على وقع احتفالِ العالم باليوم العالمي للتنوّع البيولوجي، الذي يوافق 22 مايو/ أيار الماضي، ومع انتشار التحطيب الجائر في الريف، اعتدى مواطنون في 26 مايو/ آيار على شجرة الطولقة المعمّرة والمهدّدة بالانقراض، بمديرية السياني جنوب محافظة إب (وسط اليمن) بحجّة امتلاكهم لها وحاجتهم إليها، وقد كان طولها يتجاوز ٢٠ مترًا.
وتُعدّ شجرة “الطولقة” من المعالم السياحية الطبيعية المهمّة في اليمن؛ إذ تجذب كثيرا من الزوّار، وتُمثّل رمزًا للتراث الثقافي والتاريخي، ويرتبط بها كثير من الأساطير والحكايات الشعبية، ، وهي رمزًا هامًا للتنوع البيولوجي والتراث الطبيعي في المنطقة، وكانت معلما مهما للمسافرين والتجار.
بعض أشجار “الطولقة” في اليمن قد يصل عمرها إلى أكثر من ألف عام، ووفق تحليل لمدير مدير فرع مكتب السياحة في السياني، عبد الغني اليوسفي “تلعب شجرة “الطولقة” دورًا هامًا في الحفاظ على التنوع البيولوجي، وتساهم في تنظيم المناخ وتحسين جودة الهواء”.
تُساعد جذورها القوية على منع انجراف التربة، كما توفر أوراقها المواد العضوية للتُربة، وتعمل على توفير مأوى للعديد الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف. وقال اليوسفي “قديما حُفر بالقرب من الشجرة بئر بعمق 30متر مرصوصة بالأحجار وفيه خمسة احواض تشرب منه الحيوانات للمسافرين ورعاة الماشية”.
التحطيب الجائر في الريف
ويُعتبر الاحتطاب الجائر أحد أعداء البيئة، والسبب الرئيس لاستنزاف موارد الغطاء النباتي، وينتج عنه كثير من المخاطر التي تقضي على الحياة الفطرية، لكن الإحتطاب الطبيعي يعد مهماً لسكان الريف اليمني من الجوع بسبب انعدام الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره عند توفّره.
يعود التوسع في الاحتطاب إلى أسباب منها زيادة عدد السكان، والافتقار إلى الغاز، واللجوء إلى الإتجار في الموارد النباتية مصدرَ دخل لبعض المزارعين، كما أنه يُعدّ أحد الحلول لفصل النزاعات على الأشجار بين الورثة، واستخدام الوسائل التي سهّلت قطع الأشجار ونقلها، مثل المناشير الآلية والسيارات ذات الدفع الرباعي.
كما تُعزى أسباب الاحتطاب الجائر إلى الفقر؛ إذ يلجأ كثير إلى قطع الأشجار للحصول على مصدر دخل أو استخدامه وقودا لطبخ الطعام، وأسهمت الحربُ في انتشار الظاهرة، كما أدّت الصراعات المسلحة في اليمن إلى استعمال الأشجار لأغراض عسكرية وبناء التحصينات، وكل ذلك يحصل في ظل غياب الوعي البيئي.
يقول المواطن حسن عبد الله من مديرية السدّة محافظة إب: إن عشرات المزارعين في منطقته يقومون بالإتجار بأشجار الطلح والعلب والطنب والكافور وغيرها بأسعار باهظة بديلا للفحم لإعداد الطعام في مناطق عدة، ووسيلة لسقف المنازل الشعبية ونصب المخيمات.
ويضيف لمنصة ريف اليمن، أن أحد الأسباب التي جعلت بعض المواطنين يقومون بقطع الأشجار في المزارع هي النزاعات الأسرية على تلك الأشجار وادعاء كل منهم أنها ضمن ميراثه، لذا اعتبروا التخلّص منهن حلًا سلميًا.
