الخميس, مايو 7, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

مدينة الخوخة مثقلة بالفقد: صيادون يخرجون ولا يعودون

ودّع الصياد محمد عطيان أسرته في مدينة الخوخة، مساء 12 أبريل الماضي، متوجهاً في رحلة صيد اعتيادية مع 14 من زملائه، كان من المفترض أن تستمر أسبوعاً واحداً، لكنهم لم يعودوا حتى لحظة نشر هذا التقرير، تاركين أسرهم في حالة مؤلمة بانتظار أي أخبار تبشّر بسلامتهم، وسط غياب المعلومات حول مصيرهم أو مكان وجودهم.

عطيان، شاب في العقد الثالث من عمره، كان يقود قاربه الصغير، وعلى متنه زملائه، فقد أثرهم جميعًا ولم يعد أحد يدري عنهم شيئا منذ مغادرتهم ساحل مدينة الخوخة، جنوب محافظة الحديدة، في مساء الـ12 من ابريل الماضي، الكئيب.

لكل واحد من هؤلاء الصيادين أسرة تنتظر؛ زوجات وأطفال، وقد اعتادوا على معاناة البحر، وعلى مصارعة الأمواج وعواصف رياح “الأزيب” – كما يسميها السكان المحليون – في سبيل تأمين لقمة العيش لأطفالهم، لكن هذه الرحلة، التي تشبه غيرها من رحلات الكدح اليومية، انتهت بشكل مأساوي، لتصبح حكايتهم مهددة بأن تُطوى في النسيان.


مواضيع مقترحة


رعب لا ينتهي

في قرى الصيادين المتناثرة على طول الساحل الغربي اليمني، لم تعد رحلات الصيد مجرد عمل يومي، بل تحولت إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، وتؤكد النساء أن كل رحلة يقوم بها أزواجهن وأبناؤهن أصبحت مصدر قلق دائم في ظل هذه الحوادث المأساوية المتكررة.

تقول سعاد، وهي أم أحد الصيادين المفقودين في قارب عطيان، إن رحلات الصيد التي تستمر من أسبوع إلى عشرة أيام تحولت إلى فترات رعب مستمر تعيشها العائلات، لا يخففها سوى عودة الصيادين مؤقتًا، قبل أن يتجدد الخوف مع كل مغادرة جديدة نحو البحر.

وتضيف “:حياة أسر الصيادين أصبحت أشبه بدوامة خوف لا تتوقف حتى تبدأ من جديد، وغالبا ما تكون النهايات كارثية للصيادين وعائلاتهم مع تعدد التحديات والمخاطر التي تعترض مهنة الاصطياد”.

مدينة الخوخة مثقلة بالفقد: صيادون يخرجون ولا يعودون
أكثر من 55 صيادًا غادروا شاطئ الخوخة في يناير 2023، ولا يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم

مخاطر تتضاعف

عاقل الصيادين، محمد علي مكلفد، قال إن أكثر من 55 صيادًا غادروا شاطئ الخوخة في يناير 2023، ولا يزال مصيرهم مجهولًا حتى اليوم، كما حدث مع عشرات الصيادين من أبناء المدينة، الذين خرجوا في رحلات مماثلة ولم يعودوا.

لم تعد الأخطار مقتصرة على العوامل الطبيعية كالعواصف والرياح والحوادث العرضية، كما يوضح مكلفد في حديثه لـ”ريف اليمن”، بل أضافت لها الحرب الكثير من المخاطر المحدقة وعقدت المشهد، مع انتشار البوارج البحرية في المياه الإقليمية ومناطق البحر الأحمر، عرضت عشرات الصيادين خلال السنوات العشر الماضية لإستهدافات عسكرية مباشرة.


عاقل الصيادين: انتشار البوارج البحرية في المياه الغقليمية والبحر الأحمر عرض عشرات الصيادين لإستهدافات عسكرية مباشرة


ويؤكد أن الصيادين يتعرضون لاعتداءات متكررة من قبل البحرية الإريترية، التي تقوم بمصادرة القوارب واعتقال الصيادين في ظروف تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية، واحتجازهم لفترات طويلة دون أي مسوغ قانوني، في ظل غياب المتابعة الرسمية من الجهات المعنية في اليمن، المنشغلة بالصراعات والحروب.

انتظار ثقيل

كان على متن قارب الصياد محمد عطيان، مساء 12 أبريل، كل من: مشتاق محمد، خليل يحيى أحمد، محمد عمر رزيق، وهيب محجوب، أحمد محمد يحيى، فايز عبدالعزيز، خالد مغربل، خليل يحيى عطان، يعقوب يوسف يحيى، حسن أحمد سلمان، عبدالله عبده أحمد، علاء جلبة، محمد مهدي، ووليد يحيى، وجميعهم من أبناء مدينة الخوخة وأريافها، تعيش أسر هؤلاء الصيادين أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل غياب معيلوها، إلى جانب حالة الحزن والقلق التي تسيطر عليهم.

