزمة الحطب وقدامي الغنم”.
الأرض تنتظر
رغم التعب، لا ينتهي يومها عند ذلك، فبعد الوصول إلى المنزل تبدأ أعمالها المنزلية المعتادة، قبل أن تعود في فترة العصر مرة أخرى إلى الجبل لرعي الأغنام حتى المساء، وهكذا يمضي يومها في رمضان، بين الصيام والعمل والتنقل في الجبال.
بالنسبة للمزارعين في الريف، لا يتوقف العمل في رمضان، فالموسم الزراعي لا ينتظر، يقول المزارع جلال عبده سنحان من ريف العدين: “رمضان في القرية غير المدينة. في المدينة يتسحر الإنسان وينام، لكن في الريف نصحى للسحور ونصلي الفجر، وبعدها لا يوجد نوم لأن الأرض تنتظرنا”.
ويضيف: “بعد صلاة الفجر يبدأ يوم العمل مباشرة، حيث يتوجه المزارعون إلى الحقول لمواصلة أعمال الزراعة المختلفة، بدءا من تجهيز الأدوات وتحضير الأرض، مرورا بجلب المياه، وانتهاء بالعودة إلى المنازل قبيل المغرب منهكين من التعب”.
جلال سنحان: في الصباح يكون الصيام خفيفا على الجسد لذلك نستمر بالعمل وعندما ترتفع الشمس يبدأ التعب
الزراعة في ريف إب ليست مجرد عمل يومي، بل منظومة من الطقوس الزراعية التي تبدأ قبل أشهر من موسم الأمطار. يقوم الفلاحون بتهيئة الأرض عبر مراحل متسلسلة مثل البتول والتجريف والتبريح، وهي عمليات تهدف إلى تنظيف الأرض من الأحجار والأشواك، وتجهيزها لاستقبال الزراعة.
سباق مع الشمس
يصف جلال عبده سنحان تفاصيل يومه في الحقل قائلا: “نأخذ الشريم والحزبة، ونجهز الجواني، ثم ننطلق مباشرة إلى الأرض. أحاول أن أسبق الشمس، لأنه لو تأخرت ستكون الشمس صعبة جدًا مع الصيام، فالعمل بلا أكل أو شرب يرهقك سريعا”.
ويضيف: “في الصباح يكون الصيام خفيفا على الجسد، لذلك نستمر بالعمل، لكن عندما ترتفع الشمس يبدأ التعب يشتد، فنحاول أن نجد ظل شجرة لنرتاح قليلًا قبل أن نكمل العمل”.
مع اقتراب المغرب ينتهي يوم طويل من العمل الشاق تحت الشمس، يقول جلال: “أصل إلى البيت وأنا منهك من العطش، وعندما يأتي وقت الفطور لا أريد شيئًا إلا شربة ماء”.
هكذا تمضي أيام رمضان في ريف إب، حيث يجتمع الصيام والعمل تحت حرارة الشمس في اختبار يومي للصبر والقوة، فالأرض لا تنتظر، والموسم لا يتوقف، وسكان الريف يواصلون يومهم بين الحقول والجبال حتى يحين أذان المغرب.
يواجه المزارعون في ‹دلتا تُبن› الذي كان سلة غذاء مهمة في لحج جنوبي اليمن، تحديات كبيرة بسبب كساد محصول الطماطم، مما سبب ديوناً متراكمة وخسائر فادحة بسبب غياب التخطيط، ما انعكس على سبل العيش.
ويعرف الوادي قديماً بأنه القلب النابض للزراعة في الجزيرة العربية منذ عهد السلطنة العبدلية، اليوم يجد المزارعون أنفسهم أمام واقع صعب يهدد مصدر رزقهم، حيث تتراجع فرص العمل وتزداد معاناة الأسر التي تعتمد على الزراعة كدخل رئيسي.
يرسم المزارع ‹عوام ناصر› صورة قاتمة للزراعة، مؤكدا أن غياب التخطيط يمثل العدو الأول للمزارع، متجاوزا في خطورته أزمات الجفاف وتداعيات الحرب، موضحا أن الأرض لم تعد تجود بمحاصيل تسد الرمق، بل تحولت إلى عبء يثقل كواهل المزارعين بالديون والخسائر الفادحة.
يضيف ناصر لـ ‹ريف اليمن› أن سوء الإدارة أدى إلى ضعف الإنتاجية مقارنة بالمساحات المزروعة، فلو وجد إرشاد زراعي جيد، لاستطاع المزارع الاكتفاء بخمسة فدادين لتحقيق ذات الإنتاج الذي يحصل عليه حاليا من عشرين فدانا، وهو ما كان سيوفر كلفة باهظة ويحد من الاستنزاف الجائر للمياه.
ويصف الزراعة اليوم بأنها محرقة للأموال يندفع إليها المزارع مكرهاً، إذ بلغت كلفة علبة بذور الطماطم الواحدة نحو 400 ريال سعودي، في حين قفزت أجرة العامل اليومية إلى 12 ألف ريال يمني، وهي تكلفة باهظة في ظل التدهور المستمر لقيمة العملة المحلية.
ديون وخسائر
يؤكد ناصر بأن الأمر لم يتوقف عند مستلزمات الإنتاج، بل امتد ليشمل قيمة الأرض نفسها، حيث قفز سعر الفدان الواحد كعقار إلى مليون ونصف ريال، ناهيك عن التكاليف المتصاعدة للأسمدة والمبيدات.
