السبت, يناير 10, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

طحن أسماك السردين.. كارثة بيئية تهدد الثروة البحرية

على ساحل بروم في حضرموت شرقي اليمن، يقف “عبدالله صالح (50عاماً)”، ينظر بحسرة إلى البحر الذي رافقه منذ طفولته، يراقب الصيادين الذين يمارسون جرف السردين باستخدام شباك الحوي المدمرة للبيئة البحرية.

يستخدم صالح أداة صيد تقليدية لا تضر بالبيئة البحرية، ويقول لـ “منصة ريف اليمن”: “المشكلة أنني لا أستطيع اصطياد الأسماك الكبيرة مثل التونة، لأن المناطق التي يُجرَف فيها السردين تخلو من الطُعم الذي تعتمد عليه تلك الأسماك”.

لا يخفي الصياد صالح قلقه الشديد من هذا السلوك، فهو يُدرك أن السردين ليس مجرد سمك صغير يُباع في السوق، بل هو الحلقة الغذائية الأهم في حياة الأسماك الكبيرة.


مواضيع مقترحة


 السردين والبيئة البحرية

يقول عبدالله صالح بأسف: “السردين هو الوجبة الرئيسة للأسماك الكبيرة، وغيابه يعني اختلالًا بيئياً كبيراً في البحر، وانقراضه سيؤدي في النهاية إلى انقراض الأسماك الأخرى واختفائها تماماً”.

تتطابق مخاوف عبدالله مع الصياد “علي أحمد” الذي أكد لـ “منصة ريف اليمن” بأن اصطياد السردين والجدب جائر بالفعل إلى درجة أن السردين أصبح طعمًا نادرًا لصيد التونة، وصيادوها يواجهون صعوبة في الحصول عليه.

يعمل أحمد في الصيد بساحل قصيعر بحضرموت ويوضح أن استخدام “الحوي” أثناء فترة التكاثر محظور دوليًا، خصوصًا شباك العين الصغيرة التي تلتقط جميع أنواع الأسماك دون تمييز.

ويضيف: “يتم طحن هذه الأسماك في بعض الأحيان أو رميها في عرض البحر، مما يؤدي إلى تعفنها وانبعاث روائح كريهة تلوث البيئة، وتشكل تهديدًا للحياة البحرية”.

يقول “هزاع كدّاف” الباحث المتخصص في مجال الصيد البحري، أن صيد السردين بغرض طحنه يُعدّ خطأ بيئياً جسيماً، موضحاً أن أسماك السردين لا ينبغي صيدها لاستخدامها في أغراض أقل أهمية من بقائها في البحر، فهي ذات أهمية بيئية حاسمة، وتُشكّل عنصراً أساسياً في السلسلة الغذائية.

ويُفصّل الباحث كدّاف لـ “منصة ريف اليمن” أن السردين يمثل “المُغذّي الرئيسي لأسماك التونة، والحيتان، والدلافين، والطيور البحرية، وبقية الأسماك الكبيرة؛ مما يجعل صيده الجائر تهديداً حقيقياً للتنوع البيولوجي في البحر العربي”.

مسحوق السمك

في المقابل، يوضح “أحمد البهيشي”، أخصائي المصائد السمكية، أن صناعة مسحوق السمك وزيت السمك أصبحت من أبرز المهددات للمخزون البحري. ويؤكد لـ” منصة ريف اليمن” أن “صناعة مسحوق السمك لها تأثيرات سلبية كبيرة على مخزون الأسماك، ويرجع ذلك إلى الإفراط في استغلال موارد المصايد لتلبية الطلب المتزايد على هذه السلع”.


هزاع كدّاف: صيد أسماك السردين بغرض طحنه يُعدّ خطأ جسيماً فهي تشكل أهمية بيئية كبيرة وعنصراً أساسياً في السلسلة الغذائية


ويضيف: “المنافسة الشرسة على صيد الأسماك الصغيرة لغايات الطحن أدت إلى ممارسات غير مستدامة تهدد التنوع البيولوجي ومجموعات الأسماك، كما أن معامل طحن الأسماك تُسبب تلوثًا بيئيًا في حال عدم التزامها بمعايير الأثر البيئي”.

وتابع: “صيد الأسماك للحصول على مسحوق السمك يؤدي إلى استنزاف المخزونات؛ مما يعطل شبكات الغذاء البحرية ويفقد البحر تنوعه البيولوجي. هذا الإفراط في صيد الأسماك العلفية مثل الأنشوجة والرنجة والسردين، قد يسبب انهيار بعض تجمعاتها”.

طحن أسماك السردين.. كارثة بيئية تهدد الثروة البحرية

شباك الحوي خطر صامت

يرى العديد من الصيادين، ومن بينهم عبدالله صالح وعلي أحمد، أن شباك “الحوي” أو “التحليق” تُعدّ من أكثر أدوات الصيد ضرراً بالبيئة البحرية. هذا الرأي أيّده الباحث أحمد البهيشي الذي أكد أن الحوي “وسيلة اصطياد غير انتقائية، تصطاد كميات ضخمة من الأسماك دفعة واحدة من خلال التحليق حول أسرابها، وقد يصل طول الشبكة إلى كيلومتر كامل”.

وأوضح لـ” منصة ريف اليمن”: “تؤدي هذه الشباك إلى صيد جائر يستنزف الأسماك الصغيرة قبل نضوجها، كما تتسبب في تدمير الموائل البحرية الحساسة مثل الشعاب المرجانية والحشائش البحرية. وإضافة إلى ذلك، فإنها لا تُميّز بين الأنواع المستهدفة وغيرها؛ مما يؤدي إلى صيد أسماك محمية، فضلاً عن إثارة التوتر الاجتماعي بين الصيادين التقليديين نتيجة فقدان مصادر رزقهم”.

ويُحذّر البهيشي من أن البحر سيفقد توازنه البيئي، وستتأثر حياة الصيادين والأمن الغذائي معاً، ما لم يتم ضبط استخدام هذه الوسائل الجائرة، وفرض رقابة صارمة عليها.


شباك “الحوي” أو “التحليق” تُعدّ من أكثر أدوات الصيد ضرراً بالبيئة البحرية وهي وسيلة صيد غير انتقائية وتصطاد كميات ضخمة من الأسماك دفعة واحدة وقد يصل طول الشبكة إلى كيلومتر


في عام 2022 و2023، أصدر يسلم بابلغوم، رئيس الهيئة العامة للمصائد السمكية في البحر العربي، مذكرات رسمية قاضية بمنع استلام أسماك السردين لغرض طحنها. كما حظر أيضاً اصطيادها باستخدام شباك “التحليق” أو “الحوي” أو أي وسيلة جائرة أخرى.

كما اقتصر التصريح بالصيد على وسيلة “الغَدْف”. وفي فترة محددة تمتد من بعد صلاة الفجر حتى الثانية ظهراً، وذلك للفترة من بداية أكتوبر وحتى نهاية يناير، لكن ورغم هذه القرارات، ما تزال بعض المعامل والمراكب تمارس الصيد الجائر.

مخاطر مستمرة

يقول “عبد الرشيد عبد الغفور”، الخبير في الشؤون السمكية: “تطرقنا مراراً إلى الأضرار التي تُسببها ممارسة طحن أسماك السردين على بقية المخزونات السمكية”.

ويضيف عبد الرشيد أن طحن السردين يؤدي إلى استنزاف المخزونات الطبيعية للسردين وانهيار قدرتها على التكاثر، كما يُحدث اضطراباً خطيراً في السلسلة الغذائية التي تعتمد عليها الأسماك الكبيرة والطيور. ويؤكد أيضاً أن هذه العملية تتسبب في تراجع دخل الصيادين التقليديين نتيجة نقص الكميات المتاحة، فضلاً عن انخفاض الأمن الغذائي المحلي.

ويوضح عبد الرشيد ضمن حديثه لـ “منصة ريف اليمن” أن “بعض الدول شهدت انهياراً تاماً لمخزون السردين بسبب الإفراط في الصيد، مثل ناميبيا وتشيلي والسنغال، وأن تعافي المخزون قد يستغرق سنوات طويلة أو قد لا يحدث أبداً”.

وتسبب الصيد الجائر في مناطق البحر المتوسط والبحر الأسود بأخطار كبيرة على السلسلة الغذائية، وأفاد تقرير لهيئة المصايد، بانخفاض مخزون الأسماك التي تعرضت للاستغلال المفرط من 88% عام 2014 إلى 78% عام 2016.

من جانبه، أشار الباحث أحمد البهيشي إلى أن إنتاج مسحوق وزيت السمك في عام 2023 بلغ حوالي 14 ألف طن، مما يعني استهلاك ما يقارب 70 ألف طن من الأسماك الطازجة (بمعدل 5 أطنان من الأسماك لإنتاج طن واحد من المسحوق).

ويُبيّن البهيشي أن نحو 70% من المواد الخام المستخدمة هي أسماك كاملة صالحة للاستهلاك الآدمي، وليس مجرد مخلفات كما يدّعي المستثمرون.

كما أضاف أن “هذه الممارسات ساهمت في استنزاف المخزون السمكي، وتشجيع الصيد الجائر وغير القانوني، وتقليص المعروض من الأسماك الطازجة للمواطنين”.

تُعدّ الثروة البحرية في اليمن كنزًا زاخرًا بالفرص، ومصدرًا لإمكانات هائلة، إذ يمكن للاقتصاد الأزرق المُنعش أن يكون محركًا قويًا للتنويع الاقتصادي، وخلق فرص العمل، والأمن الغذائي، لكن رحلة إطلاق هذه الإمكانات محفوفة بالمخاطر، بفعل تداعيات الحرب في اليمن.

شارك الموضوع عبر: