بدأ الأمر بألم بسيط وخفيف في ركبتيها، لكن مشقة السفر وعزلة قريتها في محافظة إب عن المدينة جعلت الخمسينية جميلة حمود تتجاهل الوجع وتتحامل عليه، حتى تحول إلى احتكاك مزمن في المفاصل ولم تعد تجدي معه العقاقير الطبية نفعا.
تقول جميلة لـ “ريف اليمن” إن حالتها الصحية باتت خير شاهد على واقع صحة المرأة الريفية التي أصبحت في مهب الريح، مؤكدة أن الأزمة لا تكمن في نقص الوعي بأهمية السلامة الجسدية والنفسية فحسب، بل في الغياب الشبه التام للمراكز الصحية المؤهلة في الأرياف.
تعكس قصة جميلة مأساة ممتدة لآلاف النساء في القرى الريفية في اليمن، اللاتي يواجهن أوجاعاً لا تنتهي جراء عادات وتقاليد مجتمعية مجحفة تُهمّش صحة المرأة، بالتوازي مع انهيار الخدمات الطبية الأساسية، لتظل قصص الصبر المرير عنواناً لمعاناة يومية تتجرعها نساء الريف بصمت.
مواضيع مقترحة
- كيف تكافح المرأة الريفية في اليمن لأجل العيش؟
- المرأة الريفية باليمن.. كيف خسرت خلال الحرب؟
- نساء الريف في شبوة: معاناة صامتة ووعي يتشكل ببطء
عذاب صامت
لا تتوقف معاناة المرأة الريفية عند حدود غياب المراكز الطبية، بل تمتد إلى أزمة الثقة في المنظومة المتاحة نتيجة التشخيصات الطبية المتناقضة إذ تؤكد “أم محمود القيسي”( 57 عاماً )، من قرية “ذي شرق” بمحافظة إب، إن تجربتها في العلاج دفعتها إلى العزوف عن العيادات والمستشفيات التي ترى أنها تزيدها حيرة وتشويشاً.
وتسرد أم محمود لـ “ريف اليمن” تجربتها القاسية عندما أُصيبت بحصوة في الحالب أعاقت عملية التبول، وتنقلت بين عدة أطباء قدم كل منهم تشخيصاً مغايراً للآخر، وصولاً إلى إقناع عائلتها بضرورة الخضوع لعملية جراحية عاجلة.
وتضيف: “رفضت إجراء العملية ولجأت إلى التداوي والتدابير الشعبية، وبالفعل خرجت الحصوة تلقائياً دون تدخل جراحي، وهي الحادثة التي كرست لديها ولدى كثير من نساء منطقتها قناعة بمقاطعة المراكز الطبية والاعتماد على الصدفة أو العلاج البديل.
وفي المقابل، تفجر العزلة الجغرافية والضغوط المعيشية أزمات نفسية حادة تُقابل بالتكتم والإهمال؛ إذ تروي بشرى (45عاماً)، من أرياف مديرية شرعب، كيف قادتها الضغوط الأسرية المتفاقمة إلى عارضة نفسية شديدة حرمتها من الأكل والنوم وعطلت حياتها الطبيعية.
وتقول بشرى: “كنت على وشك فقدان عقلي، فقد أهملت صحتي النفسية تماماً جراء غياب التوعية وبعد الأطباء الاختصاصيين عن منطقتي، ولم أتحرك لطلب المساعدة إلا بعد أن أخذ المرض مني مأخذه وضاعت سنوات من عمري في عذاب صامت”.
جميلة: الأزمة لا تكمن في نقص الوعي بأهمية السلامة الجسدية والنفسية فحسب بل في الغياب الشبه التام للمراكز الصحية في الأرياف
هذا الحصار الجسدي والنفسي يبلغ ذروته في ريف كوكبان، حيث تضطر القرى المتناثرة إلى الاعتماد على مركز صحي وحيد وبسيط الإمكانات. وفي الحالات الحرجة والمتعسرة، تضطر العائلات إلى استخدام “ظهور الحمير” أو الأكتاف البشرية كسفينة نجاة وحيدة لنقل المريضات عبر مسالك جبلية وعرة.
وتصف المعلمة أمة الوهاب المشقة بحسرة قائلة لـ “ريف اليمن”: المرأة الريفية تتحمل ألمها وتخفيه حتى لا تُحمل زوجها ومعيلها أعباءً مادية تفوق طاقته بسبب بعد المسافة، لكن المعاناة الحقيقية تبرز في رحلة الحوامل؛ فإذا تعسرت الولادة، تبدأ رحلة شاقة بين الحياة الموت على ظهور الحيوانات صعوداً وهبوطاً في الجبال لإنقاذ الأم وجنينها”.
وضمن حديثها ناشدة الجهات الحكومية والمنظمات الدولية بضرورة التدخل لإنشاء وحدات صحية ثابتة ومجهزة تنهي هذه المأساة المتكررة باستمرار.

شح الإمكانات
تؤكد اختصاصية طب النساء والولادة، الدكتورة فايزة أحمد ناجي، أن المؤشرات الصحية للمرأة الريفية شهدت تدهوراً غير مسبوقا خلال السنوات الأخيرة جراء تداعيات الحرب الراهنة، محذرة من أن غياب المراكز الصحية الريفية المؤهلة والكوادر الكفوءة يضع حياة الأمهات في مهب الريح.
وتقول ناجي لـ “ريف اليمن” إن غياب الرعاية الدورية يعرض الحوامل لمضاعفات خطيرة كارتفاع ضغط الدم الحملي والنزيف الحاد، مما يهدد سلامة الأم والجنين معاً، مستشهدة بالحالات الحرجة التي تستقبلها في عيادتها بالعاصمة صنعاء لقادمات من ريف محافظة عمران.
وتتابع: “عندما نسأل المريضات عن أسباب إهمال صحتهن، يتبين أن القيود والعادات الاجتماعية، ورفض الأسر لفكرة التبكير في طلب العلاج، تشكل عائقاً أساسياً يحرمهن من الوصول إلى الطبيب المختص”.
منوهة أن ملف تغذية المرأة الريفية بات من القضايا المنسية؛ إذ تفتقر معظم الأسر في الأرياف للغذاء الصحي السليم، ما ينعكس سلباً على القدرة الجسدية للمرأة ومناعتها الإنجابية.
تجدر الإشارة إلى أن الفجوة الحادة حوّلت التدخلات الإغاثية الدولية والمحلية إلى ضرورة ملحة، غير أنها تظل تواجه انتقادات بنيوية تتعلق بآلية عملها.
توضح مسؤولة المرأة في منظمة FOR Human Development، نعمة المشولي، أن المنظمات تلعب دوراً حيوياً في تقديم الرعاية الإنجابية، ودعم القابلات، والتوعية الصحية، إلى جانب التدخلات التغذوية، مستدركة بأن هذه الجهود تظل عاجزة عن تغطية الاحتياج الهائل في المناطق النائية.
وتكشف المشولي لـ “ريف اليمن” -انطلاقاً من تجربتها الميدانية في مديرية حيس- عن خلل هيكلي في سياسة الدعم الإنساني، قائلة: “المنظمات غالباً ما تنظر إلى صحة المرأة من زاوية المشاريع المحددة زمنياً والمقيدة بتمويل مؤقت، وليس كقضية استراتيجية تتطلب بناء نظام صحي مستدام.
مدهش: المرأة الريفية تُمثل الركيزة الأساسية للمجتمع ومع ذلك لا تزال صحتها النفسية والجسدية تدفع فاتورة الإهمال
مشيرة أن التركيز يرتكز في كثير من الأحيان على مؤشرات إنجاز كمية وسريعة، مثل عدد المستفيدات، دون معالجة الجذور العميقة للأزمة كبعد المسافات، وضعف الوعي، والعادات الاجتماعية”.
كما أكدت أن النهوض بصحة المرأة الريفية يتطلب التحول نحو تدخلات مستدامة تشمل تحسين البنية التحتية الصحية، وتأهيل الكوادر المحلية الثابتة بدلاً من الحملات المؤقتة، لافتة إلى أن الحل يكمن في صياغة شراكة طويلة الأمد تضع المرأة في قلب العملية الصحية كعنصر فاعل، وليس مجرد مستفيدة عابرة ضمن مشروع ينتهي بانتهاء تمويله.
نظرة قاصرة
يفكك الباحث والمختص بشؤون المرأة الريفية، تميم مدهش، الأبعاد الثقافية والاقتصادية للأزمة، مشيراً إلى أن المرأة الريفية تُمثل الركيزة الأساسية للمجتمع باعتبارها أماً ومربية وعاملاً حيوياً يدعم اقتصاد الأسرة وسياقها الاجتماعي، ومع ذلك، لا تزال صحتها النفسية والجسدية تدفع فاتورة إهمال مركب ناتج عن تشابك العوامل الثقافية والمعيشية.
وأوضح مدهش لـ “ريف اليمن” أن المعضلة الأساسية تكمن في النظرة المجتمعية السائدة، قائلاً: “غالباً ما يُنظر إلى المرأة في الريف عبر منظور ‘العنصر الخدمي’ داخل المنظومة الأسرية؛ حيث ينصب التركيز والتقدير على قدرتها المستمرة على بذل الجهد والعطاء اليومي الشاق.
لافتا أنه مع ما تبذله من جهود يتم تجاهل سلامتها النفسية تماماً، ويُرجأ علاجها الجسدي ولا يتم الالتفات إليه إلا في الحالات الطارئة جداً أو عند وصولها لمرحلة العجز التام عن العمل.
ويؤكد مدهش أن تدهور المؤشرات الصحية للمرأة الريفية هو نتاج مباشر لثلاثية ضعف الوعي الصحي الوقائي لدى الأسرة، والعادات والتقاليد الثقافية التي تُهمّش جسد المرأة وعقلها، فضلاً عن رداءة الخدمات الطبية وعامل البُعد الجغرافي للمراكز القائمة.
ويخلص أن الارتقاء بالواقع الصحي للمرأة الريفية يقتضي تبني استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الترقيعية، وتستند إلى توفير مراكز صحية قريبة ومجهزة بنيوياً، وتدريب كوادر طبية محلية مؤهلة للتعامل مع احتياجات النساء، بالتوازي مع إطلاق حملات توعوية مكثفة.