عوام ناصر: سوء الإدارة الزراعية أدى إلى ضعف الإنتاجية مقارنة بالمساحات المزروعة
ويلفت إلى أن الطموحات تبخرت وحل محلها هاجس سداد الديون، مؤكداً تسجيل حالات فقدان للعقل واضطرابات نفسية حادة في منطقة الحبيل، جراء تراكم الالتزامات المالية التي لم يعد المحصول يغطي جزءاً يسيراً منها.
من جانبه يكشف المزارع “فضل حسان علوي”، من منطقة الوهط، عن خسارة كبيرة، ويصف علوي موسم الطماطم الحالي بأنه “موسم الخسارة المستمرة” الممتد منذ عقد من الزمن نتيجة السياسات العشوائية؛ فبينما يُباع الكيلو الواحد بـ 100 ريال، تتجاوز تكلفة قطافه هذا المبلغ الزهيد.
ويضيف بمرارة لـ “ريف اليمن” أن سلة الطماطم 20 كجم تُباع بـ 2000 ريال (أقل من دولار ونصف)، وفي ذروة الكساد، يمارس التجار ابتزازاً بحق المزارعين لشرائها بـ 500 ريال فقط أي بواقع 25 ريالاً للكيلو.
وتابع: “نحن نجمع الطماطم أكواماً ونرميها على جنبات الطرق وفي مجاري السيول، ليأخذها الرعاة علفاً لمواشيهم”، هذا المشهد يختزل بوضوح انهيار القيمة السوقية للمنتج المحلي في ظل غياب منظومات التبريد، والتصنيع الزراعي، والحماية الحكومية.
نزيف الأرواح
تجاوزت الأزمة حدود الدفاتر المحاسبية لتتحول إلى نزيف للأرواح؛ ففي قرية “الحبيل” بلحج، فُجع المجتمع المحلي بانتحار مزارع ضاقت به سبل العيش نتيجة تراكم ديون بلغت ملايين الريالات لفائدة تجار المبيدات والبذور وملاك الحراثات.
لم يجد المزارع مخرجاً من مأزقه سوى تناول ‹حبوب سامة› تُستخدم لحفظ المحاصيل من السوس، مفضلاً الموت على مواجهة قضبان السجن أو رؤية أرضه تُصادر أمام عينيه، حيث اعتبر مزارعون الحادثة بأنها ليست مجرد واقعة معزولة، بل هي جرس إنذار لآلاف المزارعين الذين يرزحون تحت وطأة ضغوط نفسية خانقة، وديون تبدأ من 3 ملايين وتصل إلى 30 مليون ريال.
المزارع ‹محمود عايش› هو الآخر يوضح جانبا مختلف من معاناة مزارعي لحج، مشيرا إلى أن تجار المبيدات والبذور أصبحوا البديل الوحيد للبنك الزراعي الغائب، ويعتمد هؤلاء التجار على نظام البيع بالأجل، أي الدين حتى موسم الحصاد، لكن بأسعار تزيد ما بين 40% و60% عن السعر النقدي.
ويلفت إلى أن هذا الواقع يضع المزارع منذ بداية الموسم تحت وطأة ديون كبيرة، وعند انهيار أسعار المحاصيل في وقت الحصاد يجد نفسه مطالباً بسداد مبالغ تفوق قيمة أرضه، وبهذا، يتحول المزارع عملياً إلى “أجير” لدى تاجر المبيدات، يزرع ويحصد ليذهب العائد في نهاية المطاف إلى جيوب التجار، فيما تتفاقم أزمته المعيشية.
تؤكد الدكتورة “لميس السروري”، رئيسة مؤسسة المجد للصحة النفسية، أن الكساد الزراعي ولا سيما الخسائر الفادحة في مواسم الطماطم يمثل عامل ضغط نفسي شديد الوطأة على المزارعين، إذ تتجاوز آثاره الأبعاد الاقتصادية لتطال بعمق الصحة النفسية والاستقرار الأسري والاجتماعي.
وتضيف في حديثها لـ “ريف اليمن” أن الخسائر المتكررة في مصدر الدخل الأساسي تؤدي إلى تصاعد مستويات القلق والاكتئاب، وتعزيز الشعور بالعجز وفقدان الأمان، وقد تتفاقم هذه الحالة في بعض الحالات لتتحول إلى اضطرابات نفسية حادة وأفكار انتحارية، نتيجة التراكم الثقيل للضغوط والديون التي يعجز المزارع عن الوفاء بها.
كما تنعكس الضغوط بشكل مباشر على بنية العلاقات الأسرية، والحديث للدكتورة السروري، حيث تزداد حدة الخلافات الزوجية وينحسر التواصل الإيجابي، مما يرفع من احتمالات التفكك الأسري وحالات الطلاق.
إحصائيات نسيبة عن المساحة الزراعية في محافظة لحج وفق الإحصاء الزراعي 2022 (ريف اليمن)
ويصاحب ذلك انسحاب اجتماعي للمزارع، مدفوعاً بشعور بالخجل أو الفشل الشخصي، لعدم قدرته على الوفاء بالالتزامات المالية والوعود التي قطعها تجاه أسرته أو الآخرين، وما يزيد المشهد تعقيداً هو الجهل بالدعم النفسي أو الخجل من طلبه، مما يضاعف من حدة المعاناة في صمت.
وتشير السروري إلى أن الكساد الزراعي لم يعد مجرد أزمة سوق، بل تحول إلى أزمة نفسية اجتماعية مركبة، تقتضي تدخلاً متكاملاً يجمع بين الدعم النفسي المبكر، والتوعية المجتمعية الشاملة، والسياسات الاقتصادية الحمائية، حفاظاً على الصحة النفسية للمزارعين وصوناً لاستقرار أسرهم.
أرقام صادمة
تكشف البيانات الواردة في كتاب الإحصاء الزراعي السنوي، معززة بالمسوحات الميدانية، عن تراجع مخيف في القطاع الزراعي بمحافظة لحج؛ ففي عام 2014، كانت المساحة المزروعة بالطماطم تبلغ 325 هكتاراً، لتهبط في عام 2022 إلى 155 هكتاراً، بنسبة انخفاض بلغت 52%.
وبحسب شهادة المزارع فضل، فإن الخسائر الفادحة للموسم المنصرم دفعت 70% من المزارعين المتبقين إلى العزوف عن الزراعة هذا العام، مما قلص المساحة الفعلية المنتجة إلى 46 هكتاراً فقط. وبذلك، تكون محافظة لحج قد فقدت نحو 85% من طاقتها الإنتاجية للطماطم خلال عقد ونصف.
يترافق الانحدار الإنتاجي مع فجوة ديون سحيقة؛ حيث يظهر تحليل التشتت المالي تفاوتاً هائلاً في حجم الكارثة؛ إذ يواجه صغار المزارعين ديوناً تبدأ من 3 ملايين ريال، بينما قفزت لدى كبار المزارعين إلى 30 مليون ريال، ليتمركز “الوسيط المالي” للديون حول 12.5 مليون ريال لكل مزارع.
لميس السروري: الكساد لم يعد مجرد أزمة سوق بل تحول إلى أزمة نفسية اجتماعية مركبة تقتضي تدخلاً متكاملا
وفي ظل “معادلة الإفلاس” الحالية، حيث يُباع المحصول بـ 500 ريال للسلة، يحتاج المزارع لبيع 25 ألف سلة لسداد أصل الدين فقط، وهو رقم يستحيل تحقيقه تقنياً من المساحات المتاحة في ظل ضعف التربة وشح المياه.
تتفاقم الأزمة بفعل “الهيدرولوجيا المظلمة”؛ إذ تشير دراسة للأمم المتحدة (نوفمبر 2023) إلى أن المنطقة السفلى من دلتا تُبن تعاني عجزاً مائياً مخيفاً يُقدر بـ 84 مليون متر مكعب سنوياً.
غياب الحلول
ويوضح المهندس الزراعي “فضل علي”، أن نبات الطماطم، الذي يتكون بنسبة 95% من المياه، يحتاج في مراحله الأولى إلى 200-300 مل يومياً، مما يفاقم العجز المائي ويهدد بجفاف الآبار.
ويضيف لـ “ريف اليمن” أن الاستنزاف يرفع كلفة استخراج المياه عبر مضخات الديزل المكلفة، ويؤدي إلى تملح التربة، مما يضعف جودة المحصول ويزيد الارتهان للأسمدة والمبيدات باهظة الثمن، كما يزداد المشهد تعقيداً مع تعثر مشاريع الطاقة الشمسية شتاءً (ذروة الموسم) بسبب الغيوم، مما يضطر المزارع للعودة إلى الديزل، لتجتمع عليه أزمتا المياه والطاقة في آن واحد.
يُرجع المهندس “أحمد طيرم”، مدير إدارة التخطيط بمكتب زراعة لحج، جذور الأزمة إلى غياب الخطط المركزية لوزارة الزراعة وتخليها عن دعم المدخلات الأساسية، بالإضافة إلى عدم التزام المزارعين بـ “الدورة الزراعية”، وهو ما يؤدي إلى إغراق السوق بالمحصول في وقت واحد، مسبباً انهيار الأسعار نتيجة خلل العرض والطلب.
وأوضح طيرم لـ ‹ريف اليمن› أن غياب دور التعاونيات الزراعية التي كانت تحمي المزارع من جشع السماسرة، وتوقف مصنع الطماطم في منطقة “الفيوش” منذ حرب 2014، ضاعف من حدة الكارثة.
وفي ظل الشلل الرسمي، تبرز محاولات فردية خجولة للتمرد على واقع الهدر، مثل تجربة “أم أحمد” التي بدأت مشروعاً منزليا لتجفيف الطماطم وتحويلها إلى “صلصة”، ورغم نجاحها في إنقاذ جزء من محصولها ومحصول جيرانها، إلا أن غياب التمويل والمعدات الحديثة جعل مبادرتها مجرد “نقطة في بحر” الأزمة، لتظل شاهدة على أن الحل يكمن في التصنيع الزراعي المتعثر.
بدوره كشف “عبد الرب الجعفري”، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة لحج، لـ “ريف اليمن” عن وجود اتفاق مع مستثمر لإعادة تشغيل مصنع طماطم “الفيوش”، مؤكداً أن العقد سارٍ لمدة ستة أشهر، وفي حال عدم التنفيذ ستُسحب المناقصة ويُعاد طرحها.
ويوضح أن أحد المصانع في منطقة الرباط يعمل حاليا بطاقة إنتاجية محدودة، فيما لا يزال مصنعان في طور الإنشاء، مع وعود رسمية بتنفيذ نزول ميداني لاستكمال تجهيزاتهما وافتتاحهما أمام المزارعين في وقت قريب، بما يعزز فرص الاستفادة من هذه المشاريع الزراعية الواعدة.
وادي غيل السعيدي يقع في محافظة شبوة شرقي اليمن، وهو عبارة عن واحة خضراء يتميز بمناظر طبيعة خلابة، ويتميز بنمط معماري جميل وفريد ينسجم مع البيئة الطبيعة.
ويقع الوادي تضمن نطاق مديرية الروضة ويعتبر مقصداً للمصورين والمهتمين بالطبيعة نظراً لجمال أوديتها واخضرارها. ويعد الوادي واحة طبيعية تشتهر بمياهها الجارية ومناظرها الخضراء الجذابة.
نترككم مع تقرير الصور التي نشرت في فبراير 2026 بعدسة المصور محمود الخليفي
تزامناً مع احتفالات باليوم الوطني للبن اليمني في 3 مارس، أحيا الطلاب اليمنيون في عدد من المدن الصينية تظاهرة ثقافية واسعة نظمها اتحاد طلاب اليمن في الصين، واستمرت على مدى أسبوع، بهدف التعريف بعراقة المحصول الريفي الأول في اليمن وإبراز مكانته الحضارية.
وشهدت الفعاليات، مشاركة فاعلة من الطلاب الأجانب والصينيين في مدن بكين بانجو، تشنغشا، تشنغدو، نينغبو، وتايوان، حيث قدم الطلاب اليمنيون شرحاً مفصلاً عن تاريخ البن في المرتفعات الجبلية وقصة ارتباطه العالمي بميناء المخا (موكا) التي اشتهرت عالميًا بتصدير البن اليمني منذ قرون.
وعكست الفعاليات أجواءً تراثية، حيث ارتدى الطلاب اللباس الشعبي اليمني وتقديم الرقصات الفلكلورية الشعبية التقليدية، في مشاهد جسدت جمال الموروث الثقافي اليمني وأضفت أجواءً حيوية جذبت اهتمام الحضور من مختلف الجنسيات.
من ضمن أنشطة الطلاب اليمنيين في فعاليات البن اليمني لتعريف الصينيين بجودة المنتج (ريف اليمن)
كما تضمنت الأنشطة شرحاً لطرق إعداد القهوة التقليدية، وما يرافقها من طقوس اجتماعية تعكس كرم والضيافة اليمني المتوارث في القرى والوديان، ومسابقة لأفضل فيديو عن “يوم البن” مبرزين البن كأهم رموز الهوية الوطنية والاقتصاد الزراعي الذي يعتمد عليه آلاف المزارعين في اليمن
وقال “عمرو فؤاد”، رئيس اللجنة الإعلامية في الاتحاد العام لطلاب اليمن في الصين إن “هذه الأنشطة تسعى إلى تقديم صورة مشرقة عن اليمن وتراثه العريق، وإبراز “البن” كأحد أهم ركائز الهوية الوطنية”.
وأضاف في تصريح خاص لـ”ريف اليمن”، أن الاتحاد يهدف من خلال هذه المبادرات إلى تعزيز جسور التواصل الثقافي مع شعوب العالم وربط المغترب اليمني بجذور أرضه ومنتجاتها الاستراتيجية، بما يضمن بقاء اسم اليمن حاضراً كأصل وموطن تاريخي لأجود أنواع البن في العالم.
وأشار عمرو “إننا نؤمن بأن هذه المناسبة تستحق أن يٌحتفل بها في كل بلدان العالم أينما تواجد اليمني أو حضر مذاق قهوته المميزة، لضمان بقاء اسم اليمن حاضراً كأصل موطن تاريخي لأجود أنواع البن في العالم، ورسالة اعتزاز وفخر بمقدرات الريف اليمني ومكانته العالمية”.
شهدت الفعاليات التعريف بالمورث الثقافي اليمن من ضمنها الرقصات الشعبية (ريف اليمن)
مع بداية موسم الأمطار الربيعة في اليمن، أفادت التوقعات الموسمية احتمال هطول أمطار بنسبة 40 بالمئة أعلى من المعدل المتوسط في خلال ثلاثة أشهر حتى مايو المقبل.
وأشارت التوقعات الموسمية للفترة من مارس إلى مايو 2026 إلى احتمال بنسبة 40 بالمئة تقريباً لهطول أمطار أعلى من المتوسط، وفق المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع «IRI».
ومن المتوقع أن هطول الأمطار أعلى المعدل الطبيعي، يزيد من احتمالية حدوث فيضانات مفاجئة، خاصة في المناطق المنخفضة الواقعة أسفل مجاري الأودية، وفق نشرة منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
وخلال النصف الأول من مارس 2026، سيشهد زيادة تدريجية في الأمطار حتى 40 ملم في المرتفعات الوسطى والجنوبية، مع ارتفاع درجات الحرارة وانحسار خطر الصقيع.
ووفق الفاو “سيوفر هطول الأمطار في النصف الأول من مارس، لهذا الموسم الرطوبة اللازمة لتجهيز الأرض وزراعة الحبوب الأساسية (الذرة الرفيعة والدخن)”.
وأفادت نشرة المناخ الزراعي الصادرة عن الفاو “هطول الأمطار في فبراير 2026 كان منخفضًا عمومًا، مع تسجيل أعلى تراكم في إب (22 ملم)، بينما بقيت المناطق الساحلية جافة”.
كما أظهرت درجات الحرارة أظهرت تباينًا في المحافظات اليمنية خلال فبراير الماضي. حيث “إنخفضت درجات الحرارة إلى حدود الصقيع في المرتفعات، بينما ارتفعت بشكل كبير في السواحل”.
ومثل فبراير 2026 مرحلة انتقالية من الشتاء الجاف إلى بداية الأمطار الربيعية. ووفق نشرة الفاو “رغم انخفاض معدلات هطول الأمطار، كان فبراير الأكثر رطوبة خلال خمس سنوات، مع مؤشرات رطوبة محلية خاصة في الشرق وسقطرى”.
بالنسبة للغطاء النباتي، أظهرت 87% من الأراضي المزروعة حالة جيدة إلى متوسطة، وأقل من 3% من المساحة المزروعة تعرضت لإجهاد نباتي شديد في بعض السواحل.
أما التأثيرات على سبل العيش، تعرضت بعض المحاصيل لإجهاد مزدوج بسبب الجفاف والصقيع، مما أثر على نمو الخضراوات، كما شهدت المراعي نمو ضعيف ومتأخر، خصوصًا في حضرموت وسقطرى، مما أجبر الرعاة على الاعتماد على أعلاف مكلفة.
وتعرضت الأغنام والماعز الصغيرة أو الضعيفة لمخاطر صحية بسبب البرد الليلي، أما الجراد الصحراوي فقد شهد تكاثر محدود على طول ساحل خليج عدن، مع توقع استمرار نشاطه في الربيع.
وترسم نشرة الفاو توقعات، إيجابية من حيث تحسن الأمطار الموسمية وتوفير الرطوبة للزراعة، في المقابل تحذر من مخاطر الفيضانات المفاجئة وتآكل التربة، في الأودية المنخفضة.
لطالما شكلت الزراعة العمود الفقري للحياة في اليمن عبر آلاف السنين؛ إذ استطاع اليمنيون القدماء بناء منظومة زراعية متكاملة مكّنتهم من استثمار الأرض والتكيّف مع طبيعة المناخ والجغرافيا، حتى أصبحت منتجاتهم الزراعية، لا سيما النباتات العطرية والطبية، من السلع التي اشتهرت في أسواق العالم القديم.
وفي حوار مع “ريف اليمن”، قالت الدكتورة “ليبيا دماج”، إن موضوع الزراعة في اليمن القديم لم يحظ بدراسة علمية وافية من قبل، مؤكدة أن الإرث الزراعي الذي خلفه الأجداد ما يزال حاضرا في تفاصيل الممارسة الزراعية حتى اليوم، سواء في أساليب مكافحة الآفات، أو تقنيات تحسين خصوبة التربة، أو طرق حصاد المياه.
وتحدثت دماج عن ملامح التجربة الزراعية اليمنية القديمة، وما تكشفه النقوش الأثرية من محاصيل وأدوات وقوانين نظمت العمل الزراعي، إضافة إلى رؤيتها لواقع البحث العلمي في هذا المجال، والدروس التي يمكن استلهامها لإحياء القطاع الزراعي في اليمن اليوم.
والدكتورة ليبيا دماج هي من الأكاديميين اليمنيين المتخصصين في البحث العلمي المتصل بالتاريخ الزراعي والنقوش الأثرية، لا سيما في تحليل نقوش “المسند” بوصفها مصادر تاريخية أساسية.
مقتطفات من مقابلة الدكتوره ليبيا دماج الأكاديمية المتخصصة بالتأريخ الزراعي
نص الحوار
• في البداية ما الذي دفعك نحو البحث والكتابة في تاريخ الزراعة في اليمن القديم؟
أهلاً وسهلا بكم، وفي البداية أشكركم على إجراء هذا الحوار، في الحقيقة لم يحظ موضوع الزراعة في اليمن القديم بدراسة علمية وافية من قبل، الأمر الذي حفزني إلى الالتفات إليه بوصفه مجالا بحثيا مهما وجديرا بالدراسة والتحقيق.
• برأيك ما الفائدة التي يجنيها المزارع اليمني اليوم من استحضار تاريخ أجداده والأساليب التي ابتكروها؟
لا شك أن الاطلاع على الإرث الزراعي الذي خلفه الأجداد يحمل فوائد جمة، إذ ما تزال كثير من ممارساته حاضرة في تفاصيل العملية الزراعية حتى وقتنا الحالي، فمن ذلك الأسباب المتنوعة التي ابتكرها الفلاح اليمني في مكافحة الأمراض والآفات التي تصيب المحاصيل، والوسائل التي اعتمدها في تعزيز خصوبة التربة، بالإضافة الى تقنيات حصاد المياه التي طورها بما ينسجم مع طبيعة الجغرافيا المحلية والإمكانات المتاحة له.
• كيف استطاع اليمنيون القدماء تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الغذائية؟
يبدو أن حالة الاكتفاء الذاتي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالجهود الكبيرة التي بذلها الفلاح اليمني في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، إذ أولى الأرض عناية فائقة، وحرص على تطبيق كل ما يضمن تحقيق الغلة المنشودة، ومع ذلك، تشير بعض المصادر الكلاسيكية إلى أن القمح كان يستورد في بعض الفترات من مناطق أخرى، ما يدل على وجود تباين ظرفي في مستويات الإنتاج والمحصول.
الزراعة والتصدير
• كيف كان يتم تصدير الفائض الزراعي إلى العالم القديم؟ وما أبرز المحاصيل المصدرة؟
لأن اليمن كان المنتج الرئيس لأهم المحاصيل الطبية والعطرية في العالم القديم، فإن تصدير تلك المحاصيل لم يكن ناتجًا عن فائض في الإنتاج بقدر ما كان نتيجة لكونها موارد فريدة لا نظير لها في مناطق أخرى، وقد أكسب ذلك اليمن مكانة رفيعة وثروة واسعة، وهو ما أشادت به المصادر الكلاسيكية، وتغنى به الشعراء في الحضارة الرومانية.
• ما هي المحاصيل التي وثقتها النقوش الأثرية؟
تضمنت النقوش المسندية والزبورية أسماء عديدة من المحاصيل الطبية والعطرية، وكذلك الغذائية؛ فقد ورد في غير نقش ذكر عدد من النباتات العطرية والطبية مثل: اللبان، والسر، والقسط، والرند، والضرو، والسليخة، والقليمه، والكمكام، والقطر.
كما وردت أسماء نباتات أخرى لم يُحدَّد نوعها بدقة مثل الطنف والحذلك والقبل والأضم، وقد أُدرجت ضمن المحاصيل الطبية والعطرية لورودها في النقوش إلى جانب نباتات معروفة من هذا الصنف.
أما المحاصيل الغذائية فقد عُرفت إما من خلال ذكرها صراحة في النقوش المسندية والزبورية أو عبر نحت صورها على الأحجار، وتشير هذه الشواهد إلى أنواع متعددة من الحبوب مثل القمح والذرة والدخن.
الطقوس والمسميات
• هل تغيرت الأدوار الاجتماعية أو المسميات الوظيفية للعاملين في الزراعة عبر الزمن؟
لا يمكنني الجزم بحدوث تغير كبير في المسميات أو الأدوار، بل على العكس؛ إذ تظهر المعطيات المستخلصة من النقوش أن اليمني حافظ على موروثه عامة، وعلى موروثه الزراعي خاصة، عبر فترات زمنية متعاقبة، ويتضح من تلك الشواهد أنه ظل يمارس الزراعة بوصفها نشاطا رئيسا سواء كان من الأحرار أم من العبيد، وفي أرض يملكها أو في أرض يملكها غيره.
• ماذا عن طقوس الحصاد والأدوات المستخدمة؟
كما أشرت في الإجابة السابقة، فقد احتفظ اليمني بموروث الأجداد في مختلف جوانب الحياة، وكانت الزراعة إحدى أبرز تلك الجوانب، ومن خلال ما ورد في النقوش من موضوعات تتصل بالممارسات الزراعية يمكن القول إن كثيرًا مما كان قائمًا في الماضي ما يزال حاضرًا إلى يومنا هذا.
أما فيما يتعلق بالأدوات الزراعية، فقد كشفت أعمال التنقيب الأثري عن استخدام عدد من الوسائل الزراعية، من أبرزها المحراث والفأس، إلى جانب الاعتماد على الحيوانات في عملية الحراثة وتهيئة الأرض للزراعة، ويلاحظ أن هذا الأسلوب ما يزال مستمرا حتى اليوم؛ إذ لا يزال يعرف محليًا بمسمى “الضمد”، وهو الاسم الذي ورد ذكره في نقوش الزبور؛ ما يعكس استمرارية الممارسات الزراعية التقليدية في اليمن منذ القدم وحتى الحاضر.
• حدثينا عن القوانين المنظمة للزراعة التي وردت في دراساتك؟
كانت هناك تشريعات تهدف إلى حماية الأرض وضمان الحقوق وتنظيم استخدام وسائل الري والمحافظة عليها، وتندرج هذه القوانين ضمن إطار تشريعي واسع يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الزراعة بوصفها ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يصعب الإحاطة بتفاصيله كافة في هذا المقام.
• أشرتِ إلى استخدام أدوات زراعية منذ العصر الحديدي، ما الدلائل التي استندتِ إليها؟
استندت في ذلك إلى نتائج أعمال البعثات الأثرية التي نقبت في مناطق مثل “ريبون” و”هجر تمرة” و”وادي الجوبة”، إذ أكدت هذه المكتشفات المادية استخدام تلك الأدوات في عصور ما قبل الإسلام.
