“أعمل في النظافة منذ 27 عاما، ولم أحصل على حقوقي لأنني فقير ولا أملك أي واسطة في الدولة”، بهذه الكلمات يبدأ مسؤول المتابعة في صندوق النظافة والتحسين بمدينة تعز فيصل عبد المجيد، البالغ من العمر 37 عاما، سرد معاناته الطويلة مع العمل الذي أفنى فيه سنوات عمره.
يقول فيصل إن ابنه عبد الله أصيب في عينه اليمنى أثناء العمل، ما اضطره لبيع كل ما يملك من أجل علاجه وإجراء عملية جراحية كلّفته نحو مليونين ومئتي ألف ريال، بينما لم يحصل من الصندوق سوى على 200 ألف ريال فقط “كسلفة”، بحسب تعبيره.
يواصل حديثه لـ”ريف اليمن”، قائلا:”لم يتم علاج ابني عبد الله ولا أخيه أياد، الذي أُصيب أيضا في عينه أثناء العمل قبل ست سنوات، ولا تزال عينه بحاجة إلى عملية خارج اليمن، لكنني لم أستطع الحصول على حقوقهم التي كفلها قانون العمل”.
مواضيع مقترحة
- حضرموت.. عمال النظافة بين قسوة العمل وغياب التقدير
- الألقاب السلبية.. التنمر المقنّع بالدعابة
- قلاب القمامة.. هل يُنهي أعواماً من التلوث في ريف إب؟
لا تمثل قصة فيصل حالة فردية، بل تعكس جانبا من الواقع الذي يعيشه آلاف عمال النظافة في اليمن، ممن يقضون سنوات طويلة في العمل وسط بيئات خطرة، دون حماية كافية أو ضمانات صحية واجتماعية تحميهم وأسرهم من تبعات المهنة.
عدالة اجتماعية غائبة
وبحسب الناشطة الإعلامية غدير العدني (26 عاما):”يعاني عمال وعاملات النظافة ظروفاً اقتصادية ومعيشية قاسية، وقضيتهم تمثل عدالة اجتماعية غائبة ومخفية خلف شعارات وترندات زائفة تدّعي وجود دعم لهم، بينما الحقيقة أنهم يفتقرون إلى أبسط الحقوق”.
وتضيف:” يعانون من تدني الأجور والنظرة الدونية من المجتمع، ويعيشون خارج النسيج الاجتماعي، هم قادرون على تنظيف الشوارع، لكنهم غير قادرين على تنظيف النظرة السلبية تجاههم”.
وتشير إلى أن العمال يواجهون البرد القارس، وحرارة الشمس، والأمراض الخطيرة، والنظافة التي ينعم بها المواطنون “هي ضريبة يدفعها عمال النظافة من صحتهم وكرامتهم وحياتهم، دون عدالة تمنحهم حقوق المواطنة”.

ورغم الدور الحيوي الذي يؤديه عمال النظافة في الحفاظ على الصحة العامة، إلا أن هذه الفئة لا تزال تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، تتداخل فيها هشاشة الوضع الاقتصادي مع التهميش الاجتماعي وضعف الحماية المهنية.
انعدام أدوات السلامة
يقول عبده سعيد سالم (36 عاماً)، نائب رئيس الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقراً “المهمشين” فرع تعز، إن عمال النظافة لم يتوقفوا عن العمل منذ اندلاع الحرب، يعملون ليل نهار دون توقف، ويفتقرون إلى أبسط مقومات السلامة المهنية، من أدوات وتجهيزات أساسية”.
ويضيف لـ”ريف اليمن”:” عمال النظافة هم الشريحة العمالية الوحيدة التي تعمل بصمت، بينما تظهر بصماتهم للجميع في الشوارع والأزقة والحارات دون كلل أو شكوى”.
بدوره يشير عضو النقابة العامة لعمال البلدية، حيدر سويد في ورقة له بعنوان “عمال النظافة بين التهميش والحرمان”، إلى أن عدد عمال وعاملات النظاف يبلغ 41 ألفاً و271 عاملاً وعاملة، وفقاً للنقابة العامة لعمال البلديات والإسكان.
وتحتل أمانة العاصمة صنعاء المرتبة الأولى من حيث عدد العاملين في قطاع النظافة، بواقع 4282 عاملاً وعاملة، منهم 3056 من فئة المهمشين، بينما لا يتجاوز متوسط راتب العامل الواحد 32 ألف ريال بالعملة القديمة، أي ما يعادل نحو 60 دولاراً.
ويبلغ عدد النساء العاملات في النظافة بأمانة العاصمة 567 عاملة، بينهن أمهات وزوجات وبنات يعُلن أسرهن في ظروف معيشية صعبة، أما في مدينة تعز، فيبلغ عدد عمال وعاملات النظافة 2983 عاملاً، منهم 1373 موظفاً رسمياً، و1610 يعملون بالأجر اليومي أو بنظام التعاقد، فيما تصل رواتبهم إلى نحو 60 ألف ريال شهرياً.
عفيف:ليس من المنطقي أن تحقق صناديق النظافة والتحسين إيرادات كبيرة، بينما لا يحصل العاملون فيها على حقوقهم الكاملة
وتكشف هذه الأرقام حجم الاعتماد الكبير على عمال النظافة في المدن اليمنية، خصوصاً في ظل تدهور الخدمات العامة خلال سنوات الحرب، حيث أصبحت أعمال النظافة تمثل خط الدفاع الأول لمنع تراكم النفايات وانتشار الأمراض والأوبئة.
ومن أبرز الحلول لتحسين أوضاع عمال النظافة التي أرودها حيدر سويد إعفاء أبناء عمال النظافة من الرسوم الدراسية في مختلف المراحل التعليمية، وتوفير المستلزمات الدراسية، إلى جانب تخصيص مقاعد لهم في الجامعات الحكومية والخاصة ومعاهد التعليم الفني والتدريب المهني، ودعم التأمين الصحي للعمال، وإصدار توجيهات للمستشفيات الحكومية بتقديم الخدمات الصحية لهم مجانا.
مواجهة المخاطر
تقول وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية، إيلان عبد الحق، إن عمال النظافة يواجهون المخاطر البيئية بمسؤولية كبيرة، ونبذل جهود لتوفير أدوات السلامة المهنية، من قفازات وكمامات وملابس واقية وأحذية خاصة، حيث تمثل حماية العمال أولوية.
وتوضح في حديثها لـ”ريف اليمن”:”أن السلطة المحلية تسعى إلى تقليل هذه المخاطر من خلال توجيه العمال باتباع إجراءات السلامة الميدانية لتجنب الأمراض والعدوى، وأيضا عبر تنفيذ حملات توعية مستمرة حول كيفية التعامل مع النفايات، خاصة الطبية والحادة”.
أما فيما يتعلق بملف التثبيت الوظيفي، فتقول بصراحة: “لا يوجد أي تثبيت حتى الآن، رغم وجود وعود سابقة بتثبيت 1500 عامل، لكنها بقيت وعوداً لم تُنفذ على أرض الواقع”.

وعلى الرغم من الجهود التي تتحدث عنها الجهات الرسمية، يؤكد عمال وناشطون أن الواقع الميداني لا يزال يعكس فجوة كبيرة بين حجم المخاطر التي يواجهها العمال وبين مستوى الرعاية والدعم المقدم لهم.
انتظار الإنصاف
ويرى الباحث في الشؤون الاجتماعية، والمدير التنفيذي لمؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات بمحافظة لحج، صبري عفيف، أن قضية عمال النظافة “بحاجة إلى صحوة حكومية حقيقية”، ويقول: “ليس من المنطقي أن تحقق صناديق النظافة والتحسين إيرادات كبيرة، بينما لا يحصل العاملون فيها على حقوقهم الكاملة ويتعرضون للظلم”.
ويضيف أن المجتمع لم يستوعب بعد أهمية هذه الفئة في الحياة اليومية، مؤكداً ضرورة إنهاء النظرة الدونية تجاههم، باعتبارهم جزءاً أصيلاً من المجتمع.
ويرى مختصون أن تحسين أوضاع عمال النظافة لا يرتبط فقط بزيادة الرواتب، بل يحتاج إلى معالجة شاملة تشمل التثبيت، والحماية الصحية، والاستقرار الوظيفي، والتعليم، وإنهاء النظرة التمييزية التي تلاحق هذه الفئة منذ سنوات طويلة.
وبينما يواصل عمال النظافة أعمالهم اليومية في الشوارع والأحياء، تحت الشمس الحارقة وبين أكوام النفايات، تبقى معاناتهم بعيدة عن الضوء، رغم أن المدن التي تبدو نظيفة كل صباح تحمل في تفاصيلها بصمات أيدٍ أنهكها التعب والتهميش في انتظار إنصاف طال غيابه.