مصدر للدخل وطهي الطعام
سليم عابد تاجر حطب مِن محافظة ذمار يقول لمنصة ريف اليمن: “اتخذتُ هذه المهنة مصدرَ دخل لي ولعائلتي منذ تسعة أعوام، وكنتُ في البداية أذهب لجلب الحطب من وديان وجبال ذمار وإب برأس مال يسير، لكن في الآونة الأخيرة أجدبتُ الوديان، وارتفعت أسعار الحطب في كلتا المحافظتين، وما تبقى من أشجار وطلح احتفظ المزارعون بها لتسوير مزارعهم ووقودا للتناوير الفخارية (المافي) لطهو الطعام”.
وأضاف عابد أن اعتماده على هذه المهنة جعلته يذهب إلى وادي دحب وحذران في العاصمة صنعاء، وقرية الجراحي والصليف في محافظة الحديدة وكثير من المناطق في أبين والجوف، موضحا أن أسعار الحطب تزداد باشتداد أزمة الغاز، وأن سعر حمولة الشاحنة المتوسطة (الدينّا) من الحطب مؤخرًا 260 ألف ريال (الدولار يساوي 530 ريالا).
ويلفت إلى أن نسبة الربح لديه تصل إلى النصف، بالإضافة إلى الأسعار الباهظة بالنسبة لزبائنه في مطاعم وحلويات وأفران في المملكة العربية السعودية.
ويؤكد سلمان عايش (25 عامًا)، وهو عامل في أحد مخابز العاصمة صنعاء، أن متوسط الاحتياج للحطب في الشهر الواحد 5 من حمولات شاحنة الحطب، ويؤكّد أنها أفضل حالًا من استخدام الغاز الذي ترتفع أسعاره كل يوم.
ويضيف عايش لمنصة ريف اليمن قائلا: “الأسعار تختلف باختلاف نوعية الحطب، فسعر الطنب والسدر والطلح أعلى من بقية الأشجار”.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، ويؤكّد منصور علي، تاجر التناوير الفخارية، أن ظاهرة التحطيب ازدهرت، وأصبحت وسيلة لانتشار تناوير الفخار التي كادت تختفي، بل اعتبرت منتجا رائجا فقط لسكان القرى البعيدة عن الخدمات؛ إذ ارتفع سعرها منذ 10 أعوام بثلاثة أضعاف ما كانت من قبل.
مدير عام الغابات والمراعي ومكافحة التصحّر المهندس عبده محمد صالح مدار، قال إن مساحة الغطاء النباتي في اليمن يبلغ حوالي ثلاثة ملايين و300 ألف هكتار؛ إذ تشكّل الغابات مليوني هكتار، فيما تشكل المساحة الزراعية مليونا و300 ألف هكتار.
وأكّد مدار الذي تحدّث في دورة تدريبية نظمتها الإدارة العامة للمراعي ومكافحة التصحّر مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن ما يقارب من 16 ألف شجرة تُقتلع يوميا، وأن ما يقارب 500 ألف هكتار من المساحات الزراعية استُنزفت في السنتين الماضيتين، لانعدام الوقود من المشتقات النفطية.
وعن المعوقات التي تمنع الحدّ من هذه الظاهرة في هذه المناطق، يذكر مدار أن أكبر عائق يواجه عملهم بوصفهم جهة مخولة بالاهتمام بالغابات ومكافحة التصحّر هو غياب الإمكانيات اللازمة للقيام بنزول ميداني لمنع المواطنين مِن تحطيب الخشب بشكل عشوائي ومفرط، وعدم وجود تنسيق مع أقسام الشرطة للحد من هذه الظاهرة.
محمد الزنن نائب مدير مكتب الزراعة في محافظة إب بدوره قال لمنصة ريف اليمن: “لا توجد لدينا إحصائيات دقيقة حول التحطيب الجائر، لكن من خبرتي تنتشر ظاهرة التحطيب الجائر كثيرًا في منطقة القفر الأسفل، وفرع العدين، وأجزاء من مديرية حزم العدين، والعدين، ومديرية السبرة”.