المواسم والمناخ
• لماذا يختلف الباحثون حول تحديد المواسم الزراعية في اليمن القديم؟
يعزى اختلاف الباحثين في تحديد المواسم الزراعية باليمن القديم إلى قصور النقوش عن الإفصاح عن تفاصيل تلك المواسم و تعريفها على نحو دقيق؛ إذ اقتصرت في الغالب على الإشارة إلى مسمياتها دون الخوض في مواقيتها أو أنواعها أو غير ذلك من المعطيات التي من شأنها أن تتيح تصورا واضحا ومتكاملا، ولهذا عمدت إلى جميع ما تيسر من معطيات لأخرج بنتيجة عنها، مفادها وجود موسمين للزراعة في اليمن القديم.
• هل تأثرت الزراعة قديمًا بالتغيرات المناخية كما يحدث اليوم؟
استنادًا إلى ما توفر من معطيات مستمدة من النقوش والملاحظات المتعلقة بالأوضاع المناخية في تلك الفترات، يمكن القول إن توفر الإرادة كان الأداة الحقيقية لتجاوز الصعوبات؛ إذ تمكن اليمني في عصوره القديمة – إلى حد ما – من تجاوز المعيقات التي واجهت العملية الزراعية، وسعى إلى إيجاد الحلول الملائمة لها إدراكًا منه لأهمية الزراعة في استمرار وجوده واستقرار مجتمعه.
• كيف تقارنين بين تأثير الحروب قديمًا وحديثًا على القطاع الزراعي؟
في العصر الحديث، لم يكن تدهور الزراعة ناتجًا عن الحروب وحدها، بل نتيجة تضافر عدة عوامل أخرى، من أبرزها عزوف شريحة واسعة من السكان عن العمل الزراعي واتجاههم نحو المدن أو الهجرة الخارجية بحثًا عن مصادر دخل أكثر جدوى، إلى جانب غياب السياسات الحكومية الداعمة للقطاع الزراعي، إضافة إلى توجه كثير من المزارعين إلى زراعة القات باعتباره أكثر ربحية، في تراجع زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية.
مستقبل الأبحاث
• كيف تقيمين واقع الأبحاث التي تربط التاريخ بالزراعة في الجامعات اليمنية؟
حقيقة ليس لدي معرفة كاملة بمخرجات كلية الزراعة في الجامعات اليمنية، ولكن هناك أبحاث لبعض الباحثين غير المتخصصين كالباحث يحيى بن يحيى العنسي.
• ما هي توقعاتك لمستقبل الأبحاث؟
أرى أن كتابي الذي كان في الأصل أطروحة ماجستير عام 2009، قد ترك أثرًا إيجابيًا وأسهم في توجيه بوصلة البحث نحو الجوانب الحضارية والزراعية بدلًا من التركيز على الجانب السياسي فقط، وقد ظهرت بعده دراسات مهمة مثل أطروحة الدكتور فيصل البارد عام 2012، إضافة إلى رسائل علمية أخرى في جامعة ذمار تناولت المحاصيل العطرية.
• أخيرًا، ما رسالتك للباحثين في التاريخ الزراعي اليمني؟
أتمنى من الباحثين التعمق في دراسة الممارسات المصاحبة للعملية الزراعية، مثل الأهازيج الشعبية المعروفة بـ”المهاجل”، التي تمثل إرثًا ثقافيًا غنيًا. كما أدعو إلى رصد المترادفات والكلمات الزراعية في مختلف المناطق اليمنية لإعداد قاموس علمي يوثق التراث الزراعي اليمني، ويعيد لهذا القطاع مكانته التاريخية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "The Washington Post "، فإن تأثير ظاهرة النينيو يمتد من النطاقات الإقليمية إلى المستوى العالمي
حذرت بيانات مناخية حديثة صادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى «ECMWF» من احتمالية تعرض كوكب الأرض لظاهرة “نينيو” قوية، أو حتى فائقة، في وقت لاحق من هذا العام. ومن المتوقع أن تُنافس الظاهرة أقوى المعدلات المسجلة تاريخياً، مما يضع النظم البيئية والمناخية أمام تحديات جسيمة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست «The Washington Post» فإن تأثير ظاهرة النينيو يمتد من النطاقات الإقليمية إلى المستوى العالمي، حيث تؤدي بقع المياه الدافئة في المحيط الهادئ الاستوائي إلى تغييرات جذرية في أنماط الطقس، تتراوح بين الجفاف الشديد والفيضانات العارمة وموجات الحرارة القاسية.
وتتسم الظواهر “الفائقة” التي تتكرر بمعدل مرة كل 10 إلى 15 عاماً بتأثيرات أكثر استدامة وأوسع انتشاراً من الظواهر الاعتيادية.
ويعود السبب العلمي لهذه القوة إلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المناطق الحيوية من المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين فوق المتوسط العام، مما يُحدث استجابة جوية عميقة تؤثر على تواتر موجات الحر، وتوزيع مناطق الفيضانات، وتغير مسارات الأعاصير المدارية، فضلاً عن تسببها في انخفاض كثافة الجليد البحري.
ويخشى علماء المناخ من أن تؤدي الظاهرة إلى دفع درجات الحرارة العالمية نحو مستويات قياسية غير مسبوقة، خاصة بحلول عام 2027. وفي هذا السياق، علق عالم المناخ دانيال سوين عبر منصة (X) قائلاً: “إن كافة المؤشرات تتجه وبقوة نحو تسجيل حدث مناخي كبير، إن لم يكن فائق القوة”.
طقس متطرف
تُشير المعطيات المناخية الحالية إلى احتمالية متزايدة لتأثيرات واسعة النطاق ستلقي بظلالها على كوكب الأرض جراء ظاهرة “النينيو”. ومع أن الظاهرة لا تزال في مراحل تشكلها الأولى، مما يجعل الجزم بمدى قوتها النهائية أمراً مبكراً، إلا أن مسارها الحالي يحاكي الأنماط المسجلة في الأحداث الكبرى السابقة؛ مدفوعة برياح غربية قياسية في المحيط الهادئ تعمل على دفع المياه الدافئة شرقاً.
وعلى الرغم من عدم تطابق أي حدثين لظاهرة النينيو تماماً، إلا أن الثابت علمياً هو أن الرياح العاتية في الطبقات الوسطى والعليا من الغلاف الجوي، المصاحبة لأحداث النينيو العملاقة، تخلق بيئة غير مواتية لتشكل الأعاصير
يوضح خبير الأرصاد الجوية “آندي هازلتون” أن تطور هذه الظاهرة تزامناً مع ذروة موسم الأعاصير الأطلسية يضعنا أمام سيناريو معقد؛ فبينما قد يقل عدد العواصف، إلا أن ظاهرة النينيو لا تضمن المسارات التي تسلكها؛ إذ يكفي وصول إعصار واحد إلى اليابسة كما حدث مع إعصار “أندرو” في فلوريدا عام 1992 لجعل الموسم كارثياً بامتياز.
فيضانات ضربت محافظة الحديدة في اغسطس 2024 (سبأ)
ارتفاع درجة الحرارة
تاريخياً، ارتبطت أقوى أحداث النينيو بتسجيل درجات حرارة عالمية قياسية؛ حيث تنبعث الحرارة من المحيط الهادئ الاستوائي وتُعاد توزيعها في كافة أنحاء الكوكب. ووفقاً لعالم المناخ “زيك هاوسفاذر”، فإن قدوم النينيو سيرفع التقديرات لدرجات الحرارة العالمية لعام 2026، مع ترجيح أن يكون عام 2027 هو الأكثر دفئاً على الإطلاق في السجلات المناخية، نظراً للفجوة الزمنية بين تطور الظاهرة واستجابة حرارة الهواء لها.
تظهر فترات النينيو القوية كقفزات تصاعدية في الرسوم البيانية طويلة المدى لدرجات الحرارة. ويشير خبير الأرصاد الجوية “إريك ويب” إلى أن التركيز المتزايد للغازات الدفيئة يحول دون قدرة النظام المناخي على التخلص بفعالية من الحرارة المنبعثة خلال حدث “نينيو” كبير قبل وصول الحدث الذي يليه، مما يدفع “خط الأساس” لدرجات الحرارة نحو الأعلى باستمرار.
يتوقع الخبراء أن تنشر ظاهرة “النينيو الفائقة” في الفترة 2026-2027 حرارة تفوق ما سجلته الأحداث القوية السابقة في أعوام 1982، 1997، و2015
وتؤدي ظاهرة النينيو إلى إحداث تغييرات جوهرية واسعة النطاق في أنماط الطقس العالمية؛ حيث تتسبب مصادر الحرارة المتراكمة في المحيطات بعواقب مناخية متفاوتة الشدة من منطقة إلى أخرى عبر الكوكب.
موجات جفاف
تُعزز الظاهرة من احتمالات حدوث موجات جفاف حادة في مناطق متفرقة، تشمل أجزاءً من القارة الأفريقية، والهند، وإندونيسيا، وأستراليا، ومنطقة البحر الكاريبي. كما يرتبط تطور “النينيو” بتشكل موجات حر بحرية قبالة السواحل الغربية، مما ينذر بصيف أشد حرارة من المتوسط في غرب الولايات المتحدة، وهو ما يرفع بدوره مخاطر نشوب حرائق الغابات في ظل استمرار حالة الجفاف.
ابتداءً من منتصف العام الجاري، من المتوقع تزايد وتيرة الأعاصير في غرب المحيط الهادئ، لتطال تأثيراتها الفلبين والصين واليابان. وفي شبه القارة الهندية، يُنتظر أن تتأثر الرياح الموسمية من يونيو إلى سبتمبر سلباً، مما يؤدي إلى معدلات هطول أمطار أدنى من المتوسط العام.
وفي المناطق الاستوائية، من المرجح أن تعاني دول أمريكا الجنوبية وأفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى الهند وأستراليا، من موجات حرارة ورطوبة خانقة ناتجة عن ارتفاع حرارة البحار الاستوائية.
وبينما يتفاقم الجفاف في أستراليا وإثيوبيا والصومال، يُتوقع أن تجتاح أمطار غزيرة وفيضانات عارمة كلاً من بيرو والإكوادور وهاواي، على غرار ما حدث في ظاهرة “النينيو العظمى” (2015-2016).
ومع نهاية العام، قد يؤدي اشتداد قوة “التيار النفاث الجنوبي” إلى فيضانات في الولايات الأمريكية الجنوبية مثل فلوريدا وكاليفورنيا. وفي المقابل، قد تساهم الظاهرة في تلطيف برودة الشتاء شمالاً، حيث يندفع الهواء البارد بعيداً عن العمق الأمريكي نتيجة انزياح التيار النفاث شمالاً.