الخميس, 25 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
طرُق

طرق سامع الجبلية.. مصيدة موت تحصد أرواح السكان

📅 يونيو 25, 2026

لا يكاد يمر عام في مديرية سامع بمحافظة تعز دون وقوع حادثة مأساوية على الطرق الجبلية الوعرة التي تربط عزلة جبل سامع وعزلة بني أحمد ومنطقة سربيت، بمديرية دمنة خدير، فهذه الطرق التي يفترض أن تكون شريان حياة للسكان، تحولت إلى مصدر خطر دائم يهدد أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

وبين المنحدرات السحيقة والمنعطفات الحادة، تواصل الطريق ابتلاع السيارات بين الحين والآخر، مخلفة ضحايا وجرحى، في ظل غياب أعمال التأهيل والحماية اللازمة، آخر تلك الحوادث التي شهدها نقيل المداهف انزلاق سيارة كانت تقل 10 أشخاص عائدين من السوق إلى منازلهم.

أخر تلك الحوادث تسببت بانزلاق إحدى السيارات في أحد المنعطفات الخطيرة قبل أن تتدحرج لمسافة طويلة عبر المدرجات الزراعية حتى استقرت في منطقة منخفضة، ما أسفر عن وفاة طفل يبلغ من العمر 13 عاماً ورجل مسن يبلغ من العمر 65 عاماً، إضافة إلى إصابة ثمانية أشخاص بجروح متفاوتة، نُقل بعضهم إلى العناية المركزة في أحد مستشفيات المحافظة.


مواضيع مقترحة


يقول عادل الأحمدي إن الطريق شقت خلال الربع الأول من ثمانينيات القرن الماضي بواسطة هيئة التطوير التعاوني في الحجرية، بتوجيهات من قيادات الهيئة حينها، موضحا أن المرحلة الأولى بدأت من الطريق الرئيسي المتجه إلى عزلة حوراء سامع مروراً بقرى سربيت وصولاً إلى عزلة بني أحمد، قبل أن تمتد في مرحلة لاحقة إلى عزلة جبل سامع.

وأضاف أن الأهالي في عزلتي بني أحمد والجبل لعبوا دورا رئيسيا في شق الطريق، كما ساهمت منظمات مجتمع مدني في رصف أجزاء منها بالتعاون مع السكان الذين بذلوا جهوداً كبيرة للتخفيف من معاناتهم التي لم تنته حتى اليوم.

40 عاماً من الانتظار

من جانبه، يقول عبد الرحمن عبدالودود عبدالجبار، وهو سائق من أبناء المنطقة، إن الطريق شُقت عام 1984م، وكان من المفترض أن تشهد خلال سنوات قليلة أعمال سفلتة أو رصف وإنشاء حمايات وعبارات مائية، لكن الى اليوم وبعد اكثر من اربعين عاما والطريق لا زالت لم تكتمل لا رصف ولا حماية، بل مازالت وكأنها شقت قبل سنوات قليلة فقط

ويؤكد أن أجيالا متعاقبة عاشت المعاناة ذاتها دون أن تستفيد من طريق آمنة أو خدمات حقيقية، مشيرا إلى أن أعمال الصيانة المحدودة التي تُنفذ بين الحين والآخر لا تلبث أن تتضرر قبل استكمال مراحلها التالية، ما أدى إلى تدهور أجزاء واسعة من الطريق وتعرضها للاعتداء والتضييق.

ويستذكر عبد الرحمن إحدى الحوادث التي وقعت بعد سنوات قليلة من شق الطريق، عندما سقطت سيارة من أحد المرتفعات الخطيرة، ما أدى إلى وفاة شخصين كانوا على متنها وإصابة آخرين وتدمير المركبة بالكامل.

ويقول إن سقوط السيارات أصبح أمرا متكررا على امتداد الطريق الرابط بين دمنة خدير وقمة جبل سامع، مضيفا: “لا تمر فترة طويلة إلا ونسمع عن حادث جديد، وبعض الحوادث تحصد أرواحا، بينما تنجو أخرى بأعجوبة بحسب طبيعة المنحدر ومكان السقوط”.