تقول أم محمد، والدة أحد المفقودين:” أصبحت حياتنا أشبه بالجحيم، فمع ضعفنا وعجزنا وقلة حيلتنا أصبحنا نعيش على الشائعات والأخبار غير المؤكدة، التي يتناقلها البعض عن وجودهم في سجون داخل إريتريا، وتضيف السيدة الخمسينية “نتمنى ان يكون ذلك صحيحا لكن لا أحد من المسؤولين قدم لنا أي معلومة، وكأن الأمر لا يعنيهم”.

أما أم يعقوب، فتبدو أقل تفاؤلا، إذ تقول: “مع مرور الوقت، تتضاءل آمالنا، أظن أن البعض يحاول التخفيف عنا بالقول إنهم أحياء، ويبدو أن الحقيقة مرعبة ومؤلمة أكبر الحقيقة قد تكون أكثر قسوة”.

أرقام مقلقة

في تقرير صادم، ذكرت منظمة «إنسان» للحقوق، أنها وثقت سلسلة واسعة من الانتهاكات بحق الصيادين اليمنيين في البحر الأحمر، وأشارت إلى مقتل ما لا يقل عن 274 صيادًا، وإصابة أكثر من 200 آخرين، إضافة إلى اعتقال نحو 2000 صياد، وتدمير مئات القوارب، منذ اندلاع الحرب.

وأكد التقرير أن هذه الانتهاكات، التي تنوعت بين الاستهداف المباشر والاحتجاز التعسفي والتعذيب، أدت إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية لعائلات الصيادين، وجعلت مهنة الصيد نشاطًا محفوفًا بالمخاطر في ظل غياب الحماية والمساءلة.


منظمة إنسان: مقتل 274 صيادًا يمنيا، وإصابة أكثر من 200 آخرين واعتقال نحو 2000 وتدمير مئات القوارب، منذ اندلاع الحرب


بحسب جمعية أبناء الخوخة التعاونية السمكية، فإن الصيادين اليمنيين يواجهون تصاعدا خطيرا في حجم الانتهاكات إذ تم تسجيل أكثر من 6400 حالة اعتقال منذ عام 2018، إضافة إلى مصادرة نحو 576 قارب صيد.

فيما لا يزال قرابة 105 صيادين في عداد المفقودين حتى اليوم، في ظل غياب أي حماية حقيقية لهذه الشريحة التي تعتمد بشكل أساسي على البحر كمصدر رئيسي للعيش.

مدينة مثقلة بالأحزان

 تحولت مدينة الخوخة، التي كانت يومًا رمزًا للسياحة والجمال الطبيعي بشواطئها ورمالها الذهبية، إلى مدينة مثقلة بالأحزان، مع تكرار حوادث استهداف الصيادين، وتعد الخوخة من أهم مراكز تجمع الصيادين في الساحل الغربي لمحافظتي تعز والحديدة.

خلال السنوات الماضية تضررت عشرات الآلاف من الأسر التي تعتمد على الصيد كمصدر رئيسي للعيش، ويشير سالم عليان، عضو الاتحاد التعاوني السمكي، إلى أن أكثر من مليوني شخص من سكان المدن والقرى الساحلية على امتداد البحر الأحمر تأثروا بشكل مباشر جراء النزاع المستمر.

ويضيف:” لا يكاد يمر يوم أو أسبوع على أكبر تقدير دون أن يتناهى إلى مسامع العائلات في قرى وأماكن تجمعات الصيادين أنباء عن تعرض قوارب الاصطياد التقليدية لهجوم مسلح أو احتجاز أو تعذيب أو غرق أو فقدان ما جعلهن يعشن حياة بطعم الخوف الدائم.


أهالي الصيادين المفقودين يناشدون الجهات الرسمية وخفر السواحل بمواصلة البحث عن أبنائهم وكشف مصيرهم


أهالي الصيادين المفقودين ناشدوا عبر “ريف اليمن” الجهات المعنية وقوات خفر السواحل بمواصلة البحث عن أبنائهم وكشف مصيرهم، مطالبين بالتحرك والتواصل مع السلطات الإريترية والعمل على تقديم أي معلومات قد تسهم في طمأنتهم.

وباتت حركة آلاف الصيادين المحدودة قرب الشواطئ اليمنية مشوبة بالحذر والخوف مع انتشار البوارج والقطع الحربية الغربية في مياه البحر الأحمر مما أثر على مناطق الصيد في محافظات في المناطق الساحلية غربي اليمن.

وتعد محافظتي الحديدة وحجة وتعز الأكثر تضررا خلال السنوات الماضية، حيث يواجهون صعوبات كبيرة في الاصطياد الذي يعد أحد أهم مصادر سبل العيش للسكان في السواحل اليمنية.