حرق 860 ألف شجرة سنويًا
وأظهرت دراسة نفذتها (الهيئة العامة لحماية البيئة) أنه يتم حرق مايزيد عن 860 ألف شجرة سنويًا وتحرق مخابز العاصمة صنعاء 17 ألفًا و خمسمئة طُنٍّ من الحطب سنويًّا.
وفي 13 يونيو 1992، وقّعت اليمن على اتفاقية التنوع البيولوجي في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية، الذي عُقد في مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل، من أجل الحفاظ على التنوع الحيوي والطبيعي في البلاد.
وتُعدّ موارد التنوع البيولوجي الركائز التي نبني عليها الحضارات، إلى جانب القوانين الدولية، وتلتزم اليمن بعدة قوانين محلية تهدف إلى حماية البيئة، ومنها، على سبيل المثال، القانون رقم (26) لسنة 1995م بشأن حماية البيئة، والقانون رقم (16) لسنة 2004م بشأن حماية البيئة البحرية من التلوث، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تقم بتطبيقه.
وتشير بعض التقديرات إلى أن مشكلة التحطيب قد تتفاقم إلى موت ما يصل إلى 30٪ من النحل في اليمن، بسبب نقص نباتات العسل والتسمّم بواسطة المواد الكيميائية.
سمير علي (45 عامًا)، الذي يعمل بتربية النحل في منطقة وادي بنا بمحافظة إب، يسرد معاناته في تربية النحل بسبب تقطيع أشجار السدر التي تنمو النحل على رحيق أزهارها، ويضطر إلى التنقل مع أعواد النحل بين الفينة والأخرى إلى حيث تتوفر الأشجار.
ويضيف أنه يفقد كثيرا من النحل يوميًا؛ بسبب وقوعها على أشجار مرشوشة بالمبيدات من قِبل المزارعين، أو الموت جوعا بسبب تقطيع الأشجار لأغراض إعداد الطعام وتسقيف المنازل في الآونة الأخيرة.
وتعتبر صفية حسن، سيدة ستينية من محافظة إب ترعى الأغنام والمواشي، أن التحطيب الجائر يعتبر عائقا أمام مهنتها في تربية الحيوانات، وأن التحطيب العشوائي يُعدّ السبب الرئيسي في تقلص معدل الثروات الحيوانية، بسبب كمية التعب والإرهاق للرعاة في الذهاب إلى جبال بعيدة، مثل جبال مديرية السبرة التي تبعد ٧ كيلو عن منطقتها لرعي المواشي.
وتضيف أن التحطيب أدّى إلى الافتقار إلى ظلال الأشجار، مما يؤثر على صحة الرعاة؛ بسبب ارتفاع أشعة الشمس في الصيف الحار، وذلك ينعكس سلبًا على صحة المواشي مما يؤثر على وزنها وإنتاجها للحليب.
ويعتبر التنوع البيولوجي النسيج الحي الذي يشكل الكوكب، فهو الذي يحدّد عافية الإنسان في الحاضر وفي المستقبل، والتراجع السريع الذي يصيبه من شأنه أن يشكّل خطرا على الطبيعة والبشر على حدٍّ سواء.
ووفقًا لدراسة أعدها قطاع الدراسات في وزارة التخطيط والتعاون الدولي بدعم من الأمم المتحدة في ديسمبر 2022 حول تأثير التغيرات المناخية على البلاد خلال العقود القليلة المقبلة، فإن زيادة نسبة التصحر في اليمن بلغت نحو 86% من إجمالي مساحة الدولة.
وأعادت الدراسة أسباب ذلك إلى التغيرات المناخية وسوء استخدام المياه الجوفية، وتدهور الموارد الطبيعية والتوسع العمراني، بالإضافة إلى ندرة الأمطار الموسمية وموجات الجفاف المتكررة، ومؤخرًا التعرية الناجمة عن الفيضانات المفاجئة نتيجة التغير المناخي.