ويشير إلى أن كثرة حوادث سقوط السيارات جعلت بعض المواقع تعرف بأسماء أصحاب السيارات التي انقلبت فيها، في دلالة على حجم المآسي التي شهدتها الطريق على مدى العقود الماضية.

ويؤكد أن وعورة الطريق كانت حتى وقت قريب تمنع كثيراً من السيارات الحديثة من الوصول إلى المنطقة، لافتاً إلى أن العديد من أبناء العزلة والعزل المجاورة ما يزالون يتركون سياراتهم في المدن ويمتنعون عن استخدامها داخل مناطقهم خوفا من الأعطال المتكررة وتكاليف الصيانة المرتفعة.

وأضاف أن الطريق تسببت أيضاً في ارتفاع أجور النقل وأسعار الخدمات، رغم قرب المنطقة من سوق دمنة خدير. لافتا أن المعاناة تأتي من كل جانب، لكن المؤلم أن الحديث عن الطريق أكثر من العمل لأجلها، فيما تظل المبادرات الفاعلة محدودة، وتقتصر تدخلات الجهات الرسمية على أعمال جزئية متباعدة زمنياً لم تتمكن من معالجة المشكلة بشكل جذري.

ويرى أن تدهور الطريق كان أحد أسباب تأخر المنطقة تنموياً مقارنة بالعزل الأخرى، باعتبار الطرق أساس التنمية وشريان الحياة الرئيسي للسكان.

بدوره، يوضح محمد هائل عقلان، أحد شباب عزلة بني أحمد، أن أسباب الحوادث المتكررة تعود إلى غياب جدران الحماية في المنعطفات والمنحدرات الخطيرة، إضافة إلى ضيق الطريق في كثير من المواقع.

ويقول: “عندما تتقابل سيارتان، غالباً ما تضطر إحداهما إلى الرجوع للخلف لمسافة طويلة لإفساح المجال للأخرى، وفي حال ارتكب السائق أي خطأ بسيط فقد تنحرف السيارة نحو المنحدر”.

وأضاف أن بعض المواطنين يساهمون في تضييق الطريق من خلال وضع مخلفات البناء أو الأحجار على جوانبها، وفي بعض الحالات تتم توسعة منازل على حساب الطريق نفسها.

أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.

كما أشار إلى أن بعض السائقين يعتمدون أثناء النزول على استخدام المكابح بشكل مستمر بدلا من استخدام الجيرات المناسبة، ما يؤدي إلى فقدان السيطرة على المركبة في الطرق الجبلية شديدة الانحدار.

احتياجات الطريق

ويرى عقلان أن جعل الطريق أكثر أمانا يتطلب تنفيذ عدد من التدخلات الضرورية، أبرزها توسعة المقاطع الضيقة بما يسمح بمرور سيارتين في وقت واحد، وإنشاء جدران ساندة وحواجز حماية في المواقع الخطرة، إضافة إلى منع أي اعتداءات أو استحداثات تقلص عرض الطريق.

ويؤكد أن نجاح هذه الجهود يتطلب أيضاً تعاوناً مجتمعياً ووعياً بأهمية الحفاظ على الطريق باعتبارها مصلحة عامة تخدم الجميع، مناشدا الجهات الحكومية والمنظمات العاملة والصندوق الاجتماعي للتنمية التدخل العاجل لإصلاح الطريق وتأهيلها، ووضع حلول حقيقية تحمي أرواح السكان وممتلكاتهم، وتخفف من معاناة استمرت لعقود طويلة”.

وبين المنعطفات الخطيرة والحواجز الغائبة، تظل طرق سامع الجبلية شاهداً على معاناة يومية يعيشها آلاف السكان، الذين لا يطالبون بأكثر من طريق آمنة تحفظ أرواحهم وتربطهم بالعالم الخارجي.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.

ويشكل افتقار سكان الريف لشبكة الطرق تحديا كبيرا لتنمية المجتمعات هناك، وتحسين ظروف الحياة. وحتى الوقت الحالي، لم تُعبّد إلا ٣٧٤٤ كم من الطرق الريفية، وهذا لا يمثل سوى ٦.٤ في المائة من إجمالي شبكة الطرق و ٢١.٦ في المائة من إجمالي الطرق المُعبّدة بحسب دراسة نشرتها مